Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٠)
بلام الأمر، ووقع في شرح القاضي عياض: ((فلأصلي بكم))، وفي رواية
البخاريّ: ((فلأصلي لكم))، قال في ((الفتح)): كذا في روايتنا بكسر اللام، وفتح
الياء، وفي رواية الأصيليّ بحذف الياء، قال ابن مالك: رُوي بحذف الياء،
وثبوتها مفتوحةً وساكنةً، ووجهه أن اللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام ((كي))
والفعل بعدها منصوب بـ((أن)) مضمرة، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف،
والتقدير: قوموا، فقيامُكم لأصليَ لكم، ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون
الفاء زائدة، واللام متعلقة بـ((قوموا)).
وعند سكون الياء يَحْتَمل أن تكون اللام أيضاً لام ((كي))، وسكنت الياء
تخفيفاً، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزاء إجراءً للمعتلّ مجرى الصحيح،
كقراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِّ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]. بإثبات الياء في (يتقي)).
وعند حذف الياء اللامُ لام الأمر، وأمرُ المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام
فصيحٌ، قليل الاستعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ [العنكبوت:
١٢]، قال: ويجوز فتح اللام، ثم ذكر توجيهه. وفيه لغيره بحث اختصرته؛ لأن
الرواية لم ترد به، وقيل: إن في رواية الكشميهني: ((فأصل)) بحذف اللام،
وليس هو فيما وقفت عليه من النسخ الصحيحة.
وحَكَى ابن قرقول عن بعض الروايات ((فلنصلّ)) بالنون، وكسر اللام،
والجزم، واللامُ على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة. انتهى كلام
الحافظ تَخَذَتْهُ(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((فلأصلي لكم)) فيه ستة أوجه من الإعراب:
[الأول]: ((فلأصلي)) بكسر اللام، وضمّ الهمزة، وفتح الياء، ووجهه أن
اللام فيه لام ((كي))، والفعل بعدها منصوب بـ((أن)) المقدرة، تقديره: فلأن
أصلي، قال القرطبيّ: رَوَيناه كذا، والفاء زائدة، أو الفاء جواب الأمر،
ومدخول الفاء محذوف، تقديره: قوموا، فقيامكم لأصلي لكم، ويجوز أن
تكون الفاء زائدة، على رأي الأخفش، واللام متعلَّق بـ((قوموا)).
(١) ((الفتح)) ٥٨٥/١.

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[الوجه الثاني]: ((فلأصلي)) مثلها إلا أنها ساكنة الياء، ووجهه أن تسكين
الياء المفتوحة للتخفيف في مثل هذا لغة مشهورة.
[الثالث]: ((فالأصل)) بحذف الياء؛ لكون اللام لام الأمر، وهي رواية
الأصیلیّ.
[الرابع]: ((فأصلي)) على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأ
محذوف، تقديره: فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر.
[الخامس]: ((فلنصلِّ)) بكسر اللام في الأصل، وبنون الجمع، ووجهه أن
اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بها، وعلامة الجزم سقوط الياء.
[السادس]: ((فَلَأصلي)) بفتح اللام، ورُوي هكذا في بعض الروايات،
ووجهه أن تكون اللام لام الابتداء؛ للتأكيد، أو تكون جواب قسم محذوف،
والفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن قمتم فوالله لأصلي لكم. انتهى (١).
[تنبيه]: قال السهيليّ تَُّهُ: الأمر في قوله: ((فلأصلِّ لكم)) بمعنى الخبر،
وهو كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَذًّا﴾ [مريم: ٧٥] ويحتمل أن يكون أمراً لهم
بالائتمام، لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله. انتهى(٢).
(قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَّه (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ) - بفتح الحاء، وكسر
الصاد المهملتين - قال في ((المحكم)): هي سَفِيفةٌ تُصْنَعُ من بَرْديّ، وأَسَلٍ، ثم
تُفْرَش، سُمِّي بذلك؛ لأنه على وجه الأرض، ووجه الأرض يُسَمَّى حصيراً.
و ((السَّفِيفة)) - بفتح السين المهملة، وبالفاءين -: شيءٌ يُعْمَل من الْخُوص،
کالزَّنْبِیل.
و((الأَسَلُ)) - بفتح الهمزة، والسين المهملة، وفي آخره لام -: نباتٌ له
أغصان كثيرةٌ دُقَاقٌ، لا وَرَقَ لها .
وفي ((الجمهرة)): والحصير عربيّ سُمِّي حصيراً؛ لانضمام بعضها إلى
بعض .
وقال الجوهريّ: الحصير: الباريّة، ذكره في ((العمدة))(٣).
(١) ((عمدة القاري)) ١٦٥/٤.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٦١/٤.
(٢) ((الفتح)) ١/ ٥٨٤.

