Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ فِ اللَّيْلِ سَاعَةً، يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ - حديث رقم (١٧٧٠)
الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ: ((إِنَّ فِي
اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللهَ خَيْراً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا
أَعْطَاهُ إِيَّهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط، تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا الكلام على لطائف الإسناد
مضی قريباً .
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) رَتُهُ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ: ((إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً)
منصوب على أنه اسم مؤخّراً، وخبرها الجارّ والمجرور مقدّماً، واللام للتأكيد،
وأنها كساعة الجمعة، وليلة القدر؛ لأجل أن يجتهد الشخص جميع الليل، ولا
يقتصر على العبادة في وقت دون وقت (لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ) ومثله امرأة
مسلمة، وهذه الجملة صفةٌ لـ((ساعةً))؛ أي: لساعةً من شأنها أن يُتَرَقّب لها،
وتغتنم الفرصة لإدراكها؛ لأنها من نفحات ربّ رؤوف رحيم، وهي كالبرق
الخاطف، ((فمن وافقها؛ أي: تعرّض لها، واستغرق أوقاته مترقّباً لِلَمَعَانها،
فوافقها قُضِي وَطَرُهُ))، قاله طيبيُّ ◌َثُ.
قال الجامع عفا الله عنه: وفي تشبيهه بالبرق الخاطف نظرٌ؛ إذ ليس في
النصّ ما يُفيد ذلك، وإنما غاية ما دلّ عليه مطلق القلّة، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (يَسْأَلُ اللَ) أي: فيها، والجملة صفة ثانية لـ((رجلٌ))، أو حال منه
(خَيْراً) نكّره؛ لإفادة التعميم؛ أي: أيّ خير كان، كثيراً أو قليلاً، ولذا قال:
(مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّهُ) الظاهر أنه يُعطيه عين ما سأل حقيقةً،
فيكون هذا الخصوصيّة تلك الساعة، ويَحْتَمِلُ أن يكون يُعطى ما سأله حكماً،

٦٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وذلك بادّخارها في الآخرة، أو بصرف السوء عنه؛ لما أخرجه الإمام أحمد في
(مسنده)) بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َه ◌ُبه أن النبيّ وَّ قال: ((ما من
مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها إثم، ولا قطيعة رَحِم إلا أعطاه الله بها إحدى
ثلاث: إما أن تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يُدَّخَرها له فيّ الآخرة، وإما أن يُصْرَف
عنه من السوء مثلُها))، قالوا: إذاً نكثرُ، قال: ((الله أكثر)).
(وَذَلِكَ) أي: المذكور من ساعة الإجابة (كُلَّ لَيْلَةٍ)) بالنصب على الظرفيّة
متعلّق بخبر اسم الإشارة، يعني أن وجود تلك الساعة لا يختصّ ببعض الليالي
دون بعض، بل هو ثابتٌ ومستمرّ في كلّ ليالي السنة، فينبغي تحرّي تلك
الساعة ما أمكن كلَّ ليلة.
قال القرطبيُّ تَخُّهُ: هذه الساعة هي التي يُنادي فيها المنادي: ((من
يسألني فأعطيه ... )) الحديث، وهي الثلث الأخير من الليل إلى أن يطلع
الفجر، كما يأتي. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر الحديث يدلّ على أن تلك الساعة تعمّ كلَّ
أجزاء الليل، ولكن الأولى طلبها في النصف الثاني منه؛ لأنه أرجى أجزاء
الليل لقبول الدعاء؛ لما أخرجه الترمذيّ، وحسّنه، عن أبي أمامة ◌ُته قال:
قيل: يا رسول الله أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل الآخر، ودبر
الصلوات المكتوبات)».
فإن تيسّر طلبها في جميع النصف الثاني فذاك، وإلا فلتُطلَب في الثلث
الأخير منه؛ لحديث أبي هريرة ◌َظُبه، مرفوعاً: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلة
إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير ... ))، وفيه: ((حتى ينفجر
الفجر))، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظه هذا من أفراد المصنّف تَّلهُ .
(١) ((المفهم)) ٣٨٦/٢.

