Indexed OCR Text
Pages 561-580
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢) ٥٦١ فـ((ما)) مصدريّة، وأنكر بعضهم كونها هنا مصدريّة؛ لعود الضمير من (به)) عليها، والمصدريّة لا تحتاج إلى عائد، وإنما هي موصولة، واقعة على معنى الحبّ والحرص، أي بسبب الحبّ والحرص الذي حفِظتَ به نبيّهِ وَ﴾ (ثُمَّ قَالَ) وَهِ ((هَلْ تَرَانَا) بفتح أوله، ويَحْتَمِلُ أن يكون بالضمّ: أي هل تَظُنّنا (نَخْفَى) بفتح أوله، وثالثه، مضارع خَفِيَ، من باب رَمَى خَفَاءً: إذا استتر، قال في ((المباح)): خَفِيَ الشيءُ يَخْفَى خَفَاءً بالفتح والمدّ: استَتَرَ، أو ظَهَرَ، فهو من الأضداد، وبعضهم يَجْعَل حرف الصلة فارقاً، فيقول: خَفِيَ عليه: إذا استَتَر، وَخَفِيَ له: إذا ظَهَر، فهو خَافٍ، وَخَفِيَ أيضاً، ويتعدى بالحركة، فيقال: خَفَيْتُهُ أَخْفِيهِ من باب رَمَى: إذا سترته وأظهرته، وفَعَلْتُهُ خِفْيَةً بضم الخاء وكسرها، ويتعدى بالهمزة أيضاً، فيقال: أخفيته، وبعضهم يَجْعَل الرباعيّ للكتمان، والثلاثي للإظهار، وبعضهم يَعْكِسُ. انتهى(١). (عَلَى النَّاسِ؟))) أي على بقيّة الركب، وهذا يدلّ على أنهما كانا وحدهما (ثُمَّ قَالَ) بَرِ ((هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟)) ((من)) زائدة، كما قال في ((الخلاصة)): وَزِيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـ((مَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرْ)) أي هل ترىّ أحداً من السائرين غيرنا؟، وهذا يدلّ على أنهم كانوا متفرّقين في سيرهم. قال أبو قتادة (قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا، فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ) يَحْتَمِلُ أن يكون نادى الرُّكبان، ويَحْتَمِلُ أنهما أسرعا إن كانا متأخّرين، أو أبطاً إن كان متقدّمين. و ((الرَّكْبُ) بفتح الراء، وسكون الكاف: جمع راكب، كصاحب وصَحْب، ويُجمع أيضاً على رُكْبان، ولكونه جمعاً صار تمييزاً لـ(سبعة))، فإن تمييز ما دون العشرة من العدد يكون جمعاً مجروراً، كما قال في ((الخلاصة)): فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَةْ ثَلَاثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِعَشَرَهْ جَمْعاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ فِي الصِّدُ جَرِّدْ وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ وفي رواية أبي داود: ((أن النبيّ وَّ كان في سفر له، فمال رسول الله وَله، (١) ((المصباح المنير)) ١٧٦/١. ٥٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ومِلتُ معه، فقال: انظر، فقلتُ: هذا راكبٌ، هذان راكبان، هؤلاء ثلاثةٌ، حتی صِرْنا سبعة)). (قَالَ) أبو قتادة رَظُهُ (فَمَالَ) أي تحوّل (رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنِ الطَّرِيقِ) أي تجنّباً أن يُصيبهم الأذى مما يَطْرُق الطريق من الهوامّ، وقد أمر #* بذلك، حيث قال: ((وإذا عَرَّستم، فاجتنبوا الطريق، فإنها ◌ُطُرُق الدوابّ، ومأوى الهوامّ بالليل»، رواه مسلم. وقد بيّن في رواية البخاريّ أن ميله ◌َلو كان بطلب من الصحابة ولفظه من طريق عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: سرنا مع النبيّ وَّ ليلةً، فقال بعض القوم: لو عَرَّست بنا يا رسول الله؟ قال: ((أخاف أن تناموا عن الصلاة))، قال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه، فنام، فاستيقظ النبيّ مَل﴾، وقد طلع حاجب الشمس، فقال: ((يا بلال، أين ما قلت؟)) قال: ما أُلقيت عليّ نومةٌ مثلها قطّ، قال: ((إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردّها عليكم حين شاء، يا بلال قم، فأذِّن بالناس بالصلاة))، فتوضأ، فلما ارتفعت الشمس، وابياضَّت قام فصلى. (فَوَضَعَ) وَِّ (رَأْسَهُ) كناية عن نومه (ثُمَّ قَالَ) ◌ِ ((احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا))) زاد في رواية أبي داود: ((يعني صلاة الفجر))، أي احفظوا وقت صلاة الفجر، فلا تضيّعوها بالنوم عنها . (فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ وََّ) هذا معطوف على محذوف، أي فناموا، فكان ... إلخ، وفي رواية أبي داود: («فضُرِب على آذانهم، فما أيقظهم إلا حرّ الشمس، فقاموا هُنَيَّةً، ثم نزلوا، فتوضّئوا)). و((أوّلَ)) بالنصب خبر كان مقدّماً على اسمها، وهو (رسول الله وَلات). ثم إن قوله: ((فكان أولَ من استيقظ إلخ)) يدلّ على أن هذه الواقعة غير الواقعة التي تقدّمت في حديث أبي هريرة ◌ُه؛ لأن أول من استيقظ هناك هو بلال (وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((رسول الله (َلي))، وهو بمعنى قوله في الحديث الآخر: ((فما أيقظهم إلا حرّ الشمس)). ٥٦٣ (٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢) (قَالَ) أبو قتادة (فَقُمْنَا فَزِعِينَ) بفتح، فكسر اسم فاعل من فَزِعَ، من باب تَعِب، وسبب فَزَعهم ما أصابهم من فوات صلاة الفجر بالنوم، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في شرح حديث أبي هريرة بظلاله الذي قبله. (ثُمَّ قَالَ) ﴿ِ (ارْكَبُوا))، فَرَكِبْنَا) هذا أيضاً مما يدلّ على اختلاف الواقعتين؛ فإنه في حديث أبي هريرة نظ﴿به قال: ((اقتادوا، فاقتادوا))، وإن حاول بعضهم، فأوّله بأن بعضهم اقتاد، وبعضهم ركب، لكن الظاهر الوجه الأول، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ) النبيّ ◌ِّرَ عن راحلته (ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ) بكسر الميم، وبهمزة بعد الضاد المعجمة، ويجوز مدّه وقصره: هي الإناء الذي يُتوضّأ منه، كالرِّكْوة، ونحوها، قال القرطبيّ تَظُّهُ: وهي التي قال فيها: ((أَظْلِقُوا لي غُمَرِي)). انتهى. (كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ) أي قليلٌ (مَنْ مَاءٍ، قَالَ) أبو قتادة (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءاً دُونَ وُضُوءٍ) أي وضوءاً خفيفاً، وكأنه اقتصر فيه على المرّة الواحدة، ولم يُكثِرِ صبَّ الماء؛ لأنه أراد