Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠)
أهل، ومال، فإنها تكون كوطنك، ولا ينظرون في ذلك إلى إقامة أربع، ولا
خمس عشرة، قال: ومما احتجّوا به لأنفسهم في ذلك ما سُئل ابن عباس عن
تقصير الصلاة؟ فقال: كان النبيّ ◌َّ إذا خرج من المدينة صلى ركعتين ركعتين
حتى يرجع.
وعن ابن عباس بأن رجلاً قال له: إنا نُطيل المقام في الغزو بخُرَاسان،
فكيف ترى؟ فقال: يصلي ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، وقال الحسن
البصريّ: أقام أنس بن مالك بنيسابور سنة، أو سنتين يصلي ركعتين، ثم يسلم،
ثم يصلي ركعتين، وأقام عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس، فكان لا
يجمع، ولا يزيد على ركعتين، وقال أبو إسحاق: أقمنا مع وَالٍ أحسبه قال:
بسجستان سنين، وكان معنا رجال من أصحاب ابن مسعود، فصلى بنا ركعتين
ركعتين حتى انصرف، ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل، وقال أبو مِجْلز:
كنت جالساً عند ابن عمر، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن آتي المدينة طالب
حاجة، فأقيم بها السبعة الأشهر، والثمانية كيف أصلي؟ قال: ركعتين ركعتين،
وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين، وكان الثلج حال
بينهم وبين القُفُول، وأقام مسروق بالسلسلة سنين، وهو عامل عليها، فصلى
ركعتين ركعتين حتى انصرف يلتمس بذلك السنّة.
الحادي عشر: إن المسافر يصلي ركعتين ركعتين إلا أن يقدم مصراً من
الأمصار، هذا قول الحسن البصري.
الثاني عشر: قول من فرّق بين المقام للخوف، والمقام لغير الخوف،
قال الشافعي: فأشبه ما قال رسول الله وَ﴿ من مقام المهاجر، فلا يأخذ مقام
المسافر، وما جاوزه كان مقام الإقامة، وليس يحسب اليوم الذي كان فيه
سائراً، ثم قدم، ولا اليوم الذي كان فيه مقيماً، ثم سار، كان غير مقام حرب،
ولا خوف حرب قصر، فإذا جاوز مقامه أربعاً أحببت أن يتمّ، وإن لم يتمّ أعاد
ما صلى بالقصر بعد الأربع، وإن كان مقامه لحرب، أو خوف حرب، فإن
رسول الله ﴿ أقام الفتح يُحارب هوازن سبع عشرة، أو ثمان عشرة يقصر، فإذا
أقام الرجل ببلد ليس مقامه لحرب، أو خوف حرب، أو تأهب حرب قصر ما

٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
بينه وبين ثمان عشرة ليلة، فإذا جاوزها أتمّ الصلاة حتى يُفارق البلد تاركاً
للمقام به آخذاً في سفره.
الثالث عشر: ما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: يفصل بين
الحضر والسفر اليوم والليلة، فمن أجمع مسير يوم وليلة روحته، وغدوته،
وولجته فقد أجمع سفراً، فله صلاة السفر، ورخصة فطر الصوم، ومن أجمع
إقامة يوم وليلة صلى صلاة الحضر، وعليه الصوم.
القول الرابع عشر: ما حكاه إسحاق ابن راهوَيْه عن بعضهم قالوا: قد
مضت السنة من النبيّ ◌َ﴿ وأصحابه في التقصير للمسافر إذا كان طاعناً، فإذا
وضع الزاد والمزاد، وترك الرحيل، وأقام أياماً لحاجة، أو تجارة، أو نزهة،
فهو بالمقيم أشبه منه بالمسافر، فعليه الإتمام. انتهى ملخصاً من كلام ابن
المنذر تَّتُهُ في كتابه ((الأوسط)) (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن قول الإمام أحمد تظلُّهُ هو
الأرجح، حيث اعتبر عدد صلاة النبيّ ◌َّ، فمن أجمع على إحدى وعشرين
صلاةً، قَصَرَ، ومن زاد على ذلك أتمّ.
قال ابن المنذر لَُّهُ: وأسعد الناس بحديث جابر أحمد، ومن وافقه؛
لأنه نظر إلى عدد الصلوات التي صلاها رسول الله و ﴿ في أيام مقامه بمكة في
حجته، فأجاز أن يقصر من أقام مقداراً يصلي ذلك العدد من الصلوات، وأمر
من زاد مُقامُه على ذلك المقدار بالإتمام. انتهى.
ونَصُّ مختصر الْخِرَقيّ: ((وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى
وعشرين صلاةً أتمّ)). قال ابن قدامة في ((المغني)): المشهور عن أحمد: أن
المدة التي تُلزم المسافر الإتمام بنيّة الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى
وعشرين صلاةً. ثم قال بعد ذكر الخلافات ما نصه:
ولنا ما روى أنس، قال: خرجنا مع رسول الله ﴾ إلى مكة، فصلى
ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشراً يقصر الصلاة، متفق عليه.
وذكر أحمد حديث جابر، وابن عباس أن النبيّ وَّ قَدِمَ لصبح رابعة،
(١) ((الأوسط)) ٣٥٥/٤ - ٣٥٦.

