Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
حديث الراوي؛ لأن غاية ذلك أن يكون غَلِطَ ووَهِمَ في ذكر عَبِيدة بدل منصور،
ومَن الذي يسلم من هذا من المحدثين؟ .
(الثالث): أن أنساً ظبه أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون، وأن بدء القنوت
هو قنوت النبي وَلا يدعو على رعل وذكوان، ففي ((الصحيحين)) من حديث
عبد العزيز بن صهيب، عن أنس به قال: بعث رسول الله وَله سبعين رجلاً
لحاجة يقال لهم: القراء ... فذكر الحديث، وفيه: ((فدعا رسول الله وَّ عليهم
شهراً في صلاة الغداة، فذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت)).
فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه وَل و القنوت دائماً، وقول أنس:
فذلك بدء القنوت، مع قوله: قنت شهراً، ثم تركه دليل على أنه أراد بما أثبته
من القنوت قنوت النوازل، وهو الذي وقّته بشهر، وهذا كما قنت في صلاة
العتمة شهراً، كما في ((الصحيحين)) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة رضيبه أن رسول الله وَّه قنت في صلاة العتمة شهراً، يقول: ((اللَّهم
أنج عياش بن الوليد ... )) الحديث.
وقد روي عن أبي هريرة نظره أنه قنت لهم أيضاً في الفجر شهراً،
وكلاهما صحيح، وقد تقدم ذكر حديث عكرمة، عن ابن عباس: قنت
رسول الله ﴿ شهراً متتابعاً في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء،
والصبح، ورواه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح.
وقد ذكر الطبراني في ((معجمه)) من حديث محمد بن أنس، حدثنا
مُطَرِّف بن طَرِيف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب، أن النبيّ وَّ كان لا
يصلي صلاة مكتوبة، إلا قنت فيها(١)، قال الطبراني: لم يروه عن مطرف إلا
محمد بن أنس. انتهى.
وهذا الإسناد، وإن كان لا تقوم به حجة، فالحديث صحيح من جهة
المعنى؛ لأن القنوت هو الدعاء، ومعلوم أن رسول الله ولو لم يصل صلاة
مكتوبة إلا دعا فيها، كما تقدم، وهذا هو الذي أراده أنس في حديث أبي
جعفر الرازي إن صحّ أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، ونحن لا نشك، ولا
(١) قال في ((مجمع الزوائد)): رجاله موثّقون.

٤٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
نرتاب في صحة ذلك، وأن دعاءه استمرّ في الفجر إلى أن فارق الدنيا.
(الوجه الرابع): أن طرق أحاديث أنس تُبَيِّن المراد، ويُصَدِّق بعضها
بعضاً، ولا تتناقض.
وفي ((الصحيحين)) من حديث عاصم الأحول، قال: سألت أنس بن مالك
عن القنوت في الصلاة؟ فقال: قد كان القنوت، فقلت: كان قبل الركوع، أو
بعده؟ قال: قبله، قلت: وإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت: قنت بعده، قال:
كذب، إنما قلت: قنت رسول الله وَلجر بعد الركوع شهراً(١).
وقد ظن طائفة أن هذا الحديث معلول، تفرد به عاصم، وسائر الرواة عن
أنس خالفوه، فقالوا: عاصم ثقة جدّاً، غير أنه خالف أصحاب أنس في موضع
القنوتين، والحافظ قد يَهِمُ، والجواد قد يَعْثُرُ، وحكوا عن الإمام أحمد تعليله،
فقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: أيقول أحد في
حديث أنس: إن رسول الله وَّ قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ فقال: ما
علمت أحداً يقوله غيره(٢)، قال أبو عبد الله: خالفهم عاصم كُلَّهُم، هشامٌ، عن
قتادة، عن أنس، والتيميُّ، عن أبي مجلز، عن أنس، عن النبيّ وَّه: قنت بعد
الركوع، وأيوبُ عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنساً، وحنظلةُ السدوسي،
عن أنس، أربعة وجوه. وأما عاصم، فقال: قلت له؟ فقال: كذبوا، إنما قنت
بعد الركوع شهراً، قيل له: من ذكره عن عاصم؟ قال: أبو معاوية وغيره، قيل
لأبي عبد الله: وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع؟ فقال: بلى كلها
عن خُفَاف بن إيماء بن رَحَضَة، وأبي هريرة.
(١) متّفقٌ عليه.
(٢) لكن قال في ((الفتح)) ٥٦٩/٢: قد وافق عاصماً على روايته هذه عبد العزيز بن
صُهيب، عن أنس، كما عند البخاريّ في ((المغازي))، ولفظه: ((سأل رجل أنساً عن
القنوت بعد الركوع، أو عند الفراغ من القراءة؟ قال: لا، بل عند الفراغ من
القراءة»، ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت للحاجة بعد الركوع، لا
خلاف عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع، وقد اختلف
عملُ الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح. انتهى.