أن يُفْضِل منه فَضْلةً؛ لتظهر فيها بركته وكرامته، قال القرطبيّ كَّثهُ: وهذا أولى من قول من قال: أراد بقوله: ((وضوءاً دون وُضوء)) الاستجمار بالحجارة؛ لأن ذلك لا يقال عليه وضوءٌ عُرْفاً، ولا لغةً؛ لأنه لا نظافة فيه بالغةٌ، ولما روى أبو داود في هذه القصّة من حديث ذي مِخْبَرِ الحبشيّ، خادم رسول الله وَّ ((أنه وَله توضّأ وضوءاً لم يَلُتّ(١) منه التراب))(٢). انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: في استدلاله بقصّة ذي مخبر نظر؛ لأنه لا دليل على اتّحادها مع قصّة أبي قتادة، فَيَحْتَمِل أن تكون واقعة أخرى، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ تَخَّتُهُ: معناه: وضوءاً خفيفاً مع أنه أسبغ الأعضاء، ونَقَل القاضي عياضٌ عن بعض شيوخه أن المراد توضّأ، ولم يستنج بماء، بل (١) بفتح أوله، وضم ثالثه، وتشديد التاء: أي لم يخلط الماء بالتراب. (٢) رواه أحمد في ((مسنده)) (٩١/٤)، وأبو داود برقم (٤٤٥). (٣) ((المفهم)) ٣١٥/٢. ٥٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة استجمر بالأحجار، وهذا الذي زعمه هذا القائل غلطٌ ظاهرٌ، والصواب ما (١) سبق. انتهى(١). (قَالَ) أبو قتادة (وَبَقِيَ فِيهَا) أي في تلك المِيضأة (شَيْءٌ) أي قليلٌ (مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ) وَّهِ (لِأَبِي قَتَادَةَ) فيه التفاتة؛ إذ الظاهر أن يقول: ثم قال لي ((احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأْ))) - بفتحتين - أي شأنٌ عظيم يُخبر به في المستقبل، من حصول البركة للناس، وحدوث المعجزة له وَله. [فائدة مهمّة]: قال الراغب الأصفهانيّ كََّتُهُ: ((النبأُ)): خبرٌ ذو فائدة عظيمة، يَحْصلُ به علم، أغلبه ظنّ، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقُّ الخبر الذي يقال فيه: نبأ أن يَتَعَرَّى عن الكذب، كالتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر النبيّ وَّل، ولتضمن النبأ معنى الخبر، يقال: أنبأته بكذا، كقولك أخبرته بكذا، ولتضمنه معنى العلم، قيل: أنبأته كذا، كقولك: أعلمته كذا، قال الله تعالى: ﴿قُلّ هُوَ نَبَأْ عَظِيمُ (٧) أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨]، وقال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [النبأ: ١ - ٢]، وقال: ﴿أَلَمَّ يَأْتِّكُمْ نَبَؤُّأْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ [التغابن: ٥]، وقال: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٤٩]، وقال: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا﴾ [الأعراف: ١٠١] وقال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠]، وقوله: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنْبَلٍ فَتَبَيَّنُواْ﴾ [الحجرات: ٦]، فَتَبَيِّنُهُ أنه إذا كان الخبر شيئاً عظيماً له قَدْرٌ، فحقه أن يُتَوَقَّف فيه، وإن عُلِمَ وغَلَب صحته على الظنّ، حتى يعاد النظر فيه، ويُتَبِيَّن فَضْلَ تبينٍ، يقال: نَبّأته، وأنبأته، قال تعالى: ﴿أَنْتُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، وقال: ﴿أَنْبِهُمْ بِأَسْمَِهِمَّ فَلَمَّا أَنْبََّهُم بِأَسْمَاءِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، وقال: ﴿نَبَأْتُكُمَا [الحجر: ٥١]، وقال: ٥١٠ بِتَأْوِيلِهِ،﴾ [يوسف: ٣٧]، ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴿أَتْنَبِقُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿قُلْ سَقُّوهُمْ أَمْ تُلِّتُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقال: ﴿نَبِّعُونِي بِعِلْرٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا ◌َللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]. - (١) ((شرح النووي)) ١٨٥/٥ - ١٨٦. ٥٦٥ (٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢) ونَبّأته أبلغ من أنبأته، ﴿فَلَئَُبَِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [فُصِّلت: ٥٠]، ﴿يُنَّا أُلْإِنَنُ [القيامة: ١٣]. ١١٣ يَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( ويدُلّ على ذلك قوله: ﴿فَلَمَّا نَبََّهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَبْبَكَ هَذَا قَالَ نََّنِىَ اٌلْعَلِيمُ اُلْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]، ولم يقل: أنبأني، بل عَدَلَ إلى نَّأ الذي هو أبلغ تنبيهاً على تحقيقه، وكونه من قبل الله، وكذا قوله: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا ◌َللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، ﴿فَيُنَبِّئُكُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]. و((النُّبُوَّة)): سِفَارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده؛ لإزاحة عِلّتهم في أمر معادهم ومعاشهم، و((النبيّ))؛ لكونه مُنَبِّئاً بما تسكُن إليه العقول الذكية، وهو يصح أن يكون فَعِيلاً بمعنى فاعل؛ لقوله تعالى: ﴿نَيِّئْ عِبَادِىّ﴾ [الحجر: ٤٩]، ﴿قُلْ أَوْنِفْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]، وأن يكون بمعنى المفعول؛ لقوله: ﴿نَّأَنِىَ اَلْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. وتَنَبّأ فلان: ادَّعَى النبوة، وكان من حقّ لفظه في وضع اللغة أن يصح استعماله في النبيّ؛ إذ هو مطاوع نَبَّأ، كقوله: زَيَّنه فَتَزَيَّن، وحَلّه فتَحَلَّى، وجَمَّله فتجَمَّل، لكن لما تعورف فيمن يَدَّعِي النبوة كَذِباً جُنَّب استعماله في الْمُحِقِّ، ولم يُستعمَل إلا في المتقَوِّل في دعواه، كقولك: تنبأ مُسَيْلِمة، ويقال في تصغير نَبِئ: مُسَيلمة نُبِّئُ سَوْءٍ؛ تنبيهاً أن أخباره ليست من أخبار الله تعالى، كما قال رجل سَمِع كلامه: والله ما خرج هذا الكلام من إِلِّ، أي الله، والنَّبْأَةُ الصوت الخفيّ. قال النحويون: النبيّ بغير همز أصله الهمز، فتُرِك همزه، واستدلُّوا بقولهم: مسيلمة نُبَيِّئُ سَوْءٍ، وقال بعض العلماء: هو من النَّبْوة: أي الرِّفعة، وسُمِّي