٤٣
(١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧١)
فأقام النبيّ وَّر اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر
بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على
إقامتها، قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبيّ وََّ قَصَرَ، وإذا أجمع على
أكثر من ذلك أتمّ. انتهى(١) .
والحاصل أن من نوى أن يقيم أكثر من إحدى وعشرين صلاةً عدد صلاة
النبيّ وَّ في مكة أتمّ، ومن نوى إحدى وعشرين، أو أقل من ذلك قَصَرَ، كما
قصر النبيّ وَّ في إحدى وعشرين صلاةً، مع أنه عَزَم على أنه سيقيم بمكة هذه
المدة .
وهذا هو القول الموافق لفعل النبيّ وَلّ، وأما ما عداه من الأقوال فليس
عليه دليلٌ صريحٌ مرفوعٌ يؤيده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٧١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي(٢) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: حَدَّثْنَا
ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ،
زَوْجَ النَّبِّ ◌َِّ قَالَتْ: ((فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي
الْحَضَرِ، فَأَقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ١٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
(١) ((المغني)) ١٤٩/٣ - ١٥٠.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثني)).

٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [٩] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب
الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور، من رؤوس [٤] (ت١٢٥)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (رَكْعَتَيْنِ) منصوب على الحال.
وقوله: (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى) أي: رجعت إلى
الحالة الأولى بعد نزول القصر، فكأنها مقرَّرةٌ على الحالة الأولى.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٧٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَّا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنٍ، فَأُقِرَّتْ
صَلَةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَةُ الْحَضَرِ))، قَالَ الزُّهْرِبُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ
تُتُمُّ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) - بوزن جعفر - المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠]
(ت٢٥٧) أو بعدها، وقد قَّارب المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٢ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام الحجة الثبت الفقيه [٩] (ت١٩٨)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (أَنَّ الصَّلَاةَ) وللبخاريّ في رواية الكشميهني: ((الصلوات)) بصيغة
الجمع .
وقوله: (أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ) بنصب ((أوّلَ)) على الظرفية، وهو متعلّق بالفعل

٤٥
(١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٢)
المقدر، و((ما)) مصدرية، والتقدير: في أول فرض الصلاة فُرِضت حال كونها
ركعتين، أو ((ما)) موصولة عبارة عن وقت، وجملة ((فُرِضت الصلاة)) صلتها،
والعائد محذوف، والتقدير: في أول الوقت الذي فرضت فيه الصلاة، فُرِضت
حال كونها ركعتين.
وقوله: (رَكْعَتَيْنٍ) وعند البخاريّ في رواية كريمة: (ركعتين ركعتين))
مكرّراً.
قال في ((الفتح): واستُدِلَّ بقولها: ((فُرِضت ركعتين)) على أن صلاة
المسافر لا تجوز إلا مقصورةً، ورُدَّ بأنه مُعارَضٌ بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
◌ُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأنه دالّ على أن الأصل الإتمام،
ومنهم من حَمَل قول عائشة رضيُّ: ((فُرِضَت))؛ أي: قُدِّرت، وقال الطبريّ:
معناه: أن المسافر إذا اختار القصر فهو فرضه، ومن أدلّ دليل على تعيُّن تأويل
حديث عائشة رضيٌّا هذا كونها كانت تُتِمّ في السفر، ولذلك أورده الزهريّ، عن
عروة.
وقوله: (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) فعلٌ ونائب فاعله؛ أي: رجعت إلى الحالة
الأولى بعد نزول القصر في السفر.
وقوله: (مَا بَالُ عَائِشَةَ) أي: ما حالها، وما شأنها .
وقوله: (تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من عائشة،
و((تُتِمّ)) بضم أوله، من الإتمام؛ أي: تصلي في السفر الرباعيّة أربع ركعات،
مع أنها قالت: ((فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين)).
وقوله: (إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) وفي رواية البخاريّ: ((تأوّلت ما
تأوّل عثمان))، قال في ((الفتح))(١) ما حاصله: مراد عروة بقوله: ((كما تأوّل
عثمان)) التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن
الأسباب اختَلَفَت في تأويل عثمان، فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة، وقد
أخرج ابن جرير في تفسير ((سورة النساء)) أن عائشة مؤيّا كانت تصلي في السفر
أربعاً، فإذا احتجّوا عليها تقول: إن النبيّ وَّ كان في حرب، وكان يخاف،
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٦٤/٢ - ٦٦٥.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
فهل تخافون أنتم؟ وقد قيل في تأويل عائشة: إنما أتمت في سفرها إلى البصرة
إلى قتال عليّ رَظُه، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة، وهذان القولان
باطلان، لا سيما الثاني، ولعل قول عائشة ﴿يا هذا هو السبب في حديث
حارثة بن وهب عنه قال: ((صلّى بنا النبيّ ◌َّل﴿ آمن ما كان بمنى ركعتين))،
متّفقٌ عليه، ولفظ مسلم: ((قال: صليت مع رسول الله وَّ بمنى، آمن ما كان
الناس وأكثره ركعتين)).
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: اختلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان ظّ في
السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأوّلا أن القصر رُخصةٌ غير
واجبة، وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسدٌ، وإما بعيدٌ، ولنذكُر ما
قيل في ذلك:
(فمنها): أن عائشة تأوّلت أنها أمّ المؤمنين، فحيثُ حلّت نزلت في أهلها
وولدها، وهذا يَبطُلُ بما بين المنزلتين من المسافات البعيدة، فإنها كانت تُتمّ
فيها، وهي على ظهر سفر.
(ومنها): أنها كانت لا ترى القصر إلا في الحجّ والعمرة والغزو، وذلك
باطلٌ؛ لأن ذلك لم يُنقل عنها، ولا عُرف من مذهبها، ثم قد أتمّت في سفرها
إلى عليّ غًُّا.
(ومنها): أنها حيث أتمّت لم تكن في سفر جائز، وهذا باطلٌ قطعاً،
فإنها كانت أتقى لله، وأخوف، وأطوع من أن تخرُج في سفر لا يرضاه الله
تعالى، وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة، وتشنيعاتهم عليها :
﴿سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَكِنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وإنما خرجت ◌َّا مجتهدةً محتسبةً في
خروجها، تريد أن تُطفىء نار الفتنة، ثم خرجت الأمور عن الضبط، وأقلّ
درجاتها أن تكون ممن قال فيها رسول الله صلى: ((إذا اجتهد الحاكم، فأصاب
فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر)).
قال: وأما عثمان رَُّه فقد تُؤُوّل له أنه كان إمام الناس، فحيث حلّ فهو
بمنزلتهم، وهذا يردّه أن النبيّ ◌َ * كان أولى بذلك، ومع ذلك فلم يفعله.
(ومنها): أنه كان معه أهله بمكة، وهذا يردّه أن النبيّ وَّر سافر بزوجاته،
وکنّ معه بمكة، ومع ذلك قصر.

