Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ (٥١) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ - حديث رقم (١٥٢١) المسجد أعظم أجراً، وكَرِه الحسن وغيره هذا، وقال: لا يَدَع مسجداً قربه، ويأتي غيره، وهو مذهبنا، وفي المذهب عندنا في تخطّي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت مما أسلفته من حديث ابن عمر رضيًا أن القول بكراهية ترك المسجد القريب هو الأرجح، إلا إذا كان لحاجة، فقد كان الصحابة ﴿م يتركون مساجدهم ويأتون إلى النبيّ رَّ؛ لقضاء غرضهم، ويصلّون معه، وقد تقدّم ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٢١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ كَهْمَساً، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ (٢)، قَالَ: وَالْبِقَاعُ خَالِيَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ: (يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ))، فَقَالُوا: مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) الأحول، أبو عمرو البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م دس) تقدم في ((المساجد)) ٢٦/ ١٣٥٠. ٢ - (كَهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (مَا كَانَ يَسُرُّنَا) ((ما)) نافية، و((يَسُرُّنا)) بفتح أوله، وضمّ الراء المشدّدة، من باب نصر، أي يُفرحنا. (١) ((المفهم)) ٢٩٢/٢. (٢) وفي نسخة: ((قُرْبَ المسجد))، في الموضعين. ٣٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقوله: (أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا) بفتح همزة ((أنا)) لوقوعها في موضع فاعل (يَسُرّنا))، أي لا يسرّنا كوننا متحوّلين من منازلنا إلى قرب المسجد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٥٢) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْي إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، وَتُرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٢] (٦٦٦) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٌّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَّشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ؛ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، أخو يوسف، ثقةٌ حافظ فاضلٌ، من كبار [١٠] (ت١١ أو ٢١٢) (خ م مد ت س ق) تقدّم في ((المقدّمة)) ٨٨/٦. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) الرّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما وَهِمَ [٨] (ت١٨٠) عن (٧٩) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٩٦/٦. ٤ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أَنَيْسَةَ) الْجَزريّ، أبو أسامة، كوفيّ الأصل، ثم سَكَنِ الرُّهَا، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت١١٦) وقيل: (١٢٤) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٩٦/٦. ٣٨٣ (٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْيٍ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَابًا، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٢) ٥ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالتشيّع [٤] (ت١١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. ٦ - (أَبُو حَازِمِ الأَشْجَعِيُّ) سلمان الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف نَّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وزكريّا أخرج له أبو داود في ((المراسيل)). ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عديّ، عن أبي حازم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ) شرطيّة، أو موصولة (تَطَهَّرَ) أي بالوضوء، أو الغسل أو التيمّم بشروطه (فِي بَيْتِهِ) الظاهر أن المراد محلّه وموضع سكنه (ثُمَّ مَشَى) فيه أن من ركب لا ينال هذا الفضل (إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ) يعني المساجد، وأشار به إلى أنه صلى مع الجماعة؛ لأن ذلك هو الغرض من المشي إلى المسجد (لِيَقْضِيَ) أي ليؤدّي، والقضاء يُطلق على الأداء، يقال: قضيتُ الحجَّ والدينَ: إذا أدّيته، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]: أي أدّيتموها، وقال أيضاً: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٠٣]: أي أدّيتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء، وقد استَعْمل الفقهاء القضاءَ في العبادة التي تُفْعَل خارج وقتها المحدود شرعاً، والأَداءَ إذا فُعِلت في الوقت المحدود، وهو مخالف للوضع اللغويّ، لكنه اصطلاحٌ لهم ليُمييزُوا بين الوقتين، أفاده الفيّوميّ كَُّهُ(١). (فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ) فيه أنه لو صلّى نافلة لا يحصل له مثل هذا، وفيه إشارة إلى أن غير الفريضة يُستحبّ أن تُصلى في البيت، وهو مصرّحاً به في قوله وَّلفيه: ((أيها الناس صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا الصلاة المكتوبة))، متّفقٌ عليه. (كَانَتْ (١) راجع: ((المصباح المنير) ٢/ ٥٠٧. ٣٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة خَطْوَتَاهُ) بفتح الخاء هنا؛ لأن المراد بها فعل الماشي، وقوله: (إِحْدَاهُمَا) بدلٌ من ((خَطْوتاه))، أو مبتدأ خبره قوله: (تَحُطَّ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من نصر، مبنيّاً للفاعل: أي تُزِيل (خَطِيئَةً) أي إثماً، وجملة ((تحُطّ ... إلخ)) خبر ((كانت)) (وَالْأُخْرَى) أي الْخَطْوة الأخرى (تَرْفَعُ) بالبناء للفاعل أيضاً، وقوله: (دَرَجَةً))) منصوب على المفعوليّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة طلبه هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٢٢/٥٢] (٦٦٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٠/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٩٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٤٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٢/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل التطهّر في البيت. ٢ - (ومنها): بيان إتيان المسجد مشياً بلا ركوب؛ إن فيه تحمّل مشاقّ الطريق، فهو كما قال ◌َ﴿ لعائشة ينا في عمرتها: ((ولكنها على قدر نصبك))، متّفقٌ عليه، يعني المثوبة، قال في ((الفتح)): والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصب، أو النفقة. انتهى(١). ٣ - (ومنها): الحثّ على أداء الفرائض في المساجد. ٤ - (ومنها): بيان أن إحدى خطوتي الماشي إلى المسجد ماحية لخطيئته، والثانية رافعة لدرجته، وهذا هو الفضل العظيم، الذي ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، جعلنا الله تعالى ممن يسابق إلى مغفرته ورضوانه بمنّه وكرمه، إنه جواد كريم، رءوفٌ رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((الفتح)) ٧١٥/٣ (كتاب الحجّ)) رقم (١٧٨٧). ٣٨٥ (٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٣) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٢٣] (٦٦٧) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ الْهَادِ (١)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ِّ قَالَ، وَفِي حَدِيثٍ بَكْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ لَّهِ يَقُولُ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْراً بِبَابٍ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟»، قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: (َفَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجَاء البَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في (المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤١٢. ٣ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٩/٣٦. ٤ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ له أفرادٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣. (١) وفي نسخة: ((ابن الهادي)). ٣٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَذَلُهُ . ٢٠ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بكر بن مضر، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن مسلسلٌ بالمدنيين من ابن الهاد، وشيخه بَغلانيّ، والباقيان مصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين المدنيين، رَوى بعضهم عن بعض : ابن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة. ٥ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأنه ممن اشتهر بالكنية. ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة رضيله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ) وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ بَكْرٍ) إشارة إلى أنه وقع اختلاف بين ليث، وبين بكر بن مضر، فقال ليث: ((عن أبي هريرة أن رسول الله وَّر قال))، وقال بكر: عن أبي هريرة (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّ يَقُولُ: ((أَرَأَيْتُمْ) الهمزة للاستفهام على سبيل التقرير، والتاء للخطاب، ومعناه: أخبروني، ويُرْوَى: ((أرأيتكم)) بالكاف والميم، ولا محل لهما من الإعراب، قاله في ((العمدة))(١). (لَوْ أَنَّ نَهْراً) قال الطيبيّ ◌َخْذُهُ: ((لو)) الامتناعيّة تقتضي أن تدخل على الفعل الماضي، وأن تُجاب، والتقدير: لو ثبت نهر بباب أحدكم يَغتسل فيه كلَّ يوم خمساً لَمَا بَقِيَ من دَرَنه شيءٌ، فوُضِع الاستفهام موضعه تأكيداً وتقريراً؛ إذ هو في الحقيقة متعلَّق الاستخبار، أي أخبروني هل يبقى لو كان كذا؟. انتهى (٢). (١) ((عمدة القاري)) ٢٣/٥. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨٦٥/٣. ٣٨٧ (٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٣) و((النهر)) - بفتح الهاء، وسكونها، وبفتحتين أيضاً - وكذلك يقال في كلّ ما كان عين الفعل منه حرف حلق، مثلُ شَعْرٍ وشَعَرٍ، ودَهْرٍ ودَهَرٍ، وبَحْرٍ وبَحَرٍ، وبَعْرٍ وبَعَرٍ، وهو: ما بين جَنْبَي الوادي، سُمِّي نهراً؛ لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه(١). (بِبَابٍ أَحَدِكُمْ) جارّ ومجرور في محلّ نصب صفة لـ((نهراً))، أي نهراً كائناً بباب أحدكم، قال القاضي عياض تَُّهُ: فيه تنبيه على قرب تناوله، وسهولة تأتِّي استعماله. انتهى(٢). (يَغْتَسِلُ مِنْهُ) أي من ذلك النهر، والجملة في محلّ نصب على الحال من ((نهراً)؛ لوصفه بالجارّ والمجرور، أو صفة له بعد صفة (كُلَّ يَوْم) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ((يغتسل))، وقوله: (خَمْسَ مَرَّاتٍ) مفعول مطَّلق على النيابة لـ«يغتسل))، أي اغتسالاً خمسَ مرّات. (هَلْ يَبْقَى) بفتح أوله، وثالثه مضارع بَقِيَ ثلاثيّاً، من البقاء، وفي رواية البخاريّ: ((يُبْقِي)) من الإبقاء رباعيّاً (مِنْ دَرَنِهِ) متعلّق بـ(يَبْقَى))، و((الدَّرَن)) بفتحتين: الوسَخُ، قال في ((الفتح)): وقد يُطلق الدرن على الْحَبّ الصغار التي تحصل في بعض الأجساد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد هذا الإطلاق في ((القاموس))، ولا في ((اللسان))، ولا في ((المصباح))، ولا في ((المختار))، إلا أنه قال في ((المعجم الوسيط)): الدَّرَنُ من أمراض الرئتين مُحْدثٌ. انتهى. وكون هذا هو المراد في الحديث بعيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر القرطبيّ دَّثُ في ((المفهم)) رواية بلفظ: ((هل يبقى من درنه))، بلا ذكر لفظة ((شيءٌ))، قال: كذا صحّت الرواية بفتح ياء ((يَبْقَى)) مبنيّ للفاعل، وبإثبات (مِنْ))، وبتمام الكلام على ((دَرَنِهِ))، من غير ((شيء))، ويُحْمَلُ على أن ((من)) زائدة على الفاعل؛ لأن الكلام قبلها غير موجب، فكأنه قال: ((هل يَبْقَى دَرَنُهُ))؟، وقد تَخَيَّل بعض الناس أن في الكلام حذفاً، فقال: هل (١) راجع: ((المفهم)) ٢٩٣/٢. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٦٤٤. ٣٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة يَبْقَى من درنه شيءٌ؟ ولا تَعْضِده الرواية، ولا القانون النحويّ. انتهى كلام القرطبيّ تَظَّهُ(١) . قال الجامع عفا الله عنه: هذه الرواية التي ذكرها القرطبيّ تَظّهُ لم أجدها في النسخ التي بين يديّ، من نسخ ((صحيح مسلم))، فكلّ النسخ فيها: ((هل يَبْقَى من درنه شيءٌ)) بإثبات لفظة ((شيءٌ))، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. وقد ذكر الطيبيّ أيضاً نحو ما ذكره القرطبيّ، حيث أعرب الجملة بقوله: و((من)) في قوله: ((من درنه)) استغراقيّة زائدة(٢) لِمَا دَخَلَ في حيِّز الاستفهامِ، و ((درنه)) فاعل ((يَبْقَى)). انتهى (٣). وقوله: (شَيْءٌ؟))) مرفوع على الفاعليّة لـ((يبقى)) (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لهذا السؤال (لَا يَبْقَى) بعد هذه الاغتسالات المتكرّرة (مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ) قال الطيبيّ نَظّفُهُ: فيه مبالغة في نفي درن الذنوب ووسخ الآثام، ومن ثمّ ما اكتفَوْا في الجواب بـ((لا))، بل زادوا فيه. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((ما تقول(٤) ذلك يُبْقي من دَرَنه؟))، فقال ابن مالك: فيه شاهدٌ على إجراء فعل القول مُجرى الظنّ، والشرط فيه أن يكون فعلاً مضارعاً مسنداً إلى المخاطب، متّصلاً بالاستفهام، مثاله: ((أتقول زيداً منطلقاً؟))، وكما في هذا الحديث، هذه هي اللغة المشهورة للعرب، وأما بنو سُلَيم فإنهم يُجرون القول مطلقاً مُجرى الظنّ، بلا شرط، فيقولون: قلتُ زيداً منطلقاً، ونحو ذلك، وإلى هذا كلّه أشار في ((الخلاصة)) بقوله: مُسْتَفْهَماً بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلِ وَكَـ((تَظُنُّ) اجْعَلْ («تَقُولُ)) إِنْ وَلِي وَإِنْ بِبَعْضِ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ بِغَيْرِ ظَرْفٍ أَوْ كَظَرْفٍ أَوْ عَمَلْ عِنْدَ سُلَيْمِ نَحْوُ ((قُلْ ذَا مُشْفِقًا)) وَأُجْرِيَ الْقَوْلُ كَظَنٌّ مُظْلَقاً قال الطيبيّ تَّتُهُ: قوله: ((ذلك)) مفعولٌ أوّل لَـ((تقول))، و((يُبقي)) مفعوله (١) ((المفهم)) ٢٩٣/٢ - ٢٩٤. (٢) هكذا النسخة، والظاهر أن لفظة: ((زائدة)) مقدّمة على ((استغراقيّة))، فتأمل. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨٦٥/٣. (٤) وفي رواية ابن حبّان: ((ما تقولون؟)). ٣٨٩ (٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٣) الثاني، و((ما)) استفهاميّة منصوبةٌ بـ((يُبقِي))، وقُدِّم؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، والتقدير: أيّ شيء تظنُّ أيها السامع ذلك الاغتسال مُبقياً من درنه؟. انتهى (١) . (قَالَ) وَّرِ ((فَذَلِكَ) أي ما ذُكر من الاغتسال الموصوف بالتكرار خمس مرّات (مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) قال الطيبيّ نَّتُهُ: الفاء في قوله: ((فذلك)) داخلة على جواب شرط محذوف، أي إذا أقررتم ذلك، وصحّ عندكم، فهو مَثَلُ الصلوات الخمس، ومِصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ التَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، قيل: صلاة الفجر والظهر طرفٌ، وصلاة العصر والمغرب طرفٌ، وزلفاً من الليل صلاة العشاء. انتھی(٢) . و((المثل)) - بفتحتين، وبكسر، فسكون -، ويقال فيه أيضاً: المثيل كالكريم: الشبيه، وقيل: الْمِثْل - بكسر، فسكون -: الشِّبْهُ، والْمَثَلُ - بفتحتين -: الوصف، أفاده الفيّوميّ(٣) . ومعنى الحديث: أن ما ذُكر من الاغتسال شبيه بالصلوات الخمس، أو ما ذُكِرِ من إزالة الوسخ على وجهٍ أبلغَ صفةُ الصلوات الخمس. وجملة قوله: (يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا))) جملة في محلّ نصب على الحال من ((الصلوات الخمس))، أي حال كونه رَك مُزيلاً بهذه الصلوات الخمس خطايا المصلّي. قال السنديّ رَّتُهُ: [إن قلت]: من أيِّ التشبيهِ هذا التشبيه؟. [قلت]: هو من تشبيه الهيئة بالهيئة، ولا حاجة فيه إلى تكلّف اعتبار تشبيه الأجزاء بالأجزاء، فلا يقال: أيُّ شيءٍ يُعْتَبَرُ مِثْلاً للنهر في جانب الصلاة. انتھی . وقال في ((الفتح)): وفائدة التمثيل التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨٦٥/٣. (٢) ((الكاشف)) ٨٦٥/٣. (٣) راجع: ((المصباح المنير) ٢ / ٥٦٣ - ٥٦٤. ٣٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقال الطيبيّ نَظّتُهُ: في هذا الحديث مبالغة في نفي الذنوب؛ لأنهم لم يقتصروا في الجواب على ((لا)) بل أعادوا اللفظ تأكيداً. وقال ابن العربيّ تَخْلُهُ: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويُطَهِّره الماءُ الكثيرُ، فكذلك الصلوات تُطَهِّر العبد عن أقذار الذنوب حتى لا تُبْقِي له ذنباً إلا أسقطته وكفّرته. انتهى. ثمّ ظاهر الحديث أن الخطايا أعم من الصغيرة والكبيرة، لكن قال ابن بطال تَخّْتُهُ: يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصّةً؛ لأنه شَبَّهَ الخطايا بالدَّرَنِ، والدَّرَنُ صغيرٌ بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من القُرُوح والخُرَاجَات. انتھی . قال الحافظ تَخُّْهُ: وهو مبنيّ على أن المراد بالدَّرَن في الحديث الحبّ، والظاهر أن المراد به الوَسَخُ؛ لأنه هو الذي يناسبه الاغتسال والتَّنَظّفُ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: إطلاق الدَّرَن على الحبّ المذكور ليس معروفاً في اللغة، كما سبق بيانه، فلا ينبغي حمل الحديث عليه، بل الأولى أن المراد به الوَسَخُ، ولا سيما وقد جاء التصريح به في حديث أبي سعيد الخدريّ ( ضُوعِنْه ، فقد أخرج البزّار والطبرانيّ بإسناد لا بأس به، - كما قال الحافظ - من طريق عطاء بن يسار، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ رَظُّه يحدث أنه سمع رسول الله وَل يقول: ((أرَأيْتَ لو أنَّ رَجُلاً كان لهُ مُعْتَمَلٌ، وبين منزله ومُعْتَمَله خمسةُ أنهار، فإذا انطلق إلى مُعْتَمَلِهِ عَمِلَ ما شاء اللهُ، فأصابه وَسَخٌ، أو عَرَقٌ، فكلما مَرَّ بنهر اغتسل منه، ما كان ذلك يُبقي من درنه؟، فكذلك الصلوات كلّما عَمِل خطيئةً، أو ما شاء الله، ثمّ صلّى صلاةً، فدعا، واستغفر غُفِر له ما كان قبلها)). قال ابن رجب رَُّهُ: هذا الحديث مما يدلّ على أن المراد بالدَّرَن الصغائر التي تُصيب الإنسان في كسبه، ومعاشه، ومخالطته للناس المخالطة المباحة. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تَسْتَقِلُّ بتكفير (١) ((فتح الباري)) لابن رجب تَخَذْتُهُ ٢٢٧/٤. ٣٩١ (٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْيٍ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٣) جميع الذنوب كبائرها وصغائرها، وليس الأمر كذلك؛ لاشتراطه في الحديث المتقدّم اجتناب الكبائر، فدَلّ ذلك على أن المكفَّر بالصلوات هي جميع الصغائر - إن شاء الله - وقد تقدّم القول في ذلك في ((كتاب الإيمان))(١). انتهى كلام القرطبيّ ◌َخْذُهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ تَُّ حسنٌ جدّاً، وحاصله أن المطلق هنا ينبغي أن يُحمل على ما سبق من الأحاديث من قوله وَله: ((الصلواتُ الخمسُ، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهنّ إذا اجْتُنِبَتِ الكبائرُ))، فتكفير الصلوات