Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٤٥)
وقال العراقيُّ تَخْتُهُ: هل المراد به صلاة الليل، أو قراءة القرآن في صلاة، أو
غير صلاة؟ يَحْتَمِل كلّاً من الأمرين. انتهى.
وقال الطيبيُّ تَُّهُ: قوله: ((عن حزبه)) هو ما يجعله الرجل على نفسه من
قراءة، أو صلاة كالورد، والحزب: النوبة في ورود الماء. انتهى(١).
والمعنى أن من فاته ورده كلّه، أو بعضه في الليل، لغلبة النوم، وإنما
حملناه على الليل؛ لدلالة النوم عليه، ولدلالة آخر الحديث، وهو قوله: ((كأنما
قرأه من الليل))، ولقوله في الرواية الأخرى عند النسائيّ: ((من فاته حزبه من
الليل)).
(أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ) أي: أو نام عن شيء من حزبه؛ أي: فاته بعض ورده
(فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الظَّهْرِ) يَحْتَمِل أن يكون تحريضاً على
المبادرة، ويَحْتَمِل أن أفضل الأداء مع المضاعفة مشروط بخصوص الوقت.
أفاده السنديُّ رَُّهُ.
وقال الطيبيُّ كَخْتُهُ: قال المظهر: إنما خَصّ قبل الظهر بهذا الحكم؛ لأنه
متّصلٌ بآخر الليل بغير فصل، سوى صلاة الصبح، ولهذا لو نوى الصائم قبل
الزوال صوم نافلة جاز، وبعده لم يجُز. انتهى(٢).
(كُتِبَ لَهُ) بالبناء للمفعول، جواب الشرط (كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ) صفة
المصدر محذوف؛ أي: أُثبت أجرُه في صحيفة عمله، إثباتاً مثلَ إثباته حين قرأه
من الليل.
قال القرطبيُّ كَّتُهُ: هذا تفضّل من الله تعالى، ودليلٌ على أن صلاة الليل
أفضل من صلاة النهار، والحزب هنا الجزء من القرآن، يصلي به، وهذه
الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه نوم، أو عذر منعه من القيام، مع أن نيته القيام،
وقد ذكر مالك في (الموطأ)) عنه وَلل، قال: ((ما من امرىء تكون له صلاة
بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كَتَبَ الله له أجر صلاته، وكان نومه صدقة
عليه))(٣)، وهذا أتمّ في التفضّل والمجازاة بالنيّة، وظاهره أن له أجره مكمّلاً
(١) ((الكاشف)) ١٣١٥/٤.
(٣) رواه مالك في ((الموطأ)) (١١٧/١).
(٢) ((الكاشف)) ١٢١٥/٤.

٥٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
مضاعفاً، وذلك لحسن نيته، وصدق تلهّفه، وتأسّفه، وهذا قول بعض شيوخنا،
وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون غير مضاعف، إذ الذي يصليها أكمل، وأفضل.
قال القرطبيُّ تَخْفُهُ: والظاهر التمسّك بالظاهر؛ فإن الثواب فضل من
الكريم الوهّاب، وقد تقدّم من حديث عائشة ها أنه وَّر: ((كان إذا غلبه نوم،
أو وجع، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة))، وهذا كله إنما هو يبقى في
تحصيل مثل ما غُلب عليه، لا أنه قضاء له؛ إذ ليس في ذمّته شيء، ولا يُقضَى
إلا ما تعلّق بالذمّة.
وقد رأى مالك أن يصلي حزبه من فاته بعد طلوع الفجر، وهو عنده وقت
ضرورة لمن غُلب على حزبه، وفاتَه، كما يقول في الوتر. انتهى كلام
القرطبيُّ كَظُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطاب به هذا من أفراد
المصنّف تَخَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في بيان تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧٤٥/٢٠] (٧٤٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(١٣١٣)، و(الترمذيّ) فيها (٥٨١)، و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (١٧٩٠
و١٧٩١ و١٧٩٢ و١٧٩٣) وفي ((الكبرى)) (١٤٦٢ و١٤٦٣ و١٤٦٤ و١٤٦٥
و١٤٦٦)، و(ابن ماجه) في إقامة الصلاة)) (١٣٤٣)، و(مالك) في ((الموظّأ))
(٢٠٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢/١ و٥٣)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(١٤٨٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه) (١١٧١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢٦٤٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٣٥ و٢١٣٦)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٦٩٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٨٤/٢ و٤٨٥)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٩٨٥)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٣٨٣/٢ - ٣٨٤.

(٢١) - بَابٌ صَلَهُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ - حديث رقم (١٧٤٦)
٥٦٣
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة اتخاذ ورد من العبادات في الليل.
٢ - (ومنها): مشروعية قضائه إذا فات لنوم، أو عذر من الأعذار.
٣ - (ومنها): أن وقت قضائه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فمن
فعله في هذا الوقت، كان كمن فعله في الليل، والظاهر أن مَن فعله بعد ذلك
لا يكون له ذلك، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى ما ورد في معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى
جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَدَ شُكُورًا (
[الفرقان: ٦٢]،
قال القاضي: أي: ذَوَيْ خِلْفَة، يخلف كلّ منهما الآخر، يقوم مقامه فيما ينبغي
أن يُعمل فيه، مَن فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر. انتهى، وهو منقول
عن كثير من السلف، كابن عباس، وقتادة، والحسن، وسلمان، كما ذكره
السيوطيّ في ((الدرّ المنثور)).
قيل: تخصيصه بما قبل الزوال مع شمول الآية النهار بالكمال إشارة إلى
المبادرة بقضاء الفوائت قبل إتيان الموت، أو لأن ما قارب الشيء يُعطى
حكمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢١) - (بَابٌ صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٤٦] (٧٤٨) - (وَحَدَّثَنَا (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ،
رَأَى قَوْماً يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ
السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ قَالَ: ((صَلَةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ))).
(١) وفى نسخة: ((حدّثنا)).