٦٢٣
(٢٥) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ فِي اللَّيْلِ سَاعَةً، يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ - حديث رقم (١٧٧١)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧٧٠ و١٧٧١] (٧٥٧)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣١٣/٣ و٣٣١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٢٨١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٥٦١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٨٩/٢ و٢٩٠)، و(أبو نعيم)
في (مستخرجه)) (١٧٢٠ و١٧٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه إثباتَ ساعة الإجابة في كلّ ليلة.
٢ - (ومنها): أنه يتضمّن الحثّ على الدعاء في جميع ساعات الليل رجاء
مصادفتها، قاله النوويُّ.
٣ - (ومنها): بيان ما منّ الله رَ على عباده حيث جعل لهم ساعة
يستجيب فيها دعواتهم، ويُعطيهم رغباتهم، فله الحمد والمنّة، ومنه الفضل
والنعمة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٧٧١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي (١) سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ،
حَدَّثَنَا مَعْقِلُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ
سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللهَ خَيْراً، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلّهم تقدّموا قبل باب.
وقوله: (إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ) ((من)) فيه للتبعيض، أو هي بمعنى ((في))، كما
تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٦٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(٢٦) - (بَابُ بَيَانِ نُزُولِ الرَّبّ ◌َتْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ،
وَالتَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٧٢] (٧٥٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْأَغَرِّ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: (يَنْزِلُ (١) رَبُّنَا تَبَارََكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ
الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ؟، وَمَنْ
يَسْأَلُنِي فَأُعْطِبَهُ؟، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ؟))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء
النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو
عبد الله، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب
القرشيّ الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقة ثبت حافظ إمام مشهور، رأس [٤]
(ت١٢٥) أو قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٤ - (أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَغَرُّ) هو: سلمان الْجُهنيّ المدنيّ، أصبهانِيّ الأصل،
ثقةٌ، من كبار [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٩/٥٣.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
مكثرٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
(١) وفي نسخة: ((يتنزّل)).

٦٢٥
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َقُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٢)
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة تظله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤)
حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْأَغَرِّ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي رواية
عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو
عبد الله الأغرّ، صاحب أبي هريرة، أن أبا هريرة أخبرهما، وفي رواية يحيى بن
أبي كثير عند المصنّف، وهي التالية: ((حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن)) (عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَالَ: ((يَنْزِلُ) وفي بعض النسخ: (يَتنزّل))
(رَبُّنَا) أي: نُزولاً يليق بجلاله، فهو نزولٌ حقيقيّ على الكيفيّة التي يعلمها تُعََّ،
فلا نكيّف، ولا نُعطّل، ولا نحرّف، بل نؤمن بذلك كما أخبر النبيّ وَّر به في
هذا الحديث الصحيح، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن
شاء الله تعالى -.
وقال في ((الفتح)): استَدَلَّ به من أثبت الجهة، وقال: هي جهة العلوّ،
وأنكر ذلك الجمهور؛ لأن القول بذلك يُفْضِي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد بالجمهور جمهور المتكلّمين، فمسلّم،
وإلا فلا، فإن مذهب السلف في ذلك - وهو الحقّ - إثبات العلوّ لله تعالى على
ما يليق بجلاله، كما سيأتي تحقيقه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
قال: وقد اختُلِف في معنى النزول على أقوال:

٦٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
فمنهم: من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبِّهة، تعالى الله عن
قولهم.
ومنهم: من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملةً، وهم الخوارج
والمعتزله، وهو مكابرةٌ، والعجب أنهم أوَّلُوا ما في القرآن من نحو ذلك،
وأنكروا ما في الحديث، إما جهلاً، وأما عناداً.
ومنهم: من أجراه على ما ورد، مؤمناً به على طريق الإجمال، مُتَزِّهاً الله
تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقيّ وغيره عن
الأئمة الأربعة، والسفيانين، والحمادين، والأوزاعيّ، والليث، وغيرهم.
ومنهم: من أوّله على وجه يَلِيق، مستعملٍ في كلام العرب، ومنهم من
أفرط في التأويل، حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف، ومنهم من فَصَّل
بين ما يكون تأويله قريباً مستعملاً في كلام العرب، وبين ما يكون بعيداً
مهجوراً، فأوَّل في بعض، وفَوَّض في بعض، وهو منقول عن مالك، وجزم به
من المتأخرين ابن دقيق العيد، قال البيهقيّ: وأسلمها الإيمان بلا كيف،
والسكوت عن المراد، إلا أن يرد ذلك عن الصادق، فيصار إليه، ومن الدليل
على ذلك اتفاقُهم على أن التأويل المعيَّن غير واجب، فحينئذ التفويض
أسلم(١) .
ثم ذكر عن ابن العربيّ تأويلاً تركت ذكره؛ لأنه مما لا ينبغي الاشتغال
به؛ لمخالفته ظواهر النصوص، ولما ثبت عن السلف ، على ما سيأتي بيانه
في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
ثم قال: وقد حَكَى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم
أوله، على حذف المفعول؛ أي: يُنْزِل ملكاً، ويقويه ما رواه النسائيّ من طريق
الأغرّ، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، بلفظ: ((إن الله يُمْهِل حتى يَمْضِي شطر
الليل، ثم يأمر منادياً يقول: هل من داع، فيستجاب له ... )) الحديث.
وفي حديث عثمان بن أبي العاص: ((ينادي منادٍ: هل من داع يستجاب
له ... )) الحديث.
(١) ((الفتح)) ٥٤٨/٣ - ٥٤٩.