الخمس المطلق هنا يُحمل على هذا المُقَيَّدِ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال ابن بزيزة في ((شرح الأحكام)): يتوجه على حديث العلاء إشكال يَصْعُبُ التخلّصُ منه، وذلك أن الصغائر بنصّ القرآن مُكَفَّرة باجتناب الكبائر، وإذا كان كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس؟. انتهى. قال الحافظ تَظُّ: وقد أجاب شيخنا الإمام البُلْقِينِيُّ بأن السؤال غير وارد؛ لأن مراد الله ((إن تجتنبوا)) أي في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تُكَفِّرُ ما بينها، أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارض بين الآية والحديث. انتهى. وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلَّص منه - بحمد الله - سهل، وذلك أنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يُعَدَّ مجتنباً للكبائر؛ لأن تركها من الكبائر، فوقف التكفير على فعلها، والله أعلم. وقد فَصَّل البلقينيّ أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما يَصْدُر منه من صغيرة وكبيرة؛ فقال: تنحصر في خمسة: [أحدها]: أن لا يصدر منه شيء البتة، فهذا يُعَاوَضُ برفع الدرجات. (١) هكذا وقع في النسخة: في ((كتاب الإيمان))، والظاهر أنه غلط، والصواب في ((كتاب الطهارة»، فتنبّه. (٢) ((المفهم)) ٢٩٤/٢. ٣٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة [ثانيها]: أن يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تُكَفَّرُ عنه جزماً. [ثالثها]: مثله لكن مع الإصرار، فلا تكفَّر، إذا قلنا: إن الإصرار على الصغائر كبيرة. [رابعها]: أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائر. [خامسها]: أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظرٌ، يَحْتَمِل إذا لم يجتنب الكبائر أن لا تكفِّر الكبائر، بل تكفِّر الصغائر، ويَحْتَمِل أن لا تكفِّر شيئاً أصلاً، والثاني أرجح؛ لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته لا يُعْمَل به، فهنا لا تكفِّر شيئاً، إما لاختلاط الكبائر والصغائر، أو لتمخُّض الكبائر، أو تكفِّر الصغائر، فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة، لِدَوَرَانه بين الفصلين، فلا يُعْمَل به، ويؤيده أن مقتضى تجنب الكبائر، ومقتضى ((ما اجتنبت الكبائر)) أن لا کبائر، فيُصَانُ الحدیثُ عنه. انتهى(١). وقال السنديّ كَّلُهُ - عند قوله: ((يمحو الله بهن الخطايا)) - ما نصه: خصّها العلماء بالصغائر، ولا يَخْفَى أنه بحسب الظاهر لا يناسب التشبيه بالنهر في إزالة الدَّرَن؛ إذِ النَّهرُ المذكور لا يُبْقِي من الدرن شيئاً أصلاً، وعلى تقدير أن يُبْقِي فإبقاء القليل والصغير أقرب من إبقاء الكثير الكبير، فاعتبار بقاء الكبائر وارتفاع الصغائر قلب لما هو المعقول نظراً إلى التشبيه، فلعلّ ما ذكروا من التخصيص مبنيّ على أن للصغائر تأثيراً في درن الظاهر فقط، كما يدلّ عليه ما ورد من خروج الصغائر من الأعضاء عند الوضوء بالماء بخلاف الكبائر؛ فإن لها تأثيراً في دَرَنِ الباطن، كما جاء أن العبد إذا ارتكب المعصية تحصل في قلبه نقطةٌ سوداءُ، ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿كَّ بَلٌّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم ◌َّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: ١٤]، وقد عُلِمَ أنَّ أثَرَ الكبائر تُذْهِبُهَا التوبةُ التي هي الندامة بالقلب، فكما أن الغسل إنما يَذهَب بدرن الظاهر دون الباطن فكذلك الصلاة، فتفكر. انتهى كلام السنديّ تَظَتُهُ(٢)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((فتح الباري)) ١٦/٢. (٢) ((شرح النسائيّ)) للسنديّ تَلَهُ ٢٣١/١. ٣٩٣ (٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٣) مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظ ◌ُبه هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٢٣/٥٢] (٦٦٧)، و(البخاريّ) في ((مواقيت الصلاة)) (٥٢٨)، و(الترمذيّ) في ((الأمثال)) (٢٨٦٨)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (٤٦٢) و((الكبرى)) (٣٢٣)(١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٧٩/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٦٨/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧٢٦)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٠/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٩٣)، و(البيهقيّ) في (الكبرى)) (٣٦١/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٤٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصلوات الخمس، وأنهنّ تُمحَى بهنّ الخطايا، قال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: هذا مثلٌ ضربه النبيّ وَلو لمحو الخطايا بالصلوات الخمس، فجعل مَثَل ذلك مثل مَن ببابہ نھرٌ یغتسل فیہ کل یوم خمس مرار، كما أن درنه ووسخه يُنَقَّى بذلك حتى لا يبقى منه شيء، فكذلك الصلوات الخمس في كل يوم تمحو الذنوب والخطايا حتى لا يبقى منها شيء. قال: وتمثيله و﴿ بالنهر فيه مبالغة في إنقاء الدرن؛ فإن النهر الجاري يُذْهِب الدرن الذي غُسِل فيه، ولا يَبْقَى له فيه أثر، بخلاف الماء الراكد؛ فإن الدرن الذي غُسل فيه يمكث في الماء، وربما ظهر مع كثرة الاغتسال فيه على (١) وزاد النسائيّ في ((الكبرى)) ١٤٣/١ بعد تخريجه الحديث ما نصُّهُ: قال أبو عبد الرحمن: ابنُ الهاد اسمه يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة اسمه عبد عمرو، ويقال: عبد شمس، ويقال: سُكَين، وقال سفيان بن حسين عن الزهري، عن المُحَرَّرِ بن أبي هريرة قال: اسم أبي عبد عمرو بن عبدٍ غَنْم. أنبأنا محمد بن يحيى، عن بُكَير بن بَّار، عن عمر بن علي بن مُقَدَّم، عن سفيان بن حُسَين، عن الزهري. قال أبو عبد الرحمن: وَبَكْرُ بن بَكَّار ليس بالقويّ في الحديث، وسُفْيَانُ بنُ حسين ليس بالقويّ في الزهريّ خاصّة، وفي غيره لا بأس به. انتهى. ٣٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة طول الزمان؛ ولهذا جاء النهي عن الاغتسال في الماء الدائم، كما سبق ذكره في ((كتاب الطهارة)). انتهى كلام ابن رجب تَّتُهُ بتصرّف(١) . ٢ - (ومنها): أن فيه بيان فضل الله تعالى العظيم على هذه الأمة المرحومة، حيث يُكفّر عنها الخطايا بالصلوات الخمس، وهي أعمال سهلة هيّنة على كلّ مؤمن موفَّق، وإنما تكون كبيرة على ضعفاء الإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. [فائدة]: قال الحافظ ابن عبد البرّ كَّلُ في ((التمهيد)): وبلغني أن أبا زرعة الرازيّ قال: خَطَر ببالي تقصير الناس، وتقصيري في الأعمال من النوافل، والحجّ، والصيام، والجهاد، فَكَبُر ذلك في قلبي، فرأيت ليلةً فيما يرى النائم، كأن آتياً أتاني، فضرب بيده بين كتفيّ، وقال: قد أكثرت في العبادة، وأيُّ عبادة أفضل من الصلوات الخمس في جماعة؟. انتهى (٢). ٣ - (ومنها): ضرب المثل في التعليم؛ زيادةً في الإيضاح؛ إذ فيه تشبيه المعقول بالشيء المحسوس. ٤ - (ومنها): حرص النبيّ وَّ في تعليم أمته، وشدّةُ رأفته بهم، كما قال الله تعالى: ﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجبّ تَّتُهُ: واستَدَلّ بذلك بعض من يقول: إن الصلاة تكفّر الكبائر والصغائر، لكن الجمهور القائلون بأن الكبائر لا يكفِّرها مجرد الصلاة بدون توبة، يقولون: هذا العموم خُصّ منه الكبائر بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ظه، عن النبيّ وَّر، قال: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر)). وفيه - أيضاً -: عن عثمان رظُه، عن النبيّ وَّ﴾، قال: ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة وكذلك الدهر كله)). (١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٢٢١/٤ - ٢٢٤. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ تخذله ٢٢٩/٢٤ - ٢٣٠. ٣٩٥ (٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْيٍ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٣) وأخرج النسائيّ، وابن حبان، والحاكم، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة ◌ًا، عن النبيّ وَّ، قال: ((والذي نفسي بيده، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتِحَت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام)). وأخرج الإمام أحمد، والنسائيّ، من حديث أبي أيوب رضي الله، عن النبيّ وَلّه بمعناها أيضاً. وقال ابن مسعود تظله: «الصلوات الخمس، كفاراتٌ لما بينهن ما اجتُنِبت الكبائر))، ورُوي عنه مرفوعاً، والموقوف أصح. وقال سلمان رُه: حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارة لهذه الجراح، ما لم تُصَب المقتلة. وقد حَكَى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك، وأن الكبائر لا تُكَفَّر بمجرد الصلوات الخمس، وإنما تكفِّر الصلوات الخمس الصغائر خاصة. وقد ذهب طائفة من العلماء - منهم: أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا - إلى أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصلوات الصغائر، فإن لم تجتنب الكبائر لم تكفِّر الصلوات شيئاً من الصغائر، وحكاه ابن عطية في ((تفسيره)) عن جمهور أهل السنة؛ لظاهر قوله: ((ما اجتنبت الكبائر)). والصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء، ورجَّحه ابن عطية، وحكاه عن الْحُذّاق: أن ذلك ليس بشرط، وأن الصلوات تكفِّر الصغائر مطلقاً إذا لم يُصِرَّ عليها، فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر. قال: وحديث عثمان رَّه المتقدّم يدلُّ على أن كل صلاة تكفِّر ذنوب ما بينها وبين الصلاة الأخرى خاصة، وقد ورد مصرَّحاً بذلك في أحاديث كثيرة. وحينئذ؛ فمن ترك صلاة إلى وقت صلاة أخرى لغير عذر، وجمع بينهما، فلا يتحقق أن هاتين الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لغير عذر يكفران ما مضى من الذنوب في الوقتين معاً، وإنما يكون ذلك إن كان الجمع لعذر يبيح الجمع. انتهى كلام ابن رجب تَُّهُ بتصرّف(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله (١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٢٢١/٤ - ٢٢٧. : ٣٩٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٢٤] (٦٦٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمْرٍ، عَلَى بَابٍ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمِ خَمْسَ مَرَّاتٍ))، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: ((وَمَا يُبْقِي ذَلِكَ مِنَ الدَّرَنِ؟»). رجال هذا الإسناد: ستة : وقد تقدّموا قبل باب، و((أبو سفيان)) هو طلحة بن نافع تقدّم قبل بابين، و((جابر بن عبد الله)) ميّ ذُكر في السند الماضي. وقوله: (غَمْرٍ) بفتح الغين المعجمة، وسكون الميم: هو الماء الكثير، وأما بضمّ الغين: فهو الرجل الذي لم يُجَرِّب الأمور، وبكسرها: فهو الحقد(١). وقوله: (عَلَى بَابٍ أَحَدِكُمْ) إشارة إلى سهولة استعماله، وقرب تناوله. وقوله: (قَالَ الْحَسَنُ) لم أجد من عيّنه، ولعلّه الحسن البصريّ تَُّ، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَمَا يُبْقِي) ((ما)) استفهامية استفهاماً إنكاريّاً، و(يُبقي)) بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإبقاء رباعيّاً . وقوله: (ذَلِكَ) في محلّ رفع على الفاعليّة، والإشارة إلى الاغتسال المفهوم من (یَغتَسل)). وقوله: (مِنَ الدَّرَنِ) بيان لـ ((ما يُبقي))، وهو الوسَخُ. والمعنى: أيَّ شيء يُبقي ذلك الاغتسال من درن ذلك المغتسل؟، يعني أنه لا يُبقِي منه شيئاً، وتمام شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي. (١) ((المفهم)) ٢٩٣/٢. ٣٩٧ (٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْيٍ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٤) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضًا هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٢٤/٥٢] (٦٦٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٨٩/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٦/٢ و٣٠٥/٣ و٣١٧ و٣٥٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٦٧/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٦٤/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٩٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧٢٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٣/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٤٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في الكلام على هذا الحديث: (اعلم): أنهم تكلّموا في هذا الحديث، قال ابن أبي حاتم تَّقُ في ((علله)): (٢٨٣) سألت أبي عن حديث رُوِي عن الأعمش، عن أبي سفيان، فمنهم من يقول: عن عُبَيد بن عُمير، عن النبيّ وَّر، ومنهم من يقول: عن جابر، عن النبيّ وَّه قال: ((ضرب النبيّ يَّه مثل الصلوات الخمس، كمثل نهر على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات))؟. قال: الحفاظ يقولون: عن عُبيد بن عُمير، عن النبيّ وَّ، وهو أشبه، وكذا رواه عبد العزيز بن رُفيع، عن عُبيد بن عمير، عن النبيّ وَّ، وهو أشبه. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل كلام أبي حاتم: أنه يرى ترجيح كون الحديث مرسلاً على كونه موصولاً، وقد خالفه في ذلك غيره، فمنهم المصنّف ◌َظّثُ، حيث أخرجه في ((صحيحه)) هنا موصولاً من حديث جابر نَظ ◌ُبه، وقد وافقه الدارقطنيّ تَظّثُهُ، وعبارة ((العلل)): (١٤٩١) وسُئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ: ((مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار، على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم (١) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم ١٣٨/١. ٣٩٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة خمس مرات، فماذا يبقى من درنه؟))