Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٢٨)
كان ذلك لسفر أو مطر، كان ابن عباس أجلّ قدراً من أن يَحتَجّ على جمعه
بجمع المطر أو السفر.
وأيضاً فقد ثبت في ((الصحيحين)) عنه أن هذا الجمع كان بالمدينة، فكيف
يقال: لم ينف السفر، وحبيب بن أبي ثابت من أوثق الناس، وقد روى عن
سعيد، أنه قال: من غير خوف ولا مطر.
وأما قوله: إن البخاريّ لم يخرجه، فيقال: هذا من أضعف الحجج، فهو
لم يخرج أحاديث أبي الزبير، وليس كل من كان من شرطه يخرجه.
وأما قوله: ورواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء قريب من رواية أبي
الزبير، فإنه ذكر ما أخرجاه في ((الصحيحين))، من حديث حماد بن زيد، عن
عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ظها أن رسول الله وَله صلى
بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وفي رواية
البخاريّ، عن حماد بن زيد، فقال لأيوب: لعله في ليلة مطيرة، فقال: عسى.
فيقال: هذا الظن من أيوب وعمرو، فالظنّ ليس من مالك، وسبب ذلك
أن اللفظ الذي سمعوه لا ينفي المطر، فجوّزوا أن يكون هو المراد، ولو
سمعوا رواية حبيب بن أبي ثابت الثقة الثبت، لم يظنوا هذا الظن.
ثم رواية ابن عباس هذه حكاية فعل مطلق، لم يذكر فيها نفي خوف ولا
مطر، فهذا يدلّك على أن ابن عباس كان قصده بيان جواز الجمع بالمدينة في
الجملة، ليس مقصوده تعيين سبب واحد، فمن قال: إنما أراد جمع المطر
وحده، فقد غَلِطَ عليه.
ثم عمرو بن دينار تارةً يُجَوِّز أن يكون للمطر موافقةً لأيوب، وتارةً يقول
هو وأبو الشعثاء: إنه كان جمعاً في الوقتين، كما في ((الصحيحين)) عن ابن
عيينة، عن عمرو بن دينار: سمعت جابر بن زيد يقول: سمعت ابن عباس
يقول: صليت مع رسول الله وَل ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً، قال: قلت: يا
أبا الشعثاء أُراه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال:
وأنا أظن ذلك.
فيقال: ليس الأمر كذلك؛ لأن ابن عباس كان أفقه وأعلم، من أن
يحتاج إذا كان قد صلى كل صلاة في وقتها الذي تعرف العامة والخاصة

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
جوازه، أن يذكر هذا الفعل المطلق دليلاً على ذلك، وأن يقول: أراد بذلك أن
لا يحرج أمته، وقد عُلم أن الصلاة في الوقتين، قد شرعت بأحاديث
المواقيت، وابن عباس هو ممن روى أحاديث المواقيت، وإمامة جبريل له عند
البيت، وقد صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى
العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، فإن كان النبيّ وَّ إنما جمع على هذا
الوجه، فأيّ غرابة في هذا المعنى؟ ومعلوم أنه كان قد صلى في اليوم الثاني
كلا الصلاتين في آخر الوقت، وقال: ((الوقت ما بين هذين))، فصلاته للأولى
وحدها في آخر الوقت أولى بالجواز.
وكيف يليق بابن عباس أن يقول: فَعَل ذلك كيلا يحرج أمته، والوقت
المشهور هو أوسع، وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه، وكيف يَحتجّ
على من أنكر عليه التأخير، لو كان النبيّ وَّ﴿ إنما صلى في الوقت المختص
بهذا الفعل، وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق
وحدها، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يُغنيه عن هذا.
وإنما قصد ابن عباس بيان جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء؛ ليبيّن
أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره، وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة.
ثم ابن عباس قد ثبت عنه في ((الصحيح)) أنه ذكر الجمع في السفر، وأن
النبيّ وَّ جمع بين الظهر والعصر في السفر، إذا كان على ظهر سيره، وقد
تقدم ذلك مفصلاً، فعُلِم أن لفظ الجمع في عرفة وعادته إنما هو الجمع في
وقت إحداهما، وأما الجمع في الوقتين، فلم يُعْرَف أنه تكلم به، فكيف يَعدل
عن عادته التي يتكلم بها إلى ما ليس كذلك؟.
وأيضاً فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا
هريرة فسألته، فصدق مقالته، أَتُراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها
إلى آخر الوقت، وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا مما
يخفى على أقل الناس علماً حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن
ينقله إلى أبي هريرة أو غيره، حتى يسأله عنه؟ إن هذا مما تواتر عند
المسلمين، وعَلِموا جوازه، وإنما وقعت شبهة لبعضهم في المغرب خاصّةً،
وهؤلاء يجوّزون تأخيرها إلى آخر وقتها، فالحديث حجة عليهم كيفما كان،