٦٢٧
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َثُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٢)
قال القرطبيّ كَثّثُ: وبهذا يرتفع الإشكال، ولا يعكُر عليه ما في رواية
رفاعة الجهنيّ: ((ينزل الله إلى السماء الدنيا، فيقول: لا يسأل عن عبادي
غيري))؛ لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور.
قال الجامع عفا الله عنه: كيف لا يعكر عليه؟، فالأولى والأوجه الجمع
بأنه رَّك يأمر منادياً ينادي، ثم ينادي هو، كما هو سنته في غير ذلك، فإنه إذا
شاء كلّم من يشاء من عباده، كما وقع لموسى ظلّ*، وغيره، وإذا شاء أمر من
يكلّمه من الملائكة، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
ثم نقل عن البيضاويّ تأويلاً من جنس ما ذكره ابن العربيّ، تركت ذكره؛
لما أسلفته هناك.
والحاصل أن الحقّ هو ما ذهب إليه السلف
قال الإمام ابن
ـة ،
حبّان ◌َخَذَتُهُ: صفات الله - جل وعلا - لا تُكَيّف، ولا تقاس إلى صفات
المخلوقين، فكما أن الله جل وعلا متكلمٌ من غير آلة، بأسنان ولَهَوَات ولسان
وشفة، كالمخلوقين - جل ربنا وتعالى - عن مثل هذا وأشباهه، ولم يجز أن
يقاس كلامه إلى كلامنا؛ لأن كلام المخلوقين لا يوجد إلا بآلات، والله - جل
وعلا - يتكلم كما شاء بلا آلة كذلك ينزل بلا آلة، ولا تحرُّك ولا انتقال من
مكان إلى مكان، وكذلك السمع والبصر، فكما لم يجز أن يقال: الله يبصر
كبصرنا بالأشفار والحدق والبياض، بل يبصر كيف يشاء بلا آلة، ويسمع من
غير أذنين وسماخين والتواء وغضاريف فيها، بل يسمع كيف يشاء بلا آلة،
وكذلك ينزل كيف يشاء بلا آلة، من غير أن يقاس نزوله إلى نزول المخلوقين،
كما يُكَيَّف نزولهم جل ربنا وتقدس من أن تُشَبَّه صفاته بشيء من صفات
المخلوقين. انتهى كلام ابن حبّان كَّتُهُ، وهو تحقيق حسنٌ.
والحاصل أن مذهب السلف في هذه المسألة هو الحقّ الذي لا جدال
فيه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، وهو قوله:
(كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) أي: القريبة من الأرض (حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ) بضمّ
اللام، وسكونها، وفيه لغة ثالثة، وهي الثَّلِيث بفتح، فكسر، وهكذا تأتي اللغات
الثلاث إلى العُشُر، والْعُشْر، والْعَشِير (اللَّيْلِ الْآخِرُ) بالرفع صفة لـ((ثلثُ)).

٦٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال في ((الفتح)): ولم تَخْتَلِف الروايات عن الزهريّ في تعيين الوقت،
واختَلَفت الروايات عن أبي هريرة وغيره، قال الترمذيّ: رواية أبي هريرة أصحّ
الروايات في ذلك، ويُقَوِّي ذلك أن الروايات المخالفة اختُلِف فيها على
رُواتها. انتهى.
[تنبيه]: اختَلَفت الروايات في تعيين وقت النزول على ستّة:
[إحداها]: هذه الرواية التي فيها: ((حين يبقى ثلث الليل الآخر))، قال
الإمام الترمذيُّ تَخْثُهُ: هذا أصحّ الروايات في ذلك، وقال الحافظ العراقيُّ رَّتُهُ:
أصحّها ما صحّحه الترمذيّ، وقال الحافظ تَخُّ: ويُقوّي ذلك أن الروايات
المخالفة له اختُلِف فيها على رُواتها .
[الثانية]: ((حين يمضي الثلث الأول))، وهي الرواية التالية للمصنّف.
[الثالثة]: ((حين يبقى نصف الليل الآخر))، وفي لفظ: ((إذا كان شطر
الليل))، وفي آخر: ((إذا مضى شطر الليل)).
[الرابعة]: ((ينزل الله تعالى شطر الليل، أو ثلث الليل الآخر)) على
الشكّ، أو التنويع.
[الخامسة]: ((إذا مضى نصف الليل، أو ثلث الليل)) أي: الأول، وفي
لفظ: ((إذا ذهب ثلث الليل، أو نصفه)).
[السادسة]: الإطلاق.
فسَلَك بعضهم طريق الجمع، وذلك أن تُحمَل الروايات المطلقة على
المقيدة، وأما التي بـ((أو))، فإن كانت ((أو)) للشك، فالمجزوم به مقدَّمٌ على
المشكوك فيه، وإن كانت للتردد بين حالين، فيُجْمَع بذلك بين الروايات، بأن
ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال؛ لكون أوقات الليل تختلف في الزمان،
وفي الآفاق، باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم، وتأخره عند قوم.
وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون النزول يقع في الثلث الأول، والقول يقع
في النصف، وفي الثلث الثاني.
وقيل: يُحْمَل على أن ذلك يقع في جميع الأوقات التي وردت بها
الأخبار، ويُحْمَل على أن النبيّ ◌َّ أُعلِم بأحد الأمور في وقت، فأَخبَر به، ثم