٥٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (أَيُوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (الْقَاسِمُ الشَّيْبَانِيُّ) هو: القاسم بن عوف الشَّيبانيّ البكريّ الكوفيّ،
من بني مُرّة بن هَمّام، صدوقٌ يُغرب [٣].
رَوَى عن البراء، وزيد بن أرقم، وابن عمر، وأبي بَرْزة، وابن أبي أوفى،
وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلي بن الحسين، وغيرهم، وأرسل عن أبي ذرّ.
ورَوَى عنه قتادة، وأيوب، وأبو إسحاق الشيباني، وزيد بن أبي أُنيسة،
وهشام الدستوائيّ، وغيرهم.
قال ابن المدينيّ: ذكرناه ليحيى، فقال: قال شعبة: دخلت عليه فحرَّك
رأسه، قلت ليحيى: ما شأنه؟ قال: فجعل يَحِيد، فقلت: ضعّفه في الحديث؟
فقال: لو لم يضعّفه لروى عنه، قال:" وقلت ليحيى: إن ابن أبي عَرُوبة، رَوَى
عن قتادة، عن القاسم بن عوف، عن زيد بن أرقم، يعني حديث الحشوش،
وشعبة يحدثه، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد، فقال يحيى: لو عَلِم
شعبة أنه عن القاسم لم يحمله، إنه رأى القاسم وتركه، وقال أبو حاتم:
مضطرب الحديث، ومحله عندي الصدق، وقال ابن عديّ: هو ممن يُكتَب
حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال النسائي عقب تخريج حديثه في
((اليوم والليلة)): القاسم ضعيف الحديث، وقال ابن عديّ: اشتَهَرَ بحديث
الحشوش، وله غيره شيء يسير، وهو ممن يُكتب حديثه.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ في ((اليوم والليلة))، وابن ماجه، وليس له
في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
٦ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، الصحابيّ
المشهور، أول مشاهده الخندق، مات سنة (٦ أو٦٨) (ع) تقدم في ((المساجد))
١٢٠٨/٧.

(٢١) - بَابٌ صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ - حديث رقم (١٧٤٦)
٥٦٥
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَُّهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له
الترمذيّ، والقاسم، فانفرد به هو وابن ماجه، والنسائيّ في ((عمل اليوم
والليلة)).
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن القاسم.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه من أفاضل الصحابة ﴿ه، قد أنزل الله
تعالى ((سورة المنافقين)) في تصديقه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) رظُهُ (رَأَى قَوْماً يُصَلُّونَ مِنَ
الضُّحَى) وفي رواية أبي نعيم: رأى قوماً يصلّون الضحى بمسجد قباء، فقال:
أما لقد عَلِموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله وَل قال:
((صلاة الأوابين ... )) الحديث، وفي رواية أبي عوانة من طريق حماد بن زيد،
عن أيوب، عن القاسم الشيبانيّ: أن زيد بن أرقم رأى قوماً جُلُوساً إلى قاصّ،
فلما طلعت الشمس قاموا يصلّون، فقال: لو رأينا هؤلاء ونحن في المسجد
الأول ما صلّوا الآن، قال رسول الله وَله: ((صلاة الأوّابين إذا رَمِضَت
الفصال))، ومن طريق سعيد، عن قتادة، عن القاسم: ((دخل نبيّ الله مسجد قباء
بعدما أشرقت الشمس، فرآهم يُصلّون، فقال: إن صلاة الأوابين ... )) الحديث
(فَقَالَ) زيد نَظُّه (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه كـ((ألا))
(لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَِّ) وفي رواية
هشام الدستوائيّ، عن القاسم التالية: خرج رسول الله وَّل على أهل قباء، وهم
يُصلّون، فقال: ((صلاة الأوّابين إذا رَمِضت الفِصال)) (قَالَ: ((صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ)
مبتدأ خبره الظرف بعده، و((الأوابون)): جمع أواب، وهو الكثير الرجوع إلى الله
تعالى بالتوبة، وقيل: هو المطيع، وقيل: المسبِّح، قاله ابن الأثير تَذْتُهُ(١).
(١) ((النهاية)) ٧٩/١.