٣٠٣
(٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٠)
وقال الفيّوميّ: والحصير: الباريّةُ، وجمعها حُصُر، مثلُ بَرِد وبُرُد،
وتأنيثها بالهاء عاميّ. انتهى(١).
وقوله: (لَنَا) الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف صفة لـ((حصير))، وقوله:
(قَدِ اسْوَدَّ) جملة في محل جر صفة بعد صفة لـ((حصير))، أو في محل نصب
على الحال منه.
(مِنْ طُولٍ مَا لُبِسَ) ((ما)) مصدرية و(لُبِسَ)) بالبناء للمفعول، صلتها، أي
من طول لبسه، وهو كناية عن كثرة استعماله.
وقال النوويّ تَخْتُهُ: احتَجّ بقوله: ((من طول ما لُبِس)) أصحاب مالك في
المسألة المشهورة بالخلاف، وهي إذا حلف لا يلبس ثوباً، ففرشه، فعندهم
يَحْنَث، وأجاب أصحابنا - يعني الشافعيّة - بأن لُبْس كل شيء بحسبه، فحملنا
اللبس في الحديث على الافتراش؛ للقرينة، ولأنه المفهوم منه، بخلاف مَن
حلف لا يلبس ثوباً، فإن أهل العرف، لا يفهمون من لبسه الافتراش. انتهى.
وقال في ((الفتح)): فيه أن الافتراش يسمى لبساً، وقد استُدِلّ به على منع
افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس الحرير، ولا يَرِدُ على ذلك أن من حلف
لا يلبس حريراً، فإنه لا يحنث بالافتراش؛ لأن الأيمان مبناها على العرف.
(٢)
انتھی(٢).
وقد اعتَرَض العينيّ على كلام الحافظ هذا بما لا يُسَلَّم له، فتبصر(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ١٣٨/١ - ١٣٩.
(٢) ((الفتح)) ١ /٥٨٤.
(٣) عمدة القاري ١١١/٤ حيث قال: وليس ههنا لُبِس، من لَبِستُ الثوبَ، وإنما هو
من قولهم: لَبِست امرأةً، أي تمتعت بها زماناً، فحينئذ يكون معناه: قد اسوَدّ من
كثرة ما تُمُتِّع به طولَ الزمان، ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم - يعني
الحافظ ابن حجر - وقد استُدِلّ به على منع افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس
الحرير، وقصد هذا القائل الغمز فيما قال أبو حنيفة، من جواز افتراش الحرير،
وتوسُّده، ولكن الذي يُدرك دقائق المعاني، ومدارك الألفاظ العربية يعرف ذلك،
ويُقِرّ بأن أبا حنيفة لا يذهب إلى شيء سُدَّى. انتهى كلام العينيّ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ مجرّد تحامل، وتعصّب، فإن
تفسيره للبس بالتمتّع إن صحّ كما زعمه لغةً ليس معارضاً لما قاله الحافظ، فإنه =

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(فَتَضَحْتُهُ بِمَاءٍ) من النَّضْحِ، وهو الرّشّ، وهذا النضح يَحْتَمِل أن يكون
لتليين الحصير، أو لتنظيفه، ولا يصح الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره؛ لأن
الأصل الطهارة، قاله في ((الفتح))(١).
وقال القرطبيّ: قال إسماعيل بن إسحاق: إنما نضحه ليلين، وليتوطأ
للصلاة، والأظهر قول غيره: إن ذلك إما لنجاسة متيقَّنَةٍ، فيكون النضح هنا
غسلاً، أو متوقَّعَة؛ لامتهانه طول افتراشه، فيكون رشّاً لزوال الشكّ وتطييب
النفس، وهذا هو الأليق، لا سيّما وقد كان عندهم أبو عُمير أخو أنس طفلاً
صغيراً حينئذ. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((والأظهر إلخ)) فيه نظرٌ، بل الأظهر ما قاله
إسماعيل؛ لأن الأصل الطهارة كما قال في ((الفتح))، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، وَصَفَفْتُ أَنَا) أتى بكلمة ((أنا)) لأجل العطف
على ضمير الرفع المتصل، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَاقْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ
وقوله: (وَالْيَتِيمُ) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى العطف على
الضمير المتصل الفاعل، وأما النصب فعلى كون الواو واو المعية، والرفع
أرجح؛ لوجود الفصل بالضمير.
وقد وقع عند البخاريّ في رواية المستملي، والحمويّ: ((وصففت
واليتيم)) بدون الضمير المنفصل، وعليه يكون النصب أرجح؛ لكون العطف
على الضمير المتصل بلا فاصل ضعيفاً.
فسّره بالأعمّ، فيدخل على قوله جميع أنواع التمتّع، إلا ما استُثني شرعاً، كإباحة
=
لبسه للحكّة مثلاً، فيحرُم الالتحاف به، والاتّزار، والارتداء، والاشتمال،
والافتراش، وجميع أنواع انتفاع الرجال به، إلا ما أُبيح لهم شرعاً، كالانتفاع
بالبيع، والصدقة، ونحو ذلك، فلم يكن لدفاع العينيّ معنّى، فتبصّر بالإنصاف، ولا
تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(١) ١/ ٥٨٥.
(٢) ((المفهم)) ٢٨٦/٢.

(٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٠)
٣٠٥
وإلى هذا أشار ابن مالك تَظُّ في ((الخلاصة))، فقال:
وَالْعَظْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضَعْفٍ أَحَقْ وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضُعْفِ النَّسَقْ
و ((اليتيم)): هو ضُميرة بن أبي ضُميرة - بضم الضاد المعجمة، وفتح
الميم، بصيغة التصغير - وأبو ضميرة مولى رسول الله وَ﴿، كذا قاله الذهبي في
((تجريد الصحابة))، ثمّ قال: له ولأبيه صحبة، وقال في ((الكنى)): أبو ضُميرة
مولى رسول الله وَ* كان من حِمْيَر، اسمه سعد، وكذا قال البخاريّ: إن اسمه
سعد الْحِمْيريّ من آل ذي يزن، وقال أبو حاتم: سعد الحميري، هو جد
حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة. انتهى.
ويقال: اسم أبي ضميرة روح بن سندر. وقيل: روح بن شير زاد، أفاده
في «العمدة))(١) .
وقال في ((الفتح)): قال صاحب ((العمدة)): اليتيم: هو ضميرة جدُّ
حسين بن عبد الله بن ضميرة، قال ابن الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن
حبيب، ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد الله، أو من غيره من
أهل المدينة، قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة مولى رسول الله وَ له، وقد
اختُلِف في اسم أبي ضميرة، فقيل: رَوْحٌ. وقيل غير ذلك. انتهى.
ووهم بعض الشراح، فقال: اسم اليتيم ضميرة، وقيل: روح، فكأنه
انتقل ذهنه من الخلاف في اسم أبيه إليه، ووهم أيضاً من قال: إن اسمه
سليم، وجزم البخاريّ بأن اسم أبي ضميرة سعد الحميريّ، ويقال: سعيد،
ونَسَبَهُ ابن حبّان ليئيّاً. انتهى(٢).
(وَرَاءَهُ) أي خلف النبيّ ◌ََّ، وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ((صَفَفْتُ))
(وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا) جملة اسمية في محل نصب على الحال، ويَحْتَمِل أن
يُعْطَف ((العَجُوزُ)) على الفاعل، والظرف على الظرف، ففيه عطف المعمولين
على معمولي عامل واحد، وهو ((صَفّ))، وهو جائز بلا خلاف بين النحاة، كما
بيّنه ابن هشام الأنصاري في ((المغني))(٣).
(١) ((عمدة القاري)) ١١١/٤.
(٣) ((مغني اللبيب)) ١٠١/٢ بنسخة ((حاشية الأمير)).
(٢) ((الفتح)) ٥٨٥/١.

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والمراد بالعجوز مليكة المذكورة أوَّلاً .
(فَصَلَّى لَنَا) أي لأجلنا، أو إماماً بنا (رَسُولُ اللهِنَ ◌ّ ه رَكْعَتَيْنِ) هذه الصلاة
كانت تطوّعاً يدلّ على ذلك ما يأتي من قول أنس ظُبه: ((في غير وقت صلاة))
(ثُمَّ انْصَرَفَ) أي من الصلاة، أو إلى بيته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك به هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٠٠/٤٩] (٦٥٨)، و(البخاريّ) في ((الصلاة))
(٣٨٠) و((الأذان)) (٧٢٧ و٨٦٠ و٨٧١ و٨٧٤) و((التهجّد)) (١١٦٤)، و(أبو
داود) في ((الصلاة)) (٦١٢)، و(الترمذيّ) فيها (٢٣٤)، و(النسائيّ) في ((الإمامة))
(٨٠١) وفي ((الكبرى)) (٨٧٦)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٥٣/١)، و(الشافعيّ)
في ((مسنده)) (١٣٧/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٩٤)، و(أحمد) في
(مسنده)) (١٣١/٣ و١٤٩ و١٦٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٩١ و١٣٨١)،
و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٥٣٩ و١٥٤٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢٢٠٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢/ ٧٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٤٧٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٠٧/١)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٩٦/٣ و١٠٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨٢٨ و٨٢٩)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الجماعة في النافلة.
٢ - (ومنها): بيان جواز الصلاة على الحصير، ومثله سائر ما تنبته
الأرض، وهو إجماع، إلا من شَذّ، وسيأتي البحث فيه مستوفى في المسألة
التالية - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): بيان موقف الإمام إذا كان معه اثنان، وامرأةٌ، وذلك أن
يَصُفّ الاثنان خلفه، وتكون المرأة خلفهما صفّاً وحدها، قال القرطبيّ: فيه