٦٢٩
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٢)
أُعلم به في وقت آخر، فأخبر به، فنَقَلَ الصحابة ذلك عنه، والله أعلم.
(١)
انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب عندي أن يُحْمَل على اختلاف
الأوقات، قال الإمام ابن حبّان ◌َُّ في (صحيحه)) (٢٠١/٣) ما نصّه: في خبر
مالك، عن الزهريّ الذي ذكرناه أن الله ينزل حتى يبقى ثلث الليل الآخر، وفي
خبر أبي إسحاق، عن الأغرّ، أنه ينزل حتى يذهب ثلث الليل الأول، ويَحْتَمِلُ
أن يكون نزوله في بعض الليالي حتى يبقى ثلث الليل الآخر، وفي بعضها حتى
يذهب ثلث الليل الأول، حتى لا يكون بين الخبرين تهاترٌ ولا تضادٌ.
انتهى(٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(فَيَقُولُ: مَنْ) استفهاميّة مبتدأ، خبره جملة قوله: (يَدْعُونِي) وقوله:
(فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟) بالنصب على جواب الاستفهام، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
ويجوز رفعه على الاستئناف بتقدير مبتدأ؛ أي: فأنا أستجيب له، وكذا
قوله: ((فأعطيه))، و((أغفِر له))، وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى
يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ﴾ الآية [الحديد: ١١]، وليست السين في قوله
تعالى: ((فأستجيب)) للطلب، بل أستجيب بمعنى أُجيب، وذلك لتحوُّل الفاعل
إلى أصل الفعل، نحو استحجرَ الطينُ.
[فإن قلت]: ليس في وعد الله خُلْفٌ، وكثيرٌ من الداعين لا يُستجاب لهم.
[أجيب]: إنما ذاك لوقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء، مثل
الاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو لاستعجال الداعي، أو يكون
الدعاء بإثم، أو قطيعة رَحِم، أو تحصل الإجابة ويتأخر حصول المطلوب إلى
وقت آخر، يريد الله وقوع الإجابة فيه، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، أفاده
في ((العمدة)(٣).
(١) ((الفتح)) ٣٨/٣.
(٢) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٢٠٢/٣.
(٣) ((عمدة القاري)) ٧/ ٢٠١.

٦٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟) بالنصب، والرفع على ما سبق بيانه.
(وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟))) قال في ((الفتح)): لم تختلف الروايات على
الزهريّ في الاقتصار على الثلاثة المذكورة، وهي الدعاء، والسؤال،
والاستغفار، والفرق بين الثلاثة أن المطلوب إما لدفع المضارّ، أو جلب
المسارّ، وذلك إما دينيّ، وإما دنيويّ، ففي الاستغفار إشارة إلى الأول، وفي
السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث.
وقال الكرمانيُّ كَّلُ: يَحْتَمِل أن يقال: الدعاء ما لا طلب فيه، نحو
يا الله، والسؤال: الطلب، وأن يقال: المقصود واحد، وإن اختلف اللفظ.
انتھی.
وقال الكرماني [فإن قلت]: ما الفرق بين الدعاء والسؤال؟.
[قلت]: المطلوب إما لدفع غير الملائم، وإما لجلب الملائم، وذلك إما
دنيويّ، وإما دينيّ، فالاستغفار، وهو طلب ستر الذنوب إشارة إلى الأول،
والسؤال إلى الثاني، والدعاء إلى الثالث، والدعاء ما لا طلب فيه، نحو قولنا:
يا الله، يا رحمن، والسؤال هو الطلب، والمقصود واحد، واختلاف العبارات
لتحقيق القضية وتأكيدها. انتهى (١).
وزاد في رواية أحمد: ((هل من تائب، فأتوبَ عليه))، وزاد في رواية له
أيضاً: ((من ذا الذي يسترزقني، فأرزقَهُ، من ذا الذي يستكشف الضرَّ، فأكشف
عنه))، ومعانيها داخلة فيما تقدم. انتهى (٢).
وأخرج أحمد، والدارميّ من طريق عطاء مولى أم صُبَيّة، عن أبي
هريرة ظه، قال: سمعت رسول الله وَّله يقول: ((لولا أن أشُقّ على أمتي
لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخّرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأول،
فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول، هَبَطَ الله تعالى إلى السماء الدنيا، فلم يزل
هناك حتى يطلع الفجر، فيقول قائل: ألا سائلٌ يُعطَى، ألا داع يجاب، ألا
سقيمٌ يَستَشْفِي فيشفى، ألا مذنبٌ يستغفر، فيغفر له))، وأخرجهًا أيضاً بسند
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٠١/٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٨/٣.

