Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
الأخضر، عن الزهريّ، ثم قال: هذا حديث غير محفوظ، رواه غير واحد من
الحفّاظ، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن النبيّ بَّه، ولم يذكروا فيه:
عن أبي هريرة. وصالح بن أبي الأخضر، يُضَعَّف في الحديث، ضعّفه يحيى بن
سعيد القطان وغيره من قبل حفظه.
وهذا شيء عجيب؛ لأن صالحاً لم يتفرد به، بل تابعه يونس، عند مسلم
هنا، ومعمر عند أبي داود، والأوزاعيُّ، وابن إسحاق، عن ابن عبد البرّ،
وصالح بن أبي الأخضر، وإن ضعّفوه، لكنه يُعتبر به، كما قاله في ((التقريب)).
والحاصل أن الحديث محفوظ موصولاً، ولا يضرّه إرسال من أرسله،
فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٦٠/٥٧ و١٥٦١] (٦٨٠)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٤٣٥ و٤٣٦)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٦٣)، و(النسائيّ) في
((المواقيت)) (٦١٨ و٦١٩ و٦٢٠)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (٦٩٧)، و(مالك)
في ((الموطأ)) (١٣/١ و١٤)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٥٣/١ و٥٤)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٦٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٩٦ و٢٠٩٧)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٣١ و١٥٣٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/
٢١٧)، و((دلائل النبوّة)) (٢٧٢/٤ و٢٧٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٤٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب قضاء الفائتة.
٢ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن قضاء الفائتة بعذر ليس على الفور.
٣ - (ومنها): إثبات الإقامة للفائتة، وفيه إشارة إلى ترك الأذان لها، على
ما قيل، وفي حديث أبي قتادة ظنه الآتي إثبات الأذان للفائتة، وفي المسألة
خلاف مشهور، والأصح ثبوت الأذان والإقامة لها؛ لحديث أبي قتادة وغيره
من الأحاديث الصحيحة، وأما ترك ذكر الأذان في حديث أبي هريرة هذا وغيره
فجوابه من وجهين:

٥٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[أحدهما]: لا يلزم من ترك ذكره أنه لم يُؤَذِّن، فلعله أَذَّن وأهمله
الراوي، أو لم يَعْلَم به.
[والثاني]: لعله ترك الأذان في هذه المرة؛ لبيان جواز تركه، وإشارةً إلى
أنه ليس بواجب متحتم، لا سيما في السفر، وفيه بُعدٌ، والصواب الجواب
الأول؛ فقد تقدّم أمره ◌َ﴿ بالأذان والإقامة في السفر في حديث مالك بن
الحويرث نصّ ◌ُله، فتنبّه.
٤ - (ومنها): مشروعيّة الجماعة في الفائتة.
٥ - (ومنها): بيان وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر،
كنوم، ونسيان، أم بغير عذر، وإنما قَيَّد في الحديث بالنسيان؛ لخروجه على
سبب؛ لأنه إذا وجب القضاء على المعذور، فغيره أولى بالوجوب، وهو من
باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، قاله النوويّ تَخُّْ، وسيأتي تمام البحث فيه
قريباً .
٦ - (ومنها): أن قوله وَل﴾: ((فليصلِّها إذا ذكرها))، فمحمول على
الاستحباب، فإنه يجوز تأخير قضاء الفائتة بعذر على الصحيح.
٧ - (ومنها): وفيه استحباب قضاء السنن الراتبة إذا فاتت؛ لأنه وَله صلى
ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح.
٨ - (ومنها): أن قوله وَله: ((فان هذا منزل حَضَرَنا فيه الشيطان)) فيه دليل
على استحباب اجتناب مواضع الشيطان، وهو أظهر المعنيين في النهي عن
الصلاة في الحمّام.
٩ - (ومنها): أن في قوله: ((فصلى الغداة)) جواز تسمية صلاة الصبح
الغداة، وأنه لا يكره ذلك.
١٠ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَثْتُهُ: استدلّ بعض الحنفيّة بقوله:
(اقتادوا رواحلكم)) على أن الفرائض لا تُقضى في هذا الوقت؛ لأنه وَّ إنما
ارتحل عن ذلك الموضع ليخرُج الوقت المنهيّ عنه، وهذا تحكّم، بل كما
يَحتمِلُ ما ذكروه يَحْتَمل أنه إنما كان ذلك ليعمّ النشاط جميعهم، وأبين من
ذلك كلّه ما قد نصّ عليه من كراهية ذلك بقوله ◌َله: ((ليأخذ كلُّ رجل برأس
راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان))، وقد زاد أبو داود في هذا الحديث

٥٤٣
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْغَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
أن النبيّ وَ لقر قال: ((تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة)). انتهى (١).
١١ - (ومنها): أن فيه خروجَ الإمام بنفسه في الغزوات، وذلك سنةٌ،
وكذلك إرساله السَّرَايا كلُّ ذلك سنةٌ مسنونة (٢).
١٢ - (ومنها): إباحة الاستخدام الصاحب في السفر، وإن كان حُرّاً؛ لأن
بلالاً نظُّه كان في ذلك الوقت حُرّاً، كان أبو بكر ظُه اشتراه بمكة، فأعتقه،
وله ولاؤه، وذلك قبل الهجرة(٣).
١٣ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ تَخُّْهُ: وفيه أن رسول الله وَ لو كان
ينام أحياناً نوماً يشبه نوم الآدميين، وذلك إنما كان منه غِبّاً لمعنى يريد الله
إحداثه، وليس لأمته سنةٌ تبقى بعده، يَدُلُّك على ذلك قوله ◌َّر: ((إني لأنسى،
أو أُنَسَّى لأَسُنّ)) (٤)، وفي حديث العلاء بن خبّاب أن النبيّ وَّ قال: ((لو
شاء الله لأيقظنا، ولكن أراد أن تكون سنةً لمن بعدكم)).
وأما طبعه، وجبلّته وعادته المعروفة منه، ومن الأنبياء قبله، فَمَا حكاه
عن نفسه وقال: ((إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي))، فأطلق ذلك عن نفسه إطلاقاً
غير مقيد بوقت.
وفي حديث آخر: ((إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا))، فأخبر
أن كل الأنبياء كذلك، ومما يصحِّحُ ذلك قوله وَ لَّ لأصحابه: ((تَرَاصُوا في
الصفّ، فإني أراكم من وراء ظهري))، متّفق عليه.
فهذه جبلته وخلقته، وعادته وَلچور، فأما نومه في السفر عن الصلاة، فكان
خرق عادته؛ لِيَسُنّ لأمته، ويُعَرِّفهم بما يجب على من نام منهم عن صلاته حتى
يخرج وقتها، وكيف العمل في ذلك، وجعل الله نومه سبباً بما جرى له في
ذلك النوم من تعليمه أمته، وتبصيرهم.
قال: وبهذا تتّفق الآثار الواردة في هذا المعنى، وتأتلف، وغير جائز
(١) «المفهم)) ٣٠٨/٢.
(٢) ((التمهيد)» ٣٨٩/٦.
(٣) ((التمهيد)) ٣٩١/٦.
(٤) هذا ذكره مالك في ((الموطأ)) من بلاغاته.

٥٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
حمل أخباره ﴿ إذا صحت عنه على التناقض عند أهل الإسلام؛ لأنه لا يجوز
فيها النسخ.
قال: فإن قال قائل: إن في قوله وَلقر: ((من يكلأ لنا الصبح)) دليلاً على
أن عادته النوم.
قيل له: لم تُمْعِن النظر، ولو أمعنته لعلمت أن المعنى: مَنْ يَرْقُب لنا
انفجار الصبح، فيُشْعِرنا به في أول طلوعه؛ لأن مَن نامت عيناه لم ير هذا في
أوله، ونوم العين يمنع من مثل هذا، لا نوم القلب، وكان شأنه وصل التغليسَ
بالصبح، وكان بلال من أعلم الناس بذلك، فلذلك أمره بمراقبة الفجر، لا أن
عادته ولو كانت النوم المعروف من سائر الناس. انتهى.
١٤ - (ومنها): أن فيه تخصيصَ قوله وَلهى: ((رُفِع القلم عن النائم حتى
يستيقظ))، وبيان ذلك أن رفع القلم عنه ها هنا من جهة رفع المأثم، لا من
جهة رفع الفرض عنه، وأن ذلك ليس من باب قوله: ((وعن الصبيّ حتى
يحتلم))، وإن كان ذلك جاء في أثر واحد، فقِفْ على هذا الأصل(١).
١٥ - (ومنها): أن في فزع الصحابة ﴿ه حين انتبهوا لِمَا فاتهم من
صلاتهم أوضحَ دليل على ما كان عليه القوم من الْوَجَل والإشفاق، والخوف
لربّهـ
١٦ - (ومنها): أن في قول بلال تظله: ((أَخَذَ بنفسي الذي أخذ بنفسك))،
أي إذا كنت أنت في منزلتك من الله قد غلبتك عينُك، وقُبِضت نفسك، فأنا
أحرى بذلك، دليلٌ على طَلَب الحجةِ، والإدلاء بها .
١٧ - (ومنها): أن قوله وَله: ((من نسي صلاةً، أو نام عنها، فليصلها إذا
ذكرها))، دليلٌ على أن من تذكّر صلاة، أو انتبه من نومه يصلي صلاته التي
تذكّرها أو انتبه إليها في أيّ وقت كان، على ظاهر الحديث، وقد اختلف
العلماء في ذلك، وسيأتي تحقيقه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
١٨ - (ومنها): أن في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤] دليلاً لمن
يقول: شريعةُ من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد في شرعنا خلافه، قال القاضي
(١) ((التمهيد)) ٣٩٦/٦ - ٣٩٧.

٥٤٥
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
عياض تَخُّْهُ: فيه أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا؛ لأن الحكم أُخذ من الآية، وهي
إنما خُوطب بها موسى ◌ِّلها.
وتعقّبه الأبيّ، فقال: ليس فيه ذلك؛ لأن ذلك إنما يكون في احتجاج
غير المشرِّع به، أما المشرِّع فاحتجاجه به إدخال له في شريعته. انتهى(١).
وتعقّب السنوسيّ الأبيّ، فقال: الحجة في جعله مُستنداً، فلو لم يكن
شرعُ من قبلنا شرعاً لنا لم يكن لذكره فائدةٌ، بل بطرق جعله مستنداً، ودعوى
أنه لم يجعله مستنداً خلاف الظاهر. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد السنوسيّ تَخُّْ في هذا التعقّب، فالحقّ
أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد خلافه في شرعنا، وقد حقّقت المسألة في
((التحفة المرضيّة)) وشرحها في الأصول، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قضاء الفائتة في أوقات
النهي :
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَّتُهُ: اختلفوا فيمن نسي الصلاة فذكرها
في الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها، فقالت طائفة: لا تقضى الفوائت في
الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وروي ذلك عن أبي بكرة، وكعب - قال
ابن المنذر: أحسبه ابن عجرة پا.
وقد احتجّ بعضهم لهذا القول بالأخبار التي رويناها عن رسول الله وَل
في نهيه عن الصلاة في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وبأن النبيّ وَلّقو لما
استيقظ عند طلوع الشمس أخّر الصلاة حتى ترتفع الشمس، ثم صلاها.
وقال آخرون: يقضي في تلك الأوقات الواجب من الصلاة، والنهيُ
للتطوع فقط؛ لقول النبيّ رَله: ((من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع
الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس
فقد أدرك العصر)).
ولقوله: ((لا يتحرى أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، وعند غروبها))،
(١) ((شرح الأبيّ)) ٣٣٩/٢.
(٢): ((شرح السنوسيّ)) ٣٣٩/٢.
٢٠٠٠