٣٠٧
(٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٠)
حجة لكافّة أهل العلم في أن هذا حكم الاثنين خلف الإمام، وعلى أبي حنيفة
والكوفيين إذ يقولون: يقومان عن يمينه ويساره. انتهى(١).
٤ - (ومنها): مشروعية إجابة الدعوة، ولو لم تكن عُرْساً، ولو كان
الداعي امرأة.
٥ - (ومنها): الأكل من طعام الدعوة.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّر من حسن الخلق، والتواضع،
حيث كان يزور أصحابه، ويصلي على البساط الذي عندهم، ولو كان ممتهناً،
ففي حديث أنس ◌ُه الآتي بعد هذا قال: كان رسول الله وَّ و أحسن الناس
خلقاً، فربما تحضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيُكْنَس،
ثم يُنضَحُ، ثم يَؤُمُّ رسول الله وَّةٍ، ونقوم خلفه ... الحديث.
٧ - (ومنها): صلاة النافلة جماعة في البيوت، قال في ((الفتح)): وكأنه وَليقول
أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة؛ لأجل المرأة، فإنها يخفى عليها بعض
التفاصيل، لبعد موقفها. انتهى.
٨ - (ومنها): أن محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفرداً حيث لا
يكون هناك مصلحة، كالتعليم، بل يمكن أن يقال: هو إذ ذاك أفضل، ولا
سيما في حقه وَلِ﴾(٢).
٩ - (ومنها): تنظيف مكان المصلي.
١٠ - (ومنها): قيام الصبيّ مع الرجل صفّاً، قال القرطبيّ كَّتُهُ: فيه حجة
على أن من يَعْقِل الصلاة من الصبيان حكمهم في القيام خلف الإمام حكم
الرجال، وهو مذهب الجمهور، ورُوي عن أحمد كراهة ذلك، وقال: لا يقوم
مع الناس، إلا من بلغ، ورُوي عن عمر بن الخطّاب ◌ُبه وغيره أنه كان إذا
أبصر صبيّاً في الصفّ أخرجه، وهذا عند الكافّة محمول على من لا يعقل
الصلاة، ولا يكُفُّ عن العبث فيها. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح ما قاله الإمام أحمد نَّتُهُ، ونُقل
(١) ((المفهم)) ٢٨٦/٢.
(٣) («المفهم)) ٢٨٧/٢.
(٢) ((الفتح)) ٥٨٥/١.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عن عمر ظه من أن الصبيّ لا يقوم مع الناس؛ لقوله وَليقول: ((ليلني أولو
الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم ... )) الحديث، رواه مسلم.
وأخرج النسائيّ تَُّ في ((سننه)) بإسناد صحيح، عن قيس بن عُبَاد، قال:
بينا أنا في المسجد في الصفّ المقدَّم، فجبذني رجل من خلفي جَبْذَةً،
فتَحّاني، وقام مقامي، فوالله ما عَقَّلت صلاتي، فلما انصرف، فإذا هو أُبَيّ بن
كعب، فقال: يا فتى لا يسؤك الله، إنّ هذا عَهْدٌ من النبيّ وَِّ إلينا، أن نَلِيَهُ.
وأما حديث أنس تظله فمحمول على ما إذا كان البالغ وحده، فيقوم
الصبيّ معه؛ لئلا يكون منفرداً في الصفّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
١١ - (ومنها): قيام المرأة صفّاً وحدها إذا لم تكن معها امرأة غيرها.
١٢ - (ومنها): تأخير النساء عن صفوف الرجال.
١٣ - (ومنها): أن بعضهم استَدَلّ به على جواز صلاة المنفرد خلف
الصف وحده، وفيه نظر؛ لأن هذا للمرأة، لا للرجل، فهو مخالف لهذا في
هذا، فقد أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن وابصة بن معبد رضابه قال:
سئل رسول الله ير عن رجل صلى خلف الصفوف وحده؟ فقال: ((يعيد
الصلاة)) .
وأخرجه أيضاً هو، والترمذيّ، والدارميّ بلفظ: ((أن رجلاً صلى خلف
الصفّ وحده، فأمره النبيّ وَّ ر أن يعيد الصلاة)).
فهذا صريح في مخالفة الرجل للمرأة في هذه المسألة، فالمرأة تصلّي
وحدها خلف الرجال، على حديث أنس ظُه هذا، والرجل لا يصلّي وحده
على حديث وابصة ظُته المذكور، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
١٤ - (ومنها): أن نافلة النهار يقتصر فيها على ركعتين، خلافاً لأبي
حنيفة في قوله: الأفضل أن يتنفل بأربع، سواء كان ليلاً، أو نهاراً، وسيأتي
ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
١٥ - (ومنها): صحة صلاة المميِّز، ووضوئه.
١٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّتُهُ: يجوز أن يُتمسّك به على أن المرأة
لا تؤمّ الرجال؛ لأنها إذا كان مقامها في الائتمام متأخّراً عن مرتبة الرجال،
فأبعد أن تتقدّمهم، وهو قول الجمهور، خلافاً للطبريّ، وأبي ثور في إجازتهما

٣٠٩
(٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٠)
إمامة النساء للنساء والرجال جملة، وحُكي عنهما إجازة ذلك في التراويح إذا
لم يوجد قارئ غيرها، واختلف في إمامتها للنساء، فذهب مالك، وأبو حنيفة،
وجماعة من العلماء إلى منع إمامتها للنساء، وأجاز ذلك الشافعيّ، وفيه رواية
شاذّة عن مالك. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح جواز إمامة النساء لأهل دارها؛ فقد
أخرج أحمد، وأبو داود بإسناد حسن عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث
الأنصاري ﴿ُّ، وكانت قد جَمَعَت القرآن، وكان النبيّ وَّ قد أمرها أن تؤم
أهل دارها، وكان لها مؤذِّن، وكانت تؤم أهل دارها، والله تعالى أعلم
بالصواب.
١٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب تَخَّتُهُ: قوله: ((قد اسودّ من طول
ما لُبِس يدلّ على أن لبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير هو بسطه،
واستعماله في الجلوس عليه.
واستَدَلّ بذلك مَن حَرّم الجلوس على الحرير وافتراشه؛ لأن افتراش فرش
الحرير وبسطه لباس له، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير.
وزعم ابن عبد البر: أن هذا يؤخذ منه أن مَن حَلَف لا يلبس ثوباً، وليس
له نية ولا ليمينه سبب، فإنه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب؛ لأن ذلك
یسمی لباساً.
وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن اللبس المضاف إلى الثوب إنما يراد به
اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما
يجلس عليه ويُفْتَرش، أو أُطلق ولم يضف إلى شيء، كما لو حلف لا يلبس
شيئاً، فجلس على حصير، أو حلف لا يلبس حصيراً فجلس عليه.
ولو تعلق الحنث بما يسمى لباساً بوجه ما، لكان ينبغي أن يحنث
بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ
لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا ﴾﴾ [النبأ: ١٠].
(١) ((المفهم)) ٢٨٦/٢ - ٢٨٧.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس؛ قَالَ تعالى:
﴿فَذَقَهَا اَللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢].
ولا نعلم خلافاً أنه لو حلف لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض
لم يحنث، وقد سمّاها الله بساطاً، وكذلك لو حلف لا يجلس تحت سقف
فجلس تحت السماء، وقد سمى الله السماء سقفاً، وكذلك لو حلف لا يجلس
في ضوء سراج فجلس في ضوء الشمس.
فإن هذه الأسماء غير مستعملة في العرف، والأيمان إنما تنصرف إلى ما
يتعارفه الناس في مخاطباتهم دون ما يصدق عليه الاسم بوجه ما في اللغة على
وجه التجوز، والله أعلم.
وإنما قال أصحابنا - يعني الحنبليّة -: لو حلف لَيَرَيَنّ امرأته عاريةً لابسةً
أنه يَبَرُّ برؤيتها في الليل عاريةً؛ لأن جمعه بين عُرْيها ولُبْسها قرينة تدلّ على أنه
لم يُرِد لبسها لثيابها؛ فإن ذلك لا يجتمع مع عريها. انتهى كلام ابن
رجب تَخْلُهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على
الحصير، والْخُمْرة، ونحو ذلك:
ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز الصلاة على الحصير، والسجود عليه،
وأن ذلك لا يكره إذا كان الحصير من جريد النخل أو نحوه مما ينبت من
الأرض.
وممن رُوي عنه أنه صلى على الحصير: ابن عمر، وزيد بن ثابت،
وجابر، وأبو ذر.
وقال النخعيّ: كانوا يصلون على الحصير والبوري.
وقال مجاهد: لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت.
ومذهب مالك: لا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت
الأرض، ويضع كفيه عليها، والسجود على الأرض أفضل عنده، وعند كثير من
العلماء .
وكان ابن مسعود لا يصلي على شيء إلا على الأرض.

٣١١
(٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٠)
وروي عن أبي بكر الصديق، أنه رأى قوماً يصلون على بُسُط، فقال
لهم: أَقْضُوا إلى الأرض، وفي إسناده نظر.
ورُوي عن ابن عمر، أنه كان يصلي على الخمرة ويسجد على الأرض،
ونحوه عن علي بن الحسين، وقال النخعيّ في السجود على الحصير: الأرض
أحب إليّ، وعنه، أنه قال: لا بأس أن يصلي الحصير، لكن لا يسجد عليهِ.
ونَقَلَ حَرْب، عن إسحاق، قال: مضت السنّة من النبيّ وَّ أنه صلى على
الخمرة والبساط، وعلى الثوب الحائل بينه وبين الأرض، قال: وإن سجد
الرجل على الأرض فهو أحب إليّ، وإن أفضى بجبهته ويديه إلى الأرض فهو
أحب إلينا .
وأكثر صلاة النبي ◌َّ كانت على الأرض، يدلّ على ذلك: أنه لَمّا وَكَفَ
المسجد وكان على عَرِيش فصلى النبي ◌َّ صلاة الصبح، وانصرف وأثر الماء
والطين على جبهته وأنفه.
وأخرج أبو داود من رواية شُريح بن هانئ، عن عائشة، قالت: لقد مُطِرنا
مرةً بالليل، فطرحنا للنبي وَّ نِطَعاً، فكأني أنظر إلى ثقب فيه ينبع الماء منه،
وما رأيته متقياً الأرض بشيء من ثيابه قط.
وأخرجه الإمام أحمد، ولفظه: قالت: ما رأيت رسول الله وَّ يتقي
الأرض بشيء، إلا مرة؛ فإنه أصابه مطر فجلس على طرف بناء، فكأني أنظر
إلى الماء ينبع من ثقب كان فيه.
وأخرجه ابن جرير، والبيهقيّ وغيرهما، وعندهم: أن شُريحاً قَالَ: سألت
عائشة عن صلاة رسول الله وَلو - فذكرت الحديث.
وفي رواية لابن جرير: أن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله وَّه صلى
على شيء قط، إلا أنه أصابنا مطر ذات ليلة، فاجتر نطعاً، فصلى عليه.
وأخرجه الطبراني، ولفظه: كان رسول الله وَ﴿ إذا صلى لا يضع تحت
قدميه شيئاً، إلا أنّا مطرنا يوماً فوضع تحت قدميه نطعاً.
وهذه الرواية من رواية قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح عن أبيه.
وأخرج بَقِيّ بن مَخْلَد في ((مسنده)) من رواية يزيد بن المقدام بن شريح،