٦٣١
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ وَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٢)
صحيح، من حديث عليّ رَظُه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧٧٢/٢٦ و١٧٧٣ و١٧٧٤ و١٧٧٥ و١٧٧٦
و١٧٧٧ و١٧٧٨] (٧٥٨)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١١٤٥) و((الدعوات))
(٦٣٢١) و((التوحيد)) (٧٤٩٤)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣١٥ و٤٣٣٣)،
و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٤٤٦) و((الدعوات)) (٣٤٩٨)، و(النسائيّ) في ((عمل
اليوم والليلة)) (٤٨٠)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٣٦٦)، و(مالك) في
(الموظّأ)) (٢١٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٧/٢ و٢٨٢ و٤١٩ و٤٣٣
و٤٨٧)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (١٢٧ و١٣٠)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٩٢٠)، و(اللالكائيّ) في ((شرح السنّة)) (٤٣٥/٣ و٤٣٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/٣) و((الأسماء والصفات)) (٤٤٩)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة ثلث الليل الآخر.
٢ - (ومنها): إثبات صفة النزول لله وإنّ على ما يليق بجلاله، من غير
تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف، بل على ما يليق بجلاله.
٣ - (ومنها): بيان سعة فضل الله رگ، وعظیم کرمه، حیث یُقبل علیھم،
وينادي هل من سائل؟، هل من داع؟، هل من مستغفر؟، سبحانك ما أوسع
فضلك، وأكثر جودك.
٤ - (ومنها): أن فيه التحريضَ على عمل الطاعة، والإشارةَ إلى جزيل
الثواب عليها .
٥ - (ومنها): أن الحكمة في تخصيصه بالليل، وبالثلث الأخير منه؛
لكونه وقت التهجّد، وغفلة الناس عن التعرّض لنفحات رحمة الله ◌ُعَلَ، فعند

٦٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ذلك تكون النيّة خالصةً، والرغبة إلى الله تعالى وافرةً، وذلك مظنّة القبول
والإجابة.
٦ - (ومنها): أن فيه تفضيلَ صلاة آخر الليل على أوله، وتفضيل تأخير
الوتر، لكن ذلك في حقّ من طَمِعَ أن ينتبه، كما سبق في حديث جابر ◌َُّه قبل
بابین.
٧ - (ومنها): أن آخر الليل أفضل للدعاء، والاستغفار، ويشهد له قوله
تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وأن الدعاء في ذلك الوقت
مجاب، ويدلّ لها ما أخرجه الترمذيّ بسند صحيح، عن أبي أمامة تَظُه قال:
قيل: يا رسول الله أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل الآخر، ودبر
الصلوات المكتوبات)).
ولا يُعْتَرض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين؛ لأن سبب التخلف
وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء، كالاحتراز في المطعم والمشرب
والملبس، أو تحصل الإجابة، ويتأخّر وجود المطلوب؛ لمصلحة العبد، أو
لأمر یریده الله .
والحاصل أن الإجابة ليس معناها أن يُعطَى الداعي عين ما سأله، وإنما
معناها أن يُعطيه الله تعالى ما هو أصلح له في الدنيا والآخرة، سواء كان عين
ما سأل، أو خيراً من ذلك، من جلب نفع، أو دفع ضُرّ، ويدلّ على ذلك ما
أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، عن جُبير بن نُفير، أن عبادة بن الصامت
حدثهم، أن رسول الله وَ الر قال: ((ما على الأرض مسلم، يدعو الله بدعوة، إلا
آتاه الله إياها، أو صَرَف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة
رحم))، فقال رجل من القوم: إذاً نكثرُ، قال: ((الله أكثر))، قال الترمذيّ:
حديث حسن صحيح غريب.
وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ رَظُله أن
النبيّ ◌َّ قال: ((ما من مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا
أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يَدَّخِرها له في
الآخرة، وإما أن يَصْرِف عنه من السوء مثلها))، قالوا: إذاً نكثرُ، قال: ((الله
أکثر)) .