٥٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وإنما نُهِي عن ذلك مَنْ قصد التطوع دون الفرض؛ لأن مَن نسي الفرض فلم
يذكره إلا وقت طلوع الشمس أو وقت غروبها لم يتحرّ الصلاة في ذلك
الوقت، إنما أدركه فرض الصلاة فيه.
وأما من تأوّل ارتحال النبيّ وَّ﴿ من المكان الذي انتبهوا فيه، فليس لهم
فيه حجة؛ لأنهم لم ينتبهوا إلا بحرّ الشمس، وإنما ارتحل النبيّ وَلّ من ذلك
المكان للعلة التي أخبر بها، قال: ((إن هذا مكان حَضَرَنا فيه شيطان، فارتَحِلُوا
منه)) .
وقد ثبت أنه وَّير قال: ((من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها))، وتلا أيضاً:
﴿وَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤].
وممن رُوِي عنه أنه قال: ((إذا نام عن صلاة أو نسيها صلاها متى استيقظ
أو ذَكَرَ))، عليُّ بن أبي طالب نَظُبه، وقال ابن عباس ﴿ًّا في رجل نسي صلاة:
يصليها إذا ذكرها، وتلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤].
ورُوي عن عمران بن الحصين، وسمرة أنهما قالا: يصليها إذا ذكرها،
وهذا قول أبي العالية، والنخعي، والشعبي، والحَكَم، وحماد، ومالك،
والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وفيه قولٌ ثالث: قاله أصحاب الرأي في رجل نَسِيَ صلاة، فذكرها
حين طلعت الشمس أو حين انتصف النهار، أو ذكرها حين تغرب الشمس،
فإنه لا يصليها في هذه الأوقات الثلاث، والوتر كذلك، ما خلا العصر، فإنه
إذا ذكر العصر من يومه ذلك قبل غروب الشمس صلاها، وإن كانت العصر
قد نسيها قبل ذلك بيوم أو بأيام لم يصلها في تلك الساعة، وكذلك سجدة
التلاوة، والوتر، والصلاة على الجنازة، لا تقضى في شيء من هذه الساعات
الثلاث.
قال الإمام ابن المنذر تَخَُّهُ: إذا كان مذهب أهل الرأي أن يجعلوا نهي
النبيّ ◌َيّر عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع
الشمس، واقعاً على التطوع دون الفرض، فاللازم أن يجعلوا نهي النبيّ وَّر عن
الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند انتصاف النهار، واقعاً على

٥٤٧
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْغَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
التطوع دون الفرض، ثم ليس بين عصرٍ يَوْمِهِ وبين عصرٍ قد نسيها قبل ذلك
فرق، والله أعلم. انتهى كلام ابن المنذر تَخْذَتْهُ(١).
قال الجامع: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال أهل العلم، وأدلّتها أن
الصحيح في هذه المسألة قول من قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكر مطلقاً،
أي سواء ذكرها في الأوقات التي تباح فيها الصلاة، أم في الأوقات التي تنهى
فيها؛ لظهور دليله، فإن قوله: ((من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)): أي وَقْتَ
ذكرها نصٌّ ظاهرٌ في الموضوع، عامّ في كل وقت، والله - تعالى - أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب القضاء على من
فاتته الصلاة عامداً:
قال الشوكانيّ تَّثُ عند قوله: ((من نسي صلاة)) ما حاصله: تمسّك بدليل
الخطاب من قال: إن العامد لا يقضي الصلاة، لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء
المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي، وإلى هذا ذهب داود، وابن
حزم، وبعض الشافعية.
قال ابن تيمية تَخْتُ: والمنازعون لهم ليس لهم حجةٌ قط (٢) يُرَدُّ إليها عند
التنازع، وأكثرهم يقولون: لا يجب القضاء إلا بأمر جديد، وليس معهم هنا
أمر، ونحن لا ننازع في وجوب القضاء فقط، بل ننازع في قبول القضاء منه،
وصحة الصلاة في غير وقتها، وأطال البحث في ذلك، واختار ما ذكره داود،
ومن معه .
قال الشوكاني: والأمر كما ذكره، فإني لم أقف مع البحث الشديد
للموجبين للقضاء على العامد، وهم من عدا من ذكرنا على دليل، يَنْفِقُ في
سوق المناظرة، ويصلح للتعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم إلا حديث:
(١) ((الأوسط))، لابن المنذر باختصار ٤٠٨/٢ - ٤١٣.
(٢) قال الجامع عفا الله عنه: بلى لهم حجة واضحة، كما سيأتي: ((اقضوا الله، فالله
أحقّ بالوفاء))، وأي حجة أبين وأوضح من هذا؟، بل الذين ليس لهم حجة
واضحة، هم القائلون بعدم وجوب القضاء، فتأمل بالإنصاف.

٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
((فدين الله أحق أن يُقْضَى)) باعتبار ما يقتضيه اسم الجنس المضاف من العموم،
ولكنهم لم يرفعوا إليه رأساً.
قال الجامع: لا ينقضي عجبي من مثل الشوكاني القائل بهذا الكلام! فأيَّ
دليل يطلب بعد هذا النصّ العظيم؟! وعن أيِّ حجة يَبحث مع وضوح الحجة،
واستنارة المَحَجَّة؟! فيا للعجب! إنه لم يستطع أن يُرُدّ هذه الحجة النَّيِّرَة، بل
تَحَيَّر، فإنه بعدما طوّل كلامه في الردّ على حجج القائلين بوجوب القضاء على
العامد، قال: والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقاً من عموم حديث:
((فدين الله أحقّ أن يقضى))، ولا سيما على قول من قال: إن وجوب القضاء
بدليل، هو الخطاب الأول الدالّ على وجوب الأداء، فليس عنده في وجوب
القضاء على العامد فيما نحن بصدده تردّد؛ لأنه يقول: المتعمِّد للترك قد
خوطب بالصلاة ووجب عليه تأديتها فصارت ديناً عليه، والدين لا يسقط إلا
بأدائه.
وإذا عرفتَ هذا علمت أن المقام من المضائق. انتهى كلام الشوكانيّ(١).
قال الجامع: وأنا أقول: هذا مبلغ ما نَصَرَ به الشوكانيّ قول من يقول
بعدم وجوب القضاء على العامد، حيث تحيّر في دفع حجة الموجبين؛ لقوّته
ووضوحه، واعترف بأن المقام من المضائق، ونحن - بحمد الله تعالى - لا نقع
في المضائق، بل نقول بالأسهل الذي لا تضايُق معه، وهو وجوب القضاء.
ولقد أحسن العلامة الصنعانيّ ◌َّتُهُ في المسألة، وأجاد وأفاد، حيث قال
في ((حاشية إحكام الأحكام)) ما نصُّهُ: وأقوى شيء عندي في الاستدلال لمن
أوجب على العامد القضاء حديث: ((فدينُ الله أحقُّ أن يُقْضَى))؛ فإنه عامّ لكل
دَين لله، ومعلوم أن التارك للصلاة هي دين في ذمته، وإلا لما عوقب عليها،
ووجبت التوبة عن تركها بالاتفاق بين الفريقين، وكما أن دين الآدمي لا يُسقِطُهُ
عن الذمة إلا قضاؤه، كذلك دين الله، بل قد جعله النبيّ وَل ◌ّ أحق بالقضاء،
وسواء قلنا: القضاء بأمر جديد، أو بالأمر الأول، إذ قد صارت ذمته مشغولة
بها بالأمر الأول، وصارت بتركه أداءها في وقتها ديناً لله يعاقبه على عدم
(١) ((نيل الأوطار)) ٨٥/٢ - ٨٦.

٥٤٩
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَةِ الْفَائِتَةِ، وَكَبْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
القضاء. انتهى كلامه تَظَّتْهُ(١).
أقول: هذا الذي قاله الصنعانيّ نَّهُ هو التحقيق الحقيق بالقبول؛
لوضوح دليله المنقول.
والحاصل أن المذهب الراجح هو القول بوجوب القضاء على من ترك
الصلاة متعمداً؛ لما ذكرناه من الدليل النّر الواضح كالشمس في رابعة النهار:
((اقضُوا الله، فالله أحقّ بالوفاء))، رواه البخاريّ، («فدَينُ الله أحقّ بالقضاء))،
متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في هل النفس والروح شيء
واحدٌ أم لا؟:
قال الحافظ أبو عمر تَّلهُ: اختلفوا في الروح والنفس، هل هما شيء
واحد، أو شيئان؟ فقال جماعة أهل العلم: إنهما شيءٌ واحد، ومن حجتهم
قوله رَك: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً﴾ [الزمر:
٤٢]، فروي عن ابن عباس ﴿ما وسعيد بن جبير أنهما قالا: تُقبض أرواح
الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، تتعارف ما شاء الله أن تتعارف،
فيُمسك التي قضى عليها الموت التي قد ماتت، ويُرسل الأخرى إلى أجل
مسمى .
وهذا يدلّ على أن النفس والروح شيء واحد؛ لأنهما فسّرا الآية
بـ(تُقبض الأرواح))، وقد جاءت في الآية بلفظ الأنفس، ويشهد بصحّة ذلك
قول رسول الله وَلّ في الحديث: ((إن الله قَبَض أرواحنا))، فنَصَّ على أن
المقبوض هو الروح، ولم يُنكر قول بلال ظُه: ((أخذ بنفسي الذي أخذ
بنفسك))، فالقرآن والسنّة يشيران إلى معنى واحد، بلفظ النفس تارةً، وبلفظ
الروح أخرى.
وقال آخرون: النفس غير الروح، واحتجُّوا بأن النفس مخاطبةٌ، منهيّة
مأمورة، واستدلّوا بقول الله وَّ: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ (٧) أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةٌ
﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَنَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى
تَضِيَّةً (
(١) ((العدة حاشية العمدة)) ٤٩٥/٢.

٥٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
جَبٍ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٥٦]، ومثل هذا في القرآن كثير، قالوا: والروح لم
تخاطب، ولم تؤمر، ولم تُنْهَ في شيء من القرآن، ولم يلحقها شيء من
التوبيخ، كما لحِقَ النفس في غير آية من كتاب الله رَمَ، وتأوّلوا قول
بلال ظُه: ((أخذ بنفسي من النوم ما أخذ بنفسك منه)). انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قال: و((النفس)) هنا هي التي تُتَوفَّى بالنوم وبالموت،
كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً﴾
[الزمر: ٤٢]، وهي التي تَخْرُج من البدن حالة الموت، كما قال تعالى:
﴿أَخْرِجُوَاْ أَنفُسَكُمٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وهي المناداة بقوله تعالى: ﴿يَأَيّهَا النَّفْسُ
اٌلْمُعْمَيِنَّةُ (1)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَدْخُلِ فِ عِبَدِى (9)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٩]، وقد عَبّر
عنها في ((الموطأ)) في هذا الحديث بالروح، فقال: قال رسول الله وَله: ((إن الله
قبض أرواحنا، ولو شاء لردّها إلينا في حينٍ غيرِ هذا))، فما سمّاه بلالٌ نفساً
سمّاه رسول الله وَ لَهَ رُوحاً، فهما إذاً عبارتان عن مُعَبَّرٍ واحد، وهذا مذهب
أئمّتنا .
وقد اختَلَفَ الناس قديماً وحديثاً في المعنى المراد بالنفس والروح،
والذي يُفهم من مجموع ما في الكتاب والسنّة، وأقاويل علمائنا أن ذلك هو
لطيفة مُودَعةٌ في الأجساد، مشاركة لجميع أجزائها التي تَحُلُّها الحياة، يتأنَّى
إخراجها من الجسد وإدخالها فيه، وقبضها منه، أجرى الله تعالى العادة بخلق
الحياة في الجسد ما دامت فيه تلك اللطيفة، وهي القابلة للعلوم، والإنسانُ هو
الجسد وتلك اللطيفة.
وقد فرَّق الصوفيّة بين النفس والروح، فقالوا: النفس لطيفة مُودعةٌ في
الجسم، محلٌّ للأخلاق المعلولة، والروح محلّ للأخلاق المحمودة، وهو
اصطلاح من قِبَلهم، ولا مُشَاحّة في الاصطلاحات بعد فهم المعنى. والنفس
في اللغة مُشترك يُطلق على ما ذكرنا، ويُطلق، ويُراد به وجود الشيء وذاته،
ويُطلق ويراد به الدم، والروح يُطلق أيضاً على جبريل؛ إذ قد سمّاه الله تعالى
﴾ [الشعراء: ١٩٣]، ويَحْتَمِل أن يكون
١٩٢
رُوحاً في قوله: ﴿نَزَّلَ بِهِ اُلُوعُ الْأَمِينُ
(١) ((التمهيد)) ٢٤٢/٥ - ٢٤٣ و٣٩٩/٦.