٤٧
(١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٢)
(ومنها): أنه إنما فعل ذلك من أجل الأعراب؛ لئلا يظنّوا أن فرض
الصلاة أبداً ركعتان، وهذا يردّه أن النبيّ وَّ كان أولى بذلك، ولم يفعله، وثمّ
قد عَلِمَ الأعراب، والكلُّ من المسلمين أن الصلاة في الحضر أربع، ومن جَهِلَ
ذلك من قُرْب عهدٍ بالإسلام نادرٌ قليلٌ، لا تُغيَّر القواعد لأجله.
(ومنها): أن عثمان أزمع على الْمُقام بمكة بعد الحجّ، ويُرُدّه أن المُقام
بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث ممنوع.
(ومنها): أنه كان لعثمان بمنى أرضٌ ومالٌ، فرأى أنه كالمقيم، وهذا فيه
بُعْدٌ؛ إذ لم يقل أحدٌ: إن المسافر إذا مرّ بما يملكه من الأرض، ولم يكن له
فيها أهلٌ حكمه حكم المقيم، والوجه ما ذكرناه أوّلاً (١). انتهى كلام
القرطبيّ ◌َخُّْهُ، وهو بحثٌ مفيدٌ.
وقال في ((الفتح)): قوله: (تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) هذا فيه رَدٌّ على من
زعم أن عثمان إنما أتمّ؛ لكونه تأهل بمكة، أو لأنه أمير المؤمنين، وكلُّ موضع
له دارٌ، أو لأنه عَزَمَ على الإقامة بمكة، أو لأنه استَجَدّ له أرضاً بمنى، أو لأنه
كان يَسْبِقِ الناس إلى مكة؛ لأن جميع ذلك مُنْتَفٍ في حق عائشة ◌َيْنَا، وأكثره
لا دليل عليه، بل هي ظنون ممن قالها .
ويُرُدُّ الأول أن النبيّ وَّ كان يسافر بزوجاته وقَصَرَ، والثانيَ أن النبيّ
وستكم
صَلىالله
كان أولى بذلك، والثالثَ أن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام، كما سيأتي
تقريره في محلّه من ((كتاب المغازي))، والرابعُ، والخامسُ لم ينقلا، فلا يكفي
التخرُّص في ذلك، والأول وإن كان نُقِلَ، وأخرجه أحمد، والبيهقيّ، من
حديث عثمان رُّته، وأنه لَمّا صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه، فقال:
إني تأهلت بمكة لَمّا قَدِمت، وإني سمعت رسول الله وَّ ه يقول: ((من تأهّل
ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم))، فهذا الحديث لا يصح؛ لأنه منقطع، وفي رُواته
مَن لا يُحتجّ به، ويردُّه قول عروة: إن عائشة تأوّلت ما تأول عثمان، ولا جائز
أن تتأهل عائشة أصلاً، فدلّ على وَهْنِ ذلك الخبر.
قال: والمنقول أن سبب إتمام عثمان ظُه أنه كان يرى القصر مُختصّاً
(١) هو أن عثمان وعائشة ◌َّا تأوّلا أن القصر رخصة غير واجبة، وأخذا بالأكمل.

٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
بمن كان شاخصاً سائراً، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره، فله حكم
المقيم فيتمّ، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن، عن عباد بن عبد الله بن
الزبير، قال: لما قَدِم علينا معاوية حاجّاً صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم
انصرف إلى دار النَّدْوَة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد
عِبْتَ أمر ابن عمك؛ لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم
الصلاة إذا قَدِم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج
إلى منى وعرفة قَصَرَ الصلاة، فإذا فرغ من الحجّ، وأقام بمنى أتم الصلاة.
وقال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة چچيا كانا
يريان أن النبيّ وَّه إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأَخَذَا
لأنفسهما بالشدّة. انتهى.
وهذا رجحه جماعةٌ، من آخرهم القرطبيّ، لكن الوجه الذي قبله أولى؛
لتصريح الراوي بالسبب.
وأما ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أن عثمان إنما أتم
الصلاة؛ لأنه نوى الإقامة بعد الحجّ، فهو مرسل، وفيه نظرٌ؛ لأن الإقامة بمكة
على المهاجرين حرامٌ، وصحّ عن عثمان أنه كان لا يُؤَدِّع النساء إلا على ظهر
راحلته، ويسرع الخروج؛ خشيةَ أن يرجع في هجرته.
وثبت عن عثمان أنه قال لَمّا حاصروه، وقال له المغيرة: اركب رواحلك
إلى مكة، قال: لن أفارق دار هجرتي.
ومع هذا النظر في رواية معمر، عن الزهريّ، فقد رَوَى أيوب، عن
الزهريّ ما يخالفه، فَرَوَى الطحاويّ وغيره من هذا الوجه، عن الزهريّ قال:
إنما صلى عثمان بمنى أربعاً؛ لأن الأعراب كانوا كَثُرُوا في ذلك العام، فأحب
أن يُعلمهم أن الصلاة أربع.
ورَوَى البيهقيّ من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن
عوف، عن أبيه، عن عثمان أنه أتم بمنى، ثم خطب، فقال: إن القصر سنة
رسول الله وَّيه وصاحبيه، ولكنه حَدَثَ طَغَام - يعني بفتح الطاء والمعجمة -
فَخِفتُ أن يَسْتَنُّوا .
وعن ابن جريج أن أعرابيّاً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين، ما زِلْتُ

٤٩
(١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٢)
أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين، وهذه طُرُق يُقَوِّي بعضها بعضاً، ولا مانع
أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل
يقوِّيه من حيث إن حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة
عليها، بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان قالله .
وأما عائشة يؤثّا فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحاً، وهو فيما أخرجه
البيهقيّ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، أنها كانت تصلي في السفر أربعاً،
فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشُقّ عليّ. إسناده
صحيح، وهو دالّ على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشُقّ
عليه أفضل.
ويدلُّ على اختيار الجمهور ما رواه أبو يعلى، والطبرانيّ بإسناد جيّد، عن
أبي هريرة له أنه سافر مع النبيّ وَّر، ومع أبي بكر وعمر، فكلهم كان يصلي
ركعتين، من حين يخرج من المدينة إلى مكة حتى يرجع إلى المدينة في السير،
وفي المقام بمكة.
قال الكرمانيّ تََّثُ ما ملخّصه: تمسّك الحنفية بحديث عائشة ◌ّا في أن
الفرض في السفر أن يصلي الرباعية ركعتين.
وتُعُقِّب بأنه لو كان على ظاهره لما أتمت عائشة، وعندهم العبرة بما رأى
الراوي إذا عارض ما روى، ثم ظاهر الحديث مخالف لظاهر القرآن؛ لأنه يدلّ
على أنها فُرِضت في الأصل ركعتين، واستمَرَّت في السفر، وظاهر القرآن أنها
كانت أربعاً فنقصت، ثم إن قولها: ((الصلاة)) تعمّ الخمس، وهو مخصوص
بخروج المغرب مطلقاً والصبح بعدم الزيادة فيها في الحضر، قال: والعام إذا
خُصّ ضَعُفَت دلالته حتى اختُلِف في بقاء الاحتجاج به. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أرجح التأويلات في إتمام عثمان
وعائشة ﴿ّ قول من قال: إنهما كانا يريان القصر رخصةً غير واجبة، فأخذا
بالأكمل؛ اجتهاداً منهما، وهذا هو الذي تقدّم ترجيحه عن القرطبيّ ◌َّتُهُ، فهذا
(١) ((الفتح)) ٢/ ٦٦٤ - ٦٦٦ ((كتاب تقصير الصلاة)) رقم (١٠٩٠).

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الوجه هو الأقرب، والأظهر فيما يظهر لي دون تكلّف، وتعسّف، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٧٣] (٦٨٦) - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ
ابْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَابَيْهِ،
عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَّرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُوا
مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُ أَنْ يَغْيِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا
عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: ((صَدَقَةٌ (١) تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا
عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٣) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنْظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ
حافظ مجتهدٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٦ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ
(١) وفي نسخة: ((فسألت رسول الله وَله، فقال: صدقة ... ).