٦٣٣
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٢)
وخلاصة القول: أن الأدب للعبد أن يسأل ربّه، موقناً بالإجابة، ثم يرضى
بما يختار له من نوع الإجابة؛ لأنه ربك أعلم بمصالح عباده، فقد يكون ما سأله
مما يعود ضرره عليه، إما في دينه، أو دنياه؛ لأنه لا يعلم شيئاً من مصالح
الدنيا والآخرة، وإنما عِلم ذلك إلى الله تعالى وحده، قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمّ وَعَسَى أَن تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في إتمام ما سبق من البحث في مسألة النزول،
ولنذكر ما حقّقه الإمام الحافظ المحقّق أبو عمر بن عبد البرُّ في كتابه
((التمهيد))، فإن فيه الكفاية :
قال ◌َخْذُهُ: وأما قوله ◌َ له في هذا الحديث: ((ينزل تبارك وتعالى إلى سماء
الدنيا))، فقد أكثر الناس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة، أنهم
يقولون: ينزل كما قال رسول الله وَ له، ويُصَدِّقون بهذا الحديث، ولا يُكَيِّفون،
والقول في كيفية النزول، كالقول في كيفية الاستواء، والمجيء، والحجةُ في
ذلك واحدة.
وقد قال قوم من أهل الأثر أيضاً: إنه ينزل أمره، وتنزل رحمته، ورُوي
ذلك عن حبيب، كاتب مالك وغيره، وأنكره منهم آخرون، وقالوا: هذا ليس
بشيء؛ لأن أمره ورحمته لا يزالان ينزلان أبداً، في الليل والنهار، وتعالى
الملك الجبار الذي إذا أراد أمراً قال له: كن فيكون، في أيّ وقت شاء،
ويختص برحمته من يشاء متى شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال.
وقد رَوَى محمد بن علي الجبليّ، وكان من ثقات المسلمين بالقيروان،
قال: حدّثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدّثنا مطرِّف، عن مالك بن أنس،
أنه سئل عن الحديث: ((إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا))، فقال مالك:
يتنزل أمره، وقد يَحْتَمِل أن يكون كما قال مالك، على معنى أنه تتنزل رحمته،
وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك من أمره؛ أي: أكثر ما يكون ذلك في ذلك
الوقت، والله أعلم، ولذلك ما جاء فيه الترغيب في الدعاء.
وقد رُوي من حديث أبي ذرّ رُه أنه قال: يا رسول الله؛ أي الليل
أسمع؟ قال: ((جوف الليل الغابر))، يعني الآخر، وهذا على معنى ما ذكرنا،

٦٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ويكون ذلك الوقت مندوباً فيه إلى الدعاء، كما نُدِب إلى الدعاء عند الزوال،
وعند النداء، وعند نزول غيث السماء، وما كان مثله من الساعات المستجاب
فيها الدعاء، والله أعلم.
وقال آخرون: ينزل بذاته، ثم أخرج بسنده عن نعيم بن حماد قال:
حديث النزول يردّ على الجهمية قولهم، قال: وقال نعيم: ينزل بذاته، وهو
على كرسيه، قال أبو عمر: ليس هذا بشيء عند أهل الفهم، من أهل السنة؛
لأن هذا كيفية، وهم يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يُحاط به عياناً،
وقد جلّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا
بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان
رسوله وَ﴾، فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
قال أبو عمر: أهل السنة مُجمِعون على الإقرار بالصفات الواردة كلِّها في
القرآن والسنة، والإيمانِ بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم
لا يُكَيِّفون شيئاً من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفةً محصورةً، وأما أهل البدع،
والجهمية، والمعتزلة كلَّها، والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يَحْمِل شيئاً منها
على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مُشَبِّهٌ، وهم عند من أثبتها نافون
للمعبود، والحقُّ فيما قاله القائلون بما نَطَقَ به كتاب الله تعالى، وسنة
رسوله صل﴾، وهم أئمة الجماعة، والحمد لله.
رَوَى حرملة بن يحيى، قال: سمعت عبد الله بن وهب يقول: سمعت
مالك بنٍ أنس يقول: مَن وصف شيئاً من ذات الله مثل قوله: ﴿وَقَالَتِ اُلْهُودُ يَدُ
اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فأشار إلى عينيه، أو أذنه، أو شيئاً من بدنه قُطِعَ ذلك
منه؛ لأنه شَبَّهَ الله تعالى بنفسه، ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء
حين حَدَّث أن النبيّ وَّ قال: ((لا يُضَحَّى بأربع من الضحايا))، وأشار
البراء ظُه بيده، كما أشار النبيّ ◌َ* بيده، قال البراء: ويدي أقصر من يد
رسول الله ◌َ، فكره البراء به أن يصف رسول الله وَل﴾ إجلالاً له، وهو
مخلوق، فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء؟ .