٥٥١
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْغَائِنَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦١)
المراد بقوله تعالى: ﴿فَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]، وفي قوله: ﴿قُلِ
الرُّوحُ مِنْ أَمْرٍ رَبِّ﴾ [الإسراء: ٨٥] على ما قاله ابن عبّاس في قوله: ﴿قُلِ
الرُّوحُ﴾، وقد تقدّم أن الروح مشتقّ من الريح. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الأولون من أن
الروح والنفس شيء واحد هو الأرجح؛ لقوّة حُججهم، كما تقدّم بيانها، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٦١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
الدَّوْرَقِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ حَاتِم: حَدَّثَنَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا
يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِيِّ اللهِ وَِّ،
فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمَّسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ: ((لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسٍ
رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ))، قَالَ: فَفَعَلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ، فَتَوَضَّأَ،
ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةِ(٢)،
فَصَلَى الْغَدَاةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٣ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ،
صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
٥ - (أَبُو حَازِمِ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٤٢/٩.
و((أبو هريرة)) رُبه ذُكر قبله.
(١) ((المفهم)) ٣٠٧/٢ - ٣٠٨.
(٢) وفي نسخة: ((وأقيمت الصلاة)).

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقوله: (قَالَ: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِيِّ اللهِ نَّ) التعريس: نزول المسافر آخر الليل.
وقوله: (فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ) فيه دليلٌ على استحباب
اجتناب مواضع الشيطان، وهو أظهر المعنيين في النهي عن الصلاة في
الْحمّام، قاله النوويّ تَخْذَّهُ(١).
وقال القرطبيّ كَّهُ: ذهب بعض العلماء إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث،
فقال: إن من انتبه من نوم عن صلاة فاتته في سفر زال عن موضعه، وإن كان
وادياً خرج عنه، واعتَضَدَ بقوله وَله: ((تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه
الغفلة))(٢)، وهذه الزيادة ذكرها أبو داود في حديث أبي هريرة ظ ◌ُه.
وقال آخرون: إنما يلزم هذا في ذلك الوادي بعينه، إن عُلِم، ونزلت فيه
مثل تلك النازلة، فيجب الخروج منه، كما فَعَل النبيّ ◌ََّ.
وقال الجمهور: إن هذا غير مُرَاعَى، وإن من استيقظ عن صلاة فاتته
صلّاها في ذلك الوقت، وحيثما كان؛ لقوله وَالقول: ((فحيثما أدركتك الصلاة
فصَلِّ))(٣)، وهذا الحديث لا يصلح لتخصيصه في غير حقّ النبيّ وَّ؛ إذ لا
يَعْلَم غيرُ النبيّ وََّ من حال ذلك الوادي، ولا من غيره من المواضع ما عَلِمَه
النبيّ ◌َّ، وبتقدير أن تقع النازلة في ذلك الوادي، فلا ندري، هل ذلك
الشيطان باقٍ أم لا؟، وقوله: ((تحوّلوا)) خطاب لأصحابه الكائنين معه خاصّةً،
لا يتعدّاه إلى غيرهم؛ لأنه كان لسببٍ عِلْمِهِ وَل﴿ بحضور الشيطان فيه، وغيرُهُ لا
يعلم ذلك، فلا يتعدّى إليه ذلك الحكم، وإلى معنى ما ذكرناه ذهب الداوديّ
وغيره من أصحابنا في تأويل الحديث. انتهى كلام القرطبيّ كَظُّهُ(٤) .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح ما قاله الأولون، فمن أدركته
الغفلة، أو نام عن صلاة في موضع انتقل من ذلك الموضع إلى غيره؛ لأمره وال
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٣/٥.
(٢) حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود في ((سننه)) (١١٩/١).
(٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣٠٤/٣)، والنسائيّ في ((المجتبى))
(٢١٠/١ -٢١١) من حديث جابر
(٤) ((المفهم)) ٣١١/٢ - ٣١٢.

٥٥٣
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائَِةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢)
بذلك، حيث قال: ((تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة))، وهو
حديث صحيح، فالخطاب يعمّ الحاضرين وغيرهم، كسائر خطاباته وَلحقير، فيكون
مخصّصاً لعموم قوله: ((فحيثما أدركت الصلاة، فصلٌ))، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنٍ) فيه استحباب قضاء النافلة الراتبة، قاله
النوويّ ◌َلاَتُهُ .
وقوله: (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاة) وفي نسخة: ((وأُقيمت الصلاة))، أي أقيم
لصلاة الصبح.
وقوله: (فَصَلَّى الْغَدَاةَ) أي صلاة الغداة، وهي بفتح الغين المعجمة،
والدال المهملة: أول النهار، وجمعها غَدَوَات، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٦٢] (٦٨١) - (وَحَدَّثَنَا(١) شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ
الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتْ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا
رَسُولُ اللهِ وَهِ، فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ - إِنْ
شَاءَ اللهُ - غَدً))، فَانْطَلَقَ النَّاسُ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا
رَسُولُ اللهِ يَسِيرُ، حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، وَأَنَا إِلَى جَنِْهِ، قَالَ: فَنَعَسَ رَسُولُ اللهِ،
فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَتَيْئُهُ، فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ،
قَالَ: ثُمَّ سَارَ، حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ، مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ: فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ
أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، قَالَ: ثُمَّ سَارَ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ،
مَالَ مَيْلَةً، هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ، فَأَتَيْتُهُ، فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ
رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((مَنْ هَذَا؟)) قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ: ((مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرََكَ مِنِّي؟»
قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ، قَالَ: ((حَفِظَكَ اللهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ))، ثُمَّ
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٥٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قَالَ: ((هَلْ تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ؟))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟)) قُلْتُ: هَذَا
رَاكِبٌ، ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا، فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ، قَالَ: فَمَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا))، فَكَانَ
أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِهِ، وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، قَالَ: فَقُمْنَا فَزِعِينَ، ثُمَّ قَالَ:
((ارْكَبُوا))، فَرَكِبْنَا، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ، كَانَتْ
مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءاً دُونَ وُضُوءٍ، قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا
شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ: ((احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأْ)، ثُمَّ
أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ نَّهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَمَا
كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْم، قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ، وَرَكِبْنَا مَعَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا
يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ،َ مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا؟ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا لَكُمْ فِيَّ
أُسْوَةٌ؟))، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا، إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَغْرِيطٌ (١)، إِنَّمَا التَّغْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ
يُصَلِّ الصَّلَاةَ، حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَلْيُصَلِّهَا حِينَ
يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ، فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا))، ثُمَّ قَالَ: ((مَا تَرَوْنَ النَّاسَ
صَنَعُوا؟))، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ:
رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَعْدَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ، وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ بَيْنَ
أَيْدِيكُمْ، فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يُرْشَدُوا))، قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ
الَّهَارُ، وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكْنَا، عَطِشْنَا، فَقَالَ: ((لَا
هُلْكَ عَلَيْكُمْ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي)). قَالَ: وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ، فَجَعَلَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ بَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي
الْمِيضَأَةٍ(٢)، تَكَابُوا عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَحْسِنُوا الْمَلَأَ، كُلَّكُمْ سَيَرْوَى))،
قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَصُبُّ، وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ. قَالَ: ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللهِ وََّ، فَقَالَ لِي: ((اشْرَبْ))، فَقُلْتُ: لَا
(١) وفي نسخة: ((ثم قال: إنه ليس في النوم تفريط)).
(٢) وفي نسخة: ((ما في الميضأة)).

٥٥٥
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْغَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢)
أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْباً))، قَالَ:
فَشَرِبْتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللهِهِ، قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءٌ. قَالَ: فَقَالَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحِ: إِنِّي لَأُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ(١) فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ، إِذْ قَالَ
عِمْرَانُ بْنُ خُصَيَّنٍ: انْظُرْ أَيُّهَا الْفَتَى، كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّي أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ
اللَّيْلَةَ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الْأَنْصَارِ،
قَالَ: حَدِّثْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِكُمْ، قَالَ: فَحَدَّثْتُ الْقَوْمَ، فَقَالَ عِمْرَانُ: لَقَدْ
شَهِدْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَداً حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) بن أبي شيبة الْحَبَطَيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ
يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت٥ أو٢٣٦) وله بضع و(٩٠) سنةً (م د
س) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣.
٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات
سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٠/٣.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاح) الأنصاريّ، أبو خالد المدنيّ، سَكَن البصرةَ،
ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أُبَيّ بن كعب، وعَمّار بن ياسر، وعمران بن حُصين، وأبي قتادة
الأنصاريّ، وأبي هريرة، وكعب الأحبار، وعبد العزيز بن النعمان، وصفوان بن
مُخْرِز، وغيرهم.
ورَوَى عنه ثابت الْبُنَانيّ، وعاصم الأحول، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وقتادة،
وبكر بن عبد الله الْمُزَنِيّ، والأزرق بن قيس، وخالد الحذّاء، وخالد بن سُمَير
السدوسيّ، وغيرهم.
قال العجليّ: بصريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث،
(١) وفي نسخة: ((إني لأحدّث الناسَ هذا الحديث)).

٥٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال ابن خِرَاش: هو من أهل المدينة، قَدِم البصرة، لا أعلم مدنيّاً حَدَّث عنه،
وهو رجل جليلٌ، وكذا قال ابن المدينيّ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال خالد بن
سُمَير: قَدِمَ علينا، وكانت الأنصار تفقّهه.
وقال خليفة: قُتِل في ولاية ابن زياد، وقال أبو عمران الجونيّ: وَقَفْتُ
مع عبد الله بن رَبَاح، ونحن نقاتل الأزارقة مع الْمُهَلَّب، قال الحافظ: فهذا
يدل على أنه تأخّر بعد ولاية ابن زياد بمدة، وقرأت بخط الذهبيّ أنه تُوُفّ في
حدود سنة (٩٠) فهذا أشبه. انتهى(١).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط،
برقم (٦٨١) و(٦٨٣) و(٨١٠) و(١٧٨٠) وأعاده بعده، و(٢٦٦٦).
٥ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، اسمه الحارث، وقيل: عمرو،
أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمَة السَّلَميّ، شَهِدَ أُحُداً، وما بعدها، ولم يشهد بدراً،
ومات نظر اته سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َكَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو
داود، والنسائيّ، وعبد الله بن رباح، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُلّيّ، قرية من قرى
البصرة .
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ثابتٌ، عن عبد الله بن
رباح.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه من مشاهير الصحابة، مشهور بكنيته،
وكان يُلقّب فارس رسول الله وَّةِ؛ لقوله وَله يوم خيبر: ((كان خيرَ فُرْساننا اليوم
أبو قتادة، وخير رَجّالتنا سَلَمة))(٢)، رواه مسلم(٣)، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٣٣١/٢.
(٢) هو سلمة بن الأكوع الصحابيّ المشهور
مضرعبّه.
(٣) سيأتي في ((كتاب الجهاد والسير)) برقم (١٨٠٧) - إن شاء الله تعالى -.

٥٥٧
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ ◌َبه، اختُلف في اسمه، كما أسلفناه آنفاً، أنه
(قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَلَ﴾ فيه أنه يُسْتَحَبّ لأمير الجيش إذا رأى مصلحة
لقومه في إعلامهم بأمر أن يَجْمَعهم كلَّهم، ويُشِيع ذلك فيهم؛ لِيَبْلُغَهم كلَّهم،
ويتأهبوا له، ولا يَخُصّ به بعضهم وكبارهم؛ لأنه ربما خَفِي على بعضهم،
فيَلْحَقه الضرر(١).
ثمّ بيّن تلك الخطبة بقوله: (فَقَالَ) وَلِ (إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ)
((العَشيّ)): قيل: ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا
الْعَشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: الْعَشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل:
العشيّ، والعِشَاءُ من صلاة المغرب إلى الْعَثَمَة، وعليه قول ابن فارس:
العشاءان: المغرب والعَتَمة، وقال ابن الأنباريّ: الْعَشِيّة مؤنّئةٌ، وربّما أنّئتها
العرب على معنى العشيّ، وقال بعضهم: الْعَشّيّةُ: واحدةٌ، وجمعها عَشِيّ.
(٢)
انتھی
وقوله: (وَلَيْلَتَكُمْ) أي تسيرون ليلتكم (وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللهُ) فيه
استحباب قولٍ ((إن شاء الله)) في الأمور المستقبلة؛ امتثالاً لأمره رحمك في قوله:
﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]
الآية (غَدً)) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ((تأتون))، و((الْغَدُ»: اليوم الذي يأتي
بعد يومك على إِثْرِهِ، ثم توسّعوا فيه حتى أُطلق على البعيد المُرتَقَب، وأصله
غَدْوٌ، مثلُ فَلْسٍ وقُلُوس، لكن حُذفت اللام، وجُعِلت الدال حرف إعراب، قال
الشاعر [من الرجز]:
إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ أَخَاهُ غَدْوَا(٣)
لَا تَقْلُوَاهَا وَاذْلُوَاهَا دَلْوَا
(فَانْطَلَقَ النَّاسُ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) أي لا يعطفَ بعض الناس على
بعضهم، ولا يقف، ولا ينتظره، وأصله من ليّ العنق، قاله القرطبيّ(٤).
وقال في ((المصباح)): لواه بدينه لَيّاً، من باب رَمَى، ولَيّاناً أيضاً: مَطَلَه،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٤٣/٢.
(٢) ((المصباح المنير" ٤١٢/٢.
(٤) راجع ((المفهم)) ٤١٣/٢.

٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ولَوَيْتُ الحبلَ واليدَ لَّاً: فَتَلْتُهُ، ولَوَى رأسه، وبرأسه: أماله، وقد يُجْعَلُ بمعنى
الإعراض، ومَرَّ لا يَلْوِي على أحدٍ: أي لا يَقِفُ، ولا يَنتِظِر. انتهى(١).
(قَالَ أَبُو قَتَادَةَ) ◌َبه (فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَلِ يَسِيرُ) قد تقدّم البحث في
(بينما))، ومثلها ((بينا)) بالألف غير مرّة، وخلاصته أن أصلهما ((بين)) زيدت عليها
(ما))، أو الألف، فهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من
فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يَتمّ به المعنى، وقد يقترن
أحياناً بـ ((إذ))، أو ((إذا))، تقول: بينما زيد جالس دخل عليه عمرو، أو إذ دخل
عليه عمرو، أو إذا دخل عليه عمرو (٢). (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) - بالباء الموحّدة،
وتشديد الراء - قال في ((القاموس)): وابهارّ الليل: انتصف، أو تراكمت ظلمته،
أو ذهبت عامّته، أو بقي نحوُ ثُلُثه. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((ابْهَارّ الليلُ)): أي انتصف، وبُهْرَة كلِّ شيءٍ:
وسطُهُ، وقيل: ذهب عامّته، وبقي نحوٌ من ثلثه، قال أبو سعيد الضرير: ابِهِرَارُ
الليل: طلوع نجومه إذا تتامّت، وقال غيره: ابهارّ الليل: طال، والباهر:
الممتلئ نوراً، وقد صحّفه بعض الشارحين تصحيفاً فاحشاً، فقال: انهار الليل -
ـهَّ﴾ [التوبة: ١٠٩].
بالنون - وقال: ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَّهَارَ بِهِ، فِی نَارِ
(٤)
انتهى (٤).
و((حتى)) غايةٌ لمسيره نََّ، وقوله: (وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ) جملة حاليّة من فاعل
(يسير))، والرابط الواو والضمير المنصوب (قَالَ) أبو قتادة ◌َُّهُ (فَنَعَسَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ) - بفتح العين - يقال: نَعَسَ يَنْعُسُ، من باب قَتَلَ، والاسم:
النُّعاس، فهو ناعسٌ، والجمعُ: نُغَسٌ، مثلُ راكعٍ ورُبَع، والمرأة ناعسةٌ،
والجمع: نَوَاعِسُ، وربما قيل: نَعْسَان، ونَعْسَى، حَمَلُوه على وَسْنَان، ووَسْنَى،
وأول النوم: النعاس، وهو أن يَحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الْوَسَنُ، وهو ثِقَلُ
النعاس، ثم التَّرْنِيقُ، وهو مخالطة النُّعاس للعين، ثم الْكَرَى، والْغَمْضُ، وهو
أن يكون الإنسان بين النائم واليقظان، ثم الْعَفْقُ، وهو النوم، وأنت تسمع كلام
(١) ((المصباح المنير)) ٥٦١/٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٢٧٩/١.
(٢) راجع: ((لسان العرب)) ١٢/ ٦٦.
(٤) ((المفهم)) ٣١٣/٢.

٥٥٩
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلاَةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٢)
القوم، ثم الْهُجُودُ، والْهُجُوعُ، ذكره الفيّومِيّ ◌َُّهُ(١).
وقد ثبت في ((الصحيح)) أن أهل الجنة لا ينامون؛ لأن النوم موت
أصغر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَتِى لَمْ تَمُتْ فِى
مَنَامِهَاً﴾ [الزمر: ٤٢].
وقال النوويّ في ((شرحه)): النعاس: مقدَّمة النوم، وهو ريح لطيفةٌ تأتي
من قبل الدماغ، تُغَطّي على العين، ولا تَصِلُ إلى القلب، فإذا وصلت إلى
القلب كان نوماً، ولا ينتقض الوضوء بالنعاس من المضطجع، وينتقض بنومه.
انتھی(٢).
(فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ) أي عدل عنها، ولم يستقم على ظهرها، يقال: مال
يميل ميلاً، كباع يبيع بيعاً: إذا عَدَل، ومال الحائطُ: إذا زال عن استوائه،
ويقال أيضاً: مال يمال، كخاف يخاف(٣). (فَأَتَيْتُهُ، فَدَعَمْتُهُ) أي أسندته،
وأقمت ميله من النوم برفق، وصِرتُ تحته كالدِّعامة للبناء فوقها (مِنْ غَيْرِ أَنْ
أُوقِظَهُ) أي من غير أن أنبّهه من نومه (حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) أي استقام على
ـهُ (ثُمَّ سَارَ) وَِّ (حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ) أي ذهب أكثره،
ظهرها (قَالَ) أبو قتادة
مأخوذ من تَهَوُّر البناء، وهو انهدامه، يقال: تَهَوَّر الليل، وتَوَهَّر (مَالَ) وَ (عَنْ
رَاحِلَتِهِ، قَالَ) أبو قتادة (فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، قَالَ)
أبو قتادة (ثُمَّ سَارَ) بَّهِ (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آَخِرِ السَّحَرِ) ((كان)) تامّة، و((من))
زائدة، على رأي من يرى زيادتها في الإثبات، أي جاء آخر السحر، ويَحتَمِل
أن تكون ناقصةً، واسمها ضمير يعود إلى النبيّ وَّ، وخبرها الجارّ والمجرور،
و((من)) بمعنى ((في)) (مَالَ) وَ (مَيْلَةً، هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، حَتَّى كَادَ
يَنْجَفِلُ) أي قارب أن يسقُط من راحلته، قال ابن الأثير تَُّ: هو مطاوع
جَفَلَه: إذا طرحه وألقاه، أي ينقلب ويَسْقُطُ، يقال: ضربه، فجَفَلَهُ: أي ألقاه
على الأرض. انتهى(٤).
(١) ((المصباح المنير)) ٦١٣/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/٥.
(٣) راجع: ((القاموس)) ٥٣/٤، و((المصباح)) ٥٨٨/٢.
(٤) ((النهاية)) ٢٧٩/١.

٥٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال الفيّوميّ تَخْذَتُهُ: جَفَلَ البعيرُ جَفْلاً وجُفُولاً من بابي ضرب وقَعَدَ: نَدّ
وشَرَدَ، فهو جافلٌ وجَفّالٌ مبالغةٌ، وجَفَلَت النعامةُ: هَرَبَت، وجَفَلتُ الطينَ
أجْفُلُه، من باب قَتَل: جَرَفتهُ، وجَفَلتُ المتاعَ: ألقيتُ بعضه على بعض،
وجفلتُ الطائر أيضاً: نفّرتُهُ، وفي مطاوعه: فأجفلَ هو بالألف، جاء الثلاثيّ
متعدّياً، والرباعيّ لازماً عكس المشهور، وله نظائر، وأجفل القومُ، وانجفلوا،
وتجفّلوا، وجَفَلُوا جَفْلاً، من باب قتل: إذا أسرعوا الْهَرَبَ. انتهى (١).
(فَأَتَيْتُهُ، فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ) أي استيقظ من نومه، ورفع رأسه من ميله
(فَقَالَ: ((مَنْ هَذَا؟))) استفهام عن الشخص الذي أيقظه من نومه بدعمه (قُلْتُ:
أَبُو قَتَادَةَ) خبر لمحذوف، أي أنا أبو قتادة (قَالَ) وَرِ («مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ
مِنِّي؟)) بنصب ((مسيرك)) خبراً بـ ((كان))، وهو مصدر ميميّ لـ((سار))، يعني منذ
أَيّ وقت أنت تسير هذا السير معي؟ (قُلْتُ: مَا) نافية (زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ
اللَّيْلَةِ) أي في هذه الليلة، فـ((منذ)) بمعنى ((في))؛ لأن ((منذُ)) و((مُذْ)) إذا جرّا
حاضراً، كانا بمعنى ((في))، نحو: ما رأيته منذ أو مذ يَوْمِنا، وإن جرّا ماضياً
كانا بمعنى ((من))، نحو: ما رأيته يوم الجمعة، قال في ((الخلاصة)):
وَإِنْ يَجُرَّا فِي مُضِيٍّ فَكَـامِنْ)) هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعْنَى ((فِي)) اسْتَبِنْ
(قَالَ) ◌َِّ («حَفِظَكَ اللهُ) بكسر الفاء، يقال: حَفِظَ الشيءَ من باب عَلِمَ:
إذا حَرَسَهُ، وحَفِظ القرآن: إذا استظهره، والمالَ: رعاه، أفاده في
((القاموس))(٢)، وقال في ((المصباح)): حَفِظْتُ المالَ وغيره حِفْظًاً: إذا منعته من
الضَّيَاعِ والتَّلَفِ، وحَفِظْتُهُ: صُنتُهُ عن الابتذال، وحَفِظَ القرآن: إذا وَعَاهُ على
ظهر قلبه. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ضبط ((حَفِظَ)) بكسر الفاء في كتب اللغة،
وأما ما اشتهر من قولهم: حَفَظَهُ بفتح الفاء، فمن لحن العوامّ، فتنبّه، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ))) أي بسبب حفظك نبيّه وَّ، قاله النوويّ، فعلى هذا
(١) ((المصباح المنير)) ١٠٣/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١٤٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٩٥/٢.