Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٣٩)
ومنه اشتقاق السِّوَاك، والسواك أيضاً يُطلَقُ على المصدر(١). (وَطَهُورَهُ) بفتح
الطاء المهملة: أي: الماء الذي يَتَطَّهر به، وفيه استحباب إعداد ذلك، والتأهب
بأسباب العبادة قبل وقتها، والاعتناء بها (فَيَبْعَثُّهُ اللهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ) أي:
يوقظه الله مك من نومه في الوقت الذي يريد إيقاظه فيه، يقال: انبعث فلان
بشأنه: إذا سار ومضى ذاهباً لقضاء حاجته، و((ما)) موصولة، والعائد محذوفٌ:
أي: القدر الذي شاء البعث فيه، قال الطيبيُّ كَُّ:
[فإن قلت]: قد تقرّر عند علماء المعاني أن مفعول ((شاء))، و(أراد)) لا
يُذكر في الكلام الفصيح إلا أن تكون فيه غرابة، نحو قول القائل: لو شئت أن
أبكي دماً لبكيتُه، ولو شاء الله أن يتخذ ولداً، فأين الغرابة في قوله: ((ما شاء
أن يبعثه))؟ .
[قلت]: كفى بلفظ البعث شاهداً على الغرابة، كأنه تعالى نبّه حبيبه وَّل
لقضاء نهمته من حبيبه اللَ مناغاةً(٢) ومناجاةً بينهما، من مكاشفات وأحوال،
قال تعالى: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَّ ﴾﴾ [النجم:
١٠ - ١١]، فأيُّ غرابة أغرب من هذا؟. انتهى كلام الطيبيُّ رَّتُهُ(٣).
وفي رواية النسائيّ: ((فَيَبْعَثُهُ اللهُ وَّ لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ)) واللام للتوقيت؛
أي: في الوقت الذي شاء أن يوقظه فيه، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح اللام،
وتشديد الميم، فتكون بمعنى ((حين))؛ أي: يوقظه حين شاء الله رشّك .
وقوله: (مِنَ اللَّيْلِ) بيان ل((ما شاء))، و(من)) تبعيضيّة؛ أي: بعض ساعات
الليل، وأوقاته، وقيل: بيانية (فَيَتَسَوَُّكُ) أي: يستعمل السواك، وفيه استحباب
السواك عند القيام من النوم (وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّ تِسْعَ رَكَعَاتٍ) ووقع في رواية
للنسائيّ: ((ويصلي ثماني ركعات))، والصواب: ((تسع ركعات))، كما هو عند
المصنّف، وعند النسائيّ أيضاً في رواية أخرى. (لَا يَجْلِسُ فِيهَا) وللنسائيّ: ((لا
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ١/ ٢٩٧.
(٢) يقال: ناغاه: إذا ناداه، وَبَاراه، أفاده في ((القاموس)) ٣٩٦/٤. والمراد هنا
المناداة، فيكون بمعنى المناجاة.
(٣) ((الكاشف)) ١٢٢٠/٤ - ١٢٢١.

٥٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
يجلس فيهنّ))؛ أي: في خلال تلك الركعات (إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ) وللنسائيّ: ((إلا
عند الثامنة)).
وفيه دليلٌ على عدم وجوب الجلوس عند الركعتين؛ لأنه وملو كان يصلي
ثمانياً متصلاً بلا تخلّل جلسات بينها على الشفعات، وفي ردّ على الحنفية
القائلين بوجوب الجلسة عند كلّ ركعتين.
وأجابوا بأن المراد بالجلسة المنفية الجلسة الخالية عن السلام، قالوا:
فالوتر منها ثلاث ركعات، والست قبله من النفل، قال العيني: وهذا اقتصار
منها على بيان جلوس الوتر وسلامه؛ لأن السائل إنما سأل عن حقيقة الوتر،
ولم يسأل عن غيره، فأجابته مبيّنة بما في الوتر من الجلوس على الثانية بدون
سلام، والجلوس أيضاً على الثالثة بسلام، وسكتت عن جلوس الركعات التي
قبلها، وعن السلام فيها، كما أن السؤال لم يقع عنها، فجوابها قد طابق سؤال
السائل. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله العيني مكابرة، وتحريف
للنصّ الصريح - قاتل الله التعصّب - كيف يقول: وسكتت عن جلوس الركعات
التي قبلها إلخ، وقد صرّحت بقولها: ((لا يجلس فيها إلا في الثامنة))؟ فأين
السكوت المزعوم؟ فتبصّر بالإنصاف، ولا تَكن أسير التقليد، والله تعالى
المستعان.
والحاصل أنه ﴿ أوتر بتسع ركعات، جلس في الثامنة بلا تسليم، وفي
التاسعة بتسليم، ولم يجلس في غيرهما، وهذه إحدى أنواع إيتاره وَلي، والله
تعالى أعلم.
(فَيَذْكُرُ اللهَ﴾ أي: يقرأ التشهّد (وَيَحْمَدُهُ) أي: يُثني عليه، قال الطيبيُّ ◌َخْثُهُ:
أي: يتشهّد، فالحمد إذاً لمطلق الثناء؛ إذ ليس في التحيّات لفظ الحمد.
انتهى. زاد في رواية لأبي عوانة: ((ويصلي على نبيه وَ﴿) (وَيَدْعُوهُ) أي:
بالدعاء المتعارف بعد التشهّد (ثُمَّ يَنْهَضُ) أي: يقوم، يقال: نَهَضَ عن مكانه
يَنْهَضُ نُهُوضاً: ارتفع عنه، ونَهَضَ إلى العدوّ: أسرع إليه، ونَهَضتُ إلى فلان،
وله نَهْضاً ونُهُوضاً: تحرّكتُ إليه بالقيام، وانتهضتُ أيضاً، وكان منه نَهْضَةٌ إلى