٦٣٥
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٢)
قال: وقال سحنون: من العلم بالله الجهل بما لم يُخْبِر به عن نفسه،
قال: وهذا الكلام أخذه سحنون، عن ابن الماجشون، قال: أخبرني الثقة، عن
الثقة، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لقد تكلم مُطَرِّف بن عبد الله بن
الشِّخِّير على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله، ولا يقال بعده، قالوا: وما هو يا
أبا سعيد؟ قال: قال: الحمد لله الذي من الإيمان به الجهل بغير ما وَصَفَ من
نفسه .
وأخرج أيضاً عن سحنون بن منصور(١)، قال: قلت لأحمد بن حنبل:
((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء
الدنيا))، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ ويَرَى أهل الجنة ربهم، وبحديث: ((لا
تقبحوا الوجوه، فإن الله خلق آدم على صورته))، و((اشتكت النار إلى ربها حتى
يضع الله فيها قَدَمه))، وأن موسى ظلَّا لَظَمَ ملك الموت - صلوات الله عليه -؟
قال أحمد: كلُّ هذا صحيح، وقال إسحاق: كلُّ هذا صحيح ولا يَدَعُه إلا
مبتدع، أو ضعيف الرأي.
قال أبو عمر تَغُّْهُ: الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر، في هذه
المسألة، وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبيّ وَلّ فيها، والتصديق بذلك،
وترك التحديد والكيفية في شيء منه.
ثم أخرج بسنده عن أحمد بن نصر، أنه سأل سفيان بن عيينة، قال:
حديث عبد الله: ((إن الله وَك يجعل السماء على إصبع))، وحديث: ((إن قلوب
بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن))، و((إن الله يَعْجَب، أو يضحك ممن
يذكره في الأسواق))، وأنه رحمك ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، ونحو هذه
الأحاديث؟ فقال: هذه الأحاديث نَرْوِيها، ونُقِرّ بها كما جاءت، بلا كيف.
وأخرج أيضاً عن الوليد بن مسلم، قال: سألت الأوزاعيّ، وسفيان
الثوريّ، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي جاءت في
الصفات، فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف.
قال: وذكر عباس الدُّوريّ، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من ((إسحاق بن منصور))، فليُحرّر.

٦٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
زكريا بن عديّ سأل وكيع بن الجراح، فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث،
يعني مثل الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا؟ فقال: أدركت إسماعيل بن أبي
خالد، وسفيان، ومِسْعَراً، يحدثون بهذه الأحاديث، ولا يفسرون شيئاً، قال
عباس بن محمد الدُّوريّ: وسمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذُكِر له عن
رجل من أهل السنة، أنه كان يقول: هذه الأحاديث التي تُرْوَى في الرؤية،
والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وأن جهنم لتمتلىء،
وأشباه هذه الأحاديث، وقالوا: إن فلاناً يقول: يقع في قلوبنا أن هذه
الأحاديث حقّ، فقال: ضَعَّفتم عندي أمره، هذه الأحاديث حقّ لا شك فيها،
رواها الثقات، بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث
لم نفسرها، ولم نذكر أحداً يفسرها .
قال الجامع عفا الله عنه: المراد بالتفسير الذي نفوه هو التفسير الذي
يؤدّي إلى التشبيه بالمخلوق، لا تفسير معناها اللغويّ على المعنى الذي يليق
بجلاله لل، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: وقد كان مالك ينكر على من حدّث بمثل هذه الأحاديث، ذكره
أصبغ، وعيسى، عن ابن القاسم، قال: سألت مالكاً عمن يحدِّث الحديث:
((إن الله خلق آدم على صورته))، والحديث: ((إن الله يكشف عن ساقه يوم
القيامة))، و((أنه يدخل في النار يده حتى يخرج من أراد))، فأنكر ذلك إنكاراً
شديداً، ونَهَى أن يحدِّث به أحداً، وإنما كَرِه ذلك مالك خشيةَ الخوض في
التشبيه بكيف ها هنا .
وأخرج عن ابن وضاح، قال: سألت يحيى بن معين عن التنزل، فقال:
أَقِرّ به، ولا تَحُدّ فيه، يقول: كلُّ من لقيت من أهل السنة يُصَدِّق بحديث
التنزل، قال: وقال لي ابن معين: صَدِّق به، ولا تَصِفْه.
وأخرج أيضاً عن أيوب بن صلاح المخزوميّ، قال: كنا عند مالك، إذ
جاءه عراقيّ، فقال له: يا أبا عبد الله، مسألة أريد أن أسألك عنها، فطأطأ
ج﴾ [طه: ٥]،
مالك رأسه، فقال له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى
كيف استوى؟ قال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، إنك
امرؤ سوء، أخرجوه فأخذوا بضَبْعَیه فأخرجوه.

٦٣٧
(٢٦) - بَابُ بَيَانٍ نُزُول الرَّبّ ◌َنَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٢)
وقال يحيى بن إبراهيم بن مزين: إنما كَرِهَ مالك أن يتحدث بتلك
الأحاديث؛ لأن فيها حدّاً وصفةً وتشبيهاً، والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما
قال الله رم، ووصف به نفسه، بوجه، ويدين، وبسط، واستواء، وكلام،
فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقال: ﴿بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾
[المائدة: ٦٤]، وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتٌ
﴾ [طه: ٥].
٥
بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى
فليقل قائل بما قال الله، ولينته إليه، ولا يَعْدُوه، ولا يُفَسِّره، ولا يقل:
كيف، فإن في ذلك الهلاك؛ لأن الله كَلَّف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم
الخوض في التأويل، الذي لا يعلمه غيره.
وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأساً برواية الحديث: ((إن الله
ضحك))، وذلك لأن الضحك من الله، والتنزل، والملالة، والتعجب منه ليس
على جهة ما يكون من عباده.
قال أبو عمر تَُّ: الذي أقول: إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر،
وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وسائر المهاجرين
والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجاً، عَلِمَ أن الله رَتْ
لم يَعْرِفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة، ودلائل الرسالة، لا من
قِبَل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان
النظر في الحركة والسكون عليهم واجباً، وفي الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه،
لازماً ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم،
ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك مِن عَمَلهم مشهوراً، أو من
أخلاقهم معروفاً، لاستفاض عنهم، ولشُهِروا به، كما شهروا بالقرآن
والروايات، وقول رسول الله وَله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) عندهم مثل
قول الله رَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ومثل قوله: ﴿وَجَآءُ
رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا (َ)﴾ [الفجر: ٢٢]﴾، كلهم يقول: ينزل، ويتجلى،
ويجيء بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء؟، وكيف يتجلى؟، وكيف ينزل؟،
ولا من أين جاء؟، ولا من أين تجلى؟، ولا من أين ينزل؟؛ لأنه ليس
كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له. انتهى المقصود من