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عن أبيه، عن جده، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، إن أناساً يصلون على
هذه الحصر، ولم أسمع الله يذكرها في القرآن، إلا في مكان واحد: ﴿لِلْكَفِرِنَ
حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، أفكان النبي ◌ّه يصلي على الحصير؟ قالت: لم يكن
رسول الله وَ يصلي على الحصير.
قال ابن رجب كَثّتُهُ: وهذا غريب جداً.
ویزید بن المقدام، قال أبو حاتم: یکتب حديثه.
وأخرج الإمام أحمد: ثنا عثمان بن عمر، ثنا يونس، عن الزهري، عن
عروة، عن عائشة، أن رسول الله ولو كان يصلي على خمرة، فقال: ((يا
عائشة، ارفعي حصيرك، فقد خشيت أن يكون يفتن الناس)).
قال ابن رجب: وهذا غريب جداً، ولكنه اختلف فيه على يونس:
فرواه مُفَضَّل بن فَضَالة، عن يونس، عن الزهري، عن أنس، أن النبي
وَسـ
كان يصلي على الخمرة، يسجد لها .
ورواه شبیب بن سعید، عن يونس، عن الزهري - مرسلاً.
ورواه ابن وهب في ((مسنده)) عن يونس، عن الزهري، قال: لم أزل
أسمع أن رسول الله وَلّ صلى على الخمرة، وعن أنس بن مالك، قال: كان
رسول الله وير يصلي على الخمرة ويسجد لها، فرواه بالوجهين جميعاً.
وأما رواية عثمان بن عمر، عن يونس، فالظاهر أنها غير محفوظة، ولا
تعرف تلك الزيادة إلا فيها، هكذا ذكر هذا البحث كلّه الحافظ ابن رجب نَُّهُ
في ((شرح البخاريّ»(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ جواز الصلاة على
الحصير ومثله ما في معناه مما يُفرش، سواء كان مأخوذاً من حيوان، أو
نبات، بلا كراهة؛ لحديث الباب وغيره، وهذا إذا لم يكن عليه ما يَشْغَلُ
المصلّي، ويُلهيه عن صلاته، من نقش أو غيره، وإلا فيُكره؛ لحديث
الخميصة، فقد قال ◌َ﴾: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ١٨/٣ - ٢٢.

٣١٣
(٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠١)
بأنبجانيّته، فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي))، وفي رواية: «كنت أنظر إلى علَمها،
وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتني))، متّفقٌ عليه.
وقد حَكَى جواز ذلك الإمام الترمذيّ تَخَّثُ في ((جامعه)) عن أكثر أهل
العلم، من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وهو قول أحمد، والأوزاعيّ،
والشافعيّ، وإسحاق، وجمهور الفقهاء.
والحاصل أن ما عليه الجمهور من الجواز هو الحقّ، والذي نُقل من
كراهة ذلك عن بعض السلف، فيُحْمَل على أنه من باب التورّع، أو أنه لم يصل
إليهم حديث الباب، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الکتاب قال:
[١٥٠١] (٦٥٩) - (وَحَدَّثَنَا(١) شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، كِلَاهُمَا عَنْ
عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَِّ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقاً، فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ
فِي بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ، ثُمَّ يُنْضَحُ، ثُمَّ يَؤُمُّ(٢) رَسُولُ اللهِ وَِّ،
وَتَقُومُ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِنَا، وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي
بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٦ أو ٢٣٥)
عن بضع و(٩٠) سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ،
لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجّة [١٠] (ت٢٣٤) (خ م دس) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣ /١٩٠.
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة
التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يَثبُت عنه [٨] (ت١٨٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((ثم يقوم)).

٣١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٤ - (أَبُو التَّيَّاح) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ
[٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٢٧ /٦٥٩.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) تَّبُهَ ذُكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وهو (٩٢) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به
هو وأبو داود، والنسائيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه أيضاً، فالأول أُبُليّ،
نسبة إلى أُبُلّة، بضمتين، وتشديد اللام قرية بالبصرة، والثاني بصريّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن أبا التيّاح منفرد بهذه الكنية، فلا يوجد في الرواة من
يُكنى أبا التّاح، وتقدّم ما يتعلّق بأنس رَظُه في السند الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَله أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ أَحْسَنَ النَّاسِ
خُلُقاً) منصوب على التمييز، وهو بضمّتين: السَّجِيّة، وأخرجه المصنّف في
(كتاب الأدب)) بسند الباب، كان رسول الله وَ ل أحسن الناس خُلُقاً، وكان لي
أخٌ يقال له: أبو عُمَير، قال: أحسبه قال: كان فَطِيماً، قال: فكان إذا جاء
رسول الله وَّله، فرآه، قال: ((أبا عُمير ما فعل النُّغَيْرِ؟))، قال: فكان يَلْعَبُ به.
وأخرجه البخاريّ في ((الأدب)) أيضاً، من طريق شعبة، عن أبي التّاح،
قال: سمعت أنس بن مالك رضيبه يقول: إن كان النبيّ وَّ ليخالطنا، حتى يقول
لأخ لي صغير: ((يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟)).
ومن طريق مسدَّد، عن عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس، قال:
كان النبيّ وَّ أحسنُ الناس خُلُقاً، وكان لي أخٌ، يقال له: أبو عمير، قال:
أحسبه فَطِيماً، وكان إذا جاء قال: ((يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟))، نُغَرِّ(١) كان
(١) ((النُّغَرُ)) بضم، ففتح، وزان رُطَب، قيل: فَرْخ العُصفور، وقيل: ضرب من العصافير
أحمر المنقار، وقيل: يُسمّى البُلْبُل، قاله في ((المصباح)) ٦١٥/٢.