٥٤٣
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٣٩)
كذا: أي: حركةٌ، والجمع: نَهَضات، وأنهضته للأمر بالألف: أقمته إليه، قاله
الفيّوميّ(١).
(وَلَا يُسَلِّمُ) وقوله: (ثُمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ) توضيح للمراد بقوله: (ثم
ينهض، ولا يسلّم)) (ثُمَّ يَقْعُدُ، فَيَذْكُرُ اللهَ، وَيَحْمَدُهُ) زاد في رواية لأبي عوانة:
((ويصلي على نبيّه وََّ)) (وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيماً يُسْمِعُنَا) من الإسماع؛ أي:
يرفع صوته بالتسليم بحيث نسمعه (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ، وَهُوَ قَاعِدٌ) فيه
مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم،
وجعل الأمر في قوله: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) مختصّاً بمن أوتر آخر
الليل، وحمله النوويُّ على أنه ◌َّلي فعل ذلك لبيان جواز النفل بعد الوتر،
وجواز التنفل جالساً، يعني أن الأمر فيه أمر ندب، لا أمر إيجاب، فلا تعارض
بینھما .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويُّ كَُّ من وجه
الجمع هو الصواب عندي، وأما ما جمع به الشوكانيُّ من أنه لا يعارض فعله
قوله، فالجواز مختصّ به، والأمر مختصّ بالأمة، فليس بصحيح، وقد تقدم
الردّ عليه غير مرة، فتنبّه والله تعالى أعلم.
(وَتِلْكَ) أي: الركعات المذكورة بهذه الأوصاف (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا
بُنَيَّ) هذا من باب الإيناس، والتلطّف، وإلا فليس سعد ابنها ضَيْنَا (فَلَمَّا سَنَّ
نَبِيُّ اللّهِ وَّهَ﴾ أي: كَبِرَ، قال الفيّوميّ: وأسنّ الإنسان سَنَّ وغيره إسناناً: إذا
كَبِرَ، فهو مُسِنٌّ، والأنثى مُسِنّةٌ، والْجَمعُ مَسَانٌّ، قال الأزهريّ: وليس معنى
إِسنان البقر والشاة كِبَرَها كالرجل، ولكن معناه: طُلُوعُ الثنيّة. انتهى(٢).
[تنبيه]: وقع في نسخة ((شرح النوويّ)) بلفظ: ((فلما سنّ نبيّ الله ◌َيد ...
إلخ)) قال النوويُّ كَّقُ: هكذا هو في معظم الأصول ((سَنَّ))، وفي بعضها
((أسنّ))، وهذا هو المشهور في اللغة. انتهى(٣).
(وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ) وفي بعض النسخ: ((وأخذ اللحمَ))، قيل: أي: السمن،
(١) (المصباح المنير)) ٦٢٨/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٧/٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٩٢.

٥٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقيل: معناه ضَعُفَ، وكان ذلك قبل موته بنحو سنة، على ما قيل.
وقال السنديُّ كَُّهُ: فيه أنه أخذ اللحم في آخر عمره وَِّ، ولعلّ ذلك
لفرحه بقدومه على الله بما جاءه من البشارات الأخروية وبَ. انتهى.
(أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ) أي: بأن صلاهما
جالساً بعدما يسلّمِ (فَتِلْكَ تِسْعُ يَا بُنَيَّ) أي: فنقص ركعتين بسبب ضعفه (وَكَانَ
نَبِيُّ اللهِ وَّهِ إِذَا صَلَّى صَلَاةً) أي: من النوافل (أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا) أي: كان
من هديه ◌َ﴿ أنه إذا صلّى صلاة تطوّع واظب عليها، فلا يتركها إلا لعذر، أو
لبيان الجواز، كما في هاتين الركعتين اللتين صلاّهما بعد الوتر، قاله في
((المنهل))(١).
وإنما أحبّ النبيّ ◌َ﴿ الدوام على تلك الصلاة؛ لأن أحبّ الأعمال
إلى الله وَك ما داوم عليه صاحبه، فقد أخرج الشيخان من حديث عائشة .
قالت: وكان ◌َ ﴿ يقول: ((أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ))،
وأخرجا أيضاً من حديثها: ((وكان أحبّ الصلاة إلى رسول الله ربَّ ما داوم
عليها، وإن قلَّت)).
وفي رواية شعبة الآتية: ((كان رسول الله ﴿ إذا عَمِلَ عَمَلاً أثبته)).
(وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعٌ) بفتحتين: يُطلق على كلّ مرض، وجمعه
أوجاعٌ، مثلُ سِبَبٍ وأسبابٍ، ووِجَاعٌ أيضاً بالكسر، مثل جَبَلٍ وجِبَالٍ (٢). (عَنْ
قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى مِنَ الثَّهَارِ) أي: في النهار، فـ(من)) بمعنى ((في))، أو تبعيضيّة،
كماً سبق قريباً، وفي نسخة: ((بالنهار))، والباء بمعني ((في))، والمراد: في أول
النهار ما بين طلوع الشمس، وزوالها .
وفي رواية أبي عوانة الآتية: ((كان إذا فاتته الصلاة من الليل، من وجع،
أو غيره، صلّى من النهار ... ))، وفي رواية شعبة: ((وكان إذا نام من الليل، أو
مَرِضَ صلّى من النهار ... )) (ثِْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) تعني: أنه وَّ إذا منعه من قيام
الليل مانع صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة؛ بدلاً مما فاته من قيام الليل، وهو
ظاهر في كونه يقتصر في القضاء على ثنتي عشرة ركعة فقط، وإنما لم تذكر
(١) ((المنهل العذب المورود)) ٢٧٥/٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٤٨.