٥٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال القرطبيُّ تَخْتُهُ: الأوابون: جمع أوّاب، وهو مبالغة آيب، وهو من
آب إلى كذا: أي: رجع، ومنه قول تأبط شرّاً:
فَأُبْتُ إِلَى فَهْم وَمَا كِدتُ آيِباً
أي: رجعت، فمعنى الأوّابينَ هنا، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ
لِلْأَوَِّينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] أي: الراجعين من الإساءة إلى الإحسان، على ما
قاله قتادة، وقال مجاهد: التائبون، وابن عمر: المستغفرون، وقال ابن عبّاس:
المسبّحون، وكلُّ ذلك متقارب. انتهى(١).
(حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ))) هو بفتح التاء والميم، يقال: رَمِضَ يَرْمَضُ، كَعَلِمَ
يَعْلَمُ، والرَّمضاءُ: الرمل الذي اشتدّت حرارته بالشمس؛ أي: حين يَحترق
أخفاف الفِصَال، جمع فَصِيل، وهي الصغار من أولاد الإبل، قاله
النوويُّ تَخَذَتُهُ(٢).
وقال ابن الأثير تَّتُهُ: يريد أن صلاة الضحى عند ارتفاع النهار، وشدّة
(٣)
الحرّ. انتهى (٣).
وقال القرطبيُّ تَخْتُ: وأما الْفِصَال والْفُصْلان: جمع فَصِيل، وهو الذي
يُفْطَمُ عن الرضاعة من الإبل، وأما الرمضاء: فشدّة الحرّ في الأرض، وخَصّ
الفُصلان هنا بالذكر؛ لأنها هي التي تَرْمَضُ قبل انتهاء شدّة الحرّ التي تَرْمَضُ
فيها أمهاتها؛ لقلّة جَلَدها، وذلك يكون في الضحى، أو بعده بقليل، وهو
الوقت المتوسّط بين طلوع الشمس وزوالها. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم ظبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧٤٦/٢١ و١٧٤٧] (٧٤٨)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٦٨٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٦/٤ و٣٦٧ و٣٧٢ و٣٧٤ و٣٧٥)،
(١) ((المفهم)) ٣٥٩/٢.
(٣) ((النهاية)) ٧٩/١.
(٢) (شرح النووي)) ٣٠/٦.
(٤) ((المفهم)) ٣٥٩/٢.

٥٦٧
(٢١) - بَابٌ صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ - حديث رقم (١٧٤٧)
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٢٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٣٩)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٣٣ و٢١٣٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٦٩٥ و١٦٩٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥١٠٨ و٥١٠٩ و٥١١٠ و٥١١١
و٥١١٢ و٥١١٣) وفي ((الصغير)) (١٥٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٩/٣)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٠١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب صلاة الضحى.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة صلاة الضحى عند اشتداد الحرّ، قال
النوويّ تَخْتُ: فيه بيان فضيلة الصلاة في هذا الوقت، قال أصحابنا: هو أفضل
وقت صلاة الضحى، وإن كانت تجوز من طلوع الشمس إلى الزوال. انتهى (١).
٣ - (ومنها): بيان جواز صلاة النافلة في المسجد؛ لأن النبيّ وَلّ رأى
أهل قباء يتنفّلون في المسجد، فما أنكر عليهم ذلك، وإنما أرشدهم إلى أن
الأولى أن يصلّوه حين تَرْمَضُ الفصال، ولا تعارض بين هذا وبين حديث:
((أيها الناس صلّوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))،
متّفقٌ عليه؛ لأن هذا محمول على الأفضليّة، وقد تقدّم البحث فيه، فلا تكن
من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٤٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا (٢) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ:
خَرَجَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ، وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقَالَ: ((صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا
رَمِضَتِ الْفِصَالُ))).
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٠/٦.
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٥٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين.
٢ - (هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ) الدستوائيّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَهُمْ يُصَلَّونَ) أي: صلاة الضحى؛ لما سبق من رواية أبي عوانة
بلفظ: ((دخل نبيّ الله ◌َو مسجد قباء بعدما أشرقت الشمس، فرآهم
يصلّون ... )) الحديث.
والحديث من أفراد المصنّف تَخْلُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٢) - (بَابٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)
و((الوتر)) بالكسر: الفرد، وتُكسر واوه، وتُفتح، قاله في ((النهاية))(١).
وقال في ((الصحاح)): (الوتر)) بالكسر: الفرد، وبالفتح: الذَّحْلُ(٢)، هذه
لغة أهل العالية، فأما أهل الحجاز، فبالضدّ منهم، وأما تميم، فبالكسر.
انتهى(٣).
وقال الفيّوميُّ كَُّ: الوتر: الفردُ، والوتر: الذَّحْلُ بالكسر فيهما لتميم،
ويفتح: العددُ، وكسرُ الذَّحْل لأهل العالية، وبالعكس، وهو فتح الذَّحْل، وكسر
العددَ لأهل الحجاز، وقُرىء في السبعة ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتِ ﴾﴾ [الفجر: ٣] بالكسر
على لغة الحجاز وتميم، وبالفتح في لغة غيرهم، ويقال: وَتَرْتُ العددَ وَتْراً،
من باب وَعَدَ: أفردته، وأوترتُ بالألف مثله، ووَتَرْتُ الصلاةَ، وأوترتها
(١) ((النهاية)) ١٤٧/٥.
(٢) ((الذَّحْلُ)): الحِقد، ويُفتح حاؤه، فيُجمع على أَذْحال، مثلُ سبب وأسباب،
ويسكّن، فيُجمع على ذُحُول، مثل فلس وفلوس، وطَلَب بذَحْلِهِ: أي بثأره. انتهى.
((المصباح)) ٢٠٦/١.
(٣) راجع: هامش ((القاموس)) ٢/ ١٥٢.

