Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٥٧)
رُهْم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن بَجِيلة، ذكره ابن الكلبيّ(١).
وفي حديث أبي هريرة ظُّه الآتي عند المصنّف في ((الفضائل)) زيادة،
ولفظه: أن رسول الله وَر قال: ((أسلم سالمها الله، وغِفَار غفر الله لها، أَمَا
إني لم أقلها، ولكن قالها الله رَات))(٢).
قال في ((الفتح)): قوله: ((غِفَارُ غفر الله لها)) هو لفظُ خَبَرِ يراد به الدعاءُ،
ويَحْتَمِلُ أن يكون خبراً على بابه، ويُؤَيِّده قوله في آخره: ((وعُصَيَّةُ عصت الله
ورسوله)). انتھی(٣).
وقال ابن الأثير: قوله: ((غِفَار غفر الله لها)) يَحْتَمِل أن يكون دعاء لها
بالمغفرة، أو إخباراً بأن الله تعالى قد غَفَرَ لها، وكذلك معنى «أسلمُ سالمها الله))
يَحْتَمِل أن يكون دعاءً لها، أن يسالمها الله تعالى، ولا يأمرَ بحربها، أو يكون
إخباراً بأن الله قد سالمها، ومَنَعَ من حربها، وإنما خُصَّت هاتان القبيلتان
بالدعاء؛ لأن غِفَاراً أسلموا قديماً، وأسلمُ سالموا النبيّ وَّ، ذكره في
((العمدة)) (٤).
وقال في ((الفتح)): حَكَى ابن التين أن بني غفار كانوا يَسْرِقون الحاجّ في
الجاهلية، فدعا لهم النبيّ ◌ََّ بعد أن أسلموا؛ لِيُمْحَى عنهم ذلك العارُ.
انتهى(٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث خُفَاف بن إيماء
هذا من أفراد
مضرعنه
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٦/٧.
(٢) سيأتي في ((صحيح مسلم)) في ((كتاب فضائل الصحابة)) برقم (٢٥١٦).
(٣) ((الفتح)) ٦٢٨/٦ ((كتاب المناقب)) رقم (٣٥١٤).
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٧/٧.
(٥) ((الفتح)) ٦٢٨/٦ - ٦٢٩ ((كتاب المناقب)) رقم (٣٥١٤).
٥٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٥٧/٥٦ و١٥٥٨ و١٥٥٩] (٦٧٩) وسيعيده
بنفس السند هذا في ((فضائل الصحابة)) (٢٥١٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
٥٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٧٤ و٢١٧٥ و٢١٧٦)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٥٢٨ و١٥٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الدعاء في النوازل.
٢ - (ومنها): بيان فضائل هاتين القبيلين، حيث استجابتا لأمر الله رحمك،
وطاعة رسوله ◌َلڑ .
٣ - (ومنها): بيان خزي من أعرض عن أمر الله تعالى، وعصى
رسوله ، كهذه القبائل الأربع.
٤ - (ومنها): أن فيه الدعاءَ بما يُشْتَقُّ من الاسم، كما يقال لأحمد:
أحمد الله عاقبتك، ولعليّ: أعلاك الله، وهو من جناس الاشتقاق، قاله في
((العمدة))(١).
وقال في ((الفتح)): وقع في هذا الحديث من استعمال جناس الاشتقاق ما
يَلِذّ على السمع؛ لسهولته، وانسجامه، وهو من الاتفاقات اللطيفة. انتهى (٢).
٥ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء على الظالم بالهلاك، والدعاء للمؤمنين
بالنجاة، وقال بعضهم: إن كانوا منتهكين لحرمة الدين يُدْعَى عليهم بالهلاك،
وإلا يُدْعَى لهم بالتوبة، كما قال ◌َّ: ((اللهم اهْدِ دَوْساً، وأُتِ بهم))، ورُوي
أن أبا بكر وزوجته ثها كانا يدعوان على عبد الرحمن ابنهما يوم بدر
بالهلاك، إذا حَمَلَ على المسلمين، وإذا أدبر يدعوان له بالتوبة(٣)، قاله في
((العمدة))(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
(١) ((عمدة القاري)) ٢٧/٧.
(٢) ((الفتح)) ٦٢٨/٦ - ٦٢٩ ((كتاب المناقب)) رقم (٣٥١٤).
(٣) هذه الحكاية لم أر سندها، فتحتاج إلى النظر، والله تعالى أعلم.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٧/٧.
٥٢٣
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٥٨)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٥٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ
أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو، عَنْ خَالِدِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ خُفَافٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءٍ: رَكَعَ
رَسُولُ اللهِ وَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ،
وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ، وَالْعَنْ رِعْلاً، وَذَكْوَانَ))، ثُمَّ
وَقَعَ سَاجِداً، قَالَ خُفَافٌ: فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الْكَفَرَةِ(١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ
م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من
صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ) بن جعفر (٢) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق
المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له
أوهامٌ [٦] (ت١٤٥) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٥/٤٢.
٦ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ) الْمُدْلِجِيّ الحجازيّ، مقبول، ووَهِمَ من
ذكره في الصحابة [٦].
(١) وفي نسخة: ((فجُعلت لعنة الله على الكفرة)).
(٢) قال الجامع عفا الله عنه: وقع في ((برنامج الحديث)) للكتب التسعة هنا وفي السند
التالي غلط، وذلك أنه ترجم لإسماعيل ابن عليّة، والصواب إسماعيل بن جعفر بن
أبي كثير، كما نصّ عليه أبو عوانة في («مسنده)) ٢٣/٢ و((أبو نعيم في ((مستخرجه))
٢٧٤/٢ والمزيّ في ((تحفة الأشراف)) ٥٨/٣، فليُتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل .
٥٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رَوَى عن الحارث بن خُفَاف بن إيماء، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام.
وروى عنه محمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن يحيى الأسلميّ،
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال البخاريّ: حديثه عن النبيّ وَّهُ مرسلٌ.
انتھی .
قال الحافظ: وذكره لأجل هذا الحديث، ومتنه: ((خَيركم الْمُدَافِعُ عن
قومه)) في ((الصحابة)) البغويّ، وقال: لا أدري، له صحبة أم لا؟، وذكره فيهم
ابن أبي عاصم، وابن منده، وأبو نعيم.
تفرّد به المصنّف، وليس له عنده إلا هذا الحديث فقط.
٧ - (الْحَارِثُ بْنُ خُفَاف) بن إيماء بن رَحَضَةَ الغفاريّ، مختلف في
صحبته، رَوَى عن أبيه، وعنه خالد بن عبد الله بن حرملة المدلجيّ، وذكره ابن
حبّان في ثقات التابعين.
وفي ((صحيح البخاريّ))، من طريق أسلم مولى عمر، قال: قال عمر:
((لقد رأيت أبا هذه - يعني بنت خُفَاف -، وأخاها حاصَرًا حصناً زماناً)(١).
انتھی .
(١) قال الإمام البخاريّ كَلَفُهُ: (٤١٦١) حدّثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدّثني
مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ظُبه إلى
السوق، فَلَحِقت عمر امرأة شابّة، فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي، وترك
صبية صغاراً، والله ما يُنضجون كُرَاعاً، ولا لهم زرع، ولا ضرع، وخَشِيت أن
تأكلهم الضَّبُعُ، وأنا بنت خُفَاف بن إيماء الغفاريّ، وقد شَهِدَ أبي الحديبية مع
النبيّ وَِّ، فوقف معها عمر، ولم يَمْضِ، ثم قال: مرحباً بنسب قريب، ثم انصرف
إلى بعير ظَهِير، كان مربوطاً في الدار، فَحَمَل عليه غِرَارتين، ملأهما طعاماً،
وحمل بينهما نفقةً، وثياباً، ثم ناولها بخطامه، ثم قال: اقتاديه، فلن يَفْنَى حتى
يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أكثرت لها، قال عمر: ثكلتك
أمك، والله إني لأرى أبا هذه، وأخاها، قد حاصَرَا حِصْناً زماناً، فافتتحاه، ثم
أصبحنا نستفىء سهمانهما فيه. انتهى.
٥٢٥
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٥٩)
قال في ((تهذيب التهذيب)): فعلى هذا فهو صحابيّ؛ لأنهم ذكروا لخفاف
ولدين: الحارث، ومَخْلَداً، ومخلد تابعيّ باتفاق، فانحصر في الحارث.
انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الحافظ في ((التهذيب))، لكن ذكر في
((الفتح)) ما يُخالف هذا، حيث قال: قوله: ((وأخاها)) لم أقف على اسمه، وكان
لخُفاف ابنان: الحارث، ومَخْلدٌ، لكنهما تابعيّان، فوهِمَ من فسّر الأخ الذي
ذكره عمر بأحدهما. انتهى (١)، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و((خُفاف)) ذُكر قبله.
وقوله: (فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الْكَفَرَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أي شُرع لعن الكفّار بعدما
فعله النبيّ ◌َّ في تلك الصلاة، يعني أن لعن الكفّار ما كان مشروعاً قبل ذلك،
فشُرع من ذلك الوقت، فإذا اعتدوا على المسلمين ينبغي الدعاء عليهم؛ اقتداء
بالنبيّ وَّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٥٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِيهِ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ خُفَافٍ بْنِ إِيمَاءٍ،
بِمِثْلِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الْكَفَرَةِ(٢) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
و کلّهم تقدّموا قبله، غیر:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ) بن عمرو بن سَنَّةَ - بفتح السين المهملة،
وتشديد النون - الأسلميّ، أبو حرملة المدنيّ، صدوقٌ، ربّما أخطأ [٦].
(١) ((الفتح)) ٥١١/٧ (كتاب المغازي)) رقم (٤١٦٠).
(٢) وفي نسخة: ((فجُعلت لعنة الله على الكفرة)).
٥٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رَوَى عن سعيد بن المسيِّب، وحنظلة بن عليّ الأسلميّ، وعمرو بن
شعيب، وعبد الله بن نِيَار بن مُكْرَم الأسلميّ، وثُمَامة بن شُفَيّ أبي علي
الهمدانيّ، وغيرهم.
وروى عنه الثوريّ، والأوزاعيّ، ومالك، وسليمان بن بلال، وابن أبي
الزناد، والدَّرَاورديّ، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، وبشر بن
المفضَّل، وابن عُلَيّة، والقطان، وجماعة.
قال يحيى بن سعيد عنه: كنت سَيِّئ الحفظ، فرَخَّص لي سعيد في
الكتابة، قال يحيى بن سعيد: محمد بن عَمْرو أحبّ إلي من ابن حرملة، وكان
ابن حرملة يُلَقَّن، وقال ابن خلاد الباهليّ: سألت القطان عنه؟ فضعّفه، ولم
يدفعه، وقال إسحاق، عن ابن معين: صالحٌ، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه،
ولا يُحتجّ به، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال محمد بن عمرو: كان ثقةً
كثير الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطئ، وقال الساجيّ:
صدوقٌ يَهِمُ في الحديث، وقال ابن عديّ: لم أر في حديثه حديثاً منكراً، ونقل
ابن خَلْفُون عن ابن نمير أنه وَثَّقه، وقال الطحاويّ: لا يُعْرَف له سماع من أبي
عليّ الهمدانيّ.
وقال ابن سعد: تُؤُفّي سنة خمس وأربعين ومائة.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث
متابعةً .
وقوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن جعفر، وليس ابن عُليّة، كما أخطأ فيه
بعضهم .
وقوله: (وَأَخْبَرَنِيهِ) أي هذا الحديث.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن عبد الرحمن بن حرملة حدّث إسماعيل بن جعفر
بمثل ما حدثه به محمد بن عمرو.
وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ... إلخ) الضمير لعبد الرحمن بن حرملة، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
٥٢٧
(٥٧) - (بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْغَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٦٠] (٦٨٠) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ(١)، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى
عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: ((اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ))، فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَلـ
وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، مُوَاجِهَ الْفَجْرِ ، فَغَلَبَتْ بِلَالاً
عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ
مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظاً، فَفَزِعَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: ((أَيْ بِلَالُ))، فَقَالَ بِلَالْ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ
وَأُمِّي، يَا رَسُولَ اللهِ بِنَفْسِكَ(٢)، قَالَ: ((اقْتَادُوا))، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئاً، ثُمَّ تَوَضَّأَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَأَمَرَ بِلَالاً، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ،
قَالَ: ((مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ، فَلْيُصَلُّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَقِمِ الصَّلَوَةَ
لِذِكْرِىّ﴾))، قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا لِلذِّكْرَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١]
(ت٢٤٣) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ فقيهٌ [٩]
(ت١٩٧) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٣] (ت١٥٩) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ١٤/٣.
(١) وفي نسخة: ((سار ليلةً)).
(٢) وفي نسخة: ((الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله)).
٥٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحافظ الفقيه الحجة،
رأس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ،
من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌ُْه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو
والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويزيد نزل مصر،
والثاني بالمدنیین.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ فقيه، عن تابعيّ فقيه: ابن شهاب، عن
ابن المسيّب.
٥ - (ومنها): أن سعيداً أحد الفقهاء السبعة.
٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة رضيته على الإطلاق
عند بعضهم.
شرح الحديث :
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ حِينَ قَفَلَ) أي رجع، يقال: قفل
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
من سفره قُفُولاً، من باب قَعَدَ: رجع، والاسم قَفَلٌ بفتحتين، ويتعدّى بالهمزة،
فيقال: أقفلته، والفاعل من الثلاثيّ قافلٌ، والجمع قافلةٌ، وجمع القافلة قَوَافل،
قاله في ((المصباح))(١) .
وقوله: (مِنْ غَزْوَةٍ خَيْبَرَ) ((الْغَزْوَة)) بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي:
المرّة من الغَزْو، والجمع: غَزَوات، مثلُ شَهْوَة وشَهَوَات، ويقال فيها: ((الْغَزَاة))
بالفتح أيضاً، قال في ((القاموس)): فَغَزاه غَزْواً: أراده، وطلبه، وقصده،
(١) ((المصباح المنير)) ٥١١/٢.
٥٢٩
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
كاغتزاه، والعدُوَّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم (١).
قال النوويّ كَُّهُ: ((وخيبر)) بالخاء المعجمة، هذا هو الصواب، وكذا
ضبطناه، وكذا هو في أصول بلادنا من نسخ مسلم، قال الباجيّ، وأبو عمر بن
عبد البرّ، وغيرهما: هذا هو الصواب، وقال القاضي عياض: هذا قول أهل
السير، وهو الصحيح، قال: وقال الأصيليّ: إنما هو (حُنَين)) بالحاء المهملة
والنون، وهذا غريبٌ ضعيفٌ(٢).
وقال ابن عبد البرّ في ((التمهيد)»: وقولُ ابن شهاب في هذا الحديث، عن
سعيد بن المسيب أن رسول الله وَ ل﴿ حين قَفَلَ من خيبر أصحُ من قول من قال:
إن ذلك كان مرجعه من حُنَين؛ لأن ابن شهاب أعلم الناس بالسِّيَرِ والمغازي،
وكذلك سعيد بن المسيِّب، ولا يقاس بهما المخالف لهما في ذلك، وكذلك
ذَكَرَ ابنُ إسحاق وأهلُ السير أن نومه عن الصلاة في سفره كان في حين قُفُوله
من خيبر، وقد اختُلِف عن مالك في ذلك، فرُوي عنه في هذا الحديث حين
قَفَلَ من خيبر. انتهى(٣) .
[تنبيه]: قال في ((التمهيد))(٤): كانت خيبر في سنة ست من الهجرة،
هكذا قال، والذي ذهب إليه الجمهور أن غزوة خيبر كانت في المحرَّم سنة سبع
من الهجرة، أقام قي يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتح الله عليه وهي من
المدينة على ثلاثة برود(٥) .
[تنبيه آخر]: أخرج أبو حاتم بن حبّان في ((صحيحه)) هذا الحديث، ثم
قال: أخبرنا ابن قتيبة بهذا الخبر، وقال فيه: ((خيبر))، وأبو هريرة لم يشهد
خيبر، إنما أسلم، وقدم المدينة، والنبيّ نَّر بخيبر، وعلى المدينة سِبَاع بن
عُرْفُطة، فإن صحّ ذكر خيبر في الخبر، فقد سمعه أبو هريرة من صحابي غيرِهِ،
فأرسله كما يفعل ذلك الصحابة كثيراً، وإن كان ذلك ((حُنَين))، لا ((خيبر))، وأبو
هريرة شَهِدَها، وشهوده القصة التي حكاها شهود صحيحٌ، والنفس إلى أنه
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٦٩/٤.
(٣) ((التمهيد)) ٣٨٨/٦ - ٣٨٩.
(٢) ((شرح النووي)) ١٨١/٥.
(٤) راجع: ((التمهيد)» ٣٩٢/٦.
(٥) ((المنهل العذب المورود)) ٢١/٤، و((تحفة الأحوذيّ)) ٤٨٥/٨.
٥٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
((حُنَين)) أميل. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن حبّان: من أن أبا هريرة
سمعه من صحابيّ آخر فيه نظر لا يخفى؛ لأن أبا هريرة نظريته قد حضر آخر
خيبر، فقد أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) فقال:
(٨٣٤٧) حدّثنا عفّان، حدّثنا وُهيب، حدّثنا خثيم - يعني ابن عراك - عن
أبيه، أن أبا هريرة قَدِمَ المدينة في رهط من قومه، والنبيّ ◌َُّ بخيبر، وقد
استَخْلَف سِبَاع بن عُرْفُطة على المدينة، قال: فانتهيت إليه، وهو يقرأ في صلاة
الصبح، في الركعة الأولى، بـ ﴿كَهيعَصَ﴾، وفي الثانية: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ﴾،
قال: فقلت لنفسي: وَيْلٌ لفلان، إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال
بالناقص، قال: فلما صلى زَوَّدنا شيئاً، حتى أتينا خيبر، وقد افتَتَحَ النبيّ وَلـ
خيبر، قال: فَكَلَّم رسول الله وَّر المسلمين، فأشركونا في سهامهم. انتهى (٢)،
وهو حديث صحيح.
فقد تبيّن بهذا أنه حضر خيبر، ورجع منها مع النبيّ ◌َّ، وقد صرّح في
هذا الحديث أن هذه القصّة وقعت حين قفوله مير منها، فليس فيه إرسال، بل
هو إخبار بما شاهده بنفسه، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(سَارَ لَيْلَهُ) بالإضافة إلى الضمير، وفي نسخة: ((ليلةً))، يقال: سار يسير
سَيْراً ومَسِيراً، يكون بالليل والنهار، ويُستعمل لازماً ومتعدّياً، فيقال: سار
البعيرُ، وسِرْتُهُ، فهو مَسِيرٌ، وسيَّرتُ الرجل بالتثقيل، فسار(٣). (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ
الْكَرَى عَرَّسَ) غاية للسير، وفي رواية الطبرانيّ عن ابن عمر: ((حتى إذا كان مع
السحر)) .
و((الْكَرَى)) بفتح الكاف: النُّعاس، وقيل: النوم، يقال منه: كَرِيَ الرجلُ -
بفتح الكاف، وكسر الراء - يَكْرَى، وِزانُ رَضِي كَرَى: إذا نَعِسَ، فهو كَرٍ،
وكَرْيَانُ، وكَرِيٌّ، وامرأةٌ كَرِيَةٌ بتخفيف الياءِ(٤).
(١) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٤٢٤/٥ - ٤٢٥.
(٢) ((المسند)) ٣٤٥/٢ - ٣٤٦.
(٤) راجع: ((القاموس)) ٣٨٢/٤.
(٣) ((المصباح)) ٢٩٩/١.
٥٣١
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
و((التَّعْرِيس)): نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة، هكذا قاله
الخليل، والجمهور، وقال أبو زيد: هو النزول أَيَّ وقتٍ كان، من ليلٍ، أو
نهار، وفي الحديث: ((مُعَرِّسُون في نَحْرِ الظهيرة)).
وفي رواية البخاريّ أنهم الذين سألوا التعريس، فقال وَالقول: ((أخاف أن
تناموا))، فقال بلالٌ: أنا أوقظكم، فأخذ، فأخذ لهم النبيّ ◌َ﴿ ابتداءً بالأحوط،
فلما رأى شدّة حاجتهم أباح لهم التعريس
قال النوويّ: واختلفوا، هل كان هذا النوم مرة أو مرتين؟ وظاهر
الأحادیث مرتان. انتھی.
(وَقَالَ لِبِلَالٍ) بن رَبَاح مؤذّن رسول الله وَّهِ، المتوفّى سنة (١٧ أو١٨
أو ٢٠) بالشام رَبُهُ ((اكْلَأُ لَنَا اللَّيْلَ))) أي ارْقُبْ لأجلنا الليلَ، واحفظه،
واحرُسْهُ، وهو بهمزة الوصل، وفتح اللام، آخره همزة: فِعْلُ أمر من كَلأ
يَكْلأُ، يقال: كلأه الله يكلؤه مهموزاً كِلاءةً بالكسر والمدّ: حَفِظَهُ، ويجوز
التخفيف، فيقال: كلَيْتُهُ أكلاه، وكَلِيتُهُ أكلاهُ، من باب تَعِبَ لغةٌ لقريش، لكنّهم
قالوا: مكلُوٌّ بالواو أكثرَ من مَكْلِيّ بالياءِ(١) .
وقال في ((التمهيد))(٢): معناه: ارْقُبْ لنا الصبح، واحفظ علينا وقت
صلاتنا، وأصل الكِلاءة: الحفظُ والرعاية، والمنعُ وهي كلمة مهموزة، ومنه
قوله ربك: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنَّ﴾ [الأنبياء: ٤٢]، ومنه قول
ابن هرمة :
إِنَّ سُلَيْمَى وَاللهُ يَكْلَؤُهَا ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزَؤُهَا
(فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، أي ما يسّر الله تعالى له من
(فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ) أي طلوعه،
الصلاة (وَنَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَأَصْحَابُهُ) .
وظهوره (اسْتَنَدَ بِلَالٌ) ببناء الفعل للفاعل، أي اعتمد، يقال: سند إلى الشيء
سُنُوداً، من باب قَعَدَ، وسَنِدتُ أسنَدُ، من باب تَعِبَ لغةٌ، واستندت إليه،
بمعنَى، ويتعدّى بالهمزة(٣). (إِلَى رَاحِلَتِهِ) أي هي المركب من الإبل ذكراً كان
(١) ((المصباح المنير)) ٥٤٠/٢.
(٢) ((التمهيد)) ٣٩١/٦.
(٣) راجع: ((المصباح)) ٢٩١/١، و((القاموس)) ٣٠٣/١.
٥٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلُحُ أن تُرْحَلَ، وجمعها:
رَوَاحل(١). (مُوَاجِهَ الْفَجْرِ) منصوب على الحال من ((بلال))، أي حال كونه
مستقبلاً مكان طُلُوع الفجر؛ لِيَرْقُبه حتى يوقظهم عقب طلوعه.
(فَغَلَبَتْ بِلَالاً عَيْنَاهُ) قال الطيبيّ تَذَتُهُ: هذا عبارة عن النوم، كأنّ عينيه
غالبتاه، فغلبتاه على النوم. انتهى.
وحاصله أنه نام من غير اختياره.
عن غلبةٍ،
(وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ) جملة حاليّة تُفید کون نوم بلال
لا عن تفريطه في الحِرَاسة (فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ
أَصْحَابِهِ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ) أي أصابهم حرّها، وهو غاية لعدم استيقاظهم.
[فان قيل]: كيف نام النبيّ وَّ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس،
مع قوله وَّر: ((إن عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي))؟.
[أجيب] بجوابين: أصحهما وأشهرهما أنه لا منافاة بينهما؛ لأن القلب
إنما يدرك الحسيات المتعلقة به، كالحدث، والألم، ونحوهما، ولا يُدْرِك
طلوعَ الفجر وغيره مما يتعلق بالعين، وإنما يُدْرَك ذلك بالعين، والعين نائمة،
وإن كان القلب يقظان.
(والثاني]: أنه ◌َ كان له حالان: أحدهما ينام فيه القلب، وصادف هذا
الموضع، والثاني لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله، قال النووّي ◌َُّهُ:
وهذا التأويل ضعيفٌ، والصحيح المعتمد هو الأول. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): وقد تكلم العلماء في الجمع بين حديث النوم هذا،
وبين قوله {وَّه: ((إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي))، قال النوويّ: له جوابان، ثم
ذكر كلامه المذكور آنفاً، ثم علّق على قوله: والصحيح المعتمد هو الأول
والثاني ضعيف، ما نصّه: وهو كما قال، ولا يقال: القلب وإن كان لا يُدْرِك
ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلاً، لكنه يدرك إذا كان يقظان مرور الوقت
الطويل، فإن من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حَمِيَت الشمس مدةً طويلةً لا تخفى
على مَن لم يكن مستغرقاً؛ لأنا نقول: يَحْتَمِل أن يقال: كان قلبه وسط* إذ ذاك
(١) ((المصباح)) ٢٢٢/١ - ٢٢٣.
(٢) ((شرح النووي)) ١٨٤/٥.
٥٣٣
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةٍ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
مستغرقاً بالوحي، ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم، كما كان ◌َّيم يستغرق حالة
إلقاء الوحي في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيانَ التشريع بالفعل؛ لأنه
أوقع في النفس، كما في قضية سهوه في الصلاة.
قال: وقريبٌ من هذا جواب ابن الْمُنَيِّر: أن القلب قد يحصل له السهو
في اليقظة؛ لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى، أو على السواء.
وقد أُجيب على أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة.
منها: أن معنى قوله: ((لا ينام قلبي)) أي لا يخفى عليه حالة انتقاض
وضوئه.
ومنها: أن معناه لا يستغرق بالنوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب
من الذي قبله.
قال ابن دقيق العيد: كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك
حالة الانتقاض، وذلك بعيد، وذلك أن قوله وَله: ((إن عيني تنامان، ولا ينام
قلبي)) خرج جواباً عن قول عائشة ثنا: أتنام قبل أن توتر؟، وهذا كلام، لا
تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر،
فَتُحْمَل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرقٌ بين مَن شرع في النوم
مطمئنَّ القلب به، وبين من شرع فيه متعلقاً باليقظة، قال: فعلى هذا فلا
تعارض، ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس؛ لأنه يُحْمَل على أنه
اطمأنّ في نومه لِمَا أوجبه تعب السير معتمداً على مَن وكله بكلاءة الفجر.
انتھی .
ومُحَصّلهُ تخصيص اليقظة المفهومة من قوله: ((ولا ينام قلبي)) بإدراكه
وقت الوتر إدراكاً معنويّاً لتعلقه به، وأن نومه في حديث الباب كان نوماً
مستغرقاً، ويؤيده قول بلال له: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، كما في حديث
أبي هريرة هذا، ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقاً.
وقد اعتُرِضَ عليه بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب، وأجاب
بأنه يُعْتَبَرُ إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليه السياق، وهو هنا كذلك.
ومن الأجوبة الضعيفة أيضاً: قول من قال: كان قلبه يقظان، وعَلِمَ
بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك عمداً لمصلحة التشريع، وقول من
٥٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال: المراد بنفي النوم عن قلبه أنه لا يطرأ عليه أضغاث أحلام، كما يطرأ
على غيره، بل كل ما يراه في نومه حَقٌّ ووحي، فهذه عدّة أجوبة، أقربها إلى
الصواب الأولُ على الوجه الذي قرّرناه، والله المستعان. انتهى ما ذكره في
((الفتح)) (١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظاً) [فإن قيل]: هذا يعارضه حديث
عمران بن حصين ظها الآتي، ففيه: ((فكان أول من استيقظ منّا أبو بكر ... ))
الحدیث .
وأجيب: بأنه لا تنافي بينهما لتعدّد القصّة، كما سيأتي تحقيق ذلك.
(فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ) بكسر الزاي، يقال: فَزِعَ منه فَزَعاً، فهو فَرِعٌ، من
باب تَعِبَ: إذا خاف، وأفزعته، وفَزَّعته، ففزعَ، والمراد به هنا انتبه، وقام من
نومه.
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: اختلف في هذا الفَزَع، وفي سببه، فقال الأصيليّ:
كان لأجل عدوّهم أن يكون اتّبعهم، فيجدهم على غِرّة، وقال غيره: لِمَا فاتهم
من أمر الصلاة، ولم يكن عندهم حُكْمٌ من ذلك، وقد دلّ على هذا قولهم:
((ما كفّارة ما صنعنا بتفريطنا؟))، وهذا بَيِّنٌ في حقّهم.
وقد يكون الفَزَع بمعنى مبادرتهم إلى الصلاة، كما قال: ((فافزعوا إلى
الصلاة))، أي بادروا إليها .
وقد يكون فَزَعُ النبيّ ◌َّهِ إجابةَ الفَزِعين من أصحابه، وإغائتهم لِمَا نَزَلَ
بهم، يقال: فَزِعتُ: استغنتُ، وفَزَعتُ: أغثتُ. انتهى(٢).
وقال في ((المنهل)): معنى ((فَزِعَ)): أي هَبَّ، وانتبه مذعوراً؛ لِمَا رأى من
فوات الوقت، وما قاله الأصيليّ من أن فَزَعَهُ لأجل المشركين الذين رجعٍ من
غزوهم؛ لئلا يتبعوه، ويطلبوا أثره، فيجدوه، وجميع أصحابه نِيَاماً، غير مُسَلَّم؛
لأنه ◌َّ﴿ لم يتبعه عدوّ حين انصرافه من خيبر، وحُنين، ولا ذَكَرَ ذلك أحدٌ من
أهل المغازي، بل انصَرَفَ منهما ظافراً. انتهى(٣).
(١) ((الفتح)) ٥٣٦/١ - ٥٣٧ ((كتاب التيمم)) رقم (٣٤٤).
(٢) ((المفهم)) ٣٠٧/٢.
(٣) ((المنهل)) ٤/ ٢٢.
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
٥٣٥
وقال في ((التمهيد)): وفي فَزَع رسول اللهِ وَ له دليلٌ على أن ذلك لم يكن
من عادته منذ بُعِثَ - والله أعلم - ولا معنى لقول من قال: إن فَزَع رسول الله وَل
كان من أجل العدوّ الذي يتبعهم؛ لأن رسول الله وَّلو لم يتبعه عدوّ في انصرافه
من خيبر، ولا في انصرافه من حُنين، ولا ذَكَر ذلك أحد من أهل المغازي، بل
كان منصرفه في كلتا الغزوتين غانماً ظافراً، قد هَزَمَ عدوّه، وظَفِر به، وقَمَعَهُ،
والحمد لله.
وأما فَزَعُ أصحابِهِ وَ لهَ في هذا الحديث، فَلِمَا رأوا من فَزَعِهِ وَّهِ،
ويَحْتَمِل أن يكون فزعهم شفقةً، وتأسفاً على ما فاتهم من وقت الصلاة،
ولعلهم حَسِبُوا أن الصلاة قد فاتتهم أصلاً، فلحقهم الفزع والحزن؛ لفوت
الأجر والفضل، ولم يعرفوا أن خروج الوقت لا يُسقِط فرض الصلاة، حتى
قال لهم رسول الله وَالر: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها، إذا ذكرها كما
كان يصليها لوقتها))، فأخبرهم أنها غير ساقطة عنهم، وإذا لم تسقط عنهم
صلوها، وإذا صلوها أدركوا أجرها إن شاء الله، وأعلمهم وَّ في حديث أبي
قتادة رضيبه أن الإثم عنهم في ذلك ساقط بقوله: ((ليس التفريط في النوم، وإنما
التفريط في اليقظة))، وفي بعض ألفاظ حديث أبي قتادة: أن رسول الله وَل
قال: ((إن الصلاة لا تفوت النائم، إنما تفوت اليقظان، ثم توضأ، وصلى
بهم)). انتهى بتصرّف(١).
(فَقَالَ) بَرِ ((أَيْ بِلَالُ) ((أي)) بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة: حرف نداء
للبعيد، قال في ((الخلاصة)):
وَ(أَيْ)) وَ() كَذَا ((أَيَا)) ثُمَّ ((هَيَا))
وَلِلْمُنَادَى النَّائِي أَوْ كَالنَّائِي ((يَا))
أَوْ ((يَا)) وَغَيْرُ ((وَا)) لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ
وَالْهَمْزُ لِلدَّانِي وَ((وَا)) لِمَنْ نُدِبْ
والمعنى هنا: يا بلال لِمَ نِمْتَ؟ حتى خرج الوقت، فالعتاب محذوف،
كما قدّمناه، وفي رواية ابن إسحاق: ((ماذا صنعتَ بنا يا بلالُ؟))، وفي حديث
أبي قتادة ظُه: ((قال النبيّ وَّهِ: يا بلالُ أين ما قلت؟، قال: ما أُلْقِيت عليّ
نومةٌ مثلها قطّ)).
(١) ((التمهيد)) ٣٩٦/٦ - ٣٩٧.
٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وإنما قال له ﴾ ذلك؛ تنبيهاً له على اجتناب الدعوى والثقة بالنفس،
وحُسن الظنّ بها، ولا سيّما في مظانّ الغلبة، وسلب الاختيار، فإن بلالاً
لله،
قد ألزم نفسه بحفظ الوقت بقوله: ((أنا أوقظكم))، كما تقدّم من رواية
البخاريّ(١).
وقال النوويّ تَّتُهُ: قوله: ((أي بلال)) هكذا هو في روايتنا، ونُسَخ
بلادنا، وحَكَى القاضي عياض عن جماعة أنهم ضَبَطوه: ((أين بلال؟)) بزيادة
(٢)
نون. انتھی(٢).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: ((أي بلال)) كذا عند أكثر الرواة بأي التي للنداء،
وعند العذريّ والسمرقنديّ: ((أين بلال)) بـ((أين)) الظرفيّة. انتهى(٣).
(فَقَالَ بِلَالٌ) ◌َبهِ معتذراً (أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، بَا
رَسُولَ اللهِ بِنَفْسِكَ) متعلّق بـ((أخذ))، وقوله: ((بأبي أنت ... إلخ)) متعلّق بخبر
محذوف، و((أنت مبتدأ))، أي أنت مفديّ بأبي وأمي، أو متعلّق بفعل مقدّر، أي
أَفْديك بأبي وأمي، والجملة معترضة بين العامل، وهو ((أخذ))، ومعموله، وهو
((بنفسك))، ووقع في بعض النسخ: ((أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، بأبي أنت
وأمي يا رسول الله))، وهو واضح.
والمعنى: أن الله تعالى قبض بنفسي بالنوم، كما قبض نفسك به، فلا
قدرة على أداء ما التزمته من كِلاءة وقت الصلاة.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قول بلال رَظُبه: ((أخذ بنفسي ... إلخ)) على طريق
العُذر مما كان تكفّل به، كما قدّمناه من رواية البخاريّ.
وقال ابن عبد البرّ تَخُّ: أما قول بلال ظه في هذا الحديث: ((أخذ
بنفسي الذي أخذ بنفسك))، فمعناه: قَبَضَ نفسي الذي قَبَضَ نفسك، والباء
زائدة، أي تَوَفَّى نفسي مُتَوَفِّي نفسك، والتوفي: هو القبض نفسه، يعني
أن الله رَ قبض نفسه، وهذا قول مَن جَعَلَ النفس والروح شيئاً واحداً، وهو
الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في ((المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((المنهل)) ٢٢/٤.
(٣) ((المفهم)) ٣٠٧/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٢/٥.
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْغَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
٥٣٧
(قَالَ) وَِ ((اقْتَادُوا))) أي قُودوا رواحلكم، وهو افتعال من قاد، يقال:
قاد الرجلُ الفرسَ قَوْداً، من باب قال، وقِيَاداً بالكسر، وقِيادةً، قال الخليل:
الْقَوْدُ أن يكون الرجل أمام الدابّة آخذاً بقيادها، والسوقُ أن يكون خلفها، فإن
قادها لنفسه قيل: اقتادها. انتهى(١).
وقيل: معنى ((اقتادوا)): أي قُودُوا رواحلكم لأنفسكم، آخذين بمقاودها،
والْقَوْدُ: خلاف السَّوْقِ، ففي الْقَوْد يكون الرجل أمام الدّابّة، وفي السَّوْق يكون
خلفها، فإن قادها لنفسه يقال: اقتادها، وقد جاء ما يوضّح هذا المعنى في
الرواية الثانية، حيث قال: ((ليأخذ كلُّ رجل برأس راحلته)).
(فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ) أي اقتاد كلّ واحد راحلته لنفسه؛ انتقالاً من ذلك
المنزل الذي فاتهم فيه أداء صلاة الصبح.
وقوله: (شَيْئاً) منصوب على الظرفيّة، أي وقتاً يسيراً، أو مفعول مطلق
على النيابة، أي اقتياداً قليلاً بعد أن أمرهم النبيّ پ# بذلك، وقد بيّن لهم سبب
الأمر باقتياد رواحلهم من ذلك المكان في رواية أبي حازم التالية: (ليأخذ كلُّ
رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان))، وفي رواية أبي داود:
((تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة)).
قال في ((المنهل)): وأما قول بعضهم: إنما أمرهم النبيّ و ◌َ ﴿ بالاقتياد؛
لأنه انتبه حين طلوع الشمس، والصلاةُ منهيّ عنها في هذا الوقت، فأمر
بالاقتياد حتى ترتفع الشمس.
فيردّه قوله في الحديث: ((حتى ضربتهم الشمس))، فإنه يدلّ على أنها قد
ارتفعت كثيراً، فكيف يكون انتقالهم لارتفاعها؟.
وفي حديث عمران بن حصين ﴿ الآتي: ((فما أيقظنا إلا حرّ الشمس))،
فإن هذا لا يكون إلا بعد ارتفاعها .
ومما يُبيّن فساد هذا التأويل ما وقع عند مالك في ((الموطأ))، بلفظ:
((فأمرهم رسول الله وَ﴿ أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: إن
هذا واد به شيطان، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي))، فقد جعل ذلك علّةً
(١) ((المصباح المنير)) ٥١٨/٢.
٥٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
في خروجهم عن الوادي، واقتيادهم رواحلهم شيئاً، ولو كان طلوع الشمس
مانعاً من الصلاة، وموجباً للاقتياد لعلّل به. انتهى(١).
(ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَأَمَرَ بِلَالاً) أي أن يؤذّن، ثم يقيم (فَأَقَامَ
الصَّلَاةَ) قال أبو عمر تَخْذُهُ: يَحْتَمِل أن يكون المعنى: فأقام، ولم يؤذِّن،
ويَحْتَمِل أن يكون أقام الصلاة بما تُقام به من الأذان والإقامة والطهارة، وقد
روي عن النبيّ وَلّ من وجوه أنه أمر بلالاً، فأذَّن، وأقام في حينِ نام عن
الصلاة في السفر.
قال: وقد رَوَى أبان بن يزيد العطار، عن معمر، عن الزهريّ، عن
سعيد، عن أبي هريرة به هذا الحديث، وذكر فيه أن النبيّ وَّ صلى الركعتين
قبل صلاة الفجر، ثم أمر بلالاً، فأقام، فصلى الفجر، وهذا ليس بمحفوظ في
حديث الزهريّ، إلا من رواية أبان العطار، عن معمر، وأبان ليس بحجة، ولا
تُقبل زيادته على عبد الرزاق؛ لأن عبد الرزاق أثبت الناس في معمر عندهم.
(٢)
انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد اختلف العلماء في الأذان والإقامة للصلاة
الفائتة، والأرجح مشروعيّتهما لها، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة
- إن شاء الله تعالى -.
(فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ) أي صلاة الصبح (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) أي انتهى منها
بالسلام (قَالَ: ((مَنْ) شرطيّة (نَسِيَ الصَّلَاةَ) أي أو نام عنها، ففي حديث
أنس ◌ّ الآتي آخر الباب: ((من نسي صلاةً، أو نام عنها))، وفي لفظ: ((إذا
رقد أحدكم عن الصلاة، أو غَفَلَ عنها، فليُصلّها إذا ذكرها)) (فَلْيُصَلِّهَا إِذَا
ذَكَرَهَا) أي وقت ذكرها، وفيه أن جميع الأوقات وقت للصلاة الفائتة، فلو
تذكّرها وقت الطلوع، أو الغروب قضاها، وليس عليه أن ينتظر خروج وقت
النهي؛ لأن ذلك الوقت وقت أدائها، كما هو ظاهر هذا الحديث.
قال الحافظ أبو عمر تَّتُهُ: ليس في تخصيص الناسي والنائم بالذكر في
(١) راجع: ((المنهل العذب المورود)) ٢٣/٤.
(٢) ((التمهيد)) ٤١٠/٦.
٥٣٩
(٥٧) - بَابُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَكَيْفِيَّةِ قَضَائِهَا - حديث رقم (١٥٦٠)
قضاء الصلاة، ما يُسْقِط قضاءها عن العامد؛ لتركها حتى يَخْرُج وقتها، بل فيه
أوضح الدلائل على أن العامد المأثوم أولى أن يؤمر بالقضاء من الناسي
المتجاوَزِ عنه، والنائم المعذورِ، وإنما ذَكَر النائم والناسي؛ لئلا يَتَوَهَّم متوهم
أنهما لما رُفِع عنهما الإثم سقط القضاء عنهما فيما وجب عليهما، فأبان وَال و أن
ذلك غير مسقط عنهما قضاء الصلاة، وأنها واجبة عليهما متى ما ذكراها،
والعامدُ لا محالة ذاكرٌ لها، فوجب عليه قضاؤها، والاستغفار من تأخيرها؛
لعموم قوله وَالى: (فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]))،
وقد قضاها وَّ بعد خروج وقتها يوم الخندق من غير نسيان، ولا نوم، إلا أنه
شُغِل عنها، وأجاز لمن أدرك ركعة من العصر أن يصلي تمامها بعد خروج
وقتها. انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َّهُ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، وسيأتي تمام
البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
(فَإِنَّ اللهَ) الفاء للتعليل، أي إنما أمرته بصلاتها وقت ذكرها؛ لأن الله
تعالى (قَالَ) في كتابه الكريم (﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾))) قراءة الجمهور بلام
الأمر الجارّة للمصدر المضاف إلى ياء المتكلّم، ومعناه: لتذكرني فيها بلا
رياء، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، وقيل: إنه من إضافة المصدر إلى
الفاعل، والمعنى: لأذكُرك بالثناء، أو لأني ذكرتها في الكتاب، وأمرت بها،
وليس في هذه القراءة دليلٌ لمسألة قضاء النائم، والناسي، وإنما الدليل في
القراءة الأخرى، وهي التي بيَّنها بقوله: (قَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ الراوي عن
الزهريّ في هذا الإسناد، ومقول ((قال)) قوله: (وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ
(يَقْرَؤُهَا) أي يقرأ الآية المذكورة في تلاوته للقرآن، وهي قراءة شاذّة، وهي
قراءة ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وابن السميفع (٢).
وقيل: يَحْتَمِل أن يكون المراد أنه كان يقرؤها في روايته للحديث، وفيه
بُعدٌ (لِلذِّكْرَى) أي بلام الجرّ، وبعدها ((أل)) المعرّفة، وكسر الذال المعجمة،
وسكون الكاف، مقصوراً، والمعنى عليه: أقم الصلاة في الوقت الذي تتذكّرها
(١) ((التمهيد)) ٣٩٥/٦ - ٣٩٦.
(٢) راجع: ((زاد المسير)) لابن الجوزيّ (٢٧٥/٥).
٥٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف رَظُّ .
[تنبيه]: هذا الحديث رواه الإمام مالك تَخّتُ في ((الموطأ)) مرسلاً، قال
الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ دَّتُ :
هكذا رَوَى هذا الحديث عن مالك مرسلاً جماعةُ رواة ((الموطأ)) عنه، لا
خلاف بينهم في ذلك، وكذلك رواه سفيان بن عيينة، ومعمر في رواية
عبد الرزاق عنه، عن الزهريّ مرسلاً، كما رواه مالك.
وقد وصله أبان العطار، عن معمر، ووصله الأوزاعيّ أيضاً، ويونس،
عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وعبد الرزاق أثبت في معمر من أبان
العطار، وقد وصله محمد بن إسحاق، عن الزهري، ثم أخرجه من طريقه.
قال: ووصل من هذا الحديث ابنُ عيينة، ومعمرٌ، عن الزهريّ، عن
سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َ﴿ قوله: ((من نسي صلاةً، فليصلها إذا
ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾)).
وقد رُوِي عن النبيّ ◌َّ﴿ في نومه عن الصلاة في السفر آثارٌ كثيرةٌ من
وجوه شَتَّى، رواها عنه جماعة من أصحابه، منهم: ابنُ مسعود، وأبو مسعود،
وأبو قتادة، وذو مِخْبَر الحبشيّ، وعمران بن حصين، وأبو هريرة، وقد ذكرها
كلّها في ((التمهيد))(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن مما سبق في كلام الحافظ أبي عمر: أن
هذا الحديث صحيح موصولاً، كما هو رأي المصنّف نَخْذُهُ؛ حيث أخرجه هنا
في الأصول؛ لأن الذين وصلوه جماعة حفّاظ، عندهم زيادة علم، فوجب
قبولها .
ومن الغريب أن الترمذيّ أخرج الحديث من طريق صالح بن أبي
(١) راجع: ((التمهيد)) ٣٨٤/٦ - ٣٨٨.