٥٤٥
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٣٩)
الوتر؛ لأنه لم يقضه، والظاهر أنه لم يفته، فلعلّه وَ ﴿ كان إذا طرأ عليه ما
يفوّت صلاة الليل بادر بالوتر فأوتر في أول الليل، وأخّر غيره، فقضاه بالنهار.
قال الجامع عفا الله عنه: قد يحتجّ بهذا الحديث بعضهم على عدم
مشروعيّة قضاء الوتر، وهو غلط؛ لأنه ليس صريحاً في كونه وَ لچر فاته الوتر، بل
الظاهر أنه لم يفته، بل صلّه بالليل، وإنما فاته التهجّد غير الوتر، والصحيح
أنه إذا فات الوتر يُقضى؛ لما أخرجه أبو داود في ((سننه)) بسند صحيح عن أبي
سعيد الخدريّ ◌ُله قال: قال رسول الله وَالر: ((من نام عن وتره، أو نسيه،
فليصلّه إذا ذكره))، ولدخوله في عموم ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس بن
مالك ظُه أن رسول الله وَ﴿ قال: ((من نَسِيَ صلاةً، فليصلّها إذا ذكرها، لا
كفارة لها إلا ذلك))، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال النوويُّ كَّتُهُ: هذا فيه دليل على استحباب المحافظة على الأوراد،
وأنها إذا فاتت تُقضَى. انتهى.
(وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللهِ وََّ) قال الطيبيُّ: هذا من نفي الشيء بنفي لازمه، ولا
يُسلك هذا الأسلوب إلا في حقّ من أحاط علمه بالعلوم، ويتمكّن منه تمكّناً
تامّاً، وهذا في علم الله تعالى مطّردٌ، قال تعالى: ﴿قُلْ أَتْنَبُِّونَ اللَّهَ بِمَا لَا
يَعْلَمُ﴾ الآية [يونس: ١٨] أي: بما لم يوجد، ولم يثبت؛ لأنه لو وُجد لتعلّق به
علم الله وَلَ، وكذلك الصدّيقة ابنة الصدّيق ﴿ُّ كانت مراقبةً أحوال
رسول الله ◌َلّ ليلها ونهارها، وحضورها وغيبتها، مشاهدةً ومساءلةً؛ أي: لم
يكن يفعل المذكور؛ إذ لو فعله لعلمته، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
(قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ) تعني أنه ◌ََّ ما ختم القرآن كله في ليلة واحدة
(وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ) هذا على حسب علمها ◌َّا، كما يدل عليه قولها:
((ولا أعلم))، وإلا فقد ثبت في حديث خبّاب بن الأرتّ ضُه عند أحمد،
والترمذيّ، والنسائيّ بسند صحيح أنه راقب رسول الله وَّل﴿ في ليلة، فصلى
الليلة كلها حتى كان مع الفجر ... الحديث(٢).
(١) (الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٢١/٤.
(٢) قال الإمام أحمد تَّفُ في ((مسنده)) (٢٠٥٤٨): حدّثنا عليّ بن عيّاش الحمصيّ، =

٥٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(وَلَا صَامَ شَهْراً كَامِلاً غَيْرَ رَمَضَانَ) هذا لا ينافي ما ثبت عنها أنه وٍَّ كان
يصوم شعبان كلّه؛ لأن المراد به أنه يصوم أكثره، كما سيأتي في محله - إن
شاء الله تعالى -.
(قَالَ) سعد بن هشام تَخْتُ: (فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿ُّ؛ أي: ثم،
بعد أن سمعت الحديث من عائشة ظُّا على وجهه، جئتُ إلى ابن عباس ◌ًَّا؛
لأخبره بما سمعت منها حيث طَلَب مني ذلك.
(فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ) ابن عبّاس ◌ِ﴿َهَا (صَدَقَتْ) عائشة ◌ًَّا فيما حدّثتك
به (لَوْ كُنْتُ أَقْرَبُهَا) بضمّ الراء، وفتحها، فقد تقدّم قريباً أنه من بابي قتل وتَعِبَ
(أَوْ) للشكّ من الراوي (أَدْخُلُ عَلَيْهَا لَأَتَيْتُهَا) وفي رواية النسائيّ: ((أما إني لو
كنت أدخل عليها لأتيتها)).
قيل: سبب عدم دخوله عليها هو السبب الذي تقدّم في عدم دخول
حكيم بن أفلح عليها، وهو الأمر الذي كان بين عليّ ومعاوية - رضي الله تعالى
عنهم أجمعين -.
(حَتَّى تُشَافِهَنِي بِهِ) أي: حتى تكلمني بهذا الحديث مشافهةً (قَالَ) سعد
(قُلْتُ) أي: لابن عبّاس ◌ََّا (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا، مَا حَدَّثْتُكَ
حَدِيثَهَا) وهذا قاله سعد: معاتبةً لابن عباس ظًّا على مقاطعته إياها ضَّا،
وعدم دخوله عليها .
حدّثنا شعيب بن أبي حمزة (ح) وأبو اليمان، أنبأنا شعيب، قال: وقال الزهريّ:
=
حدّثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن خباب، عن أبيه
خباب بن الأرتّ، مولى بني زُهْرة، وكان قد شَهِدَ بدراً مع رسول الله وَ له أنه قال:
راقبت رسول الله صلر في ليلة صلاها رسول الله وسلّ كلها حتى كان مع الفجر، سلّم
رسول الله ◌َو من صلاته، جاءه خباب، فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، لقد
صلّيت الليلة صلاةً، ما رأيتك صليت نحوها، فقال رسول الله وَلُون: ((أجلْ، إنها
صلاة رَغَبٍ وَرَهَبٍ، سألت ربي تبارك وتعالى ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين،
ومنعني واحدةً، سألت ربي تبارك وتعالى أن لا يُهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا،
فأعطانيها، وسألت ربي ◌َك أن لا يُظهر علينا عدوّاً غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي
تبارك وتعالى، أن لا يَلْبِسنا شِيعاً فمنعنيها)). انتهى.