٥٦٩
(٢٢) - بَابٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْتَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٤٨)
بالألف: جعلتها وِتراً، ووَترتُ زيداً حقّه أَتِرُه، من باب وَعَدَ أيضاً: نقصته،
ومنه حديث: ((من فاتته صلاة العصر، فكأنما وُتر أهله وماله)) (١) بنصبهما على
المفعوليّة، شُبِّهَ فِقدانُ الأجر؛ لأنه يُعَدّ لقطع المصاعب، ودفع الشدائد بفقدان
الأهل؛ لأنهم يُعَدّون لذلك، فأقام الأهل مقام الأجر. انتهى (٢).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٤٨] (٧٤٩) - (وَحَدَّثَنَا (٣) يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنْ
صَلَاةِ الَّلَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((صَلَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ
الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ
ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو
عبد الله المدنيّ، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الإمام الحجة [٧] (ت١٧٩)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور
[٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى
ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب وظّ العدويّ المدنيّ
المتوفّى سنة (٧٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
(١) حديث متّفق عليه.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٤٧/٢.

٥٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وهو (١١٢) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، فنيسابوريّ، وقد
دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد مطلقاً على ما نُقل عن الإمام البخاريّ:
مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر ﴿ّ، وقد تقدّم غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر رضيًّا أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة
.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿هَا (أَنَّ رَجُلاً) قال في ((الفتح)): لم أَقِف على اسمه،
ووقع في ((المعجم الصغير)) للطبرانيّ أن السائل هو ابن عمر (١)، لكن يَعْكُرُ عليه
رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر: ((أن رجلاً سأل النبيّ وَّ، وأنا بينه
وبين السائل ... )) فذكر الحديث، وفيه: ((ثم سأله رجلٌ على رأس الحول، وأنا
بذلك المكان منه، قال: فما أدري أهو ذلك الرجلُ، أو غيره))، وعند النسائيّ
من هذا الوجه أن السائل المذكور من أهل البادية، وعند محمد بن نصر في
((كتاب أحكام الوتر))، وهو كتاب نفيسٌ في مجلدة، من رواية عطيّة، عن ابن
عمر: ((أن أعرابيّاً سأل))، فَيَحْتَمِل أن يُجْمَع بتعدد من سأل.
ووقع في رواية عبيد الله بن عمر، عن ابن عمر الآتية: ((أن رجلاً نادى
رسول الله وَلّ، وهو في المسجد))، وفي رواية للبخاريّ: ((سأل رجلٌ النبيّ
صَلىلّه
وسلم
وهو على المنبر))، وفي رواية له من طريق أيوب، عن نافع: ((أن رجلاً جاء إلى
(١) قال الجامع عفا الله عنه: كون السائل ابن عمر ﴿ها، مما لا يخفى بطلانه،
فتبصّر .

٥٧١
(٢٢) - بَابٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٤٨)
النبيّ وَّه، وهو يخطب، فقال: كيف صلاة الليل؟))(١).
(سَأَلَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ) وفي رواية أيوب المذكورة: ((فقال:
كيف صلاة الليل؟))، قال في ((الفتح)): وقد تبيّن من الجواب أن السؤال وقع
عن عددها، أو عن الفصل والوصل، وفي رواية محمد بن نصر، من طريق
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ما قال: قال رجل: يا رسول الله، كيف
تأمرنا أن نصلي من الليل؟.
وأما قول ابن بزيزة: جوابه بقوله: ((مثنى)) يدُلُّ على أنه فَهِمَ من السائل
طلب كيفية العدد، لا مطلق الكيفية، ففيه نظرٌ، وأولى ما فُسِّرَ به الحديث من
الحديث.
واستُدِلَّ بمفهومه على أن الأفضل في صلاة النهار أن تكون أربعاً، وهو
مذهب الحنفية، وإسحاق.
وتُعُقِّب بأنه مفهوم لقب، وليس بحجة على الراجح، وعلى تقدير الأخذ
به، فليس بمنحصر في أربع، وبأنه خرج جواباً للسؤال عن صلاة الليل، فقيّد
الجواب بذلك مطابقة للسؤال، وبأنه قد تبيّن من رواية أخرى أن حكم
المسكوت عنه حكم المنطوق به، ففي السُّنَن، وصححه ابن خزيمة وغيره، من
طريق عليّ الأزديّ، عن ابن عمر، مرفوعاً: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)).
وقد تُعُقِّب هذا الأخير بأن أكثر أئمة الحديث أعلُّوا هذه الزيادة، وهي
قوله: ((والنهار)) بأن الحفاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحَكَمَ
النسائي على راويها بأنه أخطأ فيها، وقال يحيى بن معين: ((مَنْ عليّ الأزديّ؟،
حتى أَقْبَلَ منه، واذَّعَى يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع، أن ابن عمر كان
يتطوع بالنهار أربعاً، لا يفصل بينهنّ، ولو كان حديث الأزديّ صحيحاً لما
خالفه ابن عمر، يعني مع شدّة اتباعه، رواه عنه محمد بن نصر في سؤالاته.
لكن رَوَى ابن وهب بإسناد قويّ، عن ابن عمر ◌ًّا قال: ((صلاة الليل
والنهار مثنى مثنى))، موقوفٌ، أخرجه ابن عبد البر، من طريقه فلعلّ الأزديّ
(١) راجع: ((صحيح البخاريّ)) برقم (٤٧٢ و٤٧٣) ((كتاب الصلاة)).