٣١٥
(٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠١)
يَلْعَب به، فربما حضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته،
فيُكْنَس، ويُنضَحُ، ثم يقوم، ونقوم خلفه، فيصلي بنا.
قال في ((الفتح)): قوله: ((كان النبيّ ◌َ ﴿ أحسن الناس خُلُقاً)) هذا قاله
أنس ظُه تَوْطِئةً لما يريد أن يذكره من قصّة الصبيّ، وأول حديث شعبة
المذكور، عن أنس: قال: ((إن كان النبيّ وَ ل﴿ ليخالطنا))، ولأحمد من طريق
المثنى بن سعيد، عن أبي التياح، عن أنس: ((كان النبيّ وََّ يزور أمَّ سُلَیم))،
وفي رواية محمد بن قيس: ((كان النبيّ ◌َّ قد اختلط بنا أهلَ البيت))، يعني
لبيت أبي طلحة وأم سليم، ولأبي يعلى من طريق محمد بن سيرين، عن
أنس: ((كان النبيّ وَّ﴾ يغشانا، ويخالطنا))، وللنسائيّ من طريق إسماعيل بن
جعفر، عن حميد، عن أنس: ((كان النبيّ ◌َّ يأتي أبا طلحة كثيراً))، ولأبي
يعلى من طريق خالد بن عبد الله، عن حميد: ((كان يأتي أم سُلَيم، وينام على
فراشها، وكان إذا مشى يتوكأ))، ولابن سعد، وسعيد بن منصور، عن ربعي بن
عبد الله بن الجارود، عن أنس: ((كان يزور أُمَّ سُلَيم، فتتحفه بالشيء تصنعه
(١)
له)). انتهى (١).
وقوله: (فَرُبَّمَا) قال في ((القاموس)): ورُبَّ، ورُبّةَ، ورُبّما، بضمّهنّ،
مشدّدات، ومخفَّفات، وبفتحهنّ كذلك، ورُبُ بضمّتين، مخفّفةً، ورُبْ كمُذْ:
حرفٌ حافظٌ، لا يقع إلا على نكرة، أو اسمٌ، وقيل: كلمةُ تقليل، أو تكثير،
أو لهما، أو في موضع المباهاة للتكثير، أو لم توضع لتقليل، ولا لتكثير، بل
يُستفادان من سياق الكلام. انتهى(٢).
وقال في ((المصباح)): ورُبّ حرف يكون للتقليل غالباً، ويدخل على
النكرة، فيقال: ربّ رجل قام، وتدخُل عليه التاء مُقحَمَةً، وليست للتأنيث؛ إذ
لو كانت للتأنيث لسَكَنتْ، واختَصَّت بالمؤنّث، وأنشد أبو زيد:
يَا حَاحِباً رُبَّتَ إِنْسَانٍ حَسَنْ يَسْأَلُ عَنْكَ الْيَوْمَ أَوْ يَسْأَلُ عَنْ(٣)
واختار ابن هشام في ((مغنيه)) أنها حرف جرّ، وليس معناها التقليل دائماً،
(١) ((الفتح)) ٥٩٩/١٠ ((كتاب الأدب)) رقم (٦٢٠٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) ٧١/١.
.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢١٤/١.