٤٨٣
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
قلت لأبي عبد الله: فلم ترخص إذاً في القنوت قبل الركوع، وإنما صح
الحديث بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوتر يُختار
بعد الركوع، ومن قنت قبل الركوع، فلا بأس، لفعل أصحاب النبيّ
واختلافهم، فأما في الفجر، فبعد الركوع.
فيقال: من العجب تعليل هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته،
ورواه أئمة ثقات أثبات حفاظ، والاحتجاج بمثل حديث أبي جعفر الرازي،
وقيس بن الربيع، وعمرو بن أيوب، وعمرو بن عبيد، ودينار، وجابر الجعفي،
وقلّ مَنْ تحمّل مذهباً، وانتصر له في كل شيء إلا اضطرّ إلى هذا المسلك.
فنقول ـ وبالله التوفيق -: أحاديث أنس كلها صحاح، يصدق بعضها
بعضاً، ولا تتناقض، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير القنوت الذي ذكره
بعده، والذي وَقَّتَه غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام
للقراءة(١)، وهو الذي قال فيه النبيّ ◌َير: ((أفضل الصلاة طول القنوت))، والذي
ذكره بعده، هو إطالة القيام للدعاء، فعله شهراً، يدعو على قوم، ويدعو لقوم،
ثم استمرّ يُطيل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، كما في
((الصحيحين)) عن ثابت، عن أنس، قال: إني لا أزال أصلي بكم كما كان
رسول الله ﴿ يصلي بنا، قال: وكان أنس يصنع شيئاً لم أركم تصنعونه، كان
إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع
رأسه من السجدة يمكث حتى يقول القائل: قد نسي، فهذا هو القنوت الذي ما
زال علیه حتى فارق الدنيا .
ومعلوم أنه لم يكن يسكت في مثل هذا الوقوف الطويل، بل كان يُثني على
ربه، ويمجده، ويدعوه، وهذا غير القنوت المؤقت بشهر، فإن ذلك دعاء على
رعل، وذَكْوَان، وعُصَيّة، وبني لِحْيَان، ودعاء للمستضعفين الذين كانوا بمكة.
(١) قال الجامع: لكن يعكُر على هذا ما أخرجه البخاريّ في ((المغازي)): ((عن
عبد العزيز بن صُهيب، قال: سأل رجل أنساً عن القنوت، بعد الركوع، أو عند
الفراغ من القراءة؟ قال: بل عند الفراع من القراءة))، فإن هذا ظاهر في كون
القنوت غير القراءة، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.

٤٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وأما تخصيص هذا بالفجر، فبحسب سؤال السائل، فإنما سأله عن قنوت
الفجر، فأجابه عما سأله عنه، وأيضاً، فإنه كان يطيل صلاة الفجر دون سائر
الصلوات، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة، وكان - كما قال البراء بن عازب -
ركوعه، واعتداله، وسجوده، وقيامه متقارباً، وكان يظهر من تطويله بعد الركوع
في صلاة الفجر ما لا يظهر في سائر الصلوات بذلك، ومعلوم أنه يدعو ربه،
ويثني عليه، ويمجده في هذا الاعتدال، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وهذا
قنوت منه، لا ريب، فنحن لا نشكّ، ولا نرتاب أنه لم يزل يقنت في الفجر
حتى فارق الدنيا .
ولما صار القنوت في لسان الفقهاء، وأكثرِ الناس، هو هذا الدعاء
المعروف: ((اللَّهم اهدني فيمن هديت ... )) إلى آخره، وسمعوا أنه لم يزل يقنت
في الفجر حتى فارق الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون، وغيرهم من
الصحابة ◌ّ حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم،
ونشأ مَنْ لا يعرف غيرَ ذلك، فلم يشكَّ أن رسول الله وَّه، وأصحابه ظنّ ه كانوا
مداومين عليه كل غداة، وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء، وقالوا: لم
يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنه فعله.
وغاية ما روي عنه في هذا القنوت، أنه علّمه للحسن بن عليّ ◌ًَّا، كما
في ((المسند))، و((السنن)) الأربع عنه، قال: علّمني رسول الله وَل18 كلمات
أقولهن في قنوت الوتر: «اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت،
وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك
تقضي، ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا، وتعاليت)).
قال الترمذيّ: حديث حسن، ولا نعرف ذلك في القنوت عن النبيّ وَل
شيئاً أحسن من هذا، وزاد البيهقي بعد ((ولا يذل من واليت)): و((لا يعز من
عادیت)) .
ومما يدلّ على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيام للدعاء والثناء
ما رواه سليمان بن حرب: حدثنا حنظلة إمام مسجد قتادة - قلت: هو
السدوسي - قال: اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح، فقال قتادة:
قبل الركوع، وقلت أنا: بعد الركوع، فأتينا أنس بن مالك، فذكرنا له ذلك،