٥٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
اختلط عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة مَن
يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذّاً.
وقد رَوَى ابن أبي شيبة من وجه آخر، عن ابن عمر، أنه كان يصلي
بالنهار أربعاً أربعاً، وهذا موافق لما نقله ابن معين(١)، قاله في ((الفتح))(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت البحث في زيادة ((والنهار))، في
((شرح النسائيّ))، ورجّحت ما ذهب إليه جمهور المحدثين من تضعيفها؛ لتفرّد
عليّ الأزديّ بها، ومخالفته الجماعةَ من أثبات رواة ابن عمر ﴿ًا، ومخالفته ما
صحّ عنه مع شدّة اتّباعه، أنه كان يتطوّع بالنهار أربعاً، لا يفصل بينهنّ، فلو
كانت هذه الزيادة ثابتة عنده لما خالفه، فإن أردت زيادة التحقيق، فراجع
شرحي المذكور(٣)، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) مبتدأ وخبره؛ أي:
المستحبّ في صلاة الليل أن تكون ركعتان ركعتان، فـ((مثنى)) الثاني للمبالغة في
التأكيد، وإلا فالتكرار موجود في الأول؛ لأنه معدول عن اثنين اثنين، وهو
خبر لفظاً، لكن معناه الأمر والندب، والمراد أنه ينبغي للمصلّي أن يصلّيها
رکعتين ركعتين .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((مثنى مثنى)): أي: اثنين اثنين، وهو غير
منصرف؛ لتكرار العدل فيه، قاله صاحب ((الكشاف))، وقال آخرون: للعدل
والوصف، وأما إعادة ((مثنى))؛ فللمبالغة في التأكيد.
وقد فسّره ابن عمر ظًّا راوي الحديث، فعند مسلم من طريق عُقبة بن
حُرَيث: قال: قلت لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تُسَلِّم من كل
رکیتین.
وفيه رَدٌّ على من زعم من الحنفية أن معنى ((مثنى)) أن يتشهد بين كل
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب: ((لما نقله يحيى بن سعيد الأنصاريّ))، كما
تقدّم قريباً .
(٢) ((الفتح)) ٢ /٥٥٥٦ - ٥٥٦.
(٣) ((ذخيرة العقبى)) ١٥/١٨ - ٢٠.

٥٧٣
(٢٢) - بَابٌ صَلَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٤٨)
ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسره به هو المتبادر إلى
الفهم؛ لأنه لا يقال في الرباعية مثلاً: إنها مثنى.
واستُدِلَّ بهذا على تَعَيُّن الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل، قال ابن
دقيق العيد كَخَُّهُ: وهو ظاهر السياق؛ لحصر المبتدأ في الخبر، وحمله الجمهور
على أنه لبيان الأفضل؛ لما صحّ من فعله بَّهَ بخلافه، ولم يتعيّن أيضاً كونه
لذلك، بل يَحْتَمِل أن يكون للإرشاد إلى الأخف؛ إذ السلام بين كل ركعتين
أخفّ على المصلي من الأربع فما فوقها؛ لما فيه من الراحة غالباً وقضاء ما
يَعْرِض من أمر مُهِمٍّ، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط لم يواظب عليه وَلؤ .
ومن ادَّعَى اختصاصه به فعليه البيان، وقد صح عنه وَّ الفصل، كما
صحّ عنه الوصل، فعند أبي داود، ومحمد بن نصر، من طريقي الأوزاعيّ،
وابن أبي ذئب، كلاهما عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة ظُّا أن النبيّ ◌َّل
كان يصلي ما بين أن يفرُغْ من العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعةً، يسلّم من
كل ركعتين، وإسنادهما على شرط الشيخين.
واستُدِلّ به أيضاً على عدم النقصان عن ركعتين في النافلة، ما عدا الوتر.
قال ابن دقيق العيد تَخْدَثُهُ: والاستدلال به أقوى من الاستدلال بامتناع
قصر الصبح في السفر إلى ركعة، يشير بذلك إلى الطحاويِّ، فإنه استَدَلّ على
منع التنفل بركعة بذلك.
واستَدَلَّ بعض الشافعية للجواز بعموم قوله وَّر: ((الصلاة خيرُ موضوع،
فمن شاء استَكْثَر، ومن شاء استَقَلَّ))، صححه ابن حبان.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستدلال نظرٌ لا يخفى؛ فإن
الاستكثار لا يُنافي كون الصلاة مثنى مثنى، فالأفضل أن يستكثر المصلي مع
التزام كونها مثنى مثنى، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقد اختَلَفَ السلف في الفصل والوصل في صلاة الليل، أيهما أفضل،
وقال الأثرم، عن أحمد: الذي أختاره في صلاة الليل مثنى مثنى، فإن صلى
بالنهار أربعاً فلا بأس، وقال محمد بن نصر نحوه في صلاة الليل، قال: وقد
صحّ عن النبيّ وَّ أنه أوتر بخمس، لم يجلس إلا في آخرها، إلى غير ذلك
من الأحاديث الدالّة على الوصل، إلا أنّا نختار أن يُسَلِّم من كل ركعتين؛