، فقال: يرويه الأعمش، واختُلِف عنه، فرواه محمد بن عُبيد الطنافسيّ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولم يتابع عليه، وخالفه يعلى بن عبيد، رواه عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، كذلك رواه أصحاب الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وهو الصحيح. انتهى(١). وهذا من الدار قطنيّ ◌َُّ ترجيح لوصله، فقد وافق المصنّف رَّتُهُ . وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَخْلَتُ: اختُلِف عن الأعمش في هذا الحديث، فمن أهل العلم من لا يَحتَجّ بحديثه هذا، من أجل أبي سفيان طلحة بن نافع، فهو ضعيف، ومنهم من يجعلهما إسنادين، وأصح إسنادٍ في هذا - إن شاء الله - ما حدّثناه عبد الله بن محمد بن أسد ... إلخ، فأورد حديث أبي هريرة ظه المتقدّم من طريق أبي سلمة، عنه (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي صحة حديث جابر نظراته كما هو مذهب المصنّف، والدارقطنيّ، وأما تضعيف ابن عبد البرّ له براويه أبي سفيان طلحة بن نافع ففيه نظرٌ؛ لأن أبا سفيان وثّقه البزّار، وابن حبّان، وقال أحمد، والنسائيّ، وابن عديّ: ليس به بأس، زاد ابن عديّ: روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة، وأخرج له مسلم، وروى له البخاريّ مقروناً بغيره. والحاصل أن إطلاق ابن عبد البرّ الضعف عليه، ليس مقبولاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٢٥] (٦٦٩) - (حَدَّثَنَا(٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا (٤) مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ (١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) ١٧٣/٨. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٢٩/٢٤ - ٢٣٠. (٣) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٤) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٣٩٩ (٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْيٍ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَابًا، ... إلخ- حديث رقم (١٥٢٥) عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهُ: ((مَنْ غَدَا(١) إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلاً، كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ مصنِّفٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّف) بن داود بن مُطَرِّف بن عبد الله بن سارية التيميّ الليثيّ، يقال: إنه من موالي آل عمر، أبو غسّان المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٧]. أحدُ العلماء الأثبات، رَوَى عن زيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، وأبي حازم سلمة بن دينار، وحسان بن عطية، ومحمد بن عجلان، وصفوان بن سُليم، وسهيل بن أبي صالح، وأبي حصين، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم بن أبي عَبْلة، وهو أكبر منه، والثوريّ، وهو من أقرانه، والوليد بن مسلم، وعثمان بن سعيد بن كثير، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، وابن وهب، وغيرهم. قال علي بن سراج: كان من أهل وادي القرى، قَدِم بغداد أيام المهديّ، وقال مجاهد بن موسى: ثنا يزيد بن هارون، ثنا أبو غَسّان محمد بن مُطَرِّف الليثيّ، وكان ثقةً، وقال أحمد، وأبو حاتم، والْجُوزَجانيّ، ويعقوب بن شيبة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم أيضاً: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ذكره أحمد، فجعل يُثني عليه، وقال ابن الغلابيّ، عن ابن معين: شيخٌ ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن أبي (١) وفي نسخة: ((قال: من غدا)). ٤٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة مريم، عن ابن معين: ثقة، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: أرجو أن يكون ثقة، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ليس به بأسٌ، وكذا قال أبو داود، والنسائيّ، وقال ابن المثنى: كان شيخاً صالحاً، وذكره ابن حبان في (الثقات))، وقال: يُغْرِب. قال في ((التقريب)): مات بعد الستين، أي ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم (٦٦٩) و(١٠٩١) و (١٥٠٩) و(١٧٩٠) و (٢٠٠٦) و (٢٠٠٧) و(٢١٤٩) و(٢٦٦٩) و(٢٧٥٤). ٥ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ، مولى عمر بن الخطّاب، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، كان يُرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦/ ٢٥٠. ٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، مولى ميمونة زوج النبيّ بَِّ، رَّا، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ واعظٌ عابدٌ، من صغار [٣] (ت ٩٤) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تقدم فى ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظُّ، وله فيه شيخان قَرَن بينهما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن مطرِّف، ويزيد واسطيّ، وأبو بكر كوفيّ، وزهير نسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ظُله أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ: ((مَنْ غَدَا) وفي نسخة: ((قال: من غدا))، قال الفتح: المراد بالغدوّ: الذهاب، وبالرواح الرجوع، والأصل في