٤٨٥
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
فقال: أتيت النبيّ وَ﴿ في صلاة الفجر، فكبّر، وركع، ورفع رأسه، ثم سجد،
ثم قام في الثانية، فكبّر، وركع، ثم رفع رأسه، فقام ساعة، ثم وقع
ساجداً(١).
وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء، وهو يبيِّن مراد أنس بالقنوت، فإنه
ذكره دليلاً لمن قال: إنه قنت بعد الركوع، فهذا القيام والتطويل هو مراد
أنس ظُله، فاتفقت أحاديثه كلها، وبالله التوفيق.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وهو يبيّن مراد أنس إلخ، فيه نظر؛ إذ
هذا الحديث إسناده ضعيف؛ لأن في سنده أبا هلال الراسبيّ ليّنوه، وحنظلة
السدوسيّ ضعيفٌ، فلا يصلح بياناً لمراد أنس، فتأمل، والله تعالى أعلم.
قال: وأما المروي عن الصحابة رضيه، فنوعان:
في محاربة الصحابة
(أحدهما): قنوت عند النوازل، كقنوت الصديق
لمسيلمة، وعند محاربة أهل الكتاب، وكذلك قنوت عمر نظراته، وقنوت
علي رَُّه عند محاربته لمعاوية وأهل الشام.
(الثاني): مطلق، مراد من حكاه عنهم به تطويل هذا الركن للدعاء
والثناء، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن القيم ◌َّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة هذه المسألة أن الراجح أن
القنوت المشروع هو القنوت عند النوازل، وأما القنوت الوارد في الصبح، أو
غيره، فالمراد به تطويل القيام بالأذكار، فبهذا تتفق الأحاديث والآثار المروية
في الباب، وقد تقدم قول العلامة الشوكانيّ كَّلُهُ: إذا تقرر لك هذا علمت أن
الحقّ ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول
النازلة أن لا تخص به صلاة دون صلاة، وقد ورد ما دل على هذا الاختصاص
(١) إسناده ضعيف، فيه أبو هلال الراسبيّ، محمد بن سُليم، قال في ((التقريب)):
صدوقٌ، فيه لينٌ من السادسة، وفيه أيضاً حنظلة السدوسيّ، ضعّفه أحمد، وقال:
يروي عن أنس أحاديث مناكير، وقال ابن معين، والنسائيّ: ضعيف، وقال في
(التقريب)): ضعيفٌ من السادسة. انتهى.
(٢) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ١/ ٢٧١ - ٢٧٥.

٤٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
من حديث أنس به عند ابن خزيمة في (صحيحه)): ((أن النبيّ وَّ كان لا
يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم)). ومن حديث أبي هريرة بظلاله عند
ابن حبان بلفظ: ((كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد)»، قال:
وقد حاول جماعة من حُذّاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا طائل تحته،
وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل.
انتھی .
هذا كله في غير الوتر، وأما القنوت في الوتر، فسيأتي الكلام عليه في
المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في القنوت في صلاة الوتر:
قال الإمام ابن المنذر تَّثُ: لم نجد في هذا الباب خبراً أعلى من خبر
بُريد، عن أبي الْحَوْراء، عن الحسن - يعني ما أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب
السنن، عن أبي الْحَوْراء، قال: قال الحسن: علّمني رسول الله صل * كلمات
أقولهن في الوتر في القنوت: ((اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت،
وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي
ولا يقضى عليك، وإنه لا يَذِلُّ من واليت، تباركت ربنا وتعاليت))، وهو حديثٌ
صحيحٌ.
قال: وقد اختَلَفَ أهل العلم في القنوت في الوتر، فرأت طائفة أن يقنت
في السنَة كلها في الوتر، وممن رأى ذلك عبد الله بن مسعود، والحسن
البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وإسحاق، وأبو ثور.
وذهبت طائفة إلى أن لا يقنت إلا في النصف الثاني من شهر رمضان،
رُوي ذلك عن عليّ بن أبي طالب، وأَبيّ بن كعب، وكان ابن عمر يفعله، وكذا
معاذ القارئ، وبه قال محمد بن سيرين، وسعيد بن أبي الحسن، ويحيى بن
وثّاب، والزهريّ، وبه قال مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد. وذهبت طائفة
إلى أنه يقنت في السنّة كلها في الوتر إلا في النصف الأول من رمضان، كذلك
قال الحسن، خلاف القول الأول، وبه قال قتادة، ومعمر.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يقنت في الوتر، ولا في الصبح، رُوي ذلك عن

٤٨٧
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
ابن عمر، خلاف الرواية الأولى، ورُوي عن طاوس أنه قال: القنوت في الوتر
بدعة، وحكى ابن وهب عن مالك أنه قال: ما أقنت في الوتر في رمضان، ولا
في غيره، ولا أعرف القنوت قديماً. انتهى كلام ابن المنذر تَّتُهُ بتصرف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي المذهب الأول؛ لصحة
حديث الحسن نظره، فيستحبّ القنوت في الوتر في جميع السنة، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في محلّ القنوت، هل بعد
الركوع، أم قبله؟ :
(اعلم): أن هذه المسألة تقدّمت في ضمن المسألة الماضية، ولكن
نزيدها بحثاً خاصاً بها؛ للإيضاح، فنقول:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَخَّتُهُ: اختلف أهل العلم في القنوت قبل
الركوع وبعده:
فممن رُوي عنه أنه قنت قبل أن يركع: عمر بن الخطاب، وعلي بن
أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، والبراء بن عازب،
وأنس بن مالك، وابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وحميد
الطويل، وعَبِيدة السلماني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكذلك إسحاق،
وعامة من ذكرنا أنه رأى القنوت قبل الركوع، أو بعده، فإنما هو في صلاة
الصبح.
قال: وقال أصحاب الرأي: بلغنا أنه قنت النبيّ وَّر بعدما فرغ من
القراءة قبل أن يركع، وليس في الصلوات قنوت إلا الوتر.
وفيه قول ثان: وهو أن القنوت بعد الركوع، روي هذا القول عن أبي
بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وقال أنس بن مالك: كل ذلك كنا نفعل قبلُ،
وبعدُ، وممن رأى أنه يقنت بعد الركوع أيوب السختياني، وأحمد بن حنبل،
وروي هذا القول عن الحسن، والحكم، وحماد، وأبي إسحاق.
قال ابن المنذر تَخّلُ: ثبتت الأخبار عن رسول الله وَ لفل أنه قنت بعد الركوع
في صلاة الصبح، وبه نقول، إذا نزلت نازلة، احتاج الناس من أجلها إلى