٥٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
لكونه أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت، وأكثر طُرُقاً، وقد تضمن
كلامه الردّ على الداوديّ الشارح، ومَن تبعه في دعواهم، أنه لم يثبت عن
النبيّ وَالر أنه صلى النافلة أكثر من ركعتين ركعتين. انتهى(١)، وسيأتي تمام
البحث فيه قريباً .
(فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ) أي: فوت الوتر بطلوع الفجر، وظهوره، وهو
في شفع صلاة الليل قبل أن يوتر (صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ) أي: تجعل تلك
الركعةُ الواحدةُ (مَا قَدْ صَلَّى))) ((ما)) موصولة مفعول (تُوتر))، والعائد محذوف؛
لكونه ضميراً متّصلاً منصوباً بفعل تامّ، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ
بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَامَنْ نَرْجُو يَهَبْ)»
والمعنى: أن الركعة الواحدة التي صلاهاً أخيراً تجعل تمام الركعات التي
صلّاها شفعاً وتراً، فإن تلك الركعة الواحدة كما أنها وتر بذاتها، كذلك يصير
بها جميع صلاة الليل وتراً بعد أن كان شفعاً.
قال ابن الملك كثّثه: الحديث حجة للشافعيّ في قوله: الوتر ركعة
واحدة .
وتعقّبه القاري بما نقله عن ابن الْهُمَام أن نحو هذا كان قبل أن يستقرّ أمر
الوتر.
وتُعُقّب بأنه لا دليل على أن هذا كان قبل استقرار أمر الوتر، ولا على
أن الوتر محصورٌ في ثلاث ركعات، فهو مردود على ابن الهمام.
وقال السنديُّ كَُّ في ((حاشية النسائيّ)): قوله: ((فإذا خَشِي الصبح،
فواحدة)) ظاهر الحديث مع أحاديث أخر يفيد جواز الوتر بركعة واحدة، كما
هو مذهب الجمهور، والقول بأنه كان، ثم نُسِخَ إثباته مشكلٌ.
وفي رواية للبخاريّ: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف،
فاركع ركعةً توتر لك ما صلّيت)).
وفيه ردّ على من ادّعى من الحنفيّة أن الوتر بواحدة مختصّ بمن خَشِيَ
(١) ((الفتح)) ٢ /٥٥٦ - ٥٥٧.

٥٧٥
(٢٢) - بَابٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٤٨)
طلوع الفجر؛ لأنه علّقه بإرادة الانصراف، وهو أعمّ من أن يكون لخشية طلوع
الفجر، أو غير ذلك. انتهى (١).
[تنبيه]: قال ابن التين كثّتُهُ: اختُلِف في الوتر في سبعة أشياء: في
وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله،
وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة، زاد الحافظ: وفي قضائه،
والقنوت فيه، وفي محل القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله، وهل
تسن ركعتان بعده؟ وفي صلاته من قعود، لكن هذا الأخير ينبني على كونه
مندوباً أو لا، وقد اختلفوا في أول وقته أيضاً، وفي كونه أفضل صلاة التطوع،
أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تفاصيل أكثر هذه الأشياء في المسائل
التالية - إن شاء الله تعالى -.
[فائدة]: قال في ((الفتح)): يؤخذ من سياق هذا الحديث أن ما بين طلوع
الفجر وطلوع الشمس من النهار شرعاً، وقد رَوَى ابنُ دُريد في ((أماليه)) بسند
جيّد أن الخليل بن أحمد سئل عن حدّ النهار، فقال: من الفجر المستطير إلى
بداءة الشفق، وحُكِي عن الشعبيّ أنه وقت منفرد، لا من الليل، ولا من
النهار، قاله في ((الفتح))(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حُكي عن الشعبي قولٌ باطلٌ تردّه
النصوص الشرعيّة، فإنها اعتبرت ما بعد طلوع الفجر كلّه من النهار، فعلّقت
عليه وجوب الصوم، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالنصوص، وإنما
الصواب قول الخليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿جا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) راجع: ((المرعاة)) ٢٥٨/٤.
(٢) ((الفتح)) ٥٥٧/٢.

٥٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧٤٨/٢٢ و١٧٤٩ و١٧٥٠ و١٧٥١ و١٧٥٢]
(٧٤٩)، و(البخاريّ) (٤٧٢ و٤٧٣ و٩٩٠ و٩٩٣ و٩٩٥ و١١٣٧)، و(النسائيّ)
في ((قيام الليل)) (١٦٦٦ و١٦٦٧ و١٦٦٨ و١٦٦٩ و١٦٧٠ و١٦٧١ و١٦٧٢
و ١٦٧٣ و ١٦٧٤ و١٦٨٢ و ١٦٨٩ و١٦٩٠ و١٦٩١ و١٦٩٢ و ١٦٩٣ و١٦٩٤
و١٦٩٥)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٩٥ و١٣٢٦ و١٤٢١ و١٤٣٨)،
و(الترمذيّ) فيها (٤٣٨)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٣٢٠)، و(مالك)
في ((الموّأ)) (١٢٣/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦٣١)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٢٧٣/٢ و٢٩١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩/٢ و١٠ و١٣٣
و١٤١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٠٧٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢٤٢٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣١١ و٢٣١٢ و٢٣١٣ و٢٣١٤ و٢٣١٥
و٢٣١٦ و٢٣١٧ و ٢٣١٨ و٢٣١٩ و٢٣٢٠ و٢٣٢١ و٢٣٢٢ و٢٣٢٣)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦٩٧ و١٦٩٨ و١٦٩٩ و١٧٠٠ و١٧٠١ و١٧٠٢)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣١٨٤ و١٣٢١٥ و١٣٤٦١)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٢/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٩٥٥ و٩٥٦ و٩٥٧)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب كون صلاة الليل مثنى مثنى، يسلّم من كلّ
ركعتين، كما سيأتي هذا البيان من ابن عمر ظّها الراوي للحديث، وهو أعلم
بمعنى ما رواه.
٢ - (ومنها): أن قوله وَّله: (توتر له ما قد صلى)) يدلّ على أن هذه
الركعة الواحدة جَعَلت مجموع ما صلى قبلها وتراً، فيكون الوتر هو مجموع
صلاة الليل الذي يُخْتَم بوتر، وهذا قول إسحاق ابن راهويه، واستدلّ بقول
النبي وقال: ((أوتروا يا أهل القرآن))، وهو حديث صحيح(١)، وإنما أراد صلاة
الليل.
وقالت طائفة: الوتر هو الركعة الأخيرة، وما قبله فليس منه، وهو قول
(١) صحيح، أخرجه أبو داود برقم (٦١/١).