٢٠٣
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٢٨)
وجواز تأخيرها ليس معلقاً بالجمع، بل يجوز تأخيرها مطلقاً إلى آخر الوقت،
حين يؤخر العشاء أيضاً، وهكذا فعل النبيّ وَ ال ◌ّ حين بَيَّن أحاديث المواقيت،
وهكذا في الحديث الصحيح: ((وقتُ المغرب ما لم يغب نور الشفق، ووقت
العشاء إلى نصف الليل))، كما قال: ((وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء
مثله، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس))، فهذا الوقت المختص الذي بيّنه
بقوله وفعله، وقال: ((الوقت ما بين هذين))، ليس له اختصاص بالجمع، ولا
تعلّق به.
ولو قال قائل: قوله: جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر،
المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من الكوفيين، لم يكن بينه
وبينهم فرقٌ، فلماذا يكون الإنسان من المطفِّفين، لا يحتج لغيره كما يحتج
لنفسه، ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره؟.
وأيضاً فقد ثبت هذا من غير حديث ابن عباس، ورواه الطحاويّ: حدّثنا
ابن خزيمة، وإبراهيم بن أبي داود، وعمران بن موسى، قال: أنا الربيع بن
يحيى الأشنانيّ، حدّثنا سفيان الثوريّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن
عبد الله، قال: جمع رسول الله وَله بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء
بالمدينة، للرخصة من غير خوف ولا علة، لكن يُنظَر حال هذا الأشنانيّ(١).
وجمعُ المطر عن الصحابة، فما ذكره مالك، عن نافع، أن عبد الله بن
عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر، جمع معهم في ليلة
-
(١) قال في ((التقريب)): الربيع بن يحيى بن مٍقسم الأشنانيّ، أبو الفضل البصريّ،
صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة (٢٢٤) روى عنه البخاريّ، وأبو
داود.
وقال في (تهذيب التهذيب)) تَذَهُ ٢١٨/٣: قال أبو حاتم: ثقةٌ ثبتٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال ابن قانع: إنه ضعيف، وقال الدارقطنيّ: ضعيفٌ ليس
بالقويّ، يخطىء كثيراً، حدّث عن الثوريّ، عن ابن المنكدر، عن جابر: ((جمع
النبيّ (َ﴿ بين الصلاتين))، وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة، ولا جمل،
وهذا يُسقط مائة ألف حديث، وقال أبو حاتم في ((العلل)): هذا باطل عن الثوريّ.
انتھی .

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
المطر، قال البيهقيّ: ورواه العمريّ، عن نافع، فقال: قبل الشفق، وروى
الشافعيّ في القديم: أنبأنا بعض أصحابنا، عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن
عبد الله بن حبيب، أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق، وذكر ما
رواه أبو الشيخ الأصبهانيّ بالإسناد الثابت، عن هشام بن عروة، وسعيد بن
المسيِّب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كانوا يجمعون بين
المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، إذا جمعوا بين الصلاتين، ولا ينكر ذلك،
وبإسناده عن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز، كان يجمع بين المغرب
والعشاء الآخرة، إذا كان المطر، وأن سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير،
وأبا بكر بن عبد الرحمن، ومَشْيَخَة ذلك الزمان، كانوا يصلّون معهم، ولا
ینکرون ذلك.
فهذه الآثار تدلّ على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به
بالمدينة، زمنَ الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحداً من الصحابة
والتابعين، أنكر ذلك، فعُلِم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، لكن لا يدلّ
على أن النبيّ ◌َّ لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جَمَعَ لسبب هو دون المطر مع
جمعه أيضاً للمطر، كان قد جَمَع من غير خوف ولا مطر، كما أنه إذا جَمع في
السفر، وجمع في المدينة، كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر،
فقول ابن عباس: جمع من غير كذا ولا كذا، ليس نفياً منه للجمع بتلك
الأسباب، بل إثبات منه؛ لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جَمَع بها أيضاً، ولو
لم يُنقَل أنه جمع بها، فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق
الأولى، فيدلّ ذلك على الجمع للخوف والمطر، وقد جمع بعرفة ومزدلفة، من
غير خوف ولا مطر.
فالأحاديث كلها تدلّ على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن
أمته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج، قد رفعه الله عن الأمة، وذلك يدل
على الجمع للمرض الذى يُخْرِج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى
والأحرى، ويَجْمَع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج،
كالمستحاضة، وأمثال ذلك من الصور.
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب ظُه أنه قال: الجمع بين الصلاتين من

٢٠٥
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٢٩)
غير عذر من الكبائر، ورَوَى الثوريّ في ((جامعه)) عن سعيد، عن قتادة، عن أبي
العالية، عن عمر، ورواه يحيى بن سعيد، عن يحيى بن صبح: حدّثني حميد بن
هلال، عن أبي قتادة، يعني العدويّ، أن عمر بن الخطاب كَتَب إلى عامل له:
(ثلاثٌ من الكبائر: الجمع بين صلاتين إلا من عذر، والفرار من الزَّحْف،
والنَّهْبُ))، قال البيهقيّ: أبو قتادة أدرك عمر، فإن كان شَهِدَه كَتَب فهو
موصول، وإلا فهو إذا انضم إلى الأَوَّل صار قويّاً، وهذا اللفظ يدلّ على إباحة
الجمع للعذر، ولم يَخُصّ عمر عذراً من عذر.
قال البيهقيّ: وقد رُوي فيه حديثٌ موصولٌ عن النبيّ وََّ، في إسناده مَن
لا يُحتجّ به، وهو من رواية سلمان التيميّ، عن حَنَش الصنعائيّ، عن عكرمة،
عن ابن عباس ثًا. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد شيخ الإسلام تَخْتُ في هذا التحقيق،
وأفاد، وحاصله ترجيح قول من قال بمشروعية الجمع بين الظهر والعصر،
والمغرب والعشاء في الحضر بسبب عذر من الأعذار، مطراً كان، أو مرضاً،
أو ظلمةً، أو ريحاً شديداً، أو غير ذلك من الأعذار يحتاج معها الإنسان إلى
التيسير عليه بالجمع بين الصلاتين؛ لقوّة حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٢٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّام، جَمِيعاً عَنْ
زُهَيْرٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا (٢) أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً بِالْمَدِينَةِ، فِي
غَيْرٍ خَوْفٍ وَلَّا سَفَرٍ))، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُ سَعِيداً: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ:
سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَّا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَداً مِنْ أُمَّتِهِ).
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٢٤/ ٧٢ - ٨٤.
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) تقدّم قبل بابین.
٢ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّام) أبو جعفر الكوفيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٨/٣٠.
٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية، تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَداً مِنْ أُمَّتِهِ) أي: لا يوقعه في حَرَج، وهو
بفتحتين: الضِّيق، والإثم، يقال: حَرِجَ صدرُه، من باب تَعِبَ: ضاق، وحَرِجَ
الرجُلُ: أَئِمَ، وصدرُ حَرِجٌ: ضَيِّقٌ، ورُجُلٌ حَرِجٌ: آثم، قاله في ((المصباح)) (١)،
والمناسب هنا معنى الضيق.
والمعنى أنه وَ ل﴿ إنما فعل ذلك؛ لئلا يَشُقّ على أحد من أمته، ويُثقل عليه
بإفراد كلّ صلاة في وقتها الأصليّ، فشرع لهم الجمع؛ تخفيفاً عنهم، وتيسيراً
علیهم.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى تمام شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٦٣٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا(٢) يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي
ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ
عَبَّاسِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ(٣) فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا، فِي غَزْوَةٍ تَبُّوَكَ،
فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (٤)، قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْتُ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ:
مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
(١) ((المصباح المنير)) ١٢٧/١.
(٣) وفي نسخة: ((بين الصلاتين)).
(٤) وفي نسخة: ((وبين المغرب والعشاء)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٢٠٧
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٣١)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقة، [١٠] (ت٢٤٨) (م ٤)
تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٦] (ت١٥٥) (ع) تقدم في
((الإيمان) ١٢٦/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
قال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: (أن لا يُحرج) رُوي بضمّ الياء التحتانيّة،
و((أُمته)) بالنصب على أنه مفعول به، ورُوي أيضاً (تَحْرَج)): بفتح التاء الفوقانيّة،
و((أمتُهُ)) بالرفع على الفاعليّة. انتهى بتصرّف(١).
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣١] (٧٠٦) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ،
حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطَّفَيْلِ، عَامِرٍ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلـ
فِي غَزْوَةٍ تَبُوَكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُوِ الطَّفَيْلِ عَامِرُ) بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جَحْش، ويقال:
خميس بن جريّ بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة، أبو
الظُّفيل الليثيّ، ويقال: اسمه عمرو، والأول أصحّ، وُلد عام أُحُد.
رَوَى عن النبيّ ◌ََّ، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، ومعاذ بن جبل،
وحذيفة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي سَرِيحة، ونافع بن عبد الحارث،
وزيد بن أرقم، وغيرهم.
(١) ((المفهم)) ٣٤٧/٢.

٢٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ورَوَى عنه الزهريّ، وأبو الزبير، وقتادة، وعبد العزيز بن رُفيع، وسعيد بن
إياس الْجُريريّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن
أبي حسين، وعكرمة بن خالد المخزوميّ، وعُمارة بن ثوبان، وعمرو بن دينار،
وفرات القزّاز، وغيرهم.
قال مسلم: مات أبو الظُّفيل سنة مائة، وهو آخر من مات من أصحاب
رسول الله بصير، وقال خليفة: مات بعد سنة مائة، ويقال: مات سنة سبع، وقال
وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جنازةً،
فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الظُّفيل، وقال ابن الْبَرْقيّ: مات سنة (١٠٢)،
وقال موسى بن إسماعيل: ثنا مبارك بن فَضَالة، ثنا كثير بن أعين، سمعت أبا
الطفيل بمكة سنة سبع ومائة يقول: ضحك رسول الله وَ له، فذكر قصةً.
وقال ابن السكن: رُوي عنه رؤيته لرسول الله وَل من وجوه ثابتة، ولم
يُرْوَ عنه من وجه ثابت سماعه من رسول الله وَله .
وقال ابن سعد: حدّثنا عمرو بن عاصم، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن
زيد، عن أبي الطفيل قال: كنت أطلب النبيّ وَله فيمن يطلبه ليلة الغار، قال:
فقمت على باب الغار، ولا أرى فيه أحداً، ثم قال ابن سعد: وهذا الحديث
غلط، أبو الطفيل لم يولد تلك الليلة، وينبغي أن يكون حَدَّث بهذا الحديث عن
غيره، فأوهم الذي حَمَل عنه.
وكان أبو الطفيل ثقةً في الحديث، وكان متشيِّعاً، وذكر البخاري في
(التاريخ الصغير)) هذا الحديث عن عمرو بن عاصم، وقال: الأول أصحّ، يعني
قوله: أدركت ثمان سنين من حياة النبيّ أَلاّ.
وقال يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)): حدثنا عقبة بن مُكْرَم، ثنا يعقوب بن
إسحاق، ثنا مهديّ بن عمران الحنفيّ قال: سمعت أبا الطفيل يقول: كنت يوم
بدر غلاماً قد شددت علي الإزار، وأنقل اللحم من السهل إلى الجبل.
قال الحافظ تَُّ: لي فيه وَهَمٌ (١) في لفظة واحدة، وهي قوله: ((يوم
(١) هكذا عبارة ((التهذيب))، ولعل الصواب: ((ظهر لي فيه وهم)) أو نحو ذلك من
العبارات، فليُحرّر.

٢٠٩
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٣١)
بدر))، والصواب يوم حنين - والله أعلم - فقد رويناه هكذا من طريق أخرى،
عن أبي الطفيل.
وقال ابن عديّ: له صحبة، قد رَوَى عن النبيّ وَ﴿ قريباً من عشرين
حديثاً، وكانت الخوارج يذُمّونه باتصاله بعليّ ◌َظُهُ، وقولِهِ بفضله، وفضل أهل
بيته، وليس في رواياته بأسٌ.
وقال ابن المدينيّ: قلت لجرير: أكان مغيرة يَكْرَه الرواية عن أبي
الطفيل؟ قال: نعم.
وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: أبو الطفيل مكيّ ثقةٌ .
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن أبا الطّفيل وظُله صحابيّ، فقد
صحّح البخاريّ قوله: أدركت ثمان سنين من حياة النبيّ وَّ، فهذا صحابيّ بلا
شكّ، فقول من قال: إنه ثقة محمول على أنه لم يثبت عنده كونه صحابيّاً؛ لأن
هذه العبارة لا تُطلق على صحابيّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) بالمكرّرات.
٢ - (مُعَاذُ) بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو عبد الرحمن،
مات بالشام سنة (١٨) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٠/٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ
ـوية
٤ - (ومنها): أن أبا الظُفيل ظله آخر من مات من الصحابة رضـ
على
الإطلاق، مات سنة (١١٠) من الهجرة على الصحيح.
٥ - (ومنها): أن معاذاً رَظُبه من أعيان الصحابة ﴿ه، شَهِدَ بدراً، وما
بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن
رضيعنه .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَامِرٍ) بن وائلة ◌َظُهُ (عَنْ مُعَاذِ) بن جبل ◌ُه

٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزْوَةٍ تَبُوَكَ) أي: سنة تسع من الهجرة في رجب،
وهي آخر غزوة غزاها النبيّ وَّ بنفسه، وتسمى غزوة العُسْرَة، وتبوك بوزن
رَسُول بلد بالشام، قريب من مَدْيَن، بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلةً، وهي
غير منصرفة للعلمية والتأنيث، أو وزن الفعل، صَالَحَ النبيّ وَّوَ أهلها على
الجزية من غير قتال(١).
(فَكَانَ) وَ (يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً) أي:
جمع تأخير بأن يؤخر الظهرَ إلى وقت العصر، والمغربَ إلى وقت العشاء.
ويَحْتَمِل أن يكون جمع تقديم إن ارتحل عند الزوال بأن يصلي العصر مع
الظهر في أول وقتها، وجمع تأخير إن ارتحل قبل الزوال، وكذا يقال في
المغرب والعشاء.
ويدل على هذا حديث معاذ والله الذي رواه أبو داود، والترمذيّ،
وحسّنه، وصححه ابن حبان، وابن القيّم، ولفظه: أن النبيّ وَّ كان في غزوة
تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر،
فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً،
ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء،
وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء، فصلآّها مع المغرب)).
زاد في رواية قرّة بن خالد الآتية: ((قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟
قال: فقال: أراد أن لا يُحرِج أمته)).
ولفظ أبي داود، والنسائيّ: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن
جبل أخبرهم، أنهم خرجوا مع رسول الله وَّ في غزوة تبوك، فكان
رسول الله وقدر يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخّر الصلاة
يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج، فصلى المغرب
والعشاء جميعاً .
قال في ((المنهل)): مقتضاه أنه وسلّ كان غير سائر؛ لأن الغالب استعمال
الدخول إلى الخباء، أو المنزل، وكذا الخروج حال الإقامة، فمعنى قوله:
(١) ((المنهل العذب المورود)) ٥٩/٧ - ٦٠.

٢١١
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٣١)
((فكان رسول الله وَله يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء)) أنه يجمع
بينهما سائراً، ومعنى قوله: ((فأخر الصلاة يوماً)) إلخ: أنه جمع بينهما يوماً في
حالة النزول، يدل على هذا لفظ: ((ثم دخل، ثم خرج))، قال ابن عبد البر: هذا
أوضح دليل على ردّ قول من قال: لا يجمع إلا من جَدَّ به السير. انتهى(١).
وقد استَدَلَّ بهذا الحديث من قال بجواز الجمع بين الظهر والعصر،
والمغرب والعشاء مطلقاً، في عرفة، والمزدلفة وغيرهما، جَدَّ به السير، أو لا،
وهو رأي الجمهور، وهو الحقّ، كما تقدم تحقيقه قريباً.
[تنبيه]: أخرج المصنّف تَظْثُ هذا الحديث في ((الفضائل)) مطوّلاً، وفيه
قصّة، ولفظه :
(٧٠٦) - حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، حدّثنا أبو عليّ
الحنفيّ، حدّثنا مالك، وهو ابن أنس، عن أبي الزبير المكيّ، أن أبا الطفيل
عامر بن واثلة أخبره، أن معاذ بن جبل أخبره، قال: خرجنا مع رسول الله وقلقه
عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعاً، والمغرب
والعشاء جميعاً، حتى إذا كان يوماً أخّر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر
جميعاً، ثم دخل ثم خرج بعد ذلك، فصلى المغرب والعشاء جميعاً، ثم قال:
((إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يُضْحِي النهار،
فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي))، فجئناها، وقد سبقنا إليها
رجلان، والعين مثل الشِّرَاك تَبِضّ بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول الله وَ ◌ّه:
((هل مسستما من مائها شيئاً؟))، قالا: نعم، فسبّهما النبيّ وَّه، وقال لهما ما
شاء الله أن يقول، قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً، حتى اجتمع
في شيء، قال: وغسل رسول الله وَّر فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت
العين بماء مُنْهَمِر، أو قال: غزير، شكَّ أبو عليّ أيهما قال، حتى استقى
الناس، ثم قال: ((يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد مُلِئ
جِنَاناً))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان
وعليه التكلان.
(١) ((المنهل العذب)) ٦٠/٧.

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاذ بن جبل له هذا من أفراد
المصنّف نَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٣١/٧ و١٦٣٢] (٧٠٦)، وفي ((كتاب
الفضائل)) (٧٠٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٠٦)، و(النسائيّ) في
((المواقيت)) (٥٨٧)، و((الكبرى)) (١٥٦٣)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (١٠٧٠)،
و(مالك) في ((الموطأ)) (١٤٣/١)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١١٧/١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٣٩٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢/
٤٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٩/٥ و٢٣٣٠ و٢٣٣ و٢٣٦)، و(الدارميّ)
في ((سننه)) (٣٥٦/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٠/١)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (٩٦٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٩١ و١٥٩٥)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٢/٢٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٨٨
و١٥٨٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٢/٣)، وفي ((دلائل النبوّة)) (٢٣٦/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٠٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): حديث معاذ ربه فيه جمع التأخير، وليس فيه جمع
التقديم، وقد أخرج أبو داود في ((سننه))، وفيه جمع التقديم أيضاً، فقال:
(١٢٢٠) حدّثنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب،
عن أبي الطفيل، عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل، أن النبيّ وَّ كان في غزوة
تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر،
فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعاً،
ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب، حتى يصليها مع العشاء،
وإذا ارتحل بعد المغرب عَجَّل العشاء، فصلاها مع المغرب. قال أبو داود:
ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده. انتهى.
وقد تكلّم العلماء في هذا الحديث، قال العلامة ابن القيّم تَظُّهُ في
((الهدي)): اختُلِف في هذا الحديث، فمن مصحِّح له، ومن محسِّن، ومن قادح فيه،
وجعله موضوعاً، كالحاكم، وإسناده على شرط الصحيح، لكن رُمِي بعلة عجيبة.

