Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(١٤) - بَابُ اسْتِخْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانٍ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٠)
ولكنه في المسجد، أو في موضع آخر، وإذا كان عند نسائه، فإنما كان لها يوم
من تسعة، فيصحّ قولها: ((ما رأيته يصليها))، وتكون قد علمت بخبره، أو خبر
غيره أنه صلاها، أو يقال: قولها: ((ما كان يصليها))؛ أي: يداوم عليها، فيكون
نفياً للمداومة، لا لأصلها، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ تَخْذُ(١).
وقال في ((الفتح)): وقد اختَلَفَ العلماء في ذلك:
فذهب ابن عبد البرّ وجماعة إلى ترجيح ما اتفق الشيخان عليه، دون ما
انفرد به مسلم، وقالوا: إن عدم رؤيتها لذلك لا يستلزم عدم الوقوع، فيقدّم من
رُوِي عنه من الصحابة الإثباتُ.
وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، قال البيهقيّ: عندي أن المراد بقولها :
((ما رأيته يسبّحها))؛ أي: يُداوم عليها، وقولها: ((وإني لأسبّحها))؛ أي: أداوم
عليها، وكذا قولها: ((وما أحدث الناس شيئاً)) تعني المداومة عليها، قال: وفي
بقية الحديث إشارة إلى ذلك، حيث قالت: ((وإن كان لَيَدَعُ العملَ، وهو يحبّ
أن يعمله خشية أن يَعْمَل به الناس، فيفرضَ عليهم)). انتهى.
وحكى المحبّ الطبريّ أنه جمع بين قولها: ((ما كان يصلي إلا أن يجيء
من مغيبه))، وقولها: ((كان يصليّ أربعاً، ويزيد ما شاء الله)): بأن الأول محمول
على صلاته إياها في المسجد، والثاني على البيت، قال: ويعكُرُ(٢) عليه قولها:
((ما رأيته يسبحها قطّ))، ويجاب عنه بأن المنفيّ صفة مخصوصة، وأَخَذَ الجمعَ
المذکورَ من کلام ابن حبّان.
وقال عياض وغيره: قولها: ((ما صلاها)) معناه ما رأيته يصلّيها، والجمع
بينه وبين قولها: ((كان يصليها)) أنها أَخَبَرت في الإنكار عن عدم مشاهدتها،
وفي الإثبات عن غيرها .
وقيل في الجمع أيضاً: يَحْتَمِلُ أن تكون نفت صلاة الضحى المعهودة
حينئذ، من هيئة مخصوصة، بعدد مخصوص، في وقت مخصوص، وأنه وَله:
إنما كان يصليها إذا قَدِمَ من سفر، لا بعدد مخصوص، ولا بغيره، كما قالت:
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٧/٥.
(٢) عَكَرَ الشيءُ يعكِر، من بابي ضرب، وقتل: عَطَفَ، ورجع.

٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
((يصلي أربعاً، ويزيد ما شاء الله)). انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الأجوبة، وأحسنها قول من قال:
إن نفي عائشة شا لصلاته ﴿ الضحى مبنيّ على علمها، حيث لم تره يصليها
إلا في حال قدومه من مغيبه، قال القرطبيّ تَخَُّهُ: قيل: إنما نفت أن تكون رأته
يصلّيها بحضرتها، وغير حال قدومه من سفر، وحيث صلى أربعاً كان إذا قَدِمَ
من سفر. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيهات]:
(الأول): حديث عائشة هيّا هذا يدلّ على ضعف ما روي عن النبيّ وَلـ
أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه، وعدّها لذلك جماعة من العلماء من
خصائصه ، ولم يثبت ذلك في خبر صحيح، وقول الماورديّ في
((الحاوي)): إنه ◌ّي﴿ واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات، يَعكُر عليه ما
رواه مسلم من حديث أم هانىء ◌ّا أنه لم يصلّها قبلُ، ولا بعدُ.
ولا يقال: إن نفي أم هانىء لذلك لا يلزم منه العدم؛ لأنا نقول: يحتاج
من أثبته إلى دليل، ولو وجد لم يكن حجة؛ لأن عائشة ﴿ّا ذكرت أنه كان إذا
عَمِل عملاً أثبته، فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوبَ عليه، قاله في
((الفتح))(٣).
.. (الثاني): ذَكَرَ النوويّ ◌َخْتُ ما حاصله: صحّ عن ابن عمر ﴿ّا أنه قال
في الضحى: هي بدعة، فيُحْمَل على أنه أراد أن صلاتها في المسجد،
والتظاهر بها، كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أن أصلها في البيوت، ونحوها
مذمومٌ، أو يقال: قوله: بدعة؛ أي: المواظبة عليها؛ لأن النبيّ وَّو لم يواظب
عليها؛ خشيةَ أن تُفرض، وهذا في حقّه وَّ، وقد ثبت استحباب المحافظة في
حقّنا بحديث أبي الدرداء، وأبي ذرّ ظها الآتي؛ أو يقال: إن ابن عمر ظًا لم
يبلغه فعل النبيّ ◌َ ﴿ الضحى، وأمْره بها، وكيف كان، فجمهور العلماء على
استحباب الضحى، وإنما نُقل التوقّف فيها عن ابن مسعود، وابن عمر (
(١) ((الفتح)) ٣٧٣/٣ - ٣٧٤.
(٣) ((الفتح)) ٣٧٣/٣.
(٢) ((المفهم)) ٣٥٦/٢.