٥٧٧
(٢٢) - بَابٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٤٨)
طائفة من الحنبليّة، كما قاله ابن رجب تَخْتُهُ، قال: وفي كلام أحمد نَّتُهُ ما
يدلُّ عليه (١).
٣ - (ومنها): أن قوله ◌َّه: ((فليوتر بواحدة)) يدلُّ على أن الوتر مأمور به،
وهل الأمر به للوجوب، أم لتأكد الاستحباب؟ فيه قولان مشهوران، وأكثر
العلماء على أنه للاستحباب، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق،
وغيرهم، وسيأتي تحقيق القول فيه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): استُدِلّ بقوله وَله: ((اجعلوا آخر
صلاتكم بالليل وتراً)) على أنه لا صلاة بعد الوتر، وقد اختَلَف السلف في ذلك
في موضعين: أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، والثاني:
فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل في الليل، هل يَكتفِي بوتره الأول، وليتنفل ما
شاء، أو يَشْفَع وتره بركعة، ثم يتنفل؟ ثم إذا فعل ذلك، هل يَحتاج إلى وتر
آخر أو لا؟:
فأما الأول فوقع عند مسلم من طريق أبي سلمة، عن عائشة ضعها أنه رَله
كان يصلي ركعتين بعد الوتر، وهو جالس، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم،
وجعلوا الأمر في قوله: ((اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً)) مختصّاً بمن أوتر
آخر الليل.
وأجاب من لم يقل بذلك بأن الركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر،
وحمله النوويّ على أنه ◌ّ* فعله لبيان جواز التنفل بعد الوتر، وجواز التنفل
جالساً، وهذا هو الحقّ.
وأما الثاني فذهب الأكثر إلى أنه يصلي شفعاً ما أراد، ولا ينقض وتره؛
عملاً بقوله وَ له: ((لا وتران في ليلة))، وهو حديثٌ حسنٌ، أخرجه النسائيّ،
وابن خزيمة، وغيرهما، من حديث طلق بن عليّ، وإنما يصحّ نقض الوتر عند
من يقول بمشروعية التنفل بركعة واحدة غير الوتر، وقد تقدم ما فيه.
ورَوَى محمد بن نصر، من طريق سعيد بن الحارث، أنه سأل ابن عمر
(١) راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب كتَّهُ ١١٦/٩ - ١١٧.

٥٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
عن ذلك، فقال: إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم، فاشفع، ثم صلِّ ما بدا
لك، ثم أوتر، وإلا فصلّ، واترُك على الذي كنت أوترت.
ومن طريق أخرى، عن ابن عمر ﴿ًّا أنه سئل عن ذلك، فقال: أما أنا
فأصلي مثنى، فإذا انصرفتُ ركعتُ ركعةً واحدةً، فقيل: أرأيت إن أوترت قبل
أن أنام، ثم قمتُ من الليل، فشفعت حتى أُصبح؟ قال: ليس بذلك بأس(١).
٥ - (ومنها): أنه استدل بقوله وَله: ((صلِّ ركعة واحدةً)) على أن فصل
الوتر أفضل من وصله.
وتُعُقِّب بأنه ليس صريحاً في الفصل، فيَحْتَمِل أن يريد بقوله: ((صلِّ ركعةً
واحدةً)) أي: مضافةً إلى ركعتين مما مضى.
واحتَجَّ بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيين الوصل، والاقتصار على
ثلاث، بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسنٌ جائزٌ،
واختلفوا فيما عداه، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه، وتركنا ما اختلفوا فيه.
وتَعَقَّبه محمد بن نصر المروزيّ بما رواه من طريق عراك بن مالك، عن
أبي هريرة ◌ُبه مرفوعاً وموقوفاً: ((لا تُوتروا بثلاث، تُشَبِّهُوا بصلاة المغرب))،
وقد صححه الحاكم، من طريق عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، والأعرج،
عن أبي هريرة له مرفوعاً نحوه، وإسناده على شرط الشيخين، وقد صححه
ابن حبان، والحاكم.
كراهية الوتر بثلاث،
ومن طريق مقسم، عن ابن عباس وعائشة
وأخرجه النسائيّ أيضاً، وعن سليمان بن يسار أنه كَرِه الثلاث في الوتر، وقال:
لا يشبه التطوع الفريضة، فهذه الآثار تَقْدَح في الإجماع الذي نقله.
وأما قول محمد بن نصر: لم نجد عن النبيّ وَلّ خبراً ثابتاً صريحاً أنه
أوتر بثلاث موصولة، نعم ثبت عنه أنه أوتر بثلاث، لكن لم يبيّن الراوي، هل
هي موصولة، أو مفصولة؟. انتهى.
فيَرُدُّ عليه ما رواه الحاكم، من حديث عائشة ◌َؤُها: ((أنه وَّ كان يوتر
بثلاث، لا يقعد إلا في آخرهن))، ورَوَى النسائيّ من حديث أَبَيّ بن كعب
(١) راجع: ((الفتح)) ٢ /٥٥٧ - ٥٥٨.

٥٧٩
(٢٢) - بَابٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٤٨)
(﴾﴾، و﴿قُلٌ بَأَيُّهَا
نحوه، ولفظه: ((يوتر_ بَله بـ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
اُلْكَفِرُونَ ﴾﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾، ولا يسلم إلا في آخرهن))، وبَيَّن
في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات.
ويجاب عنه باحتمال أنهما لم يَثْبُتا عنده، والجمع بين هذا وبين ما تقدم
من النهي عن التشبه بصلاة المغرب، أن يُحْمَل النهي على صلاة الثلاث
بتشهدين، وقد فعله السلف أيضاً، فرَوَى محمد بن نصر، من طريق الحسن،
أن عمر به كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير، ومن طريق الْمِسْوَر بن
مَخْرَمة أن عمر أوتر بثلاث، لم يسلم إلا في آخرهنّ، ومن طريق ابن طاوس،
عن أبيه، أنه كان يوتر بثلاث، لا يقعد بينهنّ، ومن طريق قيس بن سعد، عن
عطاء، وحماد بن زيد، عن أيوب مثله.
ورَوَى محمد بن نصر، عن ابن مسعود، وأنس، وأبي العالية أنهم أوتروا
بثلاث كالمغرب، وكأنهم لم يبلغهم النهي المذكور، وصحّ عند البخاريّ قول
القاسم بن محمد في تجويز الثلاث، ولكن النزاع في تعيّن ذلك، فإن الأخبار
الصحيحة تأباه. انتهى، وسيأتي تمام البحث في هذا قريباً - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): أن قوله وَلّ: ((فإذا خَشِي أحدكم الصبح ... إلخ)) يدلّ
على أن الأفضل تأخير صلاة الوتر إلى آخر الليل.
٧ - (ومنها): أن قوله ◌َّ: ((فإذا خشي أحدكم الصبح)) يُستدلّ به على
خروج وقت الوتر بطلوع الفجر.
وأصرح منه ما رواه أبو داود، والنسائيّ، وصححه أبو عوانة وغيره، من
طريق سليمان بن موسى، عن نافع أنه حدّثه أن ابن عمر ﴿ما كان يقول: من
صلى من الليل، فليجعل آخر صلاته وتراً، فإن رسول الله وهل كان يأمر بذلك،
فإذا كان الفجر، فقد ذَهَب كلُّ صلاة الليل والوتر.
وفي ((صحيح ابن خزيمة))، من طريق قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي
سعيد ربه مرفوعاً: ((من أدركه الصبح، ولم یوتر فلا وتر له)).
وهذا محمول على التعمّد، أو على أنه لا يقع أداءً؛ لما رواه أبو داود،
من حديث أبي سعيد ظُه أيضاً مرفوعاً: ((مَن نَسِي الوتر، أو نام عنه فليصلِّه
إذا ذكره)).

٥٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقيل: معنى قوله: ((إذا خَشِيَ أحدكم الصبح)) أي: وهو في شفع،
فلينصرف على وتر، وهذا ينبني على أن الوتر لا يَفْتَقِر إلى نية.
٨ - (ومنها): أنه استدلّ بقوله: ((توتر له ما قد صلى)) على أن الركعة
الأخيرة هي الوتر، وأن كل ما تقدّمها شفعٌ، وادَّعَى بعض الحنفية أن هذا إنما
يُشْرَع لمن طرقه الفجر قبل أن يوتر، فيكتفي بواحدة؛ لقوله: ((فإذا خَشِيَ
الصبح)).
وتُعُقّب بأن في رواية البخاريّ من طريق القاسم بن محمد، عن ابن
عمر خًا، قال النبيّ وَّ: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف،
فاركع ركعةً واحدةً توتر لك ما صلّيتَ))، فقد جعله بإرادة الانصراف، لا بخشية
طلوع الفجر.
قال في ((الفتح)): في هذه الرواية دفع لقول من ادَّعَى أن الوتر بواحدة
مختصّ بمن خَشِيَ طلوع الفجر؛ لأنه علّقه بإرادة الانصراف، وهو أعمّ من أن
يكون لخشية طلوع الفجر، أو غير ذلك. انتهى.
والحاصل أن الإيتار بواحدة جائز مطلقاً، سواء خشي طلوع الفجر أم
لا؛ لوضوح الأدلة على ذلك، فتبصّر بالإنصاف.
٩ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به من قال بتعيّن الشفع قبل الوتر، وهو عن
المالكية؛ بناءً على أن قوله: ((ما قد صلى)) أي: من النفل، وحملَه من لا
يشترط سبق الشفع على ما هو أعمّ من النفل والفرض، وقالوا: إن سبق الشفع
شرط في الكمال، لا في الصحة.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح أن سبق الشفع أفضل، وإلا فالإيتار
بركعة واحدة جائزٌ؛ لحديث أبي أيوب ظُه مرفوعاً: ((الوتر حقٌّ، فمن شاء
أوتر بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء بواحدة))، أخرجه أبو داود،
والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم.
أنهم أوتروا بواحدة، من غير تقدُّم
وقد صحّ عن جماعة من الصحابة
نفل قبلها، ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح، عن السائب بن
يزيد، أن عثمان ◌ُه قرأ القرآن ليلةً في ركعة، لم يُصَلّ غيرها، وفي ((كتاب
المغازي)) من ((صحيح البخاريّ)) عن عبد الله بن ثعلبة أن سعداً ظ له أوتر