٢١٣
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٣١)
قال الحاكم: حدّثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه، حدّثنا
موسى بن هارون، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن
أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل: ((أن النبيّ وَّ كان في
غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخّر الظهر حتى يجمعها إلى
العصر، ويصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر
والعصر جميعاً، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى
يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب، عجّل العشاء، فصلاها مع
المغرب)).
قال الحاكم: هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذّ الإسناد والمتن،
ثم لا نعرف علة نُعِلَّه بها، فلو كان الحديث عن الليث، عن أبي الزبير، عن
أبي الطفيل، لعللنا به الحديث، ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي
الطفيل، لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين، خرج عن أن يكون معلولاً، ثم
نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل روايةً، ولا وجدنا هذا
المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عن أحد ممن روى
عن معاذ بن جبل، غير أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذّ، وقد حدّثوا عن أبي
العباس الثقفيّ، قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا على هذا الحديث علامة
أحمد بن حنبل، وعليّ ابن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة،
وأبي خيثمة، حتى عَدَّ قتيبة سبعة من أئمة الحديث، كتبوا عنه هذا الحديث،
وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجباً من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن
أحد منهم أنه ذكر للحديث علةً، ثم قال: فنظرنا فإذا الحديث موضوعٌ، وقتيبة
ثقة مأمونٌ، ثم ذكر بإسناده إلى البخاريّ، قال: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من
كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ قال:
كتبته مع خالد بن القاسم، أبي الهيثم المدائنيّ، قال البخاريّ: وكان خالد
المدائنيّ يُدخِل الأحاديث على الشيوخ.
قال ابن القيّم: وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلَّم، فإن أبا
داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرمليّ، حدّثنا الْمُفَضَّل بن
فَضَالة، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الطفيل، عن معاذ، فذكره(١).
فهذا المفضَّل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجلّ من المفضل، وأحفظ،
لكن زال تفرد قتيبة به، ثم إن قتيبة صَرَّح بالسماع، فقال: حدّثنا، ولم يُعنعن،
فكيف يقدح في سماعه، مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الأمانة والحفظ
والثقة والعدالة.
وقد رَوَى إسحاق ابن راهويه، حدّثنا شبابة، حدّثنا الليث، عن عُقيل،
عن ابن شهاب، عن أنس: ((أن رسول الله ب ـ كان إذا كان في سفر، فزالت
الشمس صلى الظهر والعصر، ثم ارتحل))(٢).
وهذا إسناد كما ترى، وشبابة هو شبابة بن سَوّار الثقة المتَّفَق على
الإحتجاج بحديثه، وقد روى له مسلم في ((صحيحه))، عن الليث بن سعد بهذا
الإسناد، على شرط الشيخين، وأقل درجاته أن يكون مُقَوِّياً لحديث معاذ،
وأصله في (الصحيحين)) لكن ليس فيه جمع التقديم.
ثم قال أبو داود: وروى هشام، عن عروة، عن حسين بن عبد الله، عن
كُريب، عن ابن عباس، عن النبيّ وَ طّ نحو حديث المفضَّل، يعني حديث معاذ
في جمع التقديم، ولفظه: عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن
كريب، عن ابن عباس، أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة النبيّ وَّ في السفر،
كان إذا زالت الشمس، وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا
(١) رواه أبو داود برقم (١٢٠٨) في ((الصلاة)) وهشام بن سعد مختلف فيه، وقد خالفه
الحفّاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك، والثوريّ، وقرّة بن خالد، وغيرهم، فلم
يذكروا في روايتهم جمع التقديم، وفي الباب عن ابن عبّاس ◌ُّا عند الشافعيّ ١/
١١٦ - ١١٧، وأحمد ٣٦٧/١، وفيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله، وهو
ضعيفٌ، لكن له شاهد من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن
ابن عبّاس ﴿ًا، أخرجه أحمد (٢١٩١)، والبيهقيّ ١٦٤/٣، ورجاله ثقات، لكن
كما قال الحافظ: مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف، وقد أخرجه البيهقيّ
من وجه آخر مجزوماً بوقفه، عن ابن عباس هپًا.
(٢) رواه البيهقيّ في ((الكبرى)) ١٦٢/٣، وإسناده صحيح.

٢١٥
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٣١)
سافر قبل أن تزول الشمس أخّر الظهر، حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت
العصر))، قال: وأحسبه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك.
ورواه الشافعيّ من حديث ابن أبي يحيى، عن حسين، ومن حديث
ابن عجلان بلاغاً، عن حسين، قال البيهقيّ: هكذا رواه الأكابر: هشام بن
عروة، وغيره، عن حسين بن عبد الله، ورواه عبد الرزاق، عن ابن
جُريج، عن حسين، عن عكرمة، وعن كريب، كلاهما عن ابن عباس،
ورواه أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال: ولا أعلمه إلا
مرفوعاً .
وقال إسماعيل بن إسحاق: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدّثني
أخي عن سليمان بن مالك، عن هشام بن عروة، عن كُريب، عن ابن عباس،
قال: ((كان رسول الله وَ﴿ إذا جَدَّ به السير، فراح قبل أن تزيغ الشمس، ركب
فسار، ثم نزل، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا لم يَرُح حتى تزيغ الشمس،
جمع بين الظهر والعصر، ثم ركب، وإذا أراد أن يركب ودخلت صلاة المغرب
جمع بين المغرب وبين صلاة العشاء)).
قال أبو العباس ابن سُرَيج: رَوَى يحيى بن عبد الحميد، عن أبي خالد
الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، قال: ((كان
رسول الله 8* إذا لم يرتحل حتى تزيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعاً،
فإذا لم تزغ أخّرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر)).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية تَخْتُ: ويدلّ على جمع التقديم، جمعه
بعرفة بين الظهر والعصر؛ لمصلحة الوقوف؛ ليتصل وقت الدعاء، ولا يقطعه
بالنزول لصلاة العصر، مع إمكان ذلك بلا مشقة، فالجمع كذلك لأجل
المشقة والحاجة أولى. انتهى كلام ابن القيّم ◌َُّ(١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ
جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
(١) ((زاد المعاد)) ١/ ٤٧٧ - ٤٨١.

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٣٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، أَبُو
الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ فِي غَزْوَةٍ تَبُوَكَ بَيْنَ
الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ:
فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
وقوله: (حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ) قال النوويّ ◌َّتُ: هكذا ضبطناه عامر بن
واثلة، وكذا هو في بعض نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن جمهور
رواة ((صحيح مسلم))، ووقع لبعضهم: عمرو بن واثلة، وكذا وقع في كثير من
أصول بلادنا في هذه الرواية الثانية، وأما الرواية الأولى لمسلم، عن أحمد بن
عبد الله، عن زهير، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر، فهو عامر باتفاق
الرواة هنا، وإنما الاختلاف في الرواية الثانية، والمشهور في أبي الطفيل
عامر، وقيل: عمرو، وممن حَكَى الخلاف فيه البخاريّ في ((تاريخه)) وغيره من
الأئمة، والمعتمد المعروف عامر، والله أعلم. انتهى(١).
وعبارة الجيّانيّ ◌َُّهُ في ((التقييد)) - بعد أن أورده بلفظ: ((قال: نا
عمرو بن واثلة أبو الطفيل)) -: هكذا أتى في الإسناد: ((أبو الطفيل عمرو بن
واثلة))، والمشهور في اسم أبي الطفيل عامر، لا عمرو، وإنما أتى هذا من قبل
الراوي عن أبي الزبير.
قال أبو عليّ: وقد حَكَى مسلم بن الحجّاج في كتاب ((التمييز)) من تأليفه أن
معمر بن راشد أيضاً حدّث به عن الزهريّ، فقال: عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة،
قال مسلم: ومعلوم عند عوامّ أهل العلم أن اسم أبي الطفيل عامر، لا عمرو.
(١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) ٢١٩/٥.

٢١٧
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٣٣)
وذكر البخاريّ هذا الذي ذكره مسلم في ((التاريخ الأوسط))، وقد نبّه على
هذا في ((تاريخه الكبير))، فقال: أبو الطفيل اسمه عامر بن واثلة، وقال
بعضهم: عمرو.
وفي إسناد آخر في حديث لأبي الطفيل في (كتاب الحجّ))(١) من طريق
قتادة، عن أبي الطفيل البكريّ، وأكثر ما يأتي في نسبه ((الليثيّ)) من بني ليث بن
بكر بن عبد مناة، ومن قال: ((البكريّ)) نسبه إلى بكر بن عبد مناة بن كنانة،
وليس من بكر بن وائل. انتهى كلام الجيّانيّ ◌َُّ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصحيح في اسم أبي
الطفيل أنه عامر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: فَقُلْتُ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟) يَحْتمل أن يكون فاعل ((قال)
ضمير أبي الزبير، كما سبق في سؤاله لسعيد بن جبير، ويَحْتَمل أن يكون
لغيره، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف تَُّ، وقد مضى شرحه، ومسائله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٣٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا(٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي
كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (جَمَعَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ،
وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ))، فِي حَدِيثٍ وَكِيع (٤):
قَالَ: قُلْتُ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لَا يُحْرِجَ أَمَّتَهُ، وَفِي حَدِيث أَبِي
(١) سيأتي - إن شاء الله تعالى - برقم (١٢٦٩).
(٢) ((تقييد المهمل)) ٨٢٠/٣ - ٨٢١.
(٤) وفي نسخة: ((وفي حديث وكيع)).
(٣) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
مُعَاوِيَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف ◌َخْتُ أن يقدّم أحاديث ابن
عبّاس ظّ الآتية على حديثي معاذ رُه؛ لتكون أحاديثه في محلّ واحد، كما
لا يخفى.
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَّةً) محمد بن خازم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الكِنْديّ الكوفيّ،
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/ ١٧.
٥ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ
عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٦ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٧ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم،
أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت١١٩) (ع)
تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخَّثُ، وله فيه أربعة من الشيوخ،
قرن بین اثنين منهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر بن أبي
شيبة، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: أبي كُريب، وأبي سعيد ممن اتّفق الجماعة
بالرواية عنهم بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ رَؤُه، فمدنيّ، ثم
بصريّ، ثم مكيّ، ثم طائفيّ.

٢١٩
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٣٤)
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض:
الأعمش، عن حبيب، عن سعيد، وقد سبق الكلام عن ابن عبّاس ضيًّا قريباً.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿ّ أنه (قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ،
وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بِالْمَدِينَةِ) الباء بمعنى ((في)) (فِي غَيْرِ خَوْفٍ) أي: من غير
خوف عدوّ يهاجمهم (وَلَا مَطَرٍ) أي: ومن غير نزول مطر يؤذيهم (فِي حَدِيثٍ
وَكِيع) متعلّق بـ(قال)) بعده، وفي نسخة: ((وفي حديث وكيع)) بالواو (قَالَ) أي:
(لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟) أي: الجمع في الحضر
سعيد بن جبير (قُلْتُ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ)
(قَالَ) ابن عبّاس ◌ُِّهَا (كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ) ((كي)) تعليليّة؛ أي: فعل ذلك لئلا
يوقع أمته في الحرج؛ أي: المشقّة والضِّيق (وَفِي حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ: قِيلَ لِابْنِ
عَبَّاسِ) ◌َّ (مَا) استفهاميّة (أَرَادَ) بَّهِ (إِلَى ذَلِكَ؟) متعلّق بحال مقدّر؛ أي:
حال كونه مائلاً إلى الجمع (قَالَ) ابن عبّاس ◌ِّهَا (أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
في تعليل ابن عبّاس ◌َّ هذا دليلٌ على أن هذا الجمع جمعٌ حقيقيّ، لا
صُوريّ، وذلك لأنه أجاب بمثل هذا الجواب لَمّا سُئل عن سبب الجمع في
السفر، وقد ثبت أن الجمع هناك حقيقيّ بالإجماع في عرفة والمزدلفة، وفي
جميع الأسفار عند الجمهور، فيكون جوابه هنا مثله، كما لا يخفى، فتبصّر،
والله تعالى أعلم بالصواب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في شرح حديث ابن
عبّاس ميًّا أوّل الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٣٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ ثَمَانِياً
جَمِيعاً، وَسَبْعاً جَمِيعاً، قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْنَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ (١) الْعَصْرَ،
(١) وفي نسخة: ((وأعجل)).

٢٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ(١)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
٣ - (جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديّ، ثم الْجَوْفيّ، أبو الشَّعْثاء البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ
[٣] (ت٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٣٩/٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
وقوله: (ثَمَانِياً جَمِيعاً) أي: ثماني ركعات: أربعاً للظهر، وأربعاً للعصر.
وقوله: (وَسَبْعاً جَمِيعاً) أي: سبع ركعات: ثلاثاً للمغرب، وأربعاً
للعشاء .
وقوله: (قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ) القائل هو عمرو بن دينار، و((أبو الشعثاء))
کنیة جابر بن زيد.
وقوله: (قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاَ) فاعل ((قال)) ضمير أبي الشعثاء.
وأخرج البخاريّ من طريق حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار بعد
الحديث أن أيوب قال لجابر: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى.
وهذا ظنّ من أبي الشعثاء، فلا يكون حجة لمن زعم أن الجمع صوريّ،
وليس حقيقيّاً؛ لأنه يُقدّم عليه جزم ابن عبّاس ◌ِّ - لَمّا سُئل عن سبب الجمع
- بقوله: ((أراد أن لا يُحرج أمته))، فإنه دليلٌ واضح على الجمع الحقيقيّ،
فتنبه .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) وفي نسخة: ((ذلك)).