٣٢٣
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٠)
والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أحسن الأجوبة عندي الجواب الأخير،
فإنكار ابن عمر وغيره محمول على عدم العلم بثبوتها، وأضعفها، بل هو غير
صحيح، ثانيها؛ لأن قوله: إن المواظبة عليها بدعة، يبطله ما ثبت في حديث
أبي هريرة، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء ﴿ه مما يدلّ على أمر النبيّ وَّ بالمحافظة
على صلاة الضحى، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(الثالث): زاد في رواية النسائيّ في حديث الباب: ((قلت: هل كان
رسول الله وَلو يصوم شهراً كله؟، قالت: لا، ما علمت صام شهراً كله إلا
رمضان، ولا أفطر حتى يصوم منه، حتى مضى لسبيله)).
وفي رواية: ((قلت: هل كان رسول اللهِ وٌَّ له صوم معلومٌ، سوى
رمضان؟ قالت: والله إن صام شهراً معلوماً سوى رمضان، حتى مضى لوجهه،
ولا أفطر حتى يصوم منه)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ؤها هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بجزء الصلاة فقط [١٦٦٠/١٤ و١٦٦١] (٧١٧)
وأخرجه بجزء الصوم فقط في ((الصوم)) (١١٥٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(١٢٩٢)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (٢١٨٣ و٢١٨٤ و٢١٨٥ و٢٣٤٩) وفي
((الكبرى)) (٢٤٩٣ و٢٤٩٤ و٢٤٩٥ و٢٦٥٨)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٦٨)
وفي ((الشمائل)) (٢٨٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٠٧/٢)، و(الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (١٥٥٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٨/٦)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه)) (١٢٣٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٢٦ و٢٥٢٧)،
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٠/٥.

٣٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٢٧)، و(أبو عوانة) في ((مستخرجه)) (١٦١٦
و١٦١٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٩/٣ - ٥٠)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (١٠٠٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٦١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ(١)، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ (٢) الْقَيْسِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٣ - (كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَيْسِيُّ) التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥]
(ت١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
[تنبيه]: قوله: ((القيسيّ)): نسبة إلى بني قيس، وهم أخواله، قال في
((تهذيب الكمال)): كَهْمَس بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، وأخواله
قيس، وهو من الثَّمِر بن قاسط، وكان نازلاً في بني قيس، وقيل: التيميّ، من
تيم الله بن النَّمِر بن قاسط، وليس فيهما تميم. انتهى (١).
والباقيان ذُكرا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، وهو
من أفراد المصنّف تَخْلَثُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) زاد في نسخة: ((العنبريّ)).
(٢) وفي نسخة: ((كهمس، هو ابن الحسن)).
(٣) ((تهذيب الكمال)) ٢٣٢/٢٤.

٣٢٥
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٦٢] (٧١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يُصَلِّي
سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا (١)، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ لَيَدَعُ الْعَمَلَ، وَهُوَ
يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ
ثبتٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَذَلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه أيضاً، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وتقدّم الكلام على
عائشة ◌ّا في السند الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا (أَنَّهَا قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يُصَلِّي
سُبْحَةَ الضُّحَى) بضمّ السين المهملة، وسكون الموحّدة: النافلة، وأصلها من
(١) وفي نسخة: ((وإني لأستحبّها)).

٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
التسبيح، وخُصّت النافلة بذلك؛ لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلة، فقيل
لصلاة النافلة: سُبْحةٌ؛ لأنها كالتسبيح في الفريضة، قاله في ((الفتح))(١).
وقال ابن عبد البرّ تَخُّْ: معناه: ما صلى صلاة الضحى، قال الله رشَك:
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ (٢٤)﴾ [الصافات: ١٤٣]، قال المفسرون: من
المصلين، إلا أن أهل العلم لا يوقعون اسم سُبْحَة إلا على النافلة دون
الفريضة؛ لقوله بَير: ((واجعلوا صلاتكم معهم سبحةً))؛ أي: نافلة. انتهى(٢).
(قَطُّ) أي: في الزمان الماضي، قال في ((القاموس)): وما رأيته قطّ،
ويُضمّ، ويُخفّفان، وقطّ مشدّدةً مجرورة بمعنى الدهر مخصوص بالماضي؛ أي:
فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عُمُري. انتهى(٣)، وقد نظم شيخنا
المناسيّ كَُّ ما ذُكر بقوله:
وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَظْ ضَبَظْ قَظُ وَقُظُ قَطِّ ثُمَّ قُطُ قَطْ
قال الخطّابيّ تَخْلُ: وهذا من عائشة ﴿ّا إخبارٌ عما علمته، دون ما لم
تعلم، وقد ثبت أنه وَيّ صلى صلاة الضحى يوم الفتح، وأوصى أبا ذرّ وأبا
هريرة رضيها، وقال ابن عبد البرّ كَّتُهُ: أما قولها: ما سبّح سُبحة الضحى قطّ،
فهو أن مِن عِلْم السنن علماً خاصّاً يوجد عند بعض أهل العلم دون بعض،
فليس أحد من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، والإحاطة
ممتنعة، وهذا ما لا يجهله إلا من لا عناية له بالعلم، وإنما حَصَلَ المتأخرون
على علم ذلك مذ صار العلم في الكتب، لكنهم بذلك دخلت حفظهم داخلة،
فليسوا في الحفظ كالمتقدمين، وإن كان قد حصل في كتب المقل منهم علم
جماعة من العلماء، والله ينوّر بالعلم قلب من يشاء. انتهى (٤).
(وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا) من التسبيح؛ أي: أصلّيها، وفي بعض النسخ:
((لأستحبّها))، من الاستحباب، وهو رواية ((صحيح البخاريّ)) في ((باب تحريض
النبيّ وَّ﴿ على قيام الليل))، قال في ((الفتح)): ولكلّ منهما وجهة، لكن الأول -
(١) ((الفتح)) ٦٧/٣ (كتاب التهجّد)) رقم (١١٧٧).
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر ١٣٤/٨ - ١٣٥.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٢/ ٣٨٠.
(٤) ((التمهيد)) لابن عبد البر ١٣٦/٨.

٣٢٧
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٢)
يعني لأسبّحها - يقتضي الفعل، والثاني - يعني لأستحبّها - لا يستلزمه (وَإِنْ)
بكسر الهمزة، مخفّفة من ((إنّ) المشدّدة، واسمها ضمير شأن محذوف؛ أي:
إنه، واللام في خبرها، وهو (ليدع العمل)) هي الفارقة بينها، وبين ((إن)) النافية،
وإلى هذا أشار ابن مالك تَخُّْ في ((الخلاصة)) بقوله:
وَتَلْزَمُ اللََّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَخُفِّفَتْ ((إِنَّ)) فَقَلَّ الْعَمَلُ
مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا
تُلْفِهِ غَالِباً بِـ((إِنْ)) ذِي مُوصَلَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلَا
(كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ لَيَدَعُ) بفتح اللام، وهي الفارقة، كما أسلفته آنفاً؛
أي: ليترك (الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال
(خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ) بنصب ((خشية)) على أنه مفعول من أجله؛ أي:
لأجل خشيته عمل الناس بما عَمِل؛ اقتداءً به (فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ) بالبناء للمفعول،
ونصبه عطفاً على ((يَعْمَلَ)).
قال ابن عبد البرّ تَخّلُهُ: في هذا الحديث من الفقه معرفة رأفة رسول الله وَله
بأمته، ورحمته بهم - صلوات الله عليه وسلامه - كما قال الله رشيد: ﴿لَقَدْ
جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٧٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. انتهى (١).
وقال ابن الجوزيّ كَّلُهُ: قوله: ((فيُفرَضَ عليهم)) يَحْتَمِل وجهين:
أحدهما: فيَفْرِضه الله تعالى، والثاني: فيعملوا به اعتقاداً أنه مفروض.
(٢)
انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني فيه نظرٌ، فتأمّله.
وقال ابن بطال رَّتُهُ: يَحْتَمِل حديث عائشة ◌ّا معنيين:
[أحدهما]: أنه يُمكن أن يكون هذا القول منه في وقتٍ فُرِض عليه قيام
الليل دون أمته؛ لقوله في الحديث الآخر: ((لم يمنعني من الخروج إليكم إلا
أني خشيت أن تُفْرَض عليكم))، فدل على أنه كان فرضاً عليه وحده، فيكون
معنى قول عائشة: ((إن كان رسول الله وَ ل﴿ لَيَدُع العمل))، أنه كان يدع عمله
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البر ١٣٤/٨.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٥٧/٧.