نبيّاً؛ لرفعة محله عن سائر الناس، المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنَا عَلِيًّا (3﴾﴾ [مريم: ٥٧]، فالنبيّ بغير الهمز أبلغ من النبئ بالهمز؛ لأنه ليس كل مُنَبَّأ رفيع القدر والمحل، ولذلك قال وَ ل﴿ لمن قال: يا نبي الله، فقال: ((لست نبئ الله، ولكن نبي الله))(١)، لَمّا رأى أن الرجل خاطبه بالهمز؛ لِبُغْضٍ منه. (١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٥١/٢ عن أبي ذر ه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ، فقال: يا نبيئ الله، فقال رسول الله وَ له: ((لست بنبيئ الله، ولكني= ٥٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة والنبوّة والنباوة: الارتفاع، ومنه قيل: نَبَا بفلان مكانه، كقولهم: قَضَّ عليه مَضجعه، ونبا السيف عن الضَّرِيبة: إذا ارتدّ عنه، ولم يَمْضِ فيه، ونبا بصره عن كذا؛ تشبيهاً بذلك. انتهى كلام الراغب تَّتُهُ(١)، وهو بحثٌ لغويّ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ) فيه مشروعيّة الأذان للصلاة الفائتة (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ رَكْعَتَيْنِ) أي سنة الصبح، ففيه استحباب قضاء السنّة الراتبة (ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ) أي صلاة الغداة، وهي الصبح (فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْم) يعني أنه صلّى الفائتة بالحالة والهيئة التي كان يصلّي بها الحاضرة. وقال النوويّ: قوله: ((كما كان يصنع كل يوم))، فيه إشارة إلى أن صفة قضاء الفائتة كصفة أدائها، فيؤخذ منه أن فائتة الصبح يَقْنُت فيها، وهذا لا خلاف فيه عندنا، وقد يَحْتَجّ به من يقول: يجهر في الصبح التي يقضيها بعد طلوع الشمس، وهذا أحد الوجهين لأصحابنا، وأصحهما أنه يُسِرّ بها، ويُحْمَل قوله: ((كما كان يصنع)) أي في الأفعال، وفيه إباحة تسمية الصبح غداةً، وقد تكرر في الأحاديث. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: أما ما قاله في القنوت فقد تقدّم أن الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يُستحبّ القنوت إلا في النوازل، وليس هناك دليلٌ صحيحٌ صريح على استحباب القنوت في الصبح، كما مرّ البحث فيه مستوفّى. وأما حمل قوله ((كما كان يصنع)) على الأفعال، فتأويل بعيد، بل الظاهر أن يُحْمَل على أنه قضاها بصفة أدائها قولاً وفعلاً، فيدلّ على استحباب الجهر فيها، فتبصّر، والله تعالى أعلم. = نبي الله))، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعقّبه الذهبيّ كَُّ، فقال: بل منكرٌ لم يصحّ؛ لأن في سنده حمران بن أعين ليس بثقة، وهو واهٍ. انتهى. وقال في ((التقريب)) (ص٨٣): حمران بن أعين الكوفيّ مولى بني شيبان ضعيفٌ رُمي بالرفض من الخامسة. انتهى. (١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) (ص٧٨٨ - ٧٩٠). (٢) ((شرح النووي)) ١٨٦/٥. ٥٦٧ (٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْغَائَِّةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢) (قَالَ) أبو قتادة (وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَرَكِبْنَا مَعَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ) بفتح الهاء، وكسر الميم، أي يتكلّم بخفاء وإسرار لا يسمعه غير من قصده. قال الفيّوميّ كَّتُهُ: ((الْهَمْسُ)): الصوت الخفيّ، وهو مصدرُ هَمَسْتُ الكلامَ، من باب ضَرَبَ: إذا أخفيته، وما سَمِعتُ له هَمْساً ولا جَرْساً، وهما الخفيّ من الصوت، وحرفٌ مَهمُوسٌ، غير مجهورٍ، وكلام مهموسٌ غير ظاهرٍ. انتھی(١). وقوله: (مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا) مقول لقول مقدّر حالٍ، و((ما)) الأولى استفهاميّة مبتدأ خبره (كفّارةُ))، و((ما)) الثانية موصولة، والعائد محذوف، أي الذي صنعناه، وجنيناه من الإثم، أو هي مصدريّة، فلا تحتاج إلى عائد، أي كفّارة صنیعنا، وجنايتنا . (بِتَغْرِيطِنَا فِي صَلَائِنَا؟) الباء سببيّة، أي بسبب تقصيرنا وتضييعنا لصلاة الصبح، يقال: فرّط في الأمر تفريطاً: إذا قصّر فيه وضيَّعه، وأفرط إفراطاً: إذا أسرف فيه، وجاوز الحدّ. (ثُمَّ قَالَ) وَليهِ مسلّياً لهم على ما أصابهم من الحزن بسبب فوات الصبح ((أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه (لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟») بضمّ الهمزة، وكسرها: أي اقتداء واتّباع فيما حصل لي، قال الراغب تَقُ: ((الأُسْوة))، و((الإِسْوة))، كالْقُدْوة، والْقِدوة: هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتّباع غيره، إن حسناً، وإن قبيحاً، وإن سارّاً، وإن ضارّاً، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اَللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فوصفها بالحسنة. انتهى(٢). وقال السمين رَّتُهُ: قرئ في الآية بالوجهين، أي اتباعه واجب عليكم، يقال: تأسّيتُ به: أي اتّبعته في فعله، مثلُ اقتديتُ. انتهى(٣). (ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا، إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (لَيْسَ فِي النَّوْمِ (١) ((المصباح)) ٦٤٠/٢. (٢) («مفردات ألفاظ القرآن)) (ص٧٦). (٣) ((عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ)) ١٠١/١ للسمين الحلبيّ المتوفّى سنة (٧٥٦هـ). ٥٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة تَفْرِيطٌ) أي تقصيرٌ في فوت الصلاة؛ لانعدام الاختيار من النائم، قال النوويّ كَّلُهُ: فيه دليلٌ لما أَجْمع عليه العلماء أن النائم ليس بمكلَّف، وإنما يجب عليه قضاء الصلاة ونحوها بأمر جديد، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند أصحاب الفقه والأصول، ومنهم من قال: يجب القضاء بالخطاب السابق، وهذا القائل يوافق على أنه في حال النوم غير مكلّف. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا القول هو الراجح؛ لأن القول بأن الإيجاب بالأمر الجديد يحتاج إلى دليل، فتبصّر. قال: وأما إذا أتلف النائم بيده، أو غيرها من أعضائه شيئاً في حال نومه، فيجب ضمانه بالاتفاق، وليس ذلك تكليفاً للنائم؛ لأن غرامة المتلَفات لا يشترط لها التكليف بالإجماع، بل لو أتلف الصبيّ أو المجنون، أو الغافل وغيرهم، ممن لا تكليف عليه شيئاً وجب ضمانه بالاتفاق، ودليله من القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَّةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾﴾ [النساء: ٩٢] الآية، فرتَّب رَّت على القتل خطأً الديةَ والكفارةَ مع أنه غير آثم بالاجماع. انتهى(١). (إِنَّمَا التَّفْرِيطُ) أي إنما يكون إثم التفريط (عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ) أي من لم يؤدّها، وأخرجها عن وقتها مستيقظاً عامداً لتركها، متهاوناً، ومتكاسلاً (حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى) قال القرطبيّ ◌َُّ: وفيه دليلٌ على أن أوقات الصلوات كلّها موسّعةٌ. انتهى(٢). وقال النوويّ كَّتُهُ: في الحديث دليلٌ على امتداد وقت كلِّ صلاة من الخمس حتى يدخل وقت الأخرى، وهذا مُسْتَمِرّ على عمومه في الصلوات، إلا الصبح فإنها لا تمتد إلى الظهر، بل يخرج وقتها بطلوع الشمس؛ لمفهوم قوله : ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح))، وأما المغرب ففيها خلاف سبق بيانه في بابه، والصحيح المختار امتداد وقتها إلى دخول وقت العشاء؛ الأحاديث الصحيحة السابقة في ((صحيح مسلم))، وقد ذكرنا الجواب عن حديث إمامة جبريل ظلّل في اليومين في المغرب في وقت واحد. (١) ((شرح النووي)) ١٨٦/٥. (٢) ((المفهم)) ٣١٦/٢. (٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢) ٥٦٩ وقال أبو سعيد الإصطخري من أصحابنا: تفوت العصر بمصير ظل الشيء مثليه، وتفوت العشاء بذهاب ثلث الليل أو نصفه، وتفوت الصبح بالإسفار، وهذا القول ضعيف، والصحيح المشهور ما قدمناه من الامتداد إلى دخول الصلاة الثانية. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ تَخْلَتُهُ حسنٌ، إلا ما قاله في العشاء، فقد قدّمنا أن الصحيح أن وقتها إلى نصف الليل، فبعد نصفه تكون قضاء؛ للحديث الصحيح الصريح فيه، حديث عبد الله بن عمرو ﴿يا مرفوعاً: ((ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل))، فهذا لا معارض له، إلا الإجماع المزعوم، وقد سبق أن الإجماع في هذا لا يصحّ، فبقي النص على ظاهره، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي فمن نام عن الصلاة حتى خرج وقتها، وقال القرطبيّ تَظُّهُ: الإشارة إلى ما وقع له من النوم عن الصلاة، ويَحْتَمِلُ أن يعود الضمير إلى جميع ما ذُكِر من النوم والتفريط. انتهى. (فَلْيُصَلُّهَا) أي فليقضها (حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا) أي من نومه، أو نسيانه وغفلته (فَإِذَا كَانَ الْغَدُ، فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا))) قال النوويّ تَخْلُ: معناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها، لا يتغير وقتها، ويتحوّل في المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد، ويتحوّل، وليس معناه أنه يقضي الفائتة مرتين: مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنما معناه ما قدمناه، فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث، وقد اضطربت أقوال العلماء فيه، واختار المحققون ما ذكرته. انتهى(٢). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قال قومٌ: ظاهره إعادة المقضيّة مرّتين: عند ذكرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، وقد وافق هذا الظاهر ما رواه أبو داود نصّاً من حديث عمران بن حُصين ﴿يَا، وذكر القصّة، وقال في آخرها: ((فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحاً، فليقض معها مثلها))، قال الخطابيّ: لا أعلم أحداً قال هذا وجوباً، ويُشبه أن يكون الأمر به استحباباً؛ ليحْرِزَ فضيلة الوقت في القضاء. (١) ((شرح النووي) ١٨٧/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٧/٥. ٥٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال القرطبيّ: وهذا كلّه يُعارضه ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من حديث الحسن، عن عمران بن حصين في هذه القصّة أنه وَ ﴿ لَمّا صلّى بهم المقضيّة قالوا: ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال: ((لا ينهاكم الله عن الربا، ويأخذه منکم))(١). والصحيح ترك العمل بذلك الظاهر لهذه المعارضة، ولِمَا حَكَى الخطّابِيّ، ولأن الظُّرُق الصحاح المشهورة ليس فيها من تلك الزيادة شيء إلا ما في حديث أبي قتادة، وهو مُحْتَمِلٌ كما قرّرناه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّتُ(٢). (ثُمَّ قَالَ) ◌ِ ◌َِّ ((مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا؟))) ((ما)) استفهاميّة، مفعول مقدّم وجوباً لـ((صنعوا))؛ لكونه استفهاماً، ويَحْتَمل أن يكون مبتدأ بتقدير العائد، أي ما تظنّون الناس أيّ شيء صانعين حين يُصبحون، فلا يجدون نبيّهم بينهم؟. وقال النوويّ كَُّهُ: معنى هذا الكلام أنه وَّ لَمّا صلى بهم الصبح بعد ارتفاع الشمس، وقد سبقهم الناس، وانقطع النبيّ وَّ، وهؤلاء الطائفة اليسيرة عنهم، قال: ما تظنون الناس يقولون فينا؟