٣١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ولا التكثير دائماً، بل ترد للتكثير كثيراً، وللتقليل قليلاً. انتهى (١).
فارُبّ)) هنا للتقليل (تَحْضُرُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ فِي بَيْتِنَا) جملة في محلّ نصب
على الحال من الفاعل (فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ) بكسر الموحّدة: ما بُسِط، أي فُرِشَ،
وهو: فِعَالٌ بمعنى مفعول، ومثله كتاب بمعنى مكتوب، وفِرَاشٌ بمعنى مفروش،
ونحو ذلك، وجمعه بُسُط بضمّتين (الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ) بالبناء للمفعول، يقال:
كَنَسَ البيت يَكْنُسُه كَنْساً، من باب نصر: كَسَحَ الْقُمَامة عنه، وكُنَاسةُ البيت: ما
كُسِح منه من التراب، فأُلقِي بعضه على بعض، أفاده في ((اللسان))(٢). (ثُمَّ
يُنْضَحُ) بالبناء للمفعول أيضاً، أي يُرشّ بالماء، قال النوويّ كَُّهُ: وإنما
نضحه؛ ليلين، فإنه كان من جريد النخل، كما صرح به في هذه الرواية،
ويَذهَبَ عنه الغبار ونحوه، هكذا فسره القاضي إسماعيل المالكيّ، وآخرون،
وقال القاضي عياض: الأظهر أنه كان للشك في نجاسته، وهذا على مذهبه في
أن النجاسة المشكوك فيها تُطَهَّر بنضحها من غير غسل، ومذهبنا ومذهب
الجمهور أن الطهارة لا تَحْصُل إلّا بالغسل، فالمختار التأويل الأول. انتهى(٣).
(ثُمَّ يَؤُمُّ) بالبناء للفاعل، وفي بعض النسخ: ((ثمّ يقوم)) (رَسُولُ اللهِ وَّةِ،
وَنَقُومُ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِنَا، وَكَانَ بِسَاطُهُمْ) أي بساط أهل ذلك العصر (مِنْ جَرِيدٍ
النَّخْلِ) ((الْجَرِيد)» - بفتح الجيم، وكسر الراء -: سَعَفُ النخَلِ، الواحدة:
جَرِيدة، فَعِيلة بمعنى مفعولة، وإنما تُسَمَّى جَرِيدةً إذا جُرِدَ عنها خُوصُها، قاله
في ((المصباح)) (٤).
و((النَّخْل)): اسم جمع، الواحدة ((نَخْلَةٌ))، وكل جمع بينه وبين واحده
الهاء، قال ابن السكيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره، فيقولون: هي التمر،
وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد وتميم يذكّرون، فيقولون: نَخْلٌ
كريمٌ، وكريمةٌ، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلِ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و﴿نَخْلٍ
خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما ((النَّخِيلُ)) بالياء، فمؤنثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف
(١) ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٢٦٥/١ تحقيق حسن أحمد.
(٢) ((لسان العرب)) ٦/ ١٩٧.
(٤) ((المصباح المنير)) ١ / ٩٦.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٦٤/٥.

٣١٧
(٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠١)
في ذلك، ذكره الفيّوميّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظُبه هذا متّفقٌ عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٠١/٤٩] (٦٥٩) وفي ((الأدب)) بقصّة الصبيّ
دون الصلاة، و(البخاريّ) في ((الأدب)) (٦١٢٩ و٦٢٠٣) وفي ((الأدب المفرد))
(٢٦٩)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٣٣٣) وفي ((البرّ والصلة)) (١٩٨٩)،
و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٣٣ و٣٣٤ و٣٣٥ و٣٣٦)، و(ابن ماجه)
قصّة مزاحه في ((الأدب)) (٣٧٢٠ و٣٧٤٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٩/٣
و٢١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٠٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٤٧٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٣/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز صلاة النافلة جماعة، وجواز الصلاة على البساط.
٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَل من حسن الخلق، والتواضع حيث
كان يزور أم سليم وأهل بيتها، ويصلي على البساط الممتَهَن.
٣ - (ومنها): جواز زيارة الرجل للمرأة الأجنبية إذا أُمِنت الفتنة.
٤ - (ومنها): تخصيص الإمام بعض الرعية بالزيارة، ومخالطة بعض
الرعية دون بعض.
٥ - (ومنها): جواز مشي الحاكم وحده.
٦ - (ومنها): جواز الصلاة على الحصير، وترك التقزُّز؛ لأنه علم أن في
البيت صغيراً وصلى مع ذلك في البيت، وجلس فيه.
٧ - (ومنها): أن الأشياء على يقين الطهارة؛ لأن نضحهم البساط إنما
كان للتنظيف على الراجح.
(١) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٩٦ - ٥٩٧.

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٨ - (ومنها): أن الاختيار للمصلي أن يقوم على أروح الأحوال،
وأمكنها، خلافاً لمن استحب من المشددين في العبادة أن يقوم على أجهدها .
٩ - (ومنها): جواز دخول الرجل بيت المرأة وزوجها غائبٌ، ولو لم
يكن محرماً إذا انتفت الفتنة.
١٠ - (ومنها): استحباب النضح فيما لم يُتَيَقَّن طهارته.
١١ - (ومنها): إكرام أقارب الخادم، وإظهار المحبة لهم؛ لأن جميع ما
ذُكِر من صنيع النبيّ بَّر مع أم سليم وذويها، كان غالبه بواسطة خدمة أنس
رضىُ عبّه
له وَلّ، وسيأتي ما يتعلّق من الفوائد بقصّة أبي عُمير في (كتاب الأدب)) - إن
شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٢] (٦٦٠) - (حَدَّثَنِي (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ،
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ بَهِ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا
وَأُمِّي، وَأُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَ: ((قُومُوا، فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ))، فِي غَيْرٍ وَقْتٍ صَلَاةٍ،
فَصَلَّى بِنَا، فَقَالَّرَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسأَّ مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى بَمِينِهِ، ثُمَّ دَعَا
لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، بِكُلِّ خَيْرِ، مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَتْ أُمّي: يَا رَسُولَ اللهِ،
خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ اللهَ لَهُ، قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ، أَنْ
قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِْ لَهُ فِيهِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ،
مشهور بكنيته ولقبُهُ قيصر، ثَقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) وله (٧٣) سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٣٦/٦.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٣١٩
(٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّفِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٢)
٣ - (سُلَيْمَانُ) بن المغيرة(١) القَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ
[٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات
سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَس) بن مالك ◌ُله المذكور قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذ ◌َلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، وهاشم، فبغدادیّان،
وتقدّم ما يتعلّق بأنس رَظُبه، ولله الحمد والمنّة.
شