Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ (٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨١) وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعاً، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) البزّار المقرىء البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٢٩) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٤ً. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٦ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥. ٧ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم ابن عُليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٨ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥. ٩ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣. ١٠ - (أَنَسُ) بن مالك ضُّه المتوفّى سنة (٢ أو٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه: خلف، وأبي الربيع، وزُهير، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثالث ما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيوخه، فخلف، وأبو الربيع، وزُهير بغداديون، وقُتيبة بغلانيّ، ويعقوب كوفيّ. ٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٤ - (ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن أبي قلابة. ٦ - (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وقد تقدّم البحث فيها مستوفَّى غير مرّة. أحد المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وآخر ضوعته ٧ - (ومنها): أن أنساً من مات بالبصرة من الصحابة ٠ شرح الحديث: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِّهِ صَلَّى الظُّهْرَ) أي: صلاة الظهر (عَنْ أَنَس) (بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعاً) أي: أربع ركعات، وكان ذلك في اليوم الذي خرج فيه إلى مكة للحج، وهو يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القَعْدة، وقيل: يوم السبت لخمس ليال بقين منه، والأصحّ أنه ((لخمس بقين من ذي القعدة))، كما سيأتي للمصِنّف في ((كتاب الحجّ)) - إن شاء الله تعالى - وذلك سَنَةَ عشرٍ من الهجرة (وَصَلَّى الْعَصْرَ) أي: صلاة العصر (بِذِي الْحُلَيْفَةِ) هو: ماءٌ من مياه بني ◌ُشَم، ثم سُمِّيَ به الموضع، تصغير حَلَفَةٍ (١)، وهو ميقات أهل المدينة، نحو مَرْحَلَةٍ عنها، ويقال: ستة أميال. وقيل: سبعة(٢). (رَكْعَتَيْنٍ) أي: لكونه مسافراً، وفيه أن من أراد السفر لا يَقْصُرُ حتى يَبْرُزَ من البلد، خلافاً لمن قال من السلف: يقصر ولو في بيته، وفيه أيضاً حجة على مجاهد في قوله: لا يقصر حتى يدخل الليل، واستدل به من قال بجواز القصر في السفر القصير؛ لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال. وتُعُقّب بأن ذا الحليفة لم يكن منتهى السفر، وإنما خرج إليها حيث كان قاصداً إلى مكة، فاتفق نزوله بها، وكانت أول صلاة حَضَرتْ بها العصرُ، فقصرها، واستَمَرَّ يقصر إلى أن رجع إلى المدينة، أفاده في ((الفتح)) (٣). (١) الْحَلْفاء وزان حمراء: نبات معروف، الواحدة حَلَفَة كَقَصَبة، وقيل: بكسر اللام. (٣) ((الفتح)) ٦٦٤/٢. (٢) راجع ((المصباح المنير)) ١٤٦/١. ٨٣ (٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨١) وقال القرطبيّ تَظُّ: هذا كان وقد أزمع النبيّ وَّر على سفره إلى مكة، والظاهر أنه كان في حجته، وبين ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال، وقيل: سبعة، واختُلف في الموضع الذي يبدأ منه بالقصر المسافر، فذهب جمهور السلف والعلماء إلى أنه إذا خرج من بيوت المدينة قَصَرَ، وإذا دخلها راجعاً من سفره أتمّ، ومحصول مشهور مذهب مالك هذا، ورُوي عنه أنه لا يقصُرُ حتى يُجاوز ثلاثة أميال إن كانت القرية مما تُجمَّع فيها الجمعةُ، فإذا رجع أتمّ من هناك، ورُوي عن عطاء وغيره وجماعة من أصحاب عبد الله أنه إذا أراد السفر قَصَرَ قبل خروجه، ورُوي عن مجاهد: لا تَقْصُر إذا خرجت يومك إلى الليل، ولم يوافقه أحد على هذا، والصحيح مذهب الجمهور، وفي حديث أنس ◌َّه هذا ما يرُدّ قولَ عطاء، ومن قال بقوله، وقولَ مجاهد، فإنه وَي قصر بعدما فارق المدينة، وقبل الليل، فكان ذلك ردّاً لقولهما. انتهى كلام القرطبيّ ◌َخْذُ(١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس رَُّه هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٨١/٢ و١٥٨٢] (٦٩٠)، و(البخاريّ) في (تقصير الصلاة)) (١٠٨٩)، و((الحجّ)) (١٥٤٦ و١٥٤٧ و١٥٤٨ و١٥٥١ و١٧١٢ و١٧١٤ و١٧١٥ و٢٩٥١ و٢٩٨٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٠٢)، و(الترمذيّ) فيها (٥٤٦)، و(النسائيّ) فيها (٤٦٩)، وفي ((الكبرى)) (٣٥٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٤)، و(الشافعيّ) في ((السنن)) (١٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤٣/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٥٤/١ و٣٥٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٤٣ و٢٧٤٤ و٢٧٤٧ و٢٧٤٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٧٤ و٢٣٧٥ و٢٣٧٦ و٢٣٧٧ (١) ((المفهم)) ٣٣١/٢ - ٣٣٢. ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها و٢٣٧٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٠٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة قصر الصلاة الرباعية في السفر. ٢ - (ومنها): بيان عدد ركعات صلاة الحضر والسفر. ٣ - (ومنها): أن من أراد سفراً لا يُشْرَع له القصر قبل خروجه من بيته، خلافاً لمن قال: يَقْصُر ولو في بيته. ٤ - (ومنها): أن من خرج من بيته يقصر ولو لم يدخل الليل، خلافاً لمجاهد. ٥ - (ومنها): أن الخروج إلى المحل القريب لا يُشْرَع فيه القصر؛ لأنه وَله كان يأتي قباء، وأحُداً، وَبِيعاً، وغيرَ ذلك فما قصر فيها، وإنما قصر في السفر الطويل، كمكة ونحوها، وقد تحقق ذلك كلّه، وبيان مذاهب العلماء بأدلتها، وترجيح الراجح منها بدليله في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٨٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ الظَّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعاً، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ [٥]. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٨٥ (٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨٣) رَوَى عن أنس، ووهب بن عبد الله بن قارب، وله صحبة، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعمرو بن الشَّرِيد، وغيرهم. وروى عنه أيوب، وشعبة، والسفيانان، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وابن جریج، وغيرهم. قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو ستين حديثاً وأكثر، وقال الحميديّ، عن سفيان: أخبرني إبراهيم بن ميسرة، مَن لم تَرَ عيناك والله مثله، وقال حامد البلخيّ، عن سفيان: كان من أوثق الناس، وأصدقهم، وقال أحمد، ویحیی، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: قلت لسفيان: أين كان حفظ إبراهيم عن طاوس، من حفظ ابن طاوس؟ قال: لو شئت أن أقول لك إني أَقَدِّم إبراهيم عليه في الحفظ لقلت، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: مات في خلافة مروان بن محمد، وكان ثقة كثير الحديث، وقال البخاريّ: مات قريباً من سنة (١٣٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٦٩٠) و(٨٤٨) و(١٤٧٢) و(١٩٩٧) و(٢٢٥٥). و((أنس بن مالك)) ظلاله ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ◌َّثُ، وهو (١٠٢) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٨٣] (٦٩١) - (وَحَدَّثَنَاهُ(١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ(٢)، عَنْ (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا محمد بن جعفر، عن شعبة)). ٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةٍ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلاثَةٍ فَرَاسِخَ، شُعْبَةُ الشَُّّ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، سوى: ١ - (يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيّ) أبو نصر، ويقال: أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ(١) [٥]. رَوَى عن أنس بن مالك، والفرزدق، وعنه شعبة، ومحمد بن دينار الطاحيّ، وخَلَف بن خَلِيفة، وعُتبة بن حميد الضبيّ، وابن عُلَيّة. قال أبو حاتم: شيخ وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ومن قال: يزيد بن يحيى، أو يزيد بن أبي يحيى، فقد وهم(٢). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وليس له عندهما إلا هذا الحديث فقط. [تنبيه]: ((الْهُنائيّ)) - بضمّ الهاء، وبعدها نون مخفّفة، وبالمدّ ـ: نسبة إلى هُناء بن مالك بن فَهْم بن غَنْم بن دوس، بطنٌ من الأزد، يُنسب إليهم نفرٌ، منهم أبو يزيد يحيى بن يزيد بن مُرّة الْهُنائيّ، من التابعين، يروي عن أنس بن مالك نظُّه، قاله السمعانيّ ◌َذُّهُ(٣). لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخْذَلُهُ، وله فيه شيخان قرن بینهما . ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه أبي بكر، فكوفيّ. (١) وأما قول صاحب ((التقريب)) عنه: مقبول، فليس بمقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وهو من شيوخ شعبة، وابن عُليّة، ووثقه ابن حبّان، وقال أبو حاتم: شيخ، وأخرج له مسلم في («صحيحه))، وقال الذهبيّ في ((الميزان)»: ما به بأس، وقال في ((الكاشف)): صالحٌ، ولم يتكلّم فيه أحد بجرح، فهذا هو معنى الثقة، فتنبّه. (٢) ((كتاب الثقات)) لابن حبّان ٥٣٠/٥ - ٥٣١. (٣) ((الأنساب)) ٥٦٥/٥. ٨٧ (٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨٣) ٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن بشّار أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ الْهُنَائِيِّ) - بضم الهاء، وتخفيف النون - أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) رَبُهَ (عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ؟) يقال: قَصَرتُ الصلاةَ قصراً، من باب نصر، وقصّرتها تقصيراً، وأقصرتها إقصاراً، والأول أشهر في الاستعمال، وأفصح، وهو لغة القرآن، وقد تقدّم تمام البحث فيه. والمعنى: أنه سأله عن مقدار المسافة التي تُقصر فيها الصلاة (فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةٍ أَمْيَالٍ، أَوْ) للشكّ (ثَلَاثَةٍ فَرَاسِخَ، شُعْبَةُ الشَّاك، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) قال النوويّ تَخْتُهُ: هذا ليس على سبيل الاشتراط، وإنما وقع بحسب الحاجة؛ لأن الظاهر من أسفاره وسط* أنه ما كان يسافر سفراً طويلاً، فيخرج عند حضور فريضة مقصورة، ويترك قصرها بقرب المدينة ويتمها، وإنما كان يسافر بعيداً من وقت المقصورة، فتدركه على ثلاثة أميال، أو أكثر، أو نحو ذلك، فيصليها حينئذ، والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدات على جواز القصر من حين يخرج من البلد، فإنه حينئذ يسمى مسافراً. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ربّما تمسّك بهذا الحديث بعض الظاهريّة، وبحديث ذي الحليفة على أن من نوى سفراً قصيراً، ولو لم يبلغ يوماً تامّاً أنه يقصر، ولا حُجّة له فيه؛ لأنه مشكوك فيه، فلا يوثق لا بثلاثة أميال، ولا بثلاثة فراسخ؛ إذ كلّ واحد منهما مشكوك فيه، وعلى تقدير أحدهما، فلعلّه حدّد المسافة التي بدأ منها القصر، وسفره بعد ذلك كان أزيد بالمقدار الذي حكيناه عن الجمهور. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لأنه مشكوك فيه ... إلخ)) فيه نظر لا يخفى، إذ مثل هذا الشكّ لا يضرّ؛ لأن الأميال الثلاثة داخلة في الفراسخ، (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٠/٥. (٢) («المفهم)) ٣٣٢/٢. ٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها فيؤخذ بالأكثر؛ احتياطاً، كما قاله في ((الفتح))، فلا يضرّ الشكّ في مثل هذا. وأما حَمْلُ من حمله - كالنوويّ - على أن المراد به المسافة التي يُبتدَأُ منها القصر، لا غاية السفر، فمما لا يخفى بعده، ومما يُبطله أن البيهقيّ ذكر في روايته أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس رظبه، قال: سألت أنساً عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة - فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع، فقال أنس ... فذكر الحديث، فقد تبيّن أنه إنما سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه، فتبصّر. وأيضاً الصحيح عند القائلين بتحديد مسافة القصر بيومين، أو ثلاث أنه لا يتقيّد ابتداء القصر بمسافة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه. والحاصل أن حديث أنس عظته - كما قال في ((الفتح))_(١) هذا أصحّ ما ورد في بيان أقلّ مسافة القصر، وأصرحه، فالاعتماد عليه أولى من غيره، وقد تقدّم تحقيق ذلك في المسألة الخامسة من شرح حديث عائشة رؤيتها المتقدّم في الباب الماضي، فارجع إليه تزدد علماً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك المصنّف نَخْذَلُهُ . رضُّهَ هذا من أفراد (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٨٣/٢] (٦٩١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٠١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤٣/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/ ١٢٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٤٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٦٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) راجع: ((الفتح)) ٢ / ٦٦١. ٨٩ (٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨٤) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٨٤] (٦٩٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدٍِّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ إِلَى قَرْيَةٍ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ ثَمَّانِيَةَ عَشَرَ مِيلاً، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنٍ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ(١) كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَفْعَلُ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ) بن يزيد الرَّحَبِيّ الْهَمْدانيّ، أبو عمر الْحِمْصيّ الزَّبَاديّ، صدوقٌ [٥]. رَوَى عن عبد الله بن بُسْر المازنيّ، وأبي إمامة الباهليّ، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، وحبيب بن عبيد، وسُليم بن عامر، وبسر بن عبيد الله الحضرميّ، وغيرهم. وروى عنه صفوان بن عمرو، وشعبة، وجُمَيع بن أيوب، والضحاك بن حمزة الأُمْلُوكيّ، ومحمد بن جُحَادة، وأبو عوانة، وآخرون. قال سليمان بن حرب، عن شعبة: كان ثقةً، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالح الحديث، وقال حرب، عن أحمد: كان كَيِّساً، وحديثه حسنٌ، وقال الخضر بن داود، عن أحمد: ما أحسن حديثه، وأصحه، ورفع أمره، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال مرّةً: ليس به بأس، وقال الهيثم بن عديّ: قلت لشعبة: رَوَيت عن يزيد بن خُمير، وكان شُرْطيّاً لهشام؟ قال: ويحك، كان صدوقاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). (١) وفي نسخة: ((إنما فعلت)). ٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٦٩٢) و(١٤٤١) و(٢٠٤٢). ٣ - (حَبِيبُ بْنِ عُبَيْدٍ) الرَّحَبيّ - بفتح الراء، والحاء المهملة، ثم موحّدة - أبو حفص الحمصيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن الْعِرْباض بن سارية، والْمِقْدام بن مَعْدِي كَرِب، وأبي أمامة، وعُتبة بن عبد السُّلَميّ، وحبيب بن مسلمة الْفِهْريّ، وجُبير بن نُفير، وبلال بن أبي الدرداء، وأوسط البجليّ، وغيرهم، وأرسل عن عائشة پتا. وروى عنه حَرِیز بن عثمان، وثور بن يزيد، ومعاوية بن صالح، ويزيد بن خُمَیر، وجماعة. قال صاحب ((تاريخ الحمصيين)): قديمٌ أدرك ولاية عُمير بن سعد الأنصاريّ على حمص، وقال النسائيّ: ثقةٌ، قال: وقال حبيب بن عُبيد: ◌َّ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان أدركت سبعين رجلاً من الصحابة في ((الثقات)). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦٩٢) و(٩٦٣). ٤ - (جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ) بن مالك بن عامر الْحَضْرميّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرمٌ، ولأبيه صحبة، فكأنه ما وفد هو إلا في عهد عمر [٢] (ت ٨٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. ٥ - (شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ) - بكسر السين المهملة، وسكون الميم - ابن الأسود بن جَبَلَة بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الكِنْديّ، أبو يزيد، ويقال: أبو السِّمْط الشاميّ، مُختلف في صحبته، رَوى عن النبيّ ◌َِِّ، وعن عمر، وسلمان، وعمرو بن عَبَسة، وعبادة بن الصامت، وكعب بن مُرّة الْبَهْزيّ، وغيرهم . وروى عنه جُبير بن نُفير، وسالم بن أبي الجعد، وخالد بن يزيد الشاميّ، وسُليم بن عامر الخبائريّ، وأبو عُبيدة مُرّة بن عقبة بن نافع الْفِهْريّ، ومكحول، وغيرهم. قال ابن سعد: جاهليّ إسلاميّ، وَفَد إلى النبيّ ◌ََّ، وشَهِدَ القادسية، ٩١ (٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨٤) وافتَتَحَ حِمْصَ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو عامر الْهَوْزنيّ: حضرت مع حبيب بن مسلمة جنازة شُرَحْبيل، وجزم البخاريّ في ((تاريخه)) بأن له صحبةً، وذكره ابن حبان في ((الصحابة))، فقال: كان عاملاً على حمص، ومات بها، ثم أعاده في ثقات التابعين، وقال الحاكم أبو أحمد: له صحبةٌ، وذكره ابن السكن، وابن زَيْر في الصحابة، وذكر خليفة أنه كان عاملاً لمعاوية على حمص نحواً من عشرين سنةً، وقال ابن عبد البرّ: شَهِدَ صِفِّين مع معاوية وقال صاحب ((تاريخ حِمْصَ)»: تُوُفِّي بِسَلَمْيَةَ(١) سنة (٣٦) بلغني أنه هاجر إلى المدينة زمن عمر، وقال أبو داود: مات شُرحبيل بصِفِين، وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة (٤٠). أخرج المصنّف، والأربعة (٢)، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦٩٢) و(١٩١٣). والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف ◌َّتُهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، سوى زُهير، فبغداديّ، والباقون حمصيّون، سوى الصحابيّ، فمدنيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه أربعةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: يزيد بن خُمير، فمن بعده، وتقدمت لهذا نظائر كثيرة، وسيأتي بيان باقيها في مواضعها - إن شاء الله تعالى - هذا على القول بكون شُرَحبيل تابعيّاً، وأما على قول من أثبت له الصحبة، كالبخاريّ وغيره، رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) قال في ((القاموس)) (١٣٠/٤): وسَلَمْيَةُ مسكّنة الميم، مخفّفة الياء: بلدٌ. انتهى. (٢) وقال في ((تهذيب التهذيبٍ)) (١٥٨/٢): له في البخاريّ ذِكْرٌ في ((صلاة الخوف)) في أَثَرٍ مُعَلَّق، ينبغي أن يُعَلَّم له علامته، وقد نبهت على الأثر المذكور في ترجمة الأشتر النخعيّ في مالك بن الحارث من حرف الميم. انتهى. ٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها شرح الحديث: (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) بتصغير الاسمين، أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ شُرَحْبِيلَ) - بضمّ الشين المعجمة، وفتح الراء، وسكون الحاء المهملة - (ابْنِ السِّمْطِ) - بكسر السين، وإسكان الميم - ويقال: السَّمِط - بفتح السين، وكسر الميم - (١) (إِلَى قَرْيَةٍ، عَلَى رَأْسٍ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ ثَمَانِيَّةَ عَشَرَ مِيلاً) وفي الرواية التالية: ((إنه أتى أرضاً يقال لها: دُومين، من حمص على رأس ثمانية عشر ميلاً» (فَصَلَّى) شُرَحبيل (رَكْعَتَيْنٍ) أي: صلى الصلاة الرباعيّة ركعتين قصراً (فَقُلْتُ لَهُ) مقول القول محذوف؛ أي: لماذا فعلت هذا؟، أو لماذا قصرت؟، وفي رواية النسائيّ: ((فسألته عن ذلك؟))؛ أي: سألته عن كونه قصر الصلاة في هذه المسافة (فَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ) بن الخطّاب [تنبيه]: قوله: ((رأيت عمر)) له هكذا النسخ التي بين أيدينا، وهو الصواب، ووقع عند بعضهم: ((رأيت ابن عمر))، وهو وَهَمِّ. قال الحافظ أبو عليّ الحيّانيّ بعد أن أورد الحديث بلفظ: ((رأيت ابن عمر صلّى ... إلخ)) ما نصّه: هكذا في نسخة ابن الحذّاء: ((رأيت ابن عمر))، والصواب: (رأيت عمر))، وكذلك رواه أبو أحمد الْجُلُوديّ: ((رأيت عمر))، والحديث محفوظ لعمر، قال: وكذلك خرّجه ابن أبي شيبة، وأبو بكر البزّار، وغيرهما عن عمر نظ﴿به. انتهى(٢). (صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ) تقدّم ذكرها قبل حديث (رَكْعَتَيْنٍ، فَقُلْتُ لَهُ) أي: سألت عمر ته عن قصره في تلك المسافة (فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ) وفي نسخة: ((إنما فعلتُ)) (كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَفْعَلُ) أي: فإنه ◌َّ كان يقصر في مثل هذا، أو أراد فعله وَ﴿ في حجة الوداع حيث صلّى هناك العصر ركعتين، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ: هذا الحديث مما قد يتوهم أنه دليلٌ لأهل الظاهر، ولا دلالة فيه بحال؛ لأن الذي فيه عن النبيّ وَّر، وعمر ◌َبه إنما هو القصر بذي (١) ((شرح النووي)) ٢٠١/٥. (٢) راجع: ((تقييد المهمل)) ٨١٨/٣ - ٨١٩. ٩٣ (٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨٥) الحليفة، وليس فيه أنها غاية السفر، وأما قوله: قَصَرَ شُرَحبيل على رأس سبعة عشر ميلاً، أو ثمانية عشر ميلاً، فلا حجة فيه؛ لأنه تابعيّ فَعَلَ شيئاً يخالف الجمهور، أو يُتأوَّل على أنها كانت في أثناء سفره، لا أنها غايته، وهذا التأويل ظاهرٌ، وبه يصح احتجاجه بفعل عمر نظّه، ونقله ذلك عن النبيّ وَّد. انتھی . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((أو يُتأوّل على أنها ... إلخ)) فيه نظرٌ؛ إذ يُبعده قوله في الرواية التالية: ((أتى أرضاً يقال لها: دومين))، فإنه ظاهرٌ في كون تلك الأرض كانت غاية سفره، فتأمّل، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بنظُه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٨٤/٢ و١٥٨٥] (٦٩٢)، و(النسائيّ) في ((تقصير الصلاة)) (١٤٣٧)، وفي ((الكبرى)) (١٨٩٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/ ٢٩ و٣٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٦٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٥٠ و١٥٥١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَلَتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٨٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: عَنِ ابْنِ السِّمْطِ، وَلَمْ يُسَمِّ شُرَحْبِيلَ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَتَى أَرْضاً، يُقَالُ لَهَا: دُومِينَ، مِنْ حِمْصَ، عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلاً). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي، والباقيان ذُكرا في السند السابق. ٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وقوله: (يُقَالُ لَهَا: دُومِينَ) قال النوويّ تَّتُهُ: هي: بضم الدال وفتحها، وجهان مشهوران، والواو ساكنة، والميم مكسورة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عبارة ((القاموس)): وَدَوْمِين، وقد تُفتح ميمه: قرية قُرْبَ حِمْصَ. انتهى(١). فظاهره أنه بفتح، وأما الميم، فيجوز فتحها، و کسرها . وقوله: (مِنْ حِمْصَ) قال النوويّ كَُّ: ((حِمْص)) لا ينصرف، وإن كانت اسماً ثلاثيّاً ساكن الأوسط؛ لأنها أعجمية، اجتَمَع فيها العجمة والعلمية والتأنيث، كماه، وجُور، ونظائرهما، قاله النوويّ تَخْذَُّ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ: إن حمص لا ينصرف، وهو مخالف لما قاله أهل اللغة، فقد جوّزوا صرفه، وعدمه، قال في ((المصباح)): وحِمْصُ: البلد المعروفةُ بالصرف وعدمه. انتهى(٣). وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): وحِمْصُ بالكَسْرِ: كُورَةٌ بالشّام مَشْهُورَةٌ، أَهْلُهَا يَمَانُونَ؛ أي: مِنْ قَبَائِلِ اليَمَنِ، قَالَ سِيبَوَيْه: هِيَ أَعْجَمِيَّةٌ، وَلِذلِكَ لَمْ تَنْصَرِف، وقد تُذَكَّرُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: حِمْصُ بَلَدٌ يُذَكّرُ ويُؤَنّث، قالَ السّنْدُوِيُّ: مِنْ أَوْسَعِ مُدُنِ الشّامِ، بِهَا نَهْرٌ عَظِيمٌ، ولَهَا رَسَاتِيقُ، سُمِّيَت بحِمْصَ بنِ صِهْر بنِ حُمَيْصٍ بَنِ صاب بَنِ مُكْنِفٍ، مِنْ بَنِي عِمْلِيق، افْتَتَحَها أَبُو عُبَيْدَةَ صُلْحاً سنةً (١٦) ثُمّ نَافَقَتْ، ثم صُولِحَتْ، وقد نُسِبَ إِلَيْهَا خَلْقٌ كثيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، وبِهَا وص لابته (٤). قَبْرُ الصحابيّ الجليل خالِدِ بنِ الوَلِيدِ فقد تبيّن بما ذُكر أن حمص يجوز صرفها، وإن كان عدمه هو الأشهر استعمالاً . والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((القاموس المحيط)) ٢٣٣/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/٥ - ٢٠٢. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١٥١. (٤) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٣٨٣/٤. ٩٥ (٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨٦) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٨٦] (٦٩٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنٍ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، حَتَّى رَجَعَ، قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْراً). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (هُشَيْمُ) بنُ بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٣ - (يَحْبَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الْحَضْرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥]. رَوَى عن أنس بن مالك، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن أبي الحسن، وسلمان الأغرّ، وسليمان بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه محمد بن سيرين، وهو أكبر منه، ويحيى بن أبي كثير، ومات قبله، والثوريّ، وشعبة، ووهيب، وهشيم، وعبد الوارث بن سعيد، وعبد الأعلى، وعباد بن العوّام، ويزيد بن زُريع، وابن عُليّة، وبشر بن المفضَّل، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين، عن عبد العزيز بن صُهيب، ويحيى بن أبي إسحاق: أيهما أوثق؟ فقال: كلاهما ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وكان صاحب قرآن وعلم بالعربية والنحو، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: لا بأس به، وقال العقيليّ: ٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها قال أحمد بن حنبل: في حديثه نكارةٌ، وقال يحيى بن معين: في حديثه بعضُ الضعف، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال عمرو بن عليّ: مات سنة ست وثلاثين ومائة، وهو مولى الحضارمة، وقال ابن حبان: مات سنة ست، ويقال: سنة اثنتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٦٩٣) و(١٢٥١) وأعاده بعده، و(١٣٤٥) و(١٣٧٤) و(١٥٩٠) و(٢٠٦٨) و(٢١١٠). ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) هُبه ذُکر قبل حدیث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وهو (١٠٣) من رباعيّات الكتاب، وبقيّة اللطائف تقدّمت قريباً . شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَهُ أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ) وذلك في حجة الوداع، ففي رواية شعبة الآتية: ((خرجنا من المدينة إلى الحجّ)) (مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ) زاد في رواية البيهقيّ من طريق عليّ بن عاصم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس: ((إلا المغرب)) (حَتَّى رَجَعَ) وللبخاري: ((حتى رجعنا إلى المدينة))، قال يحيى بن أبي إسحاق (قُلْتُ) لأنس ◌َُّه (كَمْ أَقَامَ) النبيّ وَّرِ (بِمَكَّةَ؟) المراد إقامته بها، وبحواليها، من منى وعرفة (قَالَ) أنس ◌َظُه (عَشْراً) أي: أقام عشرة أيام بلياليها، وإنما حذفت التاء مع أن المعدود مذكَّر، وهو اليوم؛ لأن التمييز إذا لم يُذْكَر جاز الوجهان في العدد، التذكير والتأنيث. ولا يُعارض هذا حديث ابن عباس رضيها: ((أقام النبيّ وَل تسعة عشر يوماً يقصر))؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع، قال الإمام أحمد تخّتُهُ: إنما وجه حديث أنس رؤيته أنه حسب مقام النبيّ وَّر بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له غير هذا، واحتجّ بحديث جابر ظُه أن النبيّ وَّرَ قَدِمَ مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة - يوم الأحد - فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلّى الصبح في اليوم الثامن - يوم الخميس - ٩٧ (٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨٦) ثم خرج إلى منى، وخرج من مكة متوجّهاً إلى المدينة بعد أيام التشريق، ومثله حديث ابن عبّاس ظُها عند البخاريّ بلفظ: ((قَدِم النبيّ وَّر وأصحابه لصبح رابعة يُلبّون بالحجّ ... )) الحديث. قال الحافظ تَخْتُهُ: ولا شكّ أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدّة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنسّ رظُبه، وتكون مدّة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلّى الظهر بمنی . وقال المحبّ الطبريّ ◌َُّهُ: أطلق على ذلك إقامة بمكة؛ لأن هذه المواضع مواضع النسك، وهي في حكم التابع لمكة؛ لأنها المقصود بالأصالة، لا يتّجه سوى ذلك، كما قال الإمام أحمد. انتهى. وقد استُشكل الحديث على الشافعيّة؛ لأنه قد تقرّر عندهم أنه لو نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع عيّنه انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع، بخلاف ما لو نوى دونها، وإن زاد عليه، ولا ريب أنه وَّر في حجة الوداع كان عازماً بالإقامة بمكة المدة المذكورة. وأجاب البيهقيّ فقال: إنما أراد أنس بقوله: ((أقمنا بها عشراً)) أي: بمكة ومنى وعرفات، وذلك لأن الأخبار الثابتة تدلّ على أن رسول الله وَلو قدم مكة في حجته لأربع خلون من ذي الحجة، فأقام بها ثلاثاً يقصُر، ولم يحسب اليوم الذي قَدِم فيه مكة؛ لأنه كان فيه سائراً، ولا يوم التروية؛ لأنه خارج فيه إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، فلما طلعت الشمس سار منها إلى عرفات، ثم دفع منها حين غربت الشمس حتى أتى المزدلفة، فبات بها ليلتئذ حتى أصبح، ثم دفع منها حتى أتى منى، فقضى بها نسكه، ثم أفاض إلى مكة، فقضى بها طوافه، ثم رجع إلى منى، فأقام بها، ثم خرج إلى المدينة، فلم يُقم بَّه في موضع واحد أربعاً يقصر. انتهى كلام البيهقيّ(١). وتعقّبه ابن التركمانيّ تَُّهُ، فأجاد في تعقّبه، قال: أقام بمكة أربعة أيام يقصر، فإنه ◌َ﴾ قَدِم صبح رابعة من ذي الحجة، فأقام الرابع والخامس (١) راجع: ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ ١٤٩/٣. ٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمامے مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها والسادس والسابع وبعض الثامن ناوياً للإقامة بها بلا شكّ، ثم خرج إلى منى يوم التروية، وهو الثامن قبل الزوال، وهذا يُبطل تقديرهم بأربعة أيام، ولهذا حكى ابن رُشد عن أحمد وداود أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتمّ، قال: واحتجّوا بمقامه وَّل في حجته بمكة مقصراً أربعة أيام. وذكر صاحب ((التمهيد)) عن الأثرم: قال أحمد: أقام ◌َ ر اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح بالأبطح في الثامن، فهذه إحدى وعشرون صلاةً قصر فيها، وقد أجمع على إقامتها، وظهر بهذا بطلان قول البيهقيّ: فلم يُقم في موضع واحد أربعاً يقصر، وكيف يقول: كان سائراً في اليوم الرابع مع أنه قَدِمَ في صبيحته، فأقام بمكة؟ وكيف لا يحسب يوم الدخول مع أن الأحكام المتعلّقة بالسفر ينقطع حكمها يوم الدخول إذا نوى الإقامة، ويلحق بها بعده؟. أصله رخصة المسح والإفطار، فلا معنى لإخراجه بعد نيّة الإقامة بغير دليل شرعيّ، وكذا يوم الخروج قبل خروجه. وفي اختلاف العلماء للطحاويّ: روي عن ابن عبّاس وجابر أنه نَّ قَدِمَ مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فكان مقامه إلى وقت خروجه أكثر من أربع، وقد كان يقصر الصلاة، فدلّ على سقوط الاعتبار بالأربع. انتهى كلام ابن التركمانيّ تَظَلُ(١). وأجاب بعضهم عن هذا التعقّب بأنه إنما يخالفنا إذا أقام أربع ليالٍ مع أيامها التامّة، فما تمّت له الأيام الأربع. ويمكن أنه وَ﴿ خرج في اليوم الثامن من قبل الوقت الذي دخل فيه في اليوم الرابع، فما تمّت له الأيام الأربع، كذا أجاب، ولا يخفى ما فيه(٢). وقال العلامة ابن قدامة دخلتُ: وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس أن النبيّ ◌َ ﴿ قَدِم لصبح رابعة، فأقام النبيّ وَّه اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبيّ وَّ قَصَر، وإذا (١) ((الجوهر النقيّ)) ١٤٧/٣ - ١٤٩ بهامش ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ. (٢) راجع: ((المرعاة شرح المشكاة)) ٣٨٨/٤ - ٣٩٠. ٩٩ (٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨٦) أجمع على أكثر من ذلك أتمّ، قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يَذْكُر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر، فقال: هو كلام ليس يفقهه كل أحد، وقوله: أقام النبيّ ◌َّه عشراً يقصر الصلاة، فقال: قَدِمَ النبيّ يَّ لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة، ثم قال: وثامنة يوم التروية، وتاسعة وعاشرة، فإنما وجه حديث أنس ظبه أنه حسب مقام النبيّ بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاةً يقصر، فهذا يدلّ على أن من أقام إحدى وعشرين صلاةً يقصر، وهي تزيد على أربعة أيام، وهذا صريح في خلاف مَن حدّه أربعة أيام. قال: وحديث ابن عباس رضيًا في إقامة تسع عشرة وجهه أن النبيّ تَّ لم يُجْمِع الإقامة، قال أحمد: أقام النبيّ وَّر بمكة ثماني عشرة زمن الفتح؛ لأنه أراد حُنَيْناً، ولم يكن تم(١) إجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن (٢) فًا. انتهى (٢). عباس قال الجامع عفا الله عنه: لم يرد حديث صريح مرفوع يدلّ على ما ذهب إليه الشافعيّة والمالكيّة في تقديرهم مدةً الإتمام بأربعة أيام، وكذا الحنفية في تقديرهم بخمسة عشر يوماً، وإنما هي آثار عن الصحابة ﴿. قال الشوكانيّ تَخْتُ: هذه من مسائل الاجتهاد، ولا حجة في أقوال الصحابة في المسائل التي للاجتهاد فيها مسرحٌ، والحقُّ أن مَن حَطّ رَحْله ببلد، ونوى الإقامة بها أياماً من دون تردّد، لا يقال له: مسافر، فيُتِمّ الصلاة، ولا يقصر إلا لدليل، ولا دليل ها هنا إلا ما جاء من إقامته * بمكة أربعة أيام يقصُر الصلاة، والاستدلال به متوقٌّف على ثبوت أنه وَّله عزم على إقامة أربعة أيام، إلا أن يقال: إن تمام أعمال الحجّ في مكة لا يكون في دون الأربع، فكان كلُّ من يحج عازماً على ذلك، فيقتصر على هذا المقدار، ويكون الظاهر والأصلُ في حقّ من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام هو التمام، وإلا لزم أن يَقْصُر الصلاة من نوى إقامة سنين متعددة، ولا قائل به. (١) هكذا النسخة ((تمّ)) بالتاء، ولعلها (ثَمّ)) بالثاء المثلثة، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (٢) ((المغني)) لابن قدامة ١٣٣/٢ - ١٣٤. ١٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ولا يَرِدُ على هذا قوله ◌َّ في إقامته بمكة في الفتح: ((إنا قَوْمٌ سَفْرٌ))؛ لأنه كان إذ ذاك متردداً، ولم يعزم على إقامة مدة معينة. انتهى كلام الشوكانيّ كَذَفُ(١). قال صاحب ((المرعاة)): لا شكّ أنه ◌َ﴿ه كان جازماً بالإقامة أربعة أيّام بمكة في حجته؛ لأنه دخلها صبيحة رابعة من ذي الحجة، وخرج منها إلى منى في بعض الثامن؛ أي: بعد صلاة الصبح، فكان ناوياً لإقامة تلك المدّة بلا شكّ، وقد قصر بها الصلاة، فهذا يدلّ لمذهب الإمام أحمد نَّتُهُ، ولم يثبت حديث مرفوع قوليّ، ولا فعليّ أنه ◌َّير أزمع على أكثر من أربعة أيّام، وقصر الصلاة، فالقول الراجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد، والله أعلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أقوى المذاهب وأرجحها في هذه المسألة هو مذهب الإمام أحمد تَّتُهُ، وهو أن من نوى الإقامة في بلد إحدى وعشرين صلاةً مدة إقامته وَّه بمكة قَصَر، ومن نوى أكثر من ذلك أتمّ، فهذا هو الذي أيّده الدليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٨٦/٢ و١٥٨٧ و١٥٨٨ و١٥٨٩] (٦٩٣)، و(البخاريّ) في ((تقصير الصلاة)) (١٠٨١)، و((المغازي)) (٤٢٩٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٣٣)، و(الترمذيّ) فيها (٥٤٨)، و(النسائيّ) في ((تقصير الصلاة)) (١٤٣٨ و١٤٥٢)، و((الكبرى)) (١٨٩٦ و١٩١٠)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (١٠٧٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٧/٣ و١٩٠ و٢٨٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٥١٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٩٥٦ و٢٩٩٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٥١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٧٠ (١) («نيل الأوطار)) ٢٥٦/٣. (٢) ((المرعاة)) ٣٩٠/٤.