، فسكت القوم، فقال النبيّ وقلت: أما أبو بكر وعمر فيقولان للناس: إن النبيّ و18َّ وراءكم، ولا تطيب نفسه أن يُخَلِّفكم وراءه، ويتقدم بين أيديكم، فينبغي لكم أن تنتظروه حتى يلحقكم، وقال باقي الناس: إنه سبقكم فالحقوه، فإن أطاعوا أبا بكر وعمر رَشَدُوا، فإنهما على الصواب. انتهى. وقال القرطبيّ تَخْذَثُهُ: قوله: ((ثم قال: ما ترون الناس صنعوا؟)) هذا قول النبيّ ◌َّ لمن كان معه مستفهماً على جهة استحضار أفهامهم، ثم قال مخبراً بما صنعوا، وبما قالوا إلى قوله: ((وقال الناس: إن رسول الله وض له بين أيديكم))، وهنا انتهى الخبر عنهم، ثم قال النبيّ وَّيقول: ((فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يُرشَدُوا))؛ لأنهما وافقا الحقّ فيما قالاه، فصوابه إذاً أن يكون: (يُطيعوا))، و((يرشدوا)) بياء الغائبين، وقد قيل في بعض النسخ بتاء المخطابين، ووجهه أن النبيّ ◌َيليه كأنه أقبل على الغائبين، فخاطبهم، ويجري هذا مجرى (١) ((المصنّف)) (٦٤/٢). (٢) ((المفهم)) ٣١٦/٢ - ٣١٧. ٥٧١ (٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْغَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢) قول عمر: ((الجبل يا سارية))، وهو بالمدينة، وسارية بمصر، أو بالشام، فسمعه سارية، ولجأ إلى الجبل، ونجا هو وأصحابه. انتهى كلام القرطبيّ تَظَّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن كونه بتاء المخاطبين تصحيف من النسّاخ، والتوجيه الذي ذكره القرطبيّ لا يخفى كونه تكلّفاً، وتنظيره بقصّة عمر ربه بعيد جدّاً؛ لأن صوته سمعه سارية كرامة من الله تعالى، فامتثل أمره، فنجا ونجا من معه، وأما هؤلاء الصحابة لم يُنقل عنهم أن صوته بَّ وصل إليهم، فامتثلوه، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو قتادة (ثُمَّ قَالَ) وَلِّ بعدما استفهم مخبراً لهم عن حال الناس (أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ) أي لكونه تأخّر عنهم، وتقدّموا عليه ظنّاً منهم أنه أمامهم (فَقَالَ أَبُوِ بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﴿يَا (رَسُولُ اللهِ نََّ) مبتدأ خبره قوله: (بَعْدَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ) بتشديد اللام، من التخليف، أي ليترككم وراءه (وَقَالَ النَّاسُ) أي غير أبي بكر وعمر حظّا (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ) أي سبقكم، وأنتم خلفه، قال ◌َّه مبيّناً كون الصواب مع الشيخين (فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشَدُوا))) من بابي تَعِبَ ونَصَر، مبنيّاً للفاعل، أي يكونون مصيبين الحقّ. ويَحْتَمِلُ أن يكون مبنيّاً للمفعول، من أرشد رباعيّاً، أي يوفّقُون للصواب. قال في ((القاموس)): رَشَدَ كنصَرَ، وفَرِحَ رُشْداً ورَشَداً، ورَشَاداً: اهتدى، كاسترشد. انتهى (٢) . وقال في ((المصباح)): الرُّشْدُ: الصلاحُ، وهو: خلاف الْغَيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، ورَشِدَ رَشَداً، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ من باب قَتَلَ، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَادُ، ویتعدّی بالهمزة. انتهى(٣). (قَالَ) أبو قتادة (فَانْتَهَيْنَا) أي وصلنا (إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ) أي ارتفع (النَّهَارُ، وَحَمِيَ كُلَّ شَيْءٍ) بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم: أي اشتدّ حرّه، يقال: حَمِيتِ الحديدة تَحْمَى، من باب تَعِبَ، فهي حاميةٌ: إذا اشتدّ حرُّها بالنار، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: أحميتها، فهي مُحْمَاةٌ، ولا يقال: حَمَيْتُهَا بغير (١) «المفهم)) ٣١٧/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٢٧/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ٢٩٤/١. ٥٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ألف (١). (وَهُمْ يَقُولُونَ) جملة حاليّة من ((الناس)) (يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكْنَا، عَطِشْنَا) بدل من هلكنا مبيّن معناه (فَقَالَ) وَ («لَا هُلْكَ) بضمّ الهاء، وسكون اللام: أي لا هلاك (عَلَيْكُمْ))) لأن الله تعالى سيجعل لكم بركةً فيّ، فهو إخبار بما سيقع له من المعجزة في ماء الميضأة (ثُمَّ قَالَ) بِّهِ ((أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي))) - بضم الغين المعجمة، وفتح الميم، وبالراء -: هو القدح الصغير، ويَحْتَمِل أن يريد به ميضأة أبي قتادة به. (قَالَ: وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ، فَجَعَلَ) أي شرع (رَسُولُ اللهِ لَّـ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ) بفتح أوله، من سقاه، ثلاثيّاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، أو بضمه، من أسقاه، رباعيّاً، كما في قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيَّهُم مََّ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] (فَلَمْ يَعْدُ) بفتح أوله، وسكون ثانيه، من عدا الأمرَ، وعن الأمر يَعْدُو، كغَزَا يَغْزُو: إذا جاوزه وتركه(٢). (أَنْ رَأَى النَّاسُ) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل ((يعدُ))، أي لم يتجاوز رؤيةُ الناس، وقوله: (مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ) قال النوويّ كَُّهُ: ضبطنا ((ما)) هنا بالمدّ والقصر، وكلاهما صحيح. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: إذا كانت ممدودة تكون مفعولاً به لـ((رأى))، والجارّ والمجرور صفتها، وإذا كانت مقصورة تكون موصولاً في محلّ نصب على المفعوليّة لـ((رأى)) أيضاً، والجارّ والمجرور صلتها، و((رأى)) هنا بصريّة، ولذا تعدّت لواحد، والله تعالى أعلم. وقوله: (تَكَابُوا عَلَيْهَا) بتشديد الموحّدة، أي تجمّعوا، وتزاحموا على تلك الميضأة، قال ابن الأثير تَّتُهُ: معنى ((تكابُوا)): أي ازدحموا، وهي تفاعلوا، من الْكُبَّة بالضمّ، وهي الجماعة من الناس وغيرهم. انتهى(٣). وجملة: ((تكابُوا)) مفعول به لـ(يَعْدُ))، بتقدير ((أن)) المصدريّة، أو مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ لأنه سبق أنه يتعدّى بنفسه، وبـ(عن))، والأصل أن (تكابّوا))، والضمير في «عليها)) لـ((الميضأة))، أي لم يجاوز رؤيَتُهُم تكابَّهم وتزاحمهم عليها . (١) ((المصباح)) ١٥٣/١. (٣) ((النهاية)) ١٣٨/٤. (٢) راجع: ((القاموس)) ٣٦٠/٤. ٥٧٣ (٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَحْسِنُوا الْمَلَأَ) قال النوويّ كَّقُ: ((الْمَلَأُ)) - بفتح الميم واللام، وآخره همزة - وهو منصوبٌ مفعولُ ((أَحْسِنُوا))، و((الملأ)»: الْخُلُق والْعِشْرة، يقال: ما أحسن مَلَأَ فلان: أي خُلُقه وعشرته، وما أحسن ملأ بني فلان: أي عشرتهم وأخلاقهم، ذكره الجوهريّ وغيره. انتهى. وقال القرطبيّ تَظُّهُ: ((الملأ)) بفتح الميم واللام، وبالهمزة: أي الخُلُق، قاله جماعة من اللغويين: أبو زيد، والمفضّل، والزجّاج، وابن السكّيت، وابن قُتيبة، وأنشد بعضهم: تَنَادَوْا يَا لَبُهْئَةَ إِذْ رَأَتْنَا فَقُلْنَا أَحْسِنِي مَلأَ جُهَيْنَا أي خُلُقاً، ورَوَى ابن قتيبة أن النبيّ وَّ قال لأصحابه حين زجروا الأعرابيّ البائل في المسجد: ((أحسنوا ملأكم))، أي خُلُقكم، ومن روى هذا الحرف ((ملأكم)) ساكنة اللام مهموزةً، من معنى الامتلاء، فقد أخطأ؛ لأنه لم يملأ أحدٌ في هذه النازلة قِرْبةً، ولا وِعاءً، وإنما كان شُرباً. انتهى(١). (كُلُّكُمْ سَيَرْوَى))) بفتح الواو، مضارع رَوِيَ بكسرها، کرَضِي يرضَى (قَالَ) أبو قتادة (فَفَعَلُوا) أي ما أمرهم النبيّ وَّ من إحسان أخلاقهم، وعدم ازدحامهم (فَجَعَلَ) أي شرع (رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَصُبُّ، وَأَسْقِيهِمْ) بفتح الهمزة وضمّها، كما سبق آنفاً (حَتَّى مَا) نافية (بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ وَِّ) و((حتى)) غاية لشربهم جميعاً، يعني أنهم شرِبوا كلَّهم غير النبيّ وَّر وأبي قتادة عنه (قَالَ) أبو قتادة (ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ لِي: ((اشْرَبْ))، فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللهِ) أي تأدّباً، وامتثالاً لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] الآية (قَالَ) وَ ((إِنَّ) بكسر الهمزة (سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْباً)) منصوب على التمييز (قَالَ) أبو قتادة (فَشَرِبْتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) أي آخر الناس، وفيه أن هذا الأدب من آداب شاربي الماء واللبن، ونحوهما، وفي معناه ما يُفَرَّق على الجماعة من المأكول، كلحم، وفاكهة، ومشموم، وغير ذلك، قاله النوويّ كَُّهُ (قَالَ) أبو قتادة (فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ) أي الماء الذي أخبرهم النبيّ ◌َّ حينما خطبهم في اليوم الأول (١) ((المفهم)) ٣١٨/٢. ٥٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة بأنهم يأتون الماء غداً (جَامِّينَ) أي نِشَاطاً مستريحين، صالحي الأحوال، والاستجمام: الاستراحة (رِوَاءً) بكسر الراء، وزانُ كتاب: جمع رَیّان، كعَطْشان وعِطَاش، وهو من الريّ، وهو الامتلاء من الماء. والمعنى: أن الناس وصلوا إلى الماء غير عِطَاشٍ، بل وصلوا مرتوين، نشِطين مستريحين . (قَالَ) الراوي، وهو ثابتٌ البنانيّ (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحِ: إِنِّي لَأُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ) وفي بعض النسخ: ((إني لأحدّث الناس هذا الحديَّث)) (فِي مَسْجِدٍ الْجَامِعِ) يعني بالكوفة. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا كتب بعضهم، ولم يذكر مستنده، وعندي أنه يشبه أن يكون مسجد البصرة؛ لأن عمران بن حصين ها ممن نزل البصرة، ومات بها، وعبد الله بن رباح من سكّان البصرة، وكذا الراوي عنه، بل رجال السند كلّهم بصريّون، فالظاهر أنه مسجد البصرة، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قوله: ((في مسجدِ الجامع)) هو: من باب إضافة الموصوف إلى صفته، والأصل: في المسجدِ الجامعِ، وهو جائز عند الكوفيين بغير تقدير، ولا يجوز عند البصريين إلا بتقدير، ويتأولون ما جاء في هذا بحسب مواطنه، والتقدير هنا: مسجد المكان الجامع، وفي قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ◌ِجَانِبٍ اٌلْغَرْبِ﴾ [القصص: ٤٤] الآية: أي المكان الغربيّ، وقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ اَلْآَخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] الآية: أي الحياة الآخرة، وقد سبقت المسألة في مواضع، وقد أشار ابن مالك إلى هذا في ((الخلاصة)) حيثُ قال: وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ مَعْنَى وَأَوِّلْ مُوهِماً إِذَا وَرَدْ والله تعالى أعلم. (إِذْ قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) ((إذ)) فجائيّة، أي فاجأني قول عمران بن حصين ﴿مَا (انْظُرْ أَيُّهَا الْفَتَى) منصوب على الاختصاص، كما قال في ((الخلاصة)) : الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ ((يَا)) كَـ((أَيُّهَا الْفَتَى)) بِإِثْرِ ((ارْجُونِيَا)) (كَيْفَ تُحَدِّثُ) ((كيف)) مفعول مطلق لـ «تُحدِّثُ))، أي أيَّ تحديث تُحدِّث، ٥٧٥ (٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢) أو حال منه، أي على أيّ حال تُحدّث، وجملة (تُحدِّث)) مفعولُ ((انظر)) معلّق عنها للاستفهام. ومعنى كلام عمران به أنه حينما بدأ عبد الله بن رَبَاح يُحدّث بالحديث قال له: انتبه أيها الفتى، وحدّث بدقّة، فإني أحد من شهد هذه الواقعة، وسأقابل ما تُحدّث به على ما شاهدته منها، فلما حدّث عبد الله، وانتهى من حديثه، قال له عمران ظه: ((ما شَعَرتُ وما علمتُ أن أحداً حفظ هذه الواقعة كما حفظته))، فهو ثناء عليه بحفظ الحديث على وجهه، واستغرابٌ لحفظه هذا الحفظَ، مع أنه لم يشهد الواقعة، والله تعالى أعلم. (فَإِنِّي أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ) اسم الإشارة منصوب على الظرفيّة، متعلّقٌ بـ((الركب))، و((الليلة)) نعتٌ، أو بدل، أو عطف بيان، كما قيل: مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بِـ((أَلْ)) يُعْرَبُ نَعْتاً أَوْ بَيَاناً أَوْ بَدَلْ (قَالَ) عبد الله بن رَبَاح (قُلْتُ: فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ) أي فينبغي أن تكون أنت المحدّث للناس دوني (فَقَالَ) عمران ◌َُّه (مِمَّنْ أَنْتَ؟) أي من أيّ قبيلة من قبائل العرب أنت؟ (قُلْتُ: مِنَ الْأَنْصَارِ) أي من قبيلة الأنصار (قَالَ) عمران رَُّه (حَدِّثْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ) إنما قال له هذا؛ لأن العادة أن الإنسان يحفظ أحاديث قومه أكثر مما يحفظ أحاديث غيرهم، كما شهد عمران هنا لعبد الله بن رباح بذلك، حيث قال: ((وما شعرت ... إلخ)) (قَالَ) عبد الله (فَحَدَّثْتُ الْقَوْمَ) أي أتممت لهم الحديث؛ لأن عمران قطعه عليه حين استوقفه بالمسالة المذكورة آنفاً (فَقَالَ عِمْرَانُ) بن حصين ﴿ّا (لَقَدْ شَهِدْتُ) بكسر الهاء، يقال: شَهِدَ الشيءَ، من باب سَمِعَ شُهُوِداً: حضَرَه، أو اطّلع عليه، وعاينته، وشَهِدَ العيدَ: أدركه(١). وقوله: (تِلْكَ اللَّيْلَةَ) منصوب على المفعوليّة، كما في قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ [النور: ٣٧] الآية (وَمَا) نافية (شَعَرْتُ) بفتح العين المهملة، وضمّها، يقال: شَعَرَ بالشيء كنصَرَ، وكَرُمَ شُعُوراً، وشَعْراً وشِعْراً بالكسر، وشِعْرَةً مثلّثةً: إذا علم به، وفَطِنَ له، وعَقَلَه(٢)، فيكون قوله: (أَنَّ (١) راجع: ((القاموس))، و((المصباح)) في مادّة ((شَهِدَ)). (٢) راجع: ((القاموس)) ٥٩/٢. ٥٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة أَحَداً) حُذف منه حرف الجرّ؛ لأن شعر يتعَدّى به أي بأن أحداً (حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ) قال النوويّ تَخْذُ: ضبطناه ((حَفِظته)) بضمّ وفتحها، وكلاهما حسن. انتهى(١)، أي فيكون المضموم خطاباً لعبد الله بن رباح، والمفتوح إخباراً من عمران ◌ُبه عن نفسه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة عظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه(٢). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٦٢/٥٧] (٦٨١)، و(البخاريّ) في ((مواقيت الصلاة)) (٥٩٥) و((التوحيد)) (٧٤٧١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٤٣٧ و ٤٣٨ و٤٣٩ و٤٤١)، و(الترمذيّ) فيها (١٧٧)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٦١٥ و٦١٦ و٦١٧) و((الإمامة)) (٨٤٦) وفي ((الكبرى)) (٩١٩ و١٥٨٢ و١٥٨٣) و((التفسير)) (١١٤٤٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٢٤٠)، و(أبو بكر بن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦٦/٢) (٢٢٤٠)، و(أحمد) في ((مسنده) (٢٩٨/٥ و٣٠٥)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٩٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٤٦٠ و١٥٧٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤٠١/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٥٣)، و(الدارقطنيّ) في «سننه)) (٣٨٦/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٠١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٣٣)، و(البيهقيّ) في («الكبرى» (٤٠٣/١ و٤٠٤ و٢١٦/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٣٨ و٤٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أنه يستحبّ لأمير الجيش أن يخطبهم، وينبّههم على ما (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/٥. (٢) وأما عدّ صاحب ((إرشاد الساري إلى أفراد مسلم عن البخاري)) هذا الحديث في أفراد مسلم، فغير صحيح، فإن الحديث أخرجه كلاهما، كما ستراه في التخريج، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٥٧٧ (٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢) يستقبلهم من شدائد الغزو، ومشاقّ السفر حتى يكونوا على أُهبة لذلك، وأنه ينبغي له أن يعمهم كلّهم، ولا يخصّ بذلك بعضهم حتى يكونوا كلّهم على بصيرة من أمرهم. ٢ - (ومنها): استحباب خدمة الأكابر، ولا سيّما في السفر. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّل من كونه يعتريه النوم، كسائر البشر، ولكنه لعينه فقط، فلا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء الظل بخلاف سائر الناس . ٤ - (ومنها): بيان آداب التعريس، وهو أن يتجنّب الطريق، كما مال وَله عن الطريق هنا، وقد أمر به أيضاً، في حديث أبي هريرة رضيته مرفوعاً: ((وإذا عَرَّستم، فاجتنبوا الطريق، فإنها طُرُق الدوابّ، ومأوى الهوامّ بالليل))، رواه (١) مسلم (١). ٥ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء لمن أحسن بالخدمة؛ مكافأةً على إحسانه، فقد دعا له لأبي قتادة بأن يحفظه الله كما حفظه، وقد تقدّم حديث ابن عمر ◌ًّا، مرفوعاً: ((ومن آتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه))، حديث صحيحٌ، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ. ٦ - (ومنها): أمر الإمام أتباعه بالمحافظة على أوقات الصلوات. ٧ - (ومنها): التأسّف، والتحزّن على فات من الخير، وإن كان لا تفريط فيه . ٨ - (ومنها): بيان ما خصّ الله تعالى نبيّه وَ لّر من علم الغيب، حيث أمر أبا قتادة بحفظ ميضأته؛ لأنه سيكون لها نبأ، فوقع كما أخبره، وكذلك في قوله: ((أصبح الناس فقدوا نبيّهم، فقال أبو بكر وعمر ... إلخ)). ٩ - (ومنها): ما حصل للنبيّ وَّه من المعجزة في ميضأة أبي قتادة ، عَنْه حيث كفت الحاضرين مع شدّة عطشهم، فارتووا منها . ١٠ - (ومنها): استحباب قضاء ركعتي الفجر. (١) في ((كتاب الإمارة)) (١٩٢٦). ٥٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١١ - (ومنها): مشروعيّة الجماعة في قضاء الفوائت. ١٢ - (ومنها): مشروعيّة الأذان، والإقامة، والجهر بالقراءة في قضاء صلاة الصبح بالنهار؛ لظاهر قوله: ((فصلّى الغداة، فصنع كما كان يصنع كلّ يوم))، ومن قال: لا يجهر، فقد خالف هذا الظاهر، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١٣ - (ومنها): الحثّ على تحسين الخلُق بين الناس، ولا سيّما في محلّ المزاحمة، والمضايقة، وقد أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، وصححه، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلُقاً)). وأخرج أحمد، وأبو داود بسند صحيح، عن عائشة رضيها، قالت: سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((إن المؤمن لَيُدْرِك بحسن خلقه درجة الصائم القائم»، حديث صحيح. وأخرج أحمد، والترمذيّ، وصححه عن أبي ذرّ ◌َظُه قال: قال لي رسول الله وَله: ((اتَّقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)). ١٤ - (ومنها): بيان أدب ساقي القوم، وهو أن يكون آخرهم شُرباً، حيث قال النبيّ وَّهِ: ((إن ساقي القوم آخرُهم شُرباً))، وقاس عليه العلماء ما أشبهه، كمن يقوم بتفريق شيء من المأكول: لحم، أو فاكهة، أو مشموم، أو غير ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٦٣] (٦٨٢) - (وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ الْعُطَّارِدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﴿ِ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتَنَا، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ عَرَّسْنَا، فَفَلَبَتْنَا أَعْيُنُنَا، حَتَّى بَزَغَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَّا أَبُوَ بَكْرٍ، وَكُنَّا لَا نُوقِظُ نَبِيَّ اللهِ وَهِ مِنْ (٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٣) ٥٧٩ مَنَامِهِ إِذَا نَامَ، حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، فَقَامَ عِنْدَ نَبِيِّ اللهِ وَهِ، فَجَعَلَ يُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ بَزَغَتْ، قَالَ (١): ((ارْتَحِلُوا))، فَسَارَ بِنَا، حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ، نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ(٢) أَنْ تُصَلَِّ مَعَنَا؟))، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَلَّ، فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ، فَصَلَّى، ثُمَّ عَجَّلَنِي فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، نَطْلُبُ الْمَاءَ، وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشاً شَدِيداً، فَبَيْنَمَا(٣) نَحْنُ نَسِيرُ، إِذَا نَحْنُ بِمْرَأَةٍ سَادِلَةٍ(٤) رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: أَيْهَاهْ أَيْهَاهْ، لَا مَاءَ لَكُمْ، قُلْنَا: فَكَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ؟ قَالَتْ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قُلْنَا: انْطَلِي إِلَى رَسُولِ اللهِ نََّ، قَالَتْ: وَمَا رَسُولُ اللهِ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِّنْ أَمْرِهَا شَيْئاً، حَتَّى انْطَلَقْنَا بِهَا، فَاسْتَقْبَلْنَا بِهَا رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَتْنَا(٥)، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مُوتِمَةٌ، لَهَا صِبْيَانٌ أَيْتَامٌ، فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا، فَأَنِيخَتْ، فَمََّ فِي الْعَزْلَاوَيْنِ الْعُلْيَاوَيْنِ، ثُمَّ بَعَثَ بِرَاوِيَتِهَا، فَشَرِبْنَا، وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلاً، عِطَاشٌ(٦) حَتَّى رَوِينَا، وَمَلَأُنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ، وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا، غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيراً، وَهِيَ تَكَادُ تَنْضَرِجُ(٧) مِنَ الْمَاءِ، يَعْنِي الْمَزَادَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: ((حَاتُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ))، فَجَمَعْنَا لَهَا مِنْ كِسَرٍ، وَتَمْرٍ، وَصَرَّ لَهَا صُرَّةً، فَقَالَ لَهَا: ((اذْهَبِي، فَأَطْعِمِي هَذَا عِيَالَكِ، وَاعْلَمِي أَنَّا لَمْ نَرْزَأُ مِنْ مَائِكِ))(٨)، فَلَمَّا أَتَتْ أَهْلَهَا، قَالَتْ: لَقَدْ لَقِيتُ أَسْحَرَ الْبَشَرِ، أَوْ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ كَمَا زَعَمَ، كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ذَيْتَ وَذَيْتَ، فَهَدَى اللهُ ذَاَكَ (٩) الصِّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَأَسْلَمَتْ، وَأَسْلَمُوا). ٠٠ (١) وفي نسخة: ((فقال)). (٣) وفي نسخة: ((فبينا)). (٥) وفي نسخة: ((أخبرتنا به). (٧) وفي نسخة: ((تتضرّج)). (٩) وفي نسخة: ((ذلك)). (٢) وفي نسخة: ((ما شغلك)). (٤) وفي نسخة: ((سابلة)). (٦) وفي نسخة: ((عِطاشاً)). (٨) وفي نسخة: ((من مائك شيئاً)). ٥٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٣) (خ م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الْحَنَفيّ، أبو عليّ البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت٢٠٩) (ع) تقدم في ((المساجد)) ١٤٥١/٤٠. ٣ - (سَلْمُ بْنُ زَرِيرِ الْعُطَارِدِيُّ) أبو بشر البصريّ، صدوقٌ(١) [٦]. رَوَى عن أبي رجاء العُطَارديّ، وعبد الرحمن بن طَرَفَة، وبُريد بن أبي مريم السَّلُوليّ، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وحَبّان بن هلال، ويعقوب بن إسحاق الحضرميّ، وأبو علي الحنفيّ، وعِدّة. قال البخاريّ، عن عليّ ابن المدينيّ: له نحو عشرة أحاديث، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، ما به بأسٌ، وقال ابن معين: ضعيفٌ، وقال أبو داود: ليس بذاك، وقال ابن عديّ: أحاديثه قليلةٌ، وليس في مقدارها أن يُعْتَبَر ضعفها، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال العجليّ: في عداد الشيوخ ثقةٌ، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقال الحاكم: أخرج له محمد في الأصول، ومسلم في الشواهد، وضعفه يحيى بن معين؛ لقلة اشتغاله بالحديث، وقد حدَّث بأحاديث مستقيمة، وقال ابن حبان في ((الضعفاء)): لم يكن الحديث صناعته، وكان الغالب عليه الصلاح، يُخطئ خطأً فاحشاً، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات، وذكره أيضاً في ((الثقات))، وسكت عنه. وقال أبو إسحاق الصَّرِيفينيّ: بَقِي إلى حدود الستين ومائة، وفي ((تاريخ البخاريّ)): قال ابن مهديّ: سلم بن رزين - يعني بالنون، وتقديم الراء - قال أبو أحمد الحاكم: وهو وَهَمٌ، وقال أبو علي الجيّانيّ: وقع لبعض رواة ((الجامع)) زُرَير - بضم الزاي - وهو خطأ، والصواب الفتح. انتهى. (١) هذا قول أبي زرعة، وهو الأعدل، ومن الغريب أن صاحب ((التقريب)) خالف فيه اصطلاحه، فراجعه (ص١٢٩).