٤٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
القنوت، قنت إمامهم بعد الركوع. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر وَّتُهُ(١).
وقال الحافظ ولي الدين العراقيّ تَظُّهُ: فيه - أي في حديث الباب - حجة
لمن ذهب إلى أن محل القنوت بعد الركوع، وهو قول الشافعي، وأحمد،
وإسحاق، ورواية عن مالك، وقد ثبت أيضاً من حديث ابن عمر طًا أنه سمع
رسول الله ◌َّل﴿ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة، يقول: ((اللَّهم العن
فلاناً)) بعدما يقول: ((سمع الله لمن حمده، ربنا، ولك الحمد ... )) الحديث،
ولمسلم من حديث خُفاف بن إِيمَاء: ركع رسول الله وَّر، ثم رفع رأسه، فقال:
((غفار غفر الله لها ... )) الحديث. وهو في ((الصحيحين)) أيضاً من حديث
أنس رقڅہ.
وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن محله قبل الركوع، واستدلّ له بما
رواه البخاري ومسلم من رواية عاصم، قال: سألت أنساً عن القنوت، أكان
قبل الركوع، أم بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت:
بعده، قال: كذب، إنما قنت رسول الله وَلّر بعد الركوع شهراً.
وذهب جماعة إلى التخيير بين القنوت قبله، أو بعده، حكاه صاحب
(المفهم)) عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجماعة من الصحابة، والتابعين.
انتهى كلام ولي الدين كَّتُهُ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح المذاهب هو
مذهب القائلين بكون محل القنوت بعد الركوع؛ لأن أكثر الأحاديث الصحيحة
على أنه وَ* قنت بعد الركوع، كما أشار إليه ابن المنذر كَّتُهُ فيما تقدم،
واختاره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ(٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّقِدُ، قَالَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
(١) ((الأوسط)) ٢٠٨/٥ - ٢١٠.
(٣) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٢) ((طرح التثريب)) ٢٩١/٢.

٤٨٩
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٢)
النَّبِيِّ وَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: ((وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِ يُوسُفَ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرّقّة، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٣ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) الضمير لابن عيينة.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ ◌َّتُهُ في
((سننه))، فقال:
(١٠٧٣) أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، قال: حفظناه من
الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: لما رفع رسول الله وَلو رأسه من
الركعة الثانية، من صلاة الصبح، قال: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن
هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على
مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)). انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٤٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ
مُسْلِم، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
حَدَّثَهَّمْ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ(٢) شَهْراً، إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ
لِمَنْ حَمِدَهُ))، يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ(٣): ((اللَّهُمَّ أَنْجِ(٤) الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ
سَلَمَةَ بْنَ هِشَامِ، اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
(١) وفى نسخة: ((وحدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: ((في صلاته)).
(٢) وفي نسخة: ((في صلاته)).
(٤) وفي نسخة: ((نَجِ)).

٤٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي
يُوسُفَ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ، فَقُلْتُ: أُرَى
رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ، قَالَ: فَقِيلَ: وَمَا تُرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) الْجَمّال أبو جعفر، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٢/٢٦.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير
التدليس والتسوية [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠ / ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمر، أبو عمرو الفقيه،
ثقةٌ إمامٌ جليل [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثم
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس ويُرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤٢٤.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ) وفي نسخة: ((في صلاته)).
((القنوت)) بالضم مصدر ((قَنَتَ)) من باب قعد، يطلق في اللغة على معان:
قال في ((اللسان)): القنوت: الإمساك عن الكلام. وقيل: الدعاء في
الصلاة، والقنوت: الخُشُوع، والإقرار بالعبودية، والقيام بالطاعة التي ليس
معها معصية. وقيل: القيام. وزعم ثعلب أنه الأصل. وقيل: إطالة القيام، وفي
التنزيل العزيز: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قال زيد بن أرقم ◌َظُه: ((كنا
نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهينا
عن الكلام))، فالقنوت ههنا الإمساك عن الكلام في الصلاة، وقال أبو عبيد:
أصل القنوت في أشياء، فمنها القيام، وبهذا جاءت الأحاديث في قنوت
الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائماً، وأبين من ذلك حديث جابر رضيته قال: سئل
النبيّ وَّ أَيُّ الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)). يريد طول القيام. ويقال
للمصلي: قانت.

٤٩١
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٢)
وقد تكرر في الحديث، ويَرِدُ لمعان متعددة، كالطاعة، والخشوع،
والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت، فيصرف في
كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه،
وقال ابن الأنباري: القنوت على أربعة أقسام: الصلاة، وطول القيام،
وإقامة الطاعة، والسكوت، وقال ابن سِيدَهْ: القنوت الطاعة، هذا هو الأصل،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَنِينَ وَالْقَبِئَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ثم سمي القيام في الصلاة
قنوتاً، ومنه قنوت الوتر، وقَنَتَ اللهَ يَقْنُتُه: أطاعه، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ لَّهُ
فَلِنُونَ﴾ [الروم: ٢٦] أي: مطيعون، ومعنى الطاعة ههنا: أن من في السموات
والأرض مخلوقون بإرادة الله تعالى، لا يقدر أحد على تغيير الْخِلْقَة، ولا مَلَك
مقرب، فآثار الصنعة والخلقة تدل على الطاعة، وليس يُعْنَى بها طاعة العبادة؛
لأن فيهما مطيعاً، وغير مطيع، وإنما هي طاعة الإرادة والمشيئة. والقانت:
المطيع، والقانت الذاكر لله تعالى، كما قال عز رَك: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ
سَلِجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، وقيل: القانت العابد، والقانت في قوله رومى: ﴿وَكَانَتْ
مِنَ الْقَئِنِينَ﴾ [التحريم: ١٢] أي من العابدين.
والمشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت أنه القائم بأمر الله،
فالداعي إذا كان قائماً خُصّ بأن يقال له: قانت؛ لأنه ذاكر لله تعالى، وهو قائم
على رجليه، فحقيقة القنوت: العبادة، والدعاء لله ومك في حال القيام، ويجوز
أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن لم يكن قيام بالرجلين، فهو قيام بالشيء
بالنية. قال ابن سِيدَهْ: والقانت القائم بجميع أمر الله تعالى، وجمع القانت من
ذلك كله: قُنَّت، قال الْعَجَّاجُ: [من الرجز]
رَبُّ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ الْقُنَّتِ
وقَنَتَ له: ذلّ، وقَنَتت المرأة لبعلها: أقرّت. انتهى المقصود من
((اللسان))(١).
وقد نظم الحافظ أبو الفضل العراقيّ تَخَُّ معاني القنوت بقوله [من الطويل]:
مَزِيداً عَلَى عَشْرٍ مَعَانِيَ مَرْضِيَّةْ
وَلَفْظُ الْقُنُوتِ اعْدُدْ مَعَانِيَهُ تَجِدْ
(١) ((لسان العرب)) ٧٣/٢ - ٧٤.

٤٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إِقَامَتُهَا إِقْرَارُهُ بِالْعُبُودِيَّةْ
دُعَاءٌ خُشُوعٌ وَالْعِبَادَةُ طَاعَةُ
كَذَاكَ دَوَامُ الطَّاعَةِ الرَّابِحُ الْقِنْيَهُ(١)
سُكُوتٌ صَلَاةٌ وَالْقِيَامُ وَطُولُهُ
والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (تَرََكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة
معناها، أي بعد قنوته شهراً .
وقوله: (أُرَى رَسُولَ اللهِ نَّ) بضمّ الهمزة، أي أظنّ، ويَحْتَمل أن يكون
بفتحها .
وقوله: (وَمَا تُرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا) بتقدير همزة الاستفهام، أي أوَ ما تراهم قد
قدموا من مكة إلى المدينة مهاجرين، فقد استجاب الله تعالى دعاء النبيّ وَل
لهم، فنجاهم من شرّ المشركين، ولذا ترك الدعاء لهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في حديث أول
الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٤٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي (٢) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ بَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
بَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، إِذْ قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ:
(اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ، إِلَى قَوْلِهِ:
((كَسِنِي يُوسُفَ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّد) بن بَهْرَام التميميّ، أبو أحمد، ويقال: أبو عليّ
المؤدّب الْمَرُّوذيّ - بفتح الميم، وتشديد الراء المضمومة، بعدها ذال معجمة -
نزيل بغداد، ثقةٌ [٩].
(١) ((الفتح)) ١٧٨/٣.
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٤٩٣
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٣)
رَوَى عن إسرائيل، وجرير بن حازم، وأبي غَسّان محمد بن مُطَرِّف،
وشيبان النحويّ، وابن أبي ذئب، ومُبارك بن فَضَالة وخَلَف بن خَلِيفة، وشَرِيك
النخعيّ، وأبي أويس المدنيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وأحمد بن منيع، وإبراهيم بن سعيد
الجوهريّ، وأبو خيثمة، ومحمد بن رافع، وابن أبي شيبة، والذّهْلِيّ، وإبراهيم
وإسحاق الحربيان، وعباس الدُّوريّ، وجماعة، وحَدَّث عنه عبد الرحمن بن
مهديّ، ومات قبله.
قال ابن سعد: ثقةٌ، مات في آخر خلافة المأمون، وقال النسائيّ: ليس
به بأسٌ، وقال معاوية بن صالح: قال لي أحمد: اكتبوا عنه، وقال ابن قانع:
ثقةٌ، وقال ابن وضاح: سمعت محمد بن مسعود يقول: حسين بن محمد ثقةٌ،
وسمعت ابن نُمَير يقول: حسين بن محمد بن بَهْرام صدوقٌ، وقال العجليّ:
بصريٌّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو حاتم في حسين بن محمد
المرُّوذيّ: أتيته مرات بعد فراغه من تفسير شيبان، وسألته أن يعيد عليّ بعض
المجلس، فقال: بَكِّر بَكِّر، ولم أسمع منه شيئاً، ثم ذكر ابن أبي حاتم:
حسين بن محمد بن بَهْرَام، وحَكَى عن أبيه، أنه مجهول، فكأنه ظن أنه غير
المرُّوذيّ(١) .
وقال حنبل بن إسحاق: مات سنة (٢١٣)، وقال مطين: سنة (٢١٤)،
وقال ابن قانع: مات سنة (٢١٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، برقم (٦٧٥)
و(٧٣٨) و(١٠٨٢) و(١٤١٩) و(١٤٨٠) (٢٩٣٦).
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية
البصريّ، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيّ ... إلخ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمیر شيبان،
و((يحيى)) هو: ابن أبي كثير.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٤٣٥/١.