٥٤٧
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٣٩)
[فإن قلت]: كيف جاز لابن عباس رضيًّا مقاطعتها، وقد صحّ عنه ◌َّ:
((لا يحلّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض
هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) متفق عليه؟.
[أجيب]: بأنه ليس المنهيّ عنه ترك الكلام مطلقاً، وإنما المنهيّ عنه
الإعراض، وترك الكلام عند اللقاء، كما يدلّ عليه قوله: ((يلتقيان إلخ))، وابن
عباس ◌ًّا لم يترك الكلام عند اللقاء، بل ترك الدخول عليها، والقرب
منها چُنا .
أو يقال: إن مقاطعته لها، لا لغرض نفسيّ، بل لأمر دينيّ في ظنه،
وذلك أنه ظنّ أنها عاصية في دخولها في أمر الشيعتين المتقدّمتين، ولا شكّ أن
هجران العاصي جائز، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ظّها هذا من أفراد المصنّف نَظّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧٣٩/٢٠ و١٧٤٠ و١٧٤١ و١٧٤٢ و١٧٤٣
و ١٧٤٤] (٧٤٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣٤٢ و١٣٤٣ و١٣٤٤
و١٣٤٥)، و(الترمذيّ) فيها (٤٤٥) وفي ((الشمائل)) (٢٦٧)، و(النسائيّ) في
((قيام الليل)) (٦٠/٣ و١٩٩ و٢١٨ و٢٣٤ و٢٤٠ و٢٤١ و٢٥٩ و١٥١/٤
و١٩٩)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١١٩١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٤٧١٤ و٤٧٥١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٣/٦ و٩٤ و١٠٩ و١٦٣ و١٦٨
و٢٣٦ و٢٥٨)، و(الدارمي) في ((سننه)) (١٤٨٣)، و(البخاريّ) في ((خلق أفعال
العباد)) (٤٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٠٧٨ و١١٢٧ و١١٦٩ و١١٧٨)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٤٢٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٩٤
و٢٢٩٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦٩٠ و١٦٩١ و١٦٩٢ و١٦٩٣)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٩٨٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:

٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
١ - (منها): أنه يدلّ على التنفير من الرهبانية، وهو الانقطاع للعبادة؛ لما
فيها من مخالفة هدي رسول الله وَطير، وعلى أنه يتأكّد الوقوف على ما كان عليه
النبيّ ◌َّ من العبادة، والتأسّي به.
٢ - (ومنها): بيان مشروعية قيام الليل.
٣ - (ومنها): ما كان عليه السلف من السؤال، والبحث عن عبادة
صَلىاله
النبيّ
حتى يقتدوا به فيها .
٤ - (ومنها): أن من أدب العالم المسؤول إذا كان هناك من هو أعلم منه
أن يرشد إليه؛ لأن الدين النصيحة.
٥ - (ومنها): بيان فضل عائشة فيها، حيث كانت أعلم الناس بعبادة
النبيّ ◌َه بشهادة ابن عباس رضيها لها بذلك.
٦ - (ومنها): ما أكرم الله تعالى به نبيّه وَل، حيث أدّبه بآداب القرآن،
فكان المثل الأعلى في التخلّق بالأخلاق الكريمة، كما وصفه الله تعالى بقوله:
[القلم: ٤].
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (®
٧ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يتأدّب بآداب القرآن؛ اقتداء
بالنبيّ ێو .
٨ - (ومنها): بيان أن قيام الليل كان واجباً، ثم نُسِخ رحمةً من الله تعالى
ولطفاً.
٩ - (ومنها): استحباب التأهب لقيام الليل بإعداد السواك، والطَّهُور.
١٠ - (ومنها): استحباب السواك لمن قام من النوم.
١١ - (ومنها): مشروعية الوتر بتسع ركعات، يجلس في الثامنة منها،
دون تسليم، وفي التاسعة مع التسليم، وكذا بسبع، يجلس في السادسة بلا
سلام، وفي السابعة بسلام.
١٢ - (ومنها): أن أحب العمل إلى النبيّ وَّل، وهو المحبوب عند الله
تعالى ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ.
١٣ - (ومنها): استحباب قضاء ما فات من قيام الليل لمرض، أو نحوه.
١٤ - (ومنها): أنه لا ينبغي إحياء الليل كله بالعبادة؛ لأنه ليس من هدي
رسول الله ﴾، وكذا استيعاب الشهر كله بالصوم غير رمضان، وسبب كراهته

٥٤٩
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٤٠)
أنه يُضعف البدن، ويُذهب الْقُوى، فلا يكون الشخص مستعدّاً للجهاد، ونحوه
من العبادة الشاقّة، ويضعفه أيضاً عن القيام بما يجب عليه من الاكتساب لكفاية
نفسه وعياله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل . .
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام،
جَدَّثَنِي(٢) أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ طَلَّقَ
امْرَأَتَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِيَبِيعَ عَقَارَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩]
(ت ٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيَّمان)) ١٥٦/١٢.
٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ /١٥٦.
والباقون كلّهم ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) الفاعل ضمير هشام؛ أي: ذكر هشام الدستوائيّ،
عن قتادة نحو حديث سعيد بن أبي عروبة المتقدّم عنه.
[تنبيه]: رواية هشام، عن قتادة هذه ساقها الإمام الدارميُّ في ((سننه))،
فقال :
(١٤٣٩) حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا معاذ بن هشام، حدّثني أبي،
عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سَعْد بن هشام، أنه طَلَّق امرأته، وأتى
المدينة لبيع عقاره، فيجعله في السلاح والكُراع، فلقي رهطاً من الأنصار،
فقالوا: أراد ذلك ستةٌ منا على عهد رسول الله وَّر، فمنعهم، وقال: ((أما لكم
فيّ أسوة؟))، ثم إنه قَدِم البصرة، فحدّثنا أنه لقي عبد الله بن عباس، فسأله عن
الوتر، فقال: ألا أحدّثك بأعلم الناس بوتر رسول الله وَله؟ قلت: بلى، قال:
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا أبي)).

٥٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
أم المؤمنين عائشة، فأتها فاسألها، ثم ارجع إليّ، فحدِّثني بما تحدثك، فأتيت
حكيم بن أفلح، فقلت له: انطلق معي إلى أم المؤمنين عائشة، قال: إني لا
آتيها، إني نهيت عن هذه الشيعتين، فأبت إلا مُضِيّاً، قلت: أقسمت عليك لَمّا
انطلقتَ، فانطلقنا، فسلّمنا، فعرفت صوت حكيم، فقالت: من هذا؟ قلت:
سعد بن هشام، قالت: من هشام؟ قلت: هشام بن عامر، قالت: نعم المرءُ،
قُتِل يوم أحد، قلت: أخبرينا عن خلق رسول الله وَّةٍ، قالت: ألست تقرأ
القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإنه خلق رسول الله وَله، فأردت أن أقوم، ولا
أسأل أحداً عن شيء حتى ألحق بالله، فعَرَضَ لي القيام، فقلت: أخبرينا عن
قيام رسول الله وَ﴿، قالت: ألست تقرأ ﴿يَّأَيُّهَا الْمُزَّعِّلُ ﴾﴾؟ قلت: بلى،
قالت: فإنها كانت قيام رسول الله وَطير، أنزل أول السورة، فقام رسول الله وَله
وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحُبِس آخرها في السماء ستة عشر شهراً، ثم
أُنزل، فصار قيام الليل تطوُّعاً بعد أن كان فريضةً. فأردت أن أقوم، ولا أسأل
أحداً عن شيء حتى ألحق بالله، فعَرَض لي الوتر، فقلت: أخبرينا عن وتر
رسول الله -* ، فقالت: كان رسول الله وَ﴿ إذا نام وضع سواكه عندي،
فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه، فيصلي تسع ركعات، لا يجلس إلا في الثامنة،
فيحمد الله، ويدعو ربه، ثم يقوم، ولا يسلم، ثم يجلس في التاسعة،
فيحمد الله، ويدعو ربه، ويسلم تسليمةً يُسمعنا، ثم يصلي ركعتين، وهو
جالس، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا بُنَيّ، فلما أسنّ رسول الله، وحَمَلَ اللحم،
صلى سبع ركعات، لا يجلس إلا في السادسة، فيحمد الله، ويدعو ربه، ثم
يقوم، ولا يسلم، ثم يجلس في السابعة، فيحمد الله، ويدعو ربه، ثم يسلم
تسليمةً، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، فتلك تسع يا بُنَّيّ، وكان النبي ◌َّ إذا
غلبه نوم، أو مرضٌ، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعةً، وكان رسول الله وَ اهـ
إذا أخذ خُلُقاً أحب أن يداوم عليه، وما قام نبي الله وَّ﴿ ليلةً حتى يصبح، ولا
قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان، فأتيت ابن عباس،
فحدّثته، فقال: صدقتك، أما إني لو كنت أدخل عليها لشافهتها مشافهةً، قال:
فقلت: أما إني لو شَعَرْتُ أنك لا تدخل عليها ما حدثتك. انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٥٥١
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٤١)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ،
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ
هِشَامِ، أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْوِتْرِ، وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلَّتُ: ابْنُ عَامِرٍ، قَالَتْ: نِعْمَ
الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ، أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ).
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف تَخْتُهُ تقديم هذه الرواية
على ما قبلها؛ لتكون روايتا سعيد بن أبي عروبة متتاليتين، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الفاعل ضمير سعيد بن أبي عروبة.
وقولها: (نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ عَامِرٌ) بالرفع على أنه المخصوص بالمدح، وقد
تقدّم إعرابه في الحديث الماضي.
وقولها: (أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) تعني أن عامراً استُشهد في وقعة أُحُد.
[تنبيه]: رواية سعيد، عن قتادة هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (٢/
٣٢٣) فقال :
حدّثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا محمد بن بشر، قال ثنا
سعيد بن أبي عَرُوبة، قال: ثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام،
قال: انطلقت إلى ابن عباس، فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم
أهل الأرض بوتر رسول الله وسلم؟ قلت: من؟ قال: عائشة ائتها فسلها، ثم
أعلمني ما ترُدّ عليك، قال: فانطلقت إليها، فأتيت على حكيم بن أفلح،
فاستلحقته، فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنّا، فدخلنا، فقالت: من هذا؟ فقال:

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
حكيم بن أفلح، فقالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام، قالت: من
هشام؟ قلت: ابن عامر، قالت نعم المرء كان عامراً (١) أصيب يوم أحد، قلت:
يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله بَّر، فقالت: ألست تقرأ القرآن؟
قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله مَ﴿ كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم،
فبدا لي، فقلت: فقيام رسول الله وَّ يا أم المؤمنين، قالت: ألست تقرأ ﴿يَأَيُّهَا
الْمُزَّيِّلُ ﴾﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة،
فقام رسول الله ويالر وأصحابه حولاً، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله
خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه
السورة، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي
وتر رسول الله وَّل، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله اله،
فقالت: كنا نُعِدّ لرسول الله مَّ سواكه وطَهُوره، فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه
من الليل، فيتسوّك، ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند
الثامنة، فيدعو ربه، ويصلي على نبيّهِ وَّهِ، ثم يَنْهَض، ولا يسلم، ثم يصلي
التاسعة، فيقعد، ثم يحمد ربه، ويصلي على نبيّه ◌َّر، ويدعو، ثم يسلم تسليماً
يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم، وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا
بُنَيّ، فلما أسنّ نبي الله بََّ، وأخذه اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين بعدما
يسلم يا بُنَيّ، وكان نبي الله وَّه إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليها، وكان
النبيّ وَّه إذا غلبه قيام الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعةً، ولا أعلم
نبي الله وَيّ قرأ القرآن كله في ليلة حتى الصباح، ولا صام قط شهراً كاملاً غير
رمضان. فأتيت ابن عباس، فأخبرته بحديثها، فقال: صدقت، وكان أول مرّة
أنه طَلَّق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقاراً له بها، ويجعله في السلاح
والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فَلَقِيَ رهطاً من قومه، فذكر لهم ذلك،
فأخبروه أن رهطاً منهم ستةً أرادوا ذلك في حياة رسول الله وَّ، فنهاهم عن
ذلك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل .
(١) هكذا النسخة ((عامراً)) بالنصب، وقد تقدّم توجيهه، فلا تنس.

٥٥٣
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٤٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٤٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، كِلَاهُمَا
عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ
كَانَ جَاراً لَهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَاقْتَصِنَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ سَعِيدٍ،
وَفِيهِ: قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ، قَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ، أُصِيبَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَفِيهِ: فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَا
تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا أَنْبَأْتُكَ بِحَدِيثِهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ إمامٌ حجة [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ حافظٌ [١١]
(ت٢٤٥) (خ م د ت س) تُقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِي في آخره
فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عمرو البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ
[٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَانَ جَاراً لَّهُ) أي: كان سعد بن هشام جاراً لزرارة بن أوفى.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ ... إلخ) الفاعل ضمير معمر.
وقوله: (فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أَفْلَحَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ ... إلخ) ظاهر هذه
الرواية أن القائل لابن عبّاس: ((لو علمت أنك لا تدخل عليها ... إلخ)) هو
حكيم بن أفلح، لا سعد بن هشام، وهذا بعيد، والظاهر أنه وَهَمٌّ؛ لأنه تقدّم
أن حكيماً أيضاً كان لا يدخل عليها، حيث قال لسعد لَمّا طلب منه أن ينطلق
معه إليها: ((ما أنا بقاربها))، فكيف يمكن أن ينكر على ابن عبّاس ذلك؟
فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.

٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
[تنبيه]: رواية معمر، عن قتادة هذه ساقها أيضاً أبو نعيم في ((مستخرجه))
(٣٤٠/٢) فقال :
(١٦٩١) أخبرنا سليمان بن أحمد، أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبأ
عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى (ح) وثنا عبد الله بن
محمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن محمد بن عمران، ثنا ابن أبي عمر، ثنا
عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، أن سعد بن هشام بن
عامر، كان جاراً له، فأخبره أنه طَلَّق امرأته، ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقاراً
له ومالاً، فيجعله في السلاح والكُراع، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقيه
رهط من قومه، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطاً منهم ستةً أرادوا ذلك على
عهد رسول الله وَّ، فنهاهم رسول الله وَّل، وقال: ((أليس لكم فيّ أُسْوَةٌ؟))،
فلما حَدَّثوه بذلك راجع امرأته، فلما قَدِم علينا أخبرنا أنه أتى ابن عباس،
فسأله عن الوتر، فقال له ابن عباس: ألا أنبئك، أو ألا أدلك بأعلم أهل
الأرض بوتر رسول الله وَ لّ؟ قلت: مَنْ؟ قال: عائشة، فائتها فسلها عن ذلك،
ثم ارجع، فأخبرني بردّها عليك، قال سعد بن هشام: فأتيت حَكِيم بن أفلح،
فاستلحقته إليها، فقال: ما أنا بقاربها، إني نهيتها أن تقول في ما بين الشيعتين،
فأبت إلا مُضِيّاً فيهما، فأقسمت عليه، فجاء معي، فسلّمنا عليها، فدخلنا،
فعرفَته، فقالت: أحكيمٌ؟ قال: نعم، قالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن
هشام، قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، قالت: نعم المرء كان عامراً،
أصيب مع رسول الله وَله يوم أحد، قال: فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني
على(١) خلق رسول الله و له، قالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن
خلق رسول الله وَ* كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم، فبدا لي، فقلت لها:
أنبئيني عن قيام رسول الله وَلّ، فقالت: أما تقرأ هذه السورة: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ﴾،
فقلت: بلى، قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام نبي الله وَيه
وأصحابه حولاً، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله عن خاتمتها اثني عشر
شهراً، ثم أنزل الله مك التخفيف في آخر السورة، فصار قيام الليل تطوعاً بعد
(١) هكذا النسخة بـ((على))، فليُحرّر.

٥٥٥
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٤٣)
إذ كان فريضةً، فهممت أن أقوم، فبدا لي، فسألتها، فقلت: يا أم المؤمنين
أنبئيني عن وتر رسول الله وسلّ، فقالت: كنا نُعِدُّ له سواكه وظهوره من الليل،
فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه، فيتسوك، ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات، لا
يقعد فيهن إلا عند الثامنة، فيحمد الله، ويذكره، ويدعوه، ثم ينهض، ولا
يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ويحمد الله، ويذكره، ويدعوه، ثم يسلم
تسليماً يُسْمِعنا، ثم يصلي ركعتين، وهو قاعد بعدما يسلّم، فتلك إحدى عشرة
أي بُنَيّ، فلما أسن رسول الله بَله، وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصلى ركعتين،
وهو قاعد بعدما سَلَّم، فتلك تسع أي بُنيّ، وكان رسول الله وَّه إذا صلى أحب
أن يداوم عليها، وكان نبي الله وَّل إذا غلبه عن قيام الليل نوم، أو وجع، صلى
من النهار ثنتي عشرة ركعةً، ولا أعلم نبي الله وَّر قرأ القرآن في ليلة، ولا قام
ليلة حتى أصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير شهر رمضان. قال: فأتيت على ابن
عباس، وأنبأته بحديثها، فقال: صدقت، أما إني لو كنت أدخل عليها لشافهتها
مشافهةً، فقال حكيم بن أفلح: أما إني لو علمت أنك لا تدخل عليها ما
أنبأتك بحديثها .
لفظ إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، ويقاربه ابن أبي عمر في
اللفظ، ويوافقه في المعنى. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعاً عَنْ
أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ
سَعْدِ بْنِ هِشَام، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّيْلِ،
مِنْ وَجَعٍ، أَوْ غُيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثَِْيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً).
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٥٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠]
(ت٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٤٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، أَخْبَرَنَا(٢) عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ
يُونُسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَنَّدِ بْنِ هِشَامِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَنْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ،
أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَامَ
لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا صَامَ شَهْراً مُتَتَابِعاً إِلَّ رَمَضَانَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَِّ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث من أفراد المصنّف تَّتُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٥٥٧
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٤٥)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٤٥] (٧٤٧) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ
(ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ
يَزِيدَ(١)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَاهُ
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ
وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ))).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الْخَزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) وله (٧٤) سنةً (خ مد) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٠/٦٣.
٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، تقدّم قبل بابین.
٣ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الكِنديّ الصحابيّ الصغير، حُجّ
به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، ومات سنة (٩١)، أو قبل ذلك (ع)
تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٧/ ١٧١٢.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ،
ثقةٌ فقيهُ ثبتٌ [٣] (ت٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٥ - (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ) - بتشديد الياء - من وَلَد القارة بن
الدِّيش، يقال: له صحبة، وقيل: بل وُلِد على عهد النبيّ وَّ، وقيل: أُتي به
إليه، وهو صغير.
رَوَى عن عمر، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وروى عنه ابنه
محمد، والسائب بن يزيد، وهو من أقرانه، وعروة بن الزبير، والأعرج،
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأحمد بن عبد الرحمن بن عوف، ويحيى بن
جَعْدة بن هُبيرة، والزهريّ.
(١) وفي نسخة: ((أخبرني يونس إلخ)).

٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن سعد: تُوُقّي بالمدينة سنة (٨٥) في خلافة
عبد الملك، وهو ابن (٧٨) سنةً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات
سنة ثمان وثمانين، وكذا أَرَّخَه ابن قانع، وابن زَبْر، والقَرّاب، وزاد: وهو ابن
(٧٨) سنةً، وقال الواقديّ: له صحبة، ثم قال: كان على بيت المال زمن
عمر رظُه، وهو من جِلّة تابعي أهل المدينة وعلمائهم، وأخرج البيهقيّ في
التشهد من طريق ابن إسحاق: حدّثني ابن شهاب، وهشام، عن عروة، عن
عبد الرحمن بن عبد القاريّ، وكان عاملاً لعمر على بيت المال، وقال
العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره مسلم، وابن سعد، وخليفة في الطبقة الأولى
من تابعي أهل المدينة، ورَوَى ابن وهب عن يعقوب بن عبد الرحمن بن
محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ، عن أبيه، قال: أُتي بعبد الله وعبد الرحمن
إلى النبيّ ◌َّ، فمسح على رؤوسهما، فذكر قِصّةً أوردها البغويّ في ((معجم
الصحابة)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٤٧)،
وحديث (٨١٨): ((هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ... )).
٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل بن عبد الْعُزَّى القرشيّ الْعَدَويّ، أمير
المؤمنين، استُشهد نظُه في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول
تفرّد به هو والبخاريّ، وأبو داود، والثاني ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ،
والثالث تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن تابعيّ، عن صحابيّ، وهو
السائب، عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ، عن عمر رظه، ويدخل هذا في
رواية الكبار عن الصغار، وإلى هذا أشار السيوطيّ في ((ألفية الحديث)) حيث
قال :

٥٥٩
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٤٥)
صَحَابَةٍ فَهْوَ ظَرِيفٌ لِلْفَطِنْ
وَمَا رَوَى الصَّحْبُ عَنِ الأَتْبَاعِ عَنْ
وَمُنْكِرُ الْوُجُودِ لَا يُصِيبُ
أَلَّفَ فِيهِ الْحَافِظُ الْخَطِيبُ
وَنَحْوُ ذَا قَدْ جَاءَ عِشْرُونَ أَثَرْ
كَسَائِبٍ عَنِ ابْنِ عَبْدٍ عَنْ عُمَرْ
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة
المبشّرين بالجنّة، جمّ المناقب، وقد أخرج الشيخان عن سعد بن أبي
وقاص نظراته قال: قال رسول الله وَله: ((والذي نفسي بيده، ما لَقِيك الشيطان
قطّ سالكاً فَجّاً إلا سلك فجّاً غير فَجِّك))، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الصحابيّ ابن
الصحابيّ ◌َّا (وَعُبَيْدِ اللهِ) بن عبد الله بن عتبة، أنهما (أَخْبَرَاهُ) أي: ابنَ شهاب
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ) بتشديد الياء، منسوب إلى القَارَة القبيلةِ
المعروفة بِجَوْدة الرمي، قيل: له رؤية، والصحيح أنه تابعيّ.
[تنبيه]: قال السمعانيُّ تَخْثُ في ((الأنساب)): القاريّ بالقاف، والراء
المهملة المكسورة، وتشديد ياء النسبة غير مهموز، هذه النسبة إلى بني قَارَة،
وهم بطن معروف من العرب، قال بعضهم: أيثع بن مَلِيح بن الهون بن
خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضَر، ومن قال: أيثع بن الهون، فقد وَهِمَ، قال
أبو عُبيدة: أيثع هو القارة، وقال غيره: الْقَارَةُ بل هو الدِّيش بن مُحلِّم بن
غالب بن عايدة بن أيثع بن مَلِيح بن الهون بن خُزيمة، وإنما سُمُّوا القَارَة؛ لأن
يعمر بن عوف الشدّاخ أراد أن يفرّقهم في بطون كنانة، فقال رجل منهم:
دَعُونَا قَارَةً لَا تُنَفِّرُونَا فَنُجْفِلَ مِثْلَ إِجْفَالِ الظَّلِيمِ
فسُمُّوا القارَةَ، ويعمر بن الشدّاخ أحد بني الليث، وقيل في المثل السائر:
قد أنصف من راماها، يصفهم بالرمي والإصابة. انتهى(١).
(قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رَّهِ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ) قال
النوويُّ تَخَلْتُ: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وزعم أنه معلّل
(١) ((الأنساب)) ٤٠٦/٤، و((اللباب)) ١٩٣/٢.

٥٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
بأن جماعة رووه هكذا مرفوعاً، وجماعة رووه موقوفاً، وهذا التعليل فاسدٌ،
والحديث صحيحٌ، وإسناده صحيح أيضاً، وقد سبق بيان هذه القاعدة في
الفصول السابقة في مقدمة هذا الشرح، ثم في مواضع بعد ذلك، وبَيّنًا أن
الصحيح، بل الصواب الذي عليه الفقهاء والأصوليون، ومحققو المحدثين أنه
إذا رُوِي الحديث مرفوعاً وموقوفاً، أو موصولاً ومرسلاً، حُكِم بالرفع
والوصل؛ لأنها زيادة ثقة، وسواء كان الرافع والواصل أكثر، أو أقل في
الحفظ والعدد، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن المحققين على
ترجيح الرفع والوصل مطلقاً قد أسلفنا ردّه، وأن النقّاد من محققي المحدثين
إنما يرجّحون حسب القرائن، فتارةً يرجحون هذا، وتارة يرجحون العكس،
فصنيعهم جارٍ حسب القرائن، فتنبّه لهذه الدقائق.
لكن حديث الباب صحيح كما قال، وليس للقاعدة المطلقة التي ذكرها،
وإنما لوجود ما ذكرناه، مما يرجّح الرفع، وذلك لأن يونس لم ينفرد برفعه، بل
تابعه عليه عُقيل عند ابن خزيمة في ((صحيحه)) ١٩٥/٢ رقم (١١٧١)، وكذا
عند أبي عوانة في ((مسنده)) ١٤/٢ رقم (٢١٣٦).
وأيضاً الوقف في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا مما لا يُنال
بالرأي.
وأيضاً يشهد لمتنه حديثُ عائشة ◌ُِّها المتقدّم: ((كان ◌َّ إذا نام من
الليل، أو مرض ... )) الحديث، فبهذه القرائن ترجّح الرفع على الوقف، ولذا
أخرجه المصنّف تَخْدَثُ هنا، فتبصّر(٢)، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
((مَنْ) شرطيّةٌ (نَامَ عَنْ حِزْبِهِ) - بكسر الحاء المهملة، وسكون الزاي
المعجمة -: الوِرْد الذي يعتاده الشخص، من صلاة، وقراءة، وغير ذلك، قاله
في ((المصباح))، وقال السيوطيُّ كَُّهُ: الحزب هو الجزء من القرآن يصلي به،
(١) «شرح النووي)) ٢٩/٦.
(٢) قد أجاد الكلام في هذا الحديث الشيخ ربيع بن هادي في كتابه: ((بين الإمامين:
مسلم والدارقطنيّ))، فراجعه تستفد (ص١٥٦ - ١٦٣).