٦٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
كلام الحافظ ابن عبد البرُّ كَخَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ أبو عمر لخَُّ في هذا
التحقيق، وأفاد، فقد بيّن في هذا التحقيق أن مذهب جمهور العلماء من السلف
والمحقّقين من الخلف أنه يجب الإيمان بما ورد في الكتاب والسنّة الصحيحة،
مما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله وَ له، كالنزول، والاستواء،
والمجيء، والقبض والبسط، وكالوجه واليد، والقدم، والساق، وكالتعجب،
والضحك، والغضب، إلى غير ذلك، مما صحّ في نصوص الكتاب والسنّة
الصحيحة، على حقيقته، لا على وجه المجاز، بل نؤمن بها كما وردت، من
غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تأويل.
وقد أسلفت أن مراد من قال من السلف: ولا تفسّروها أراد التفسير
المؤدّي إلى تكييفها .
قال الإمام الترمذيُّ في كتاب الزكاة من ((جامعه)) بعد إخراج حديث:
((إن الله يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه ... )) الحديث، ما نصّه: وقد قال غير
واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات، من
الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد
تثبت الروايات في هذا، ويُؤْمَن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف، هكذا روي
عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه
الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم، من أهل السنة
والجماعة.
وأما الجهمية، فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد
ذكر الله ك في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية
هذه الآيات، ففسَّروها على غير ما فَسَّر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق
آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ها هنا القوّة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل
يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع،
(١) راجع: ((التمهيد)) ١٤١/٧ - ١٥٢.

٦٣٩
(٢٦) - بَابُ بَيَانِ نُزُول الرَّبّ ◌َّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ ... إلخ - حديث رقم (١٧٧٣)
فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يدٌ، وسمعٌ، وبصرٌ، ولا يقول:
كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً، وهو كما
قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:
١١]. انتهى كلام الترمذيُّ كَُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقال الإمام البغويُّ كَُّ في ((شرح السنّة)) بعد إخراجه حديث: ((تحاجّت
الجنة النار ... )) وفيه: ((حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه))، وفي لفظ: ((رجله)) ما
نصّه :
القدم، والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله على المنزّه
عن التكييف والتشبيه، وكذلك كلُّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنّة،
كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرضٌ، والامتناع
عن الخوض فيها واجبٌ، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض
فيها زائغٌ، والمنكر معطّلٌ، والمكيِّف مشبّه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً
كبيراً، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. انتهى كلام
البغويُّ كََّثُ(٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٧٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: (يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الَّدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ
اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟،
مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ
حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ))).
(١) ((الجامع)) (ص١٦٦ - ١٦٧) نسخة تحقيق الشيخ مشهور حسن.
(٢) ((شرح السنّة)) ٢٥٧/١٥ - ٢٥٨.

٦٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن
محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة،
ثقةٌ [٨] (١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِح) أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٨) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والصحابيّ ذُكر قبله.
وقوله: (أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ) قال النوويّ تَّتُهُ: هكذا هو في الأصول
مكرّرٌ للتوكيد والتعظيم. انتهى(١).
وقوله: (حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ) وفي رواية يحيى بن أبي كثير الآتية: ((حتى
ينفجر الصبح))، وفي رواية الأغرّ الآتية أيضاً: ((حتى ينفجر الفجر)).
قال في (الفتح)): وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: ((حتى
يطلع الفجر))، وكذا اتَّفَق معظم الرواة على ذلك، إلا أن في رواية نافع بن
جبير، عن أبي هريرة عند النسائيّ: ((حتى ترجل الشمس))، وهي شاذةٌ، وزاد
يونس في روايته عن الزهريّ في آخره أيضاً: ((ولذلك كانوا يُفَضِّلون صلاة آخر
الليل على أوله))، أخرجها الدارقطنيّ أيضاً، وله من رواية ابن سمعان، عن
الزهريّ ما يُشير إلى أن قائل ذلك هو الزهريّ. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
(١) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٣٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٨/٣.