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
لأمته، ودعاءهم إلى فعلهم معه، لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلاً، وقد
فرضه الله عليه، أو ندبه إليه؛ لأنه كان أتقى أمته، وأشدهم اجتهاداً، ألا ترى
أنه لما اجتمع الناس من الليلة الثالثة، أو الرابعة، لم يَخْرُج إليهم، ولا شك
أنه صلى حِزْبه تلك الليلة في بيته، فخشي إن خرج إليهم، والتزموا معه صلاة
الليل، أن يسوي الله وَك بينه وبينهم في حكمها، فيفرضها عليهم من أجل أنها
فَرْضٌ عليه؛ إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم في الصلاة،
فما كان منها فريضة، فالإمام والمأموم فيه سواء، وكذلك ما كان منها سنةً، أو
نافلةً.
[الثاني]: أن يكون خَشِي من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعُفُوا
عنها، فيكون من تركها عاصياً لله في مخالفته لنبيه وَّله، وترك اتباعه، مُتَوَغَداً
بالعقاب على ذلك؛ لأن الله تعالى فرض اتباعه، فقال: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال في من ترك اتّباعه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فخشي على تاركها أن
يكون كتارك ما فرض الله عليه؛ لأن طاعة الرسول وص له كطاعته تُعَالَ، وكان وَالـ
رفيقاً بالمؤمنين رحيماً بهم.
[فإن قيل]: كيف يجوز أن تُكْتَب عليهم صلاة الليل، وقد أُكملت
الفرائض؟ .
[قيل له]: صلاة الليل كانت مكتوبةً على النبيّ وَّ، وأفعاله التي تتصل
بالشريعة واجب على أمته الاقتداء به فيها، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على
فعل في وقت معلوم، يقتدون به، ويرونه واجباً، فالزيادة إنما يتصل وجوبها
عليهم من جهة وجوب الاقتداء بفعله، لا من جهة ابتداء فرض زائد على
الخمس .
أو يكون أن الله تعالى لَمّا فَرَض الخمسين، وحَطّها بشفاعته وََّ، فإذا
عادت الأمة فيما استَوْهَبَت، والتَزَمت متبرعةً ما كانت استَعْفَت منه، لم يُستَنگر
ثبوته فرضاً عليهم، وقد ذكر الله تعالى فريقاً من النصارى، وأنهم ابتدعوا
رهبانيةً ما كتبها عليهم، ثم لامهم لَمّا قَصَّروا فيها، بقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا
حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ الآية [الحديد: ٧٢]، فخشي وَّ أن يكونوا مثلهم، فقَطَع العمل؛

٣٢٩
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٣)
شفقةً على أمته. انتهى(١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ظّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٦٢/١٤] (٧١٨)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)»
(١١٢٨ و١١٧٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٩٣)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٤٨٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٢٤)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (١٦١٧)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (١٥٢/١ -١٥٣)، و(عبد
الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٨٦٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٩/٦ و١٧٠ و١٧٨
و٢٠٩ و٢١٠ و٢٢٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٢ و٣١٣ و٢٥٣٢)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٠/٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٦٣] (٧١٩) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا
يَزِيدُ، يَعْنِي الرِّشْكَ، حَدَّثَنْنِي مُعَاذَةُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﴿َا: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه
يُصَلِّ صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من
صغار [٩] (ت٦ أو ٢٣٥) وله بضع و(٩٠) سنة (م دس) تقدم في الإيمان ١٢ / ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة
التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، ورُمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (ت١٨٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٧٦/٧.

٣٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٣ - (يَزِيدُ الرِّشْكُ) هو: يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعيّ مولاهم، أبو الأزهر
البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، ووَهِمَ من ليّنه [٦] (ت١٣٠) وهو ابن مائة سنة (ع) تقدم في
((الحيض)) ١٤ / ٧٦٧.
[تنبيه]: ((الرِّشك)) - بكسر الراء، وسكون الشين المعجمة - قال في
(القاموس)): الرِّشك بالكسر: الكبير اللحية، والذي يَعُدُّ على الرُّمَاة في السَّبَقِ،
وأصله القاف، ولقب يزيد بن أبي يزيد الضُّبَعِيّ، أَحْسَبِ أهل زمانه. انتهى (١).
وقال السيّد مرتضى كَّتُ في ((شرحه)): ((الرِّشْكُ)) بالكَسرِ أَهْمَلَه
الجوهريّ، وقالَ الصّاغانيّ: هو الكَبِير اللِّحْيَةِ، وقال أَبو عَمْرو: الرِّشَكُ الذي
يَعُدّ على الرُّمَاةِ فِي السَبَقِ، قال ثَعْلَبُّ: وأَضْلُه القافُ، يُقال: رَمَينا رِشْقاً، أَو
رِشِقَيْنِ، فسُمِّيَ العَدَدُ بالفِعْلِ، وقال الأزهريّ: الرِّشْكُ لقَبُ رَجُلٍ كانَ عالِماً
بالحِسابِ، يُقال له يَزِيدُ الرِّشَكُ، وقال الصاغانيّ: هو أَبُو الأَزْهَرِ يزِيدُ بن أبي
يَزِيدَ سَلَمَّةَ الضُّبَعِيّ البَصْرِيّ القَسّام، أَحْسَبُ أَهْلِ زَمانِهِ، وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيّ
إِذا سُئلَ عن حِسابٍ فَرِيضَةٍ، قال: عَلَينا بيانُ السِّهامِ، وعَلَى يَزِيدَ الرِّشكِ
الحِسابُ، قال الأزهريّ: وما أُرَى الرِّشكَ عَرَبِيّاً، وأُراهُ لَقباً، لا أَصْلَ له في
العَرَبِيَّةِ، وقال إبراهيمُ الحَربِيّ: ويُقالُ بالفارِسِيَّةِ: رَشْكِنْ إِذا كانَ حَسُوداً، أَظُنُّه
أُخِذَ من هذا، ووَقَعَ في ((الشَّمائِل)) أَنَّه القَسّامُ بِلُغَةِ أَهلِ البَصْرَةِ.
قلت(٢): وهذه أَقْوال مضطربةٌ، لا تكاد تَتَلَاءَمُ مع بعضِها، والصّحِيحُ
قولُ من قالَ: إِنَّه الكَبِيرُ اللُّحْيَةِ بالفارِسِيَّة، وبذلك لُقِّبَ؛ لكِبَرِ لِحْيَتِه، حتىّ إِنّ
عَقْرَباً مَكَثَ فِيها كَذَا وَكَذَا أَيّاماً، على ما ذَكَرَه شُرّاحُ ((الشَّمائِلِ))، وحَقِيقَةُ هذه
اللَّفْظَةِ رِيشْكْ بزِيادةِ الياءِ، ورِيش هو اللِّحْيَة، والكاف للَّصْغِيرِ، أُرِيدَ بِهِ التَّهْوِيلُ
والتَّعْظِيمُ، ثم عُرِّبَتْ بحذفِ الياءِ، فقيلَ: الرِّشْكُ، هذا هو الصَّوابُ في هذا
اللَّقَبِ، وما عدا ذلك كُلَّه فحَدْسِيّاتٌ؛ إِذ لم يَقِفُوا على حَقِيقَةِ اللَّفْظَةِ، وأَبعَدُ
الأَقْوَالِ قولُ أبي عمرو، ثم قولُ الحَربيّ، ثم مَن قالَ: إِنّه القَسّامُ، والعَجَب
من الصاغانيّ كيفَ سَكَتَ مع مَعْرِفَتِه باللِسانِ، فتأَمَّلْ ذلك، والله أعلم.
انتھی(٣).
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٠٤/٣.
(٢) القائل صاحب ((التاج)).
(٣) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ١٧٢/٢٧ - ١٧٣.

٣٣١
(١٤) - بَابُ اسْتِخْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٤)
٤ - (مُعَاذَةُ) بنت عبد الله الْعَدويّة، أم الصهباء البصريّة، ثقة [٣] (ع) تقدمت
في ((الحيض)) ٧٣٨/٩.
و((عائشة)) قَّا ذُكرت قبله، وكذا شرح الحديث واضحٌ.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿نا هذا من أفراد المصنّف دخَّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ١٦٦٣ و١٦٦٤ و١٦٦٥ و١٦٦٦] (٧١٩)،
و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٢٨٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٧٩)، و(ابن
ماجه) في (إقامة الصلاة)) (١٣٨١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٨٥٣)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٥٧١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧٤/٦ و٩٥ و١٢٠
و١٢٣ و١٤٥ و١٥٦ و١٦٨ و١٧٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٢٥
و٢١٢٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦١٩ و١٦٢٠ و١٦٢١ و١٦٢٢)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٥٢٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٧/٣)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٠٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: يَزِيدُ(١) مَا
شَاءَ اللهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد، المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
(١) وفي نسخة: ((ويزيد)).

٣٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب، والحديث من أفراد
المصنّف تَخْذَلَهُ .
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد يزيد السابق، وهو: عن معاذة،
عن عائشة
[تنبيه]: رواية شعبة، عن يزيد الرِّشك هذه ساقها أبو نعيم في
((مستخرجه)) (٢/ ٣١٣) فقال:
وحدّثناه محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل،
حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن يزيد الرِّشك، عن معاذة، أن
أمرأة سألت عائشة: هل كان رسول الله وَي يصلي الضحى؟ قالت: نعم أربعاً،
ويزيد ما شاء الله. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٦٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةَ حَدَّثَتْهُمْ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعاً، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يَحْبَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، تقدّم قريباً أيضاً.
٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ حافظً، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختَلَطَ، أثبت الناس في قتادة
[٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس
[٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقيان ذُكرا قبله، وكذا الكلام على الحديث، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٣٣٣
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٦)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٦٦٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا(١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَنْ
مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي(٢) أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم قريباً.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ، ربما
وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقَّدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) عن (٧٨) سنةً
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن معاذة
العدويّة، عن عائشة
في٧
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة هذه، ساقها إسحاق ابن
راهويه تَخْتُهُ في ((مسنده)) (٧٦٩/٣) فقال:
(١٣٨٩) أخبرنا معاذ بن هشام، صاحب الدستوائيّ، حدّثني أبي، عن
قتادة، عن معاذة العدويّة، قالت: قلت لعائشة: كم كان النبيّ ◌َلل يصلي
الضحى؟ فقالت: أربعاً، ويزيد ما شاء الله، قال قتادة: فذكرته لمحمد بن
سيرين، فقال: ركعتين، ويزيد ما شاء الله، قال قتادة: وكان سعيد بن
المسيِّب يصلي الضحى أربع ركعات، قال قتادة: وكان محمد بن سيرين
يصلي الضحى ثمان ركعات، قال: وكان الحسن يصلي ركعتين. انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((أخبرني)).

٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٧] (٣٣٦) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي
ے
لَيْلَى، قَالَ: مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيِّ نَّهِ يُصَلِّي الضُّحَى، إِلَّا أُمُّ هَانِيٍ، فَإِنَّهَا
حَدَّثَتْ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ دَخَلَ بَيْتَهَا، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَصَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، مَا رَأَيْتُهُ
صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ
بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ قَوْلَهُ: قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله
الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت١١٨) (ع) تقدم في
«الإیمان)) ٤٥٢/٨٥.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة
فاضلٌ [٢] (ت٨٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٣ - (أُمُّ هَانِيٍ) بنت أبي طالب الهاشميّة، أخت عليّ ◌َظُه، شقيقته،
واسمها فاختة، أو هند، الصحابيّة المشهورة، ماتت ها في خلافة معاوية .
(ع) تقدمت في ((الحيض)) ١٥/ ٧٧٠.
والباقون ذُكروا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف كَّلُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين روى عنهما أصحاب
الكتب الستّة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عبد الرحمن.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).
-

٣٣٥
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانٍ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٧)
٥ - (ومنها): أن أمّ هانىء ◌ُؤثّا ممن اشتهرت باسمها، وليس لها في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث، كرّره المصنّف ستّ مرّات.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) اختُلف في اسم أبيه، فقيل: بلال،
وقيل: بُليل مصغّراً، وقيل: داود، وقيل: يسار، وقيل: أوس، صحابيّ شَهِد
أحداً، وما بعدها، وعاش إلى خلافة عليّ ظُه، أنه (قَالَ: مَا) نافية (أَخْبَرَنِي
أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َلِّ يُصَلِّي الضُّحَى) وفي الرواية الآتية من طريق عبد الله بن
الحارث بن نوفل، قال: «سألت، وحَرَصتُ على أن أجد أحداً من الناس،
يخبرني أن النبيّ ◌ِّهِ سَبَّحَ سُبْحَة الضحى، فلم أجد غير أم هانئ بنت أبي
طالب، أخبرتني ... )).
وفي رواية ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) من وجه آخر عن ابن أبي ليلى:
((أدركت الناس، وهم متوافرون، فلم يخبرني أحدٌ أن النبيّ ◌َّ صلى الضحى،
إلا أم هانئ)).
(إِلَّ أُّ هَانِيٌّ) برفع ((أمُّ))؛ لأنه بدل من ((أحدٌ))، ولفظ البخاريّ: ((غيرُ أم
هانئ)).
قال في ((الفتح)): هذا لا يدلّ على نفي الوقوع؛ لأن عبد الرحمن بن أبي
ليلى إنما نفى ذلك عن نفسه، وأما قول ابن بطال: لا حجة في قول ابن أبي
ليلى، وترُدّ عليه الأحاديث الواردة في أنه وَلاير صلى الضحى، وأمر بها، ثم
ذكر منها جملةً، فلا يَرِدُ على ابن أبي ليلى شيء منها. انتهى (١).
(فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ دَخَلَ بَيْتَهَا، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةً) أي: في رمضان
سنة ثمان من الهجرة (فَصَلَّى) وفي رواية البخاريّ: ((فاغتسل، وصلّى))، ظاهره
يدلّ على أن الاغتسال وقع في بيتها، وسيأتي بعد حديث من طريق أبي مُرّة،
عن أم هانئ، أنها ذهبت إلى النبيّ وَّ ر، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل.
ويُجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه وَلقر، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة، من
(١) ((الفتح)) ٢/ ٦٧٤.

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
طريق مجاهد، عن أم هانئ، وفيه: ((أن أبا ذَرّ ستره لَمّا اغتسل))، وفي رواية
أبي مُرّة عنها أن فاطمة بنته هي التي سترته.
ويَحْتَمِل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر
بمكة، فجاءت إليه، فوجدته يغتسل، فيصحّ القولان، وأما الستر فيَحْتَمِل أن
يكون أحدهما ستره في ابتداء الغسل، والآخر في أثنائه، ذكره في ((الفتح))(١)،
وهو توجيه حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(ثَمَانِي رَكَعَاتٍ) زاد كريب، عن أم هانئ ◌ُّ: ((فسلّمَ من كل ركعتين))،
أخرجه ابن خزيمة، وفيه رَدٌّ على من تمسك به في صلاتها موصولة، سواء
صَلَّى ثماني ركعات، أو أقلَّ، وعند الطبراني من حديث ابن أبي أوفى ظته أنه
صلى الضحى ركعتين، فسألته امرأته، فقال: إن النبيّ وَ ﴿ صلى يوم الفتح
ركعتين، وهو محمول على أنه رأى من صلاة النبيّ وَل* ركعتين، ورأت أم
هانئ بقية الثمان، وهذا يُقَوِّي أنه صلاها مفصولةً، والله تعالى أعلم (٢) .
(مَا) نافية (رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا) أي: من تلك الصلاة، وفي
رواية البخاريّ: ((فلم أر صلاةً قط أخفّ منها)) (غَيْرَ أَنَّهُ) بِّهِ (كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ
وَالسُّجُودَ) وفي رواية عبد الله بن الحارث الآتية: ((لا أدري أقيامه فيها أطول،
أم ركوعه، أم سجوده؟ كلُّ ذلك منه متقارب)).
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ بَشَّارٍ) يعني محمداً شيخه الثاني في هذا الحديث
(فِي حَدِيثِهِ قَوْلَهُ: قَطَّ) أي: لفظة ((فّ))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أمّ هانىء ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٦٧/١٤ و١٦٦٨ و١٦٦٩ و١٦٧٠] (٣٣٦)،
و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١١٨٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٩١)،
(١) ((الفتح)) ٦٤/٣.
(٢) ((الفتح)) ٦٤/٣.

٣٣٧
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانٍ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٧)
و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٤٧٤) وفي ((الشمائل)) (٢٩٠)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٤٨٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٢/٢ و٣٤٣)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (١٢٣٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٢٩)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٢٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب سنيّة صلاة الضحى، وهو واضحٌ، وحَكَی
عياض عن قوم، أنه ليس في حديث أم هانئ ﴿ّ دلالةٌ على ذلك، قالوا:
وإنما هي سنة الفتح، وقد صلاها خالد بن الوليد في بعض فتوحه كذلك.
وقال عياض أيضاً: ليس حديث أم هانئ بظاهر في أنه وصل و قصد بها سنة
الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته فقط، وقد قيل: إنها كانت
قضاء عما شُغِل عنه تلك الليلة من حزبه فيه.
وتعقبه النوويُّ تَخْلُ بأن الصواب صحة الاستدلال به؛ لما رواه أبو داود
وغيره من طريق كريب، عن أم هانئ ثا أن النبيّ ◌َّه صلى سُبْحة الضحى،
ولمسلم في ((كتاب الطهارة)) من طريق أبي مُرّة، عن أم هانئ ◌ُّ في قصة
اغتساله وقلقه يوم الفتح: ((ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى))، ورَوَى ابن
عبد البرّ في ((التمهيد)) من طريق عكرمة بن خالد، عن أم هانئ، قالت: قَدِمَ
رسول الله 8* مكة، فصلى ثمان ركعات، فقلت ما هذه؟ قال: ((هذه صلاة
الضحى))، قاله في ((الفتح))(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن الاستدلال
بحديث أم هانىء ظّ هذا على سُنّة صلاة الضحى واضح، وأن الذين أوّلوا
بأنها صلاة الفتح لم يُصيبوا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان عدد ركعات صلاة الضحى، قال النوويّ كَّلُهُ في
(شرحه)): في رواية عائشة ﴿قا: ((أنه رَ* كان يصلي الضحى أربع ركعات،
ويزيد ما شاء))، وفي رواية: ((ما شاء الله))، وفي حديث أم هانئ ◌َاثًا: ((أنه
:
صلى ثماني ركعات))، وفي حديث أبي ذرّ، وأبي هريرة، وأبي الدرداء
(١) ((الفتح)) ٦٤/٣ - ٦٥.

٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ركعتان، هذه الأحاديث كلُّها متَّفِقةٌ، لا اختلاف بينها عند أهل التحقيق.
وحاصلها أن الضحى سنةٌ مؤكّدةٌ، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثماني
ركعات، وبينهما أربعٌ، أو ستّ كلاهما أكمل من ركعتين، ودون ثمان.
انتھی(١).
٣ - (ومنها): ما كان عليه السلف من شدّة الحرص على تتبّع أفعال
النبيّ ټژ حتى يقتدوا به فيها.
٤ - (ومنها): أن بعض السنن قد يخفى على كثير من الناس، بل على
كثير من خواصّ العلماء، فقد أنكر كثير من الصحابة ظه صلاة الضحى، مع
أن كثيراً منهم حفظها، وأثبتها، كعائشة، وأمّ هانىء، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء،
وأبي هريرة ﴿ه، وغيرهم.
والحاصل أن السنّة حيثما ثبتت أُخذ بها، ولا التفات إلى من أنكرها؛
لجهله بسنيّتها، وإن كان من أكابر أهل العلم.
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على استحباب تخفيف صلاة الضحى، قال
في ((الفتح)): وفيه نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغَ لمهمات الفتح؛
لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله ◌َ ﴿ أنه صلى الضحى، فطَوَّل فيها، أخرجه
ابن أبي شيبة، من حديث حذيفة (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سنّة صلاة الضحى:
قد جمع الإمام ابن القيّم ◌َّثُ في كتابه النافع ((زاد المعاد)» الأقوال في
صلاة الضحى، فبلغت ستةً:
[الأول]: مستحبةٌ، واختُلِف في عددها، فقيل: أقلها ركعتان، وأكثرها
اثنتا عشرة، وقيل: أكثرها ثمان، وقيل: كالأول، لكن لا تُشْرَع ستّاً، ولا
عشرةً، وقيل: كالثاني، لكن لا تُشْرَع ستّاً، وقيل: ركعتان فقط، وقيل: أربعاً
فقط، وقيل: لا حدّ لأكثرها.
[القول الثاني]: لا تُشْرَع إلا لسبب، واحتجوا بأنه وَلّ لم يفعلها إلا
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٩/٥ - ٢٣٠.
-
(٢) ((الفتح)) ٦٤/٣ - ٦٥.

٣٣٩
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٧)
بسبب، واتَّفَق وقوعها وقت الضحى، وتعددت الأسباب، فحديث أم هانئ في
صلاته يوم الفتح، كان بسبب الفتح، وأن سنة الفتح أن يصلي ثمان ركعات،
ونقله الطبريّ من فعل خالد بن الوليد لما فتح الْحِيرة، وفي حديث عبد الله بن
أبي أوفى أنه ◌َّ صلى الضحى حين بُشِّر برأس أبي جهل، وهذه صلاة شكر،
كصلاته يومٍ الفتح، وصلاته في بيت عتبان إجابةً لسؤاله أن يصلي في بيته مكاناً
يتخذه مُصَلَّى، فاتَّفَق أنه جاءه وقت الضحى، فاختصره الراوي، فقال: صلى
في بيته الضحى، وكذلك حديثٌ بنحو قصة عتبان مختصراً، قال أنس: ما رأيته
صلى الضحى إلا يومئذ، وحديث عائشة: لم يكن يصلي الضحى إلا أن يجيء
من مغيبه؛ لأنه كان ينهى عن الظُرُوق ليلاً، فيَقْدَم في أول النهار، فيبدأ
بالمسجد، فيصلي وقت الضحى.
[القول الثالث]: لا تُستحب أصلاً، وصحّ عن عبد الرحمن بن عوف،
أنه لم يصلّها، وكذلك ابن مسعود.
[القول الرابع]: يستحب فعلها تارةً، وتركها تارةً، بحيث لا يواظب
عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، والحجةُ فيه حديث أبي سعيد: كان
النبيّ 18 يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا
يصليها، أخرجه الحاكم.
وعن عكرمة: كان ابن عباس يصليها عشراً، ويدعها عشراً، وقال الثوريّ
عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، وعن سعيد بن جبير:
إني لأدعها وأنا أحبها مخافة أن أراها حتماً عليّ.
[الخامس]: تستحب صلاتها، والمواظبة عليها في البيوت؛ أي: للأمن
من الخشية المذكورة.
[السادس]: أنها بدعةٌ، صحّ ذلك من رواية عروة، عن ابن عمر، وسئل
أنس عن صلاة الضحى؟ فقال: الصلوات خمسٌ، وعن أبي بكرة: أنه رأى
ناساً يصلون الضحى، فقال: ما صلاها رسول الله بَّه، ولا عامة أصحابه.
وقد جَمَع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى، في جزء مفرد،
وذكر لغالب هذه الأقوال مستنداً، وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو

٣٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
العشرين نفساً، من الصحابة ظه انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول الراجح هو القول بأن صلاة
الضحى مستحبّة، وتُستحبّ المداومة عليها؛ لصحّة الأحاديث بذلك:
(فمنها): ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة حظه قال: أوصاني
خليلي بثلاث، لا أَدَعُهُنّ حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة
الضحى، ونوم علی وتر.
ولفظ ابن خزيمة: ((أوصاني خليلي وَ ل﴿ بثلاث، لستُ بتاركهنّ: أن لا
أنام إلا على وتر، وأن لا أدع ركعتي الضحى، فإنها صلاة الأوابين، وصيام
ثلاثة أيام من کلّ شهر)).
(ومنها): ما أخرجه مسلم عن أبي ذَرّ ◌َظُه، عن النبيّ وَ ◌ّ أنه قال:
((يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحة صدقة، وكل تحميدة
صدقة، وكل تهليلة صدقةٌ، وكل تكبيرة صدقةٌ، وأمر بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌّ
عن المنكر صدقةٌ، ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)).
وأخرج أحمد، واللفظ له، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، وابن
حبّان، عن بُريدة له قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((في الإنسان ستون
وثلاثمائة مَفْصِل، فعليه أن يتصدق عن كل مَفْصِل منها صدقةً))، قالوا: فمن
الذي يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: ((النخاعة في المسجد تَدْفِنها، أو الشيء
تُنَخِّيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى، تجزئ عنك)).
(ومنها): ما أخرجه مسلم والنسائيّ عن أبي الدرداء ◌َظُبه قال: ((أوصاني
حبيبي وَّرُ بثلاثٍ، لن أدعهن ما عِشْتُ: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة
الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر)).
(ومنها): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضيها قال: بعث
رسول الله وَ﴿ سَرِيّةً، فَغَنِمُوا، وأسرعوا الرَّجْعة، فتحدث الناس بقرب مغزاهم،
وكثرة غنيمتهم، وسرعة رَجعتهم، فقال رسول الله وَله: ((ألا أدلكم على أقرب
منه مَغْزَى، وأكثر غنيمةً، وأوشك رَجْعةً، مَن توضأ، ثم غدا إلى المسجد
(١) راجع: ((زاد المعاد)) ٣٤١/١ - ٣٦٠، و((الفتح)) ٦٦/٣.