٤٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[تنبيه]: رواية شيبان، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها أبو نعيم في
((مستخرجه)) (٢٦٩/٢) فقال:
(١٥١٤) حدّثنا أبو محمد بن حيّان، ثنا أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة، ثنا
حسين بن محمد، ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن أبا
هريرة، قال عن النبيّ وَلل أنه بينما هو يصلي العشاء، إذ قال: ((سمع الله لمن
حمده))، ثم قال قبل أن يسجد: ((اللهم نَجِّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نَجِّ
سلمة بن هشام، اللهم نَجّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وطأتك على
مُضَرَ، اللهم اجعلها سنين مثل سني يوسف)). انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٤٤] (٦٧٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام،
حَدَّثَنِي (١) أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنٍ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: وَاللهِ لَأَقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلَاَةَ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ
يَقْنُتُ فِي الظُّهْرِ، وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ
الْكُفَّارَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، تقدّم في الباب
الماضي أيضاً.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (لَأَقُرِّبَنَّ بِكُمْ صَلَةَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ﴾ من التقريب، أي لأُقَرِّنَّ إلى
أفهامكم بالبيان الفعليّ صلاته وَ ﴿ حيث أصلّي كما صلَّى، فخُذُوا بصلاتي؛
(١) وفي نسخة: ((أخبرني)).

٤٩٥
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٤)
لتدركوا صلاته وصله، فمراده الحثّ على الأخذ بصلاة النبيّ وَّل، وفي رواية
البخاري: (لأقرّبنّ صلاة النبيّ وَّ)، وللإسماعيليّ: ((إني لأقربكم صلاةً
برسول الله (َلآت)).
وقوله: (يَقْنُتُ ... إلخ) تقدّم أنه من باب قعد يقعُدُ.
وقوله: (وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ) وفي رواية البخاريّ: ((فيدعو للمؤمنين)) بالفاء،
وهو تفسير وإيضاحٌ لمعنى ((قَنَتَ)) (وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ) المراد بالمؤمنين مَنْ كان
مأسوراً بمكة، وبالكافرين قريش، هكذا ورد مفسّراً في الرواية المذكورة أول
الباب، من رواية ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، وأبي سلمة.
قال في ((الفتح)): قيل: المرفوع من هذا الحديث وجود القنوت، لا
وقوعه في الصلوات المذكورة، فإنه موقوف على أبي هريرة، ويوضِّحه ما وقع
عند البخاريّ في ((تفسير النساء)) من رواية شيبان، عن يحيى من تخصيص
المرفوع بصلاة العشاء، ولأبي داود من رواية الأوزاعيّ، عن يحيى: قنت
رسول الله وَ﴿ في صلاة العتمة شهراً، ونحوه لمسلم، لكن لا ينافي هذا
كونه للر قنت في غير العشاء، وظاهر سياق حديث الباب أن جميعه مرفوع،
ولعل هذا هو السر في تعقيب البخاريّ له بحديث أنس ظُبه - يعني قوله: ((كان
القنوت في المغرب والفجر)) - إشارةً إلى أن القنوت في النازلة لا يَختَصّ
بصلاة معينة .
واستُشْكِل التقييد في رواية الأوزاعيّ بشهر؛ لأن المحفوظ أنه كان في
قصّة الذين قَتَلُوا أصحاب بئر معونة، كما سيأتي قريباً.
ووقع في ((تفسير آل عمران)) من رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، في هذا
الحديث أن المراد بالمؤمنين مَنْ كان مأسوراً بمكة، وبالكافرين قريشٌ، وأنّ
مدته كانت طويلةً، فَيَحْتَمِل أن يكون التقييد بشهر في حديث أبي هريرة ـ
يتعلق بصفة من الدعاء مخصوصةً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر الاستشكال في ((الفتح))، وعندي أنه
لا استشكال في هذا، فما المانع من أن يكون قنوته ◌َ ل# المذكور في هذا
الحديث شهراً، كما كان قنوته في قصّة أصحاب بئر معونة شهراً أيضاً؟ والذي

٤٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقع عند البخاريّ في ((التفسير)) لا ينافي هذا (١)، فتأمله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٤٥] (٦٧٧) - (وَحَدَّثَنَا(٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَعَا
رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِثْرٍ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ صَبَاحاً، يَدْعُو عَلَى
رِعْلٍ وَذَكْوَانَ(٣) وَلِحْيَانَ وَعُصَيَّةَ، عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ أَنَسرٌ: أَنْزَلَ اللهُ وَت
فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِثْرِ مَعُونَةَ قُرْآناً قَرَأْنَاهُ، حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ: ((أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ
لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا، وَرَضِينَا عَنْهُ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ
إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام
دار الهجرة الفقيه المجتهد الثقة المتقن الحجة [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ،
ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٣٠/ ٦٦٧.
(١) هو ما أخرجه البخاريّ من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة ظبه أن رسول الله و ﴿ كان إذا أراد أن يدعو على
أحد، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: ((سمع الله لمن حمده،
اللهم ربنا لك الحمد)): ((اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن
أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف))، يجهر
بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: ((اللهم العن فلاناً وفلاناً))،
الأحياء من العرب، حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ الآية. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في أول هذا الباب رقم [١٥٤٠] (٦٧٥).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: بحذف ((ذكوان)).

٤٩٧
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٥)
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، الخادم الشهير
مات سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
لطائف هذا الإسناد:
6 dia
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَُّ، وهو (٩٥) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، وقد دخلها .
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمّه، إسحاق، عن أنس نظُه.
٥ - (ومنها): أن أنساً ظُله أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من
الصحابة ه بالبصرة، ومن المشهورين بخدمة النبيّ ◌َل، خدمه عشر سنين،
ومن المعمَّرين، فقد تجاوز عمره المائة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَّبِهِ أنه (قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا
أَصْحَابَ بِتْرِ مَعُونَةً) - بفتح الميم، وضمّ العين المهملة، وسكون الواو، بعدها
نون -: موضع في بلاد هُذَيل، بين مكة وعُسفان، وهذه الواقعة تُعرف بسريّة
القرّاء، وكانت مع القبائل المذكورين هنا(١)، وكانت في صفر من السنة الرابعة
من الهجرة، وأغرب مكحول حيث قال: إنها كانت بعد الخندق، وقال ابن
إسحاق: كانت في صفر على رأس أربعة أشهر من أُحُد، ذكره في ((العمدة))(٢).
والحديث مختصرٌ، وقد ساقه البخاريّ في ((المغازي))، مطوّلاً، ولفظه:
عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدّثني أنس، أن النبيّ وَّ بعث
خاله، أخٌ لأم سليم، في سبعين راكباً، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل،
خَيَّرَ بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل الْمَدَر، أو
(١) ((الفتح)) ٤٣٨/٧ - ٤٣٩ ((كتاب المغازي)).
(٢) ((عمدة القاري)) ٤٢٩/١٤ ((كتاب الجهاد)) رقم (٣٠٦٤).

٤٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان، بألف وألف، فَطَعَن عامر في بيت أم
فلان، فقال: غُدّة كغُدّة البكر، في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفَرَسي،
فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم، وهو رجل أعرج، ورجل
من بني فلان، قال: كونا قريباً حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم
أصحابكم، فقال: أتُؤَمِّنوني أبلغ رسالة رسول الله وَّ، فجعل يُحَدِّثهم،
وأومئوا إلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه - قال همام: أحسبه حتى أنفذه
بالرمح، قال: الله أكبر، فُزْتُ ورب الكعبة، فَلُحِق الرجل، فقتلوا كلهم غير
الأعرج، كان في رأس جبل، فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: ((إنا قد
لقينا ربنا، فرضي عنّا، وأرضانا))، فدعا النبيّ وَّ عليهم ثلاثين صباحاً، على
رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله ێ .
ومن رواية قتادة، عن أنس بن مالك ﴿به أن رِعْلاً، وذَكْوَان، وعُصَيّة،
وبني لِحْيان استمَدُّوا رسول الله وَّرَ على عَدُوّ، فأمدهم بسبعين من الأنصار،
كنا نسميهم القُرّاء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار(١)، ويصلّون بالليل، حتى
كانوا ببئر مُعُونة قتلوهم، وغَدَرُوا بهم، فبلغ النبيّ وَّرَ، فقنت شهراً يدعو في
الصبح، على أحياء من أحياء العرب، على رِعْل، وذكوان، وعُصَيّة، وبني
لِخْيان، قال أنس: فقرأنا فيهم قرآناً، ثم إن ذلك رُفِع: ((بَلِّغوا عنا قومنا أنا
لَقِينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا)».
وفي رواية: أن النبيّ وَّ أتاه رِعْلٌ، وذَكْوان، وعُصَيّة، وبنو لِحْيان،
فزعموا أنهم قد أسلموا، واستمدُّوه على قومهم، فأمدَّهم النبيّ وَّ بسبعين من
الأنصار، قال أنس: كنا نسميهم القراء، يَخْطِبون بالنهار، ويصلّون بالليل،
فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر مَعُونة غَدَرُوا بهم، وقتلوهم، فقنت شهراً يدعو على
رِعْل، وذَكْوان، وبني لِحيان، قال قتادة: وحدّثنا أنس أنهم قرءوا بهم قرآناً:
((ألا بَلِّغُوا عنا قومنا بأنا قد لقينا ربنا، فَرَضِي عنّا، وأرضانا))، ثم رُفِع ذلك
بعْد.
(١) وفي رواية: ((كانوا يحتطبون بالنهار، ويشترون به الطعام؛ لأهل الصفّة، ويتدارسون
القرآن بالليل، ويتعلمون)).

٤٩٩
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٥)
وقال في ((العمدة)) عند قوله: ((يقال لهم القُرّاء)): جمع قارئ، سُمّوا
بذلك؛ لكثرة قراءتهم للقرآن، وهم طائفة كانوا من أوزاع الناس نزلوا الصُّفّة
يتعلمون القرآن، بعثهم رسول الله وسلّ إلى أهل نجد؛ ليدعوهم إلى الإسلام،
وليقرأوا عليهم القرآن، فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء،
وهم رِعْل، وذكوان، وعصية، وقاتلوهم فقتلوهم، ولم ينج منهم إلا كعب بن
زيد الأنصاريّ، وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة، وأغرب مكحول حيث
قال: إنها كانت بعد الخندق.
وقال ابن إسحاق: فأقام رسول الله وَ له يعني بعد أحد بقية شوال، وذي
القعدة، وذي الحجة، والمحرَّم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على
رأس أربعة أشهر من أُحد، قال موسى بن عقبة: وكان أمير القوم المنذر بن
عمرو، ويقال: مرثد بن أبي مرثد، وقال ابن سعد: قَدِم أبو براء، عامر بن
مالك بن جعفر الكلابيّ، مُلاعِبُ الأَسِنَّة، فأهدى للنبيّ وَّ، فلم يَقْبَل منه،
وعَرَضَ عليه الإسلام، ولم يُسْلِم، ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد لو
بعثت معي رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد، رجوت أن يستجيبوا لك،
فقال ◌َله: ((إني أخشى عليهم أهل نجد))، قال: أنا لهم جارٌ، إن تعرّض لهم
أحد، فبعث معهم القراء، وهم سبعون رجلاً.
وفي ((مسند السرّاج)): أربعون، وفي ((المعجم)): ثلاثون، ستة وعشرون
من الأنصار، وأربعة من المهاجرين، وكانوا يُسَمَّون القرّاء، يصلُّون بالليل،
حتى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب، واستعذبوا الماء، فوضعوه على أبواب
حُجَرِ رسول الله وََّ، فبعثهم جميعاً، وأَمَّر عليهم المنذر بن عمرو، أخا بني
ساعدة، فسارعوا، حتى نزلوا بئر معونة - بالنون - فلما نزلوها بَعَثُوا حرام بن
مِلْحان بكتاب رسول الله بَّ﴿ إلى عدوّ الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر
في كتابه، حتى عدا على الرجل فقتله، ثم اجتمع عليه قبائل من سُلَيم: عصيةُ،
وذكوان، ورِعْلٌ، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قُتِلُوا عن
آخرهم، إلا كعب بن زيد، فإنهم تركوه، وبه رَمَقٌ، فعاش، حتى قُتِل يوم
الخندق شهيداً .
وكان في القوم عمرو بن أمية الضَّمْريّ، فأُخِذ أسيراً، فلما أخبرهم أنهم

٥٠٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
من مضر أخذه عامر بن الطفيل، فَجَزَّ ناصيته، وأعتقه، فبلغ ذلك أبا براء،
فَشَقَّ عليه ذلك، فَحَمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل، فطعنه بالرمح،
فوقع في فخذه، ووقع عن فرسه. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((بعث النبيّ وَّ سبعين رجلاً لحاجة)): فَسَّر
قتادة الحاجة بقوله: ((إن رعلاً وغيرهم استمدوا رسول الله وَّهر على عدوّ،
فأمدّهم بسبعين من الأنصار)).
وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، بلفظ: أن النبيّ وَّ أتاه رعل
وذكوان وعصية وبنو لحيان، فزعموا أنهم أسلموا، واستمدُّوا على قومهم.
وقال ابن إسحاق: حدّثني أبي، عن المغيرة بن عبد الرحمن وغيره،
قال: قَدِم أبو براء، عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنة على رسول وَلال،
فَعَرَض عليه الإسلام، فلم يُسلم، ولم يبعد، وقال: يا محمد لو بعثت رجالاً
من أصحابك إلى أهل نجد، رجوت أن يستجيبوا لك، وأنا جار لهم، فبعث
المنذر بن عمرو في أربعين رجلاً، منهم الحارث بن الصِّمّة، وحرام بن
مِلْحان، ورافع بن بُديل بن وَرْقاء، وعروة ابن أسماء، وعامر بن فُهَيرة،
وغيرهم من خيار المسلمين.
ويمكن الجمع بين قوله: ((أربعين رجلاً))، وبين الذي في ((الصحيح)) أنهم
((سبعون رجلاً)) بأن الأربعين كانوا رؤساء، وبقية العِدَّة أتباعاً، ووَهِمَ من قال:
كانوا ثلاثين فقط، أفاده في ((الفتح))(٢).
(قَلَائِينَ صَبَاحاً، يَدْعُو عَلَى رِعْل) بكسر، فسكون: حيّ من سُليم
(وَذَكْوَانَ) - بفتح الذال المعجمة، وسكونَ الكاف ـ: بطن كبير من سُليم أيضاً،
وهو غير منصرف للعلميّة، وزيادة الألف والنون (وَلِحْيَانَ) بكسر اللام، وقيل:
بفتحها، وسكون الحاء المهملة.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): ذكر بني لِحيان في هذه القصّة وَهَمِّ، وإنما كان
(١) ((عمدة القاري)) ١٨/٧.
(٢) ((الفتح)) ٤٤٦/٧ - ٤٤٧ ((كتاب المغازي)) رقم (٤٠٨٨).