٥١
(١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٣)
مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس، ويرسل [٦]
(ت١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٧ - (ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار القرشيّ
المكيّ، حَلِيف بني الْجُمَح، الملقب بـ«القَسّ)) - بفتح القاف، وتشديد السين
المهملة - لعبادته، ثقة عابد [٣].
روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، وجابر، وشدّاد بن الهاد،
وعبد الله بن بابيه .
ورَوَى عنه عبد الملك بن عبيد بن عُمير، وابن جريج، وعمرو بن دينار،
ويوسف بن ماهك، وعكرمة بن خالد.
قال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح
الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن
المديني.
رَوَى له الجماعة سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَابَيْهِ) ويقال: باباه، ويقال بحذف الهاء، مولى آل
حُجير بن أبي إهاب، ويقال: مولى يعلى بن أمية، المكيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن جبير بن مُطعِم، وابن مسعود، وابن عُمر، وابن عَمْرو،
ويعلى بن أمية، وأبي هريرة.
وروى عنه أبو الزبير، وإبراهيم بن مهاجر البجليّ، وحبيب بن أبي ثابت،
وعمرو بن دينار، وقتادة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، وأبو حَصِين
الأسديّ، وغيرهم.
قال علي ابن المدينيّ: عبد الله بن بابيه من أهل مكة معروف، ويقال له
أيضاً: ابن باباه، وقال البخاريّ: عبد الله بن باباه، ويقال: ابن بابي، وقال
ابن معين: هؤلاء ثلاثة مختلفون، وقال أبو القاسم الطبرانيّ: عبد الله بن بابي
بصريّ، وعبد الله بن باباه مكيّ، وعبد الله بن بابيه كوفيّ، قال أبو الحسين بن
البراء: القول عندي ما قال ابن المدينيّ، والبخاريّ.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: عبد الله بن باباه ثقة،
وثَّقه العجليّ، وابن المدينيّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٩ - (يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ) بن أبي عبيدة، واسمه عبيد، ويقال: زيد بن هَمّام بن
الحارث بن بكر بن زيد بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، أبو
خلف، ويقال: أبو خالد، ويقال: أبو صفوان المكيّ، حَلِيف قريش، وهو
يعلى ابن مُنْية - بضمّ الميم، وسكون النون، ثم تحتانيّة - وهي أُمّه، ويقال:
جَدّته.
روى عن النبيّ وَّل، وعن عمر، وعنبسة بن أبي سفيان، وروى عنه
أولاده: صفوان، ومحمد، وعثمان، وعبد الرحمن، ويقال: إن عبد الرحمن
أخوه، لا ابنه، وعبد الله بن الديلميّ، وعبد الله بن بابيه، وموسى بن باذان،
وعطاء، ومجاهد، وغيرهم.
قال ابن سعد: شَهِد الطائف، وحُنيناً، وتبوك مع النبيّ وََّ، وقال أبو
أحمد الحاكم: كان عامل عمر بن الخطاب على نَجْران، وقال الدارقطنيّ: مُنية
بنت الحارث بن جابر أمّ العوّام بن خُويلد، والد الزبير، وهي جدة يعلى بن
أمية التميميّ، حليف بني نوفل، أمّ أبيه دُنيا (١)، وبها يُعْرَف، قال ذلك الزبير بن
بكار، وأصحاب الحديث يقولون في يعلى بن أمية: إن مُنية أمه، وقال زكريا بن
إسحاق، عن عمرو بن دينار: كان أول من أَرَّخ الكتب يعلى بن أمية، وهو
باليمن، وقال ابن عساكر: ذكره أبو حسان الزياديّ فيمن قُتِل بصفّين، قال
الحافظ: وهذا لا أراه محفوظاً .
ورَوَى النسائيّ من حديث عطاء، عن يعلى بن أمية، قال: دخلت على
عنبسة بن أبي سفيان، وهو في الموت ... الحديث، وقد ذكر الليث، وخليفة
أن عنبسة حَجّ بالناس سنة سبع وأربعين، فهذا يدلّ على أن يعلى تأخرت وفاته
بعد صِفِّين.
وقال ابن عبد البرّ عن ابن المدينيّ: استعمله أبو بكر على حُلْوان،
واستعمله عمر على بعض اليمن، فبلغ عمر أنه حَمَى لنفسه، فأمره أن يمشي
على رجليه إلى المدينة، فمَشَى خمسة أيام أو ستة، فبلغه موت عمر، فركب،
(١) أي الأدنى.

٥٣
(١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٣)
واستعمله عثمان على الْجَنَد، فلما بلغه قتل عثمان أقبل لينصره، فصحب
الزبير، وعائشة، ويقال: هو حَمَل عائشة على الجمل الذي كان تحته في وقعة
الجمل.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم (٦٨٦)
و(٨٧١) و(١١٨٠) وكرّره خمس مرّات، و(١٦٧٣) و(١٦٧٤) وأعاده بعده.
١٠ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) أمير المؤمنين الخليفة الراشد، استُشهد رَُّه في
ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َظُّهُ .
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيّين من ابن جُريج.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ،
وأن عمر ظُهُ جَمّ المناقب، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء
الأربعة الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة،
شرح الحديث:
(عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) رَبه أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رَُّبه، ولفظ
أبي داود: ((قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناس الصلاة، وإنما
قال الله وَك: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْنِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فقد ذهب اليوم ... )) (﴿فَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحُ﴾﴾ أي: وِزْر وحَرَجُ (﴿أَنْ نَقْصُرُوا﴾) - بضم الصاد - أي: في القصر،
وهو خلاف المدّ، يقال: قَصَرتُ الشيء؛ أي: جعلته قصيراً بحذف بعض
أجزائه، فمتعلق القصر جملة الشيء، لا بعضه، فإن البعض متعلَّق الحذف دون
القصر، فحينئذ قوله: (﴿مِنَ الصَّلَوَةِ﴾) ينبغي أن يكون مفعولاً لـ((تقصُرُوا)) على
زيادة ((من)) حسب ما رآه الأخفش، وأما على رأي غيره من عدم زيادتها في
الإثبات، فتُجعل تبعيضيةً، ويراد بالصلاة الجنس، ليكون المقصور بعضاً منها،
وهوِ الرباعيات، قاله أبو السعود في («تفسيره)). (﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾) أي: ينالوكم بمكروه (فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟) بكسر الميم، من باب عَلِمَ،

٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال في ((المصباح)): أَمِنَ زيدٌ الأسدَ أَمْناً، وأَمِنَ منه، مثلُ: سَلِمَ منه وزناً
ومعنَى، والأصل أن يُستَعْمَلَ في سكون القلب، يتعدّى بنفسه، وبالحرف،
ويُعدّى إلى ثان بالهمزة، فيقال: آمنتُهُ منه. انتهى.
والمعنى هنا: أنه ذهب خوفهم الذي كان سبباً لمشروعية قصر الصلاة،
فما بالهم يقصرون؟، أو فما وجه القصر مع زوال السبب؟ (فَقَالَ) عمر (
رضىعنه
(عَجِبْتُ) بضمّ التاء، للمتكلّم، والفعل من باب تَعِبَ (مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ) بفتح
التاء للمخاطب؛ أي: تعجّبتُ أنا مما تعجّبتَ منه أنت.
وقال النوويّ كَّلُهُ: وقع في بعض الأصول بلفظ: ((عَجِبتُ ما عَجِبتَ
منه))، وفي بعضها: ((عجِبتُ مما عَجِبتَ))، وهو المشهور المعروف. انتهى (١)
.
(فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ عَنْ ذَلِكَ؟) أي: عن قصر الصلاة مع زوال
السبب، وهو الخوف من العدوّ، وحصول الأمن (فَقَالَ) وَ ((صَدَقَةٌ) بالرفع
خبر لمحذوف؛ أي: هذه صدقةٌ، وجملة قوله: (تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ) في
محلّ رفع صفة ((صدقةٌ)).
والمعنى: أن قصر الصلاة صدقةٌ؛ أي: فضلٌ تفضل الله تعالى بِهَا
عَلَيْكُمْ، وأكرمكم بها (فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ))) أي: سواء حصل الخوف أم لا، فقوله
في الآية: ﴿إِنْ خِفْتُمُ﴾ قد خَرَج مخرج الأغلب، لكون أغلب أسفار النبيّ وَّ
وأصحابه لم تَخْلُ من خوف؛ لكثرة أهل الحرب إذ ذاك، فحينئذ لا تدلّ الآية
على عدم القصر إن لم يكن خوف؛ لأنه بيان للواقع إذ ذاك، فلا مفهوم له.
وقال السنديّ تَخْثُهُ: أي: شَرَع لكم ذلك رحمةً بكم، وإزالةً للمشقّة
عنكم، نظراً إلى ضعفكم، وفقركم، وهذا المعنى يقتضي أن ما ذُكر فيه من
القيد، فهو اتفاقيّ ذكرُهُ على مقتضى ذلك الوقت، وإلا فالحكم عامّ، والقيد لا
مفهوم له، ولا يخفى ما في الحديث من الدلالة على اعتبار المفهوم في الأدلة
الشرعية، وأنهم كانوا يفهمون ذلك، ويرون أنه الأصل، وأن النبيّ وَّ قرّرهم
على ذلك، ولكن بَيَّنَ أنه قد لا يكون معتبراً أيضاً بسبب من الأسباب.
[فإن قلت]: يمكن التعجّب مع عدم اعتبار المفهوم أيضاً، بناءً على أن
(١) ((شرح مسلم)) ١٩٦/٥.

٥٥
(١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٣)
الأصل هو الإتمام، والقصر رخصةٌ، جاءت مقيّدةً لضرورة، فعند انتفاء القيد
مُقتَضَى الأدلّة هو الأخذ بالأصل.
[قلت]: هذا الأصل إنما يُعمَل به عند انتفاء الأدلّة، وأما مع وجود فعل
النبيّ ◌َ﴿ بخلافه، فلا عبرة به، ولا يُتعجّب من خلافه، فليُتأمّل. انتهى كلام
السنديّ ◌َخْشُهُ.
وقال الإمام ابن القيم تَخْتُهُ: قد أشكلت الآية على عمر وغيره، فسأل
عنها رسول الله وَل﴿، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من الله، وشَرْعٌ شرعه
للأمة، وكان هذا بيانَ أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الْجُنَاح مرتفع في قصر
الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له.
انتھی.
وقال السنديّ تَّتُهُ: الأمر يقتضي وجوب القبول، وأيضاً العبد فقير،
فإعراضه عن صدقة ربه يكون منه قبيحاً، ويكون من قبيل ﴿أَن رََّهُ أُسْتَغْتَ
[العلق: ٧]، وفي ردّ صدقة أحد عليه من التأذِّي عادةً ما لا يخفى، فهذه من
أمارات الوجوب، فتأمل، والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن القول بوجوب القصر على المسافر
هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، ولكن لا يلزم منه بطلان صلاة من أتمّ للتأويل، أو
نحوه؛ لما أسلفناه من الأدلّة على ذلك، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال الإمام ابن كثير تَخُّْ في ((تفسيره)): يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِى
اُلْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ
مِنْكُم مَرَّْ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهُ﴾ الآية [المزمل: ٢٠]،
وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ أي: تخففوا فيها
إما من كميتها بأن تُجْعَل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية،
واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك.
فمن قائل: لا بدّ أن يكون سفر طاعة، من جهاد، أو حجّ، أو عمرة، أو
طلب علم، أو زيارة، أو غير ذلك، كما هو مرويّ عن ابن عمر، وعطاء،
ويحيى، عن مالك، في رواية عنه نحوه؛ لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُ أَن يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١].

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بدّ أن يكون مباحاً؛ لقوله:
﴿فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٍ﴾ الآية [المائدة: ٣]، كما أباح له تناول
الميتة مع الاضطرار، بشرط أن لا يكون عاصياً بسفره، وهذا قول الشافعيّ،
وأحمد، وغيرهما من الأئمة.
وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا وكيع عن الأعمش، عن إبراهيم،
قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله إني رجل تاجرٌ، أختَلِف إلى البحرين،
فأمره أن يصلي ركعتين، فهذا مرسل.
ومن قائل: يكفي مطلق السفر، سواءً كان مباحاً أو محظوراً حتى لو
خرج لقطع الطريق، وإخافة السبيل تَرَخَّص؛ لوجود مطلق السفر، وهذا قول
أبي حنيفة، والثوريّ، وداود؛ لعموم الآية، وخالفهم الجمهور.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن ما ذهب إليه أبو حنيفة، والثوريّ،
وداود هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، فقد يكون هذا خرج
مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان
غالب أسفارهم مَخُوفةٌ، بل ما كانوا يَنهَضون إلا إلى غزو عامّ، أو في سريّة
خاصة، وسائر الأحيان حَرْبٌ للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج
الغالب، أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ
إِنْ أَرَدْنَ تَحَضُّنَا﴾ [النور: ٣٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَبِيِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم مِّن
تِسَائِكُمُ﴾ الآية [النساء: ٢٣].
ثم ساق أحاديث القصر المذكورة في هذا الباب، ثم قال: فهذه
الأحاديث دالةٌ صريحاً على أن القصر ليس من شرطه وجودُ الخوف، ولهذا
قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر ها هنا إنما هو قصر الكيفية لا
الكمية، وهو قول مجاهد، والضحاك، والسُّدّيّ كما سيأتي بيانه، واعتَضَدُوا
أيضاً بحديث عائشة ﴿ها أنها قالت: ((فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر
والحضر، فأُقِرَت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر))، متّفقٌ عليه.
قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد

٥٧
(١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٣)
بالقصر ها هنا قصر الكمية؛ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ
أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١].
وأصرح من ذلك دلالةً على هذا ما رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) من
طريق زُبيد الياميّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر رَظ ◌ُبه قال: ((صلاة
السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة
ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر على لسان محمد مَ 38))، وهكذا رواه النسائيّ، وابن
ماجه، وابن حبان في ((صحيحه))، من طُرُق عن زُبيد اليامي به، وهذا إسناد
على شرط مسلم، وقد حَكَم مسلم في ((مقدمة كتابه)) بسماع ابن أبي ليلى عن
عمر نظريته، وقد جاء مُصَرَّحاً به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب - إن
شاء الله - وإن كان يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ قد قالوا: إنه لم
یسمع منه.
وقد روى مسلم في ((صحيحه))، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من
حديث ابن عباس رضيها قال: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد رَّ في
الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة))، فهذا ثابت عن ابن
عباس ◌ّ، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة فيها؛ لأنها أخبرت أن أصل الصلاة
ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقرّ ذلك صحّ أن يقال: إن فرض
صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس، والله أعلم.
لكن اتَّفَقَ حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها
تامة غير مقصورة، كما هو مصرَّح به في حديث عمر ◌ُته .
وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ نَقْصُرُواْ
مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١١]، قصر الكيفية كما في صلاة الخوف ولهذا قال: ﴿إِنْ
ج
خِفْتُ أَن يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ
فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، فبيّن المقصود من القصر ها هنا
وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لَمّا عقد البخاري كتاب صلاة الخوف صدّره بقوله
تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ إلى قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢].
وهكذا قال جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
مِنَ الصَّلَوَةِ﴾، قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان
وجهه، وقال أسباط عن السديّ في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاعُ
أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُ﴾ الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر
فهي تمام التقصير، لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن
الصلاة، فالتقصير ركعة، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ
أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ يوم كان النبيّ وٍَّ وأصحابه بعسفان، والمشركون
بضَجْنان، فتوافقوا، فصلى النبيّ ◌َ﴿ بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات
بركوعهم وسجودهم وقيامهم معاً جميعاً، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغِيروا على
أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير عن مجاهد
والسّدّيّ، وعن جابر، وابن عمر، واختار ذلك أيضاً، فإنه قال بعد ما حكاه
من الأقوال في ذلك: وهو الصواب.
وقال ابن جرير: حدّثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدّثنا ابن
أبي فُديك، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن
خالد بن أسيد، أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نَجِد في كتاب الله قصر صلاة
الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر؟، فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا وَليه
يعمل عملاً عملنا به. فقد سَمَّى صلاة الخوف مقصورةً، وحَمَل الآية عليها، لا
على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتَجّ على قصر الصلاة
في السفر بفعل الشارع، لا بنصّ القرآن.
وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضاً: حدّثنا أحمد بن الوليد
القرشيّ، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك الحنفيّ، قال:
سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في
صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة،
ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم
ركعةً، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة. انتهى كلام ابن
كثير دَخْلُهُ(١) .
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٥٤٦/١.

٥٩
(١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٣)
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر تصرّف ابن كثير كَُّ يدلّ على أنه يرى
ترجيح القول بأن المراد بالقصر في الآية المذكورة قصر كيفية الصلاة، وهو
صفة صلاة الخوف، لا قصر كميّتها، وهو صفة صلاة السفر، وقد نقل تصحيح
ابن جرير له، وأقرّه عليه، والذي يظهر لي أن الأرجح كون الآية شاملة
للاثنتين؛ فأما قصر المسافر فحديث عمر رضيالله عنه المذكور في الباب نصّ فيه،
حيث سأل النبيّ ◌َ عما أشكل عليه من معنى الآية، فقال له: ((صدقةٌ
تصدّق الله بها عليكم ... )) الحديث، فإن هذا هو قصر المسافر، وأما صلاة
الخوف فسياق الآية اللاحقة ظاهر في ذلك.
وهذا هو الذي مال إليه أبو العبّاس القرطبيّ كَّلهُ حيث قال: قوله:
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ﴾ الآية: يعني به القصر من عدد الركعات، والقصر
بتغيير الهيئات، بدليل قوله وَ له: ((صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم)) عندما سُئل عن
قصرها مع الأمن، فكان قوله ذلك تيسيراً وتوقيفاً على أن الآية متضمّنة لقصر
الصلاة مع الخوف، ومع غير الخوف، فالقصر مع الخوف هو في الهيئات على
ما يأتي، ومع الأمن في الركعات، والمتصدَّق به إنما إلغاء شرط الخوف في
قصر عدد الركعات مع الأمن، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات
على ما يأتي.
وقد أكثر الناس في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمع بين
الآية والحديث. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
والحاصل أن الآية شاملة لقصر الكميّة، والكيفيّة، والصدقة التي
تصدّق الله بها علينا هي إلغاء شرط الخوف في قصر الكميّة، فتبصّر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر رضاه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٧٣/١ و١٥٧٤] (٦٨٦)، و(أبو داود) في

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
((الصلاة)) (١١٩٩ و١٢٠٠)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٣٤)، و(النسائيّ) في
((تقصير الصلاة)) (١٤٣٣)، و((الكبرى)) (١٨٩١)، وفي ((التفسير)) (١١١٢٠)،
و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (١٠٦٥)، و(الشافعيّ) في ((السنن المأثورة)) (١٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥/١ و٣٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٥٤/١)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (٩٤٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٣٩ و٢٧٤٠
و٢٧٤١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٤٣ و١٥٤٤)، و(الطبريّ) في
«تفسيره)) (١٠٣١٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤١٥/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٤/٣ و١٤٠ و١٤١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(١٠٢٤)، و(أبو جعفر النحّاس) في ((الناسخ والمنسوخ)) (ص١١٦)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية تقصير الصلاة في السفر.
٢ - (ومنها): بيان رحمة الله تعالى، وكمال فضله على عباده حيث شَرَعَ
لهم قصر الصلاة في حال السفر للمشقة اللاحقة بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ الآية [الحج: ٧٨].
٣ - (ومنها): جواز القصر في السفر من غير الخوف.
٤ - (ومنها): جواز قول: ((تصدّق الله علينا))، و((اللّهم تصدّق علينا))،
وقد كرهه بعض السلف، قال النووي تَخُّهُ: وهو غلط ظاهر؛ أي: لمخالفته
لما صحّ عن رسول الله صل في هذا الحديث.
٥ - (ومنها): أن المفضول إذا رأى الفاضل يَعْمَل شيئاً يشكل عليه يسأله
عنه .
٦ - (ومنها): أن المفاهيم معتبرة في الشرع، حيث إن عمر نظُهُ فَهِمَ من
قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمُ﴾ أن مفهومه عدم جواز القصر عند عدم الخوف، وقرره
النبيّ ◌َ﴾ على هذا الفهم، ولكن ذكر له مانعاً من اعتباره، وهو كونه صدقة
من الله تعالى مطلقةً غيرَ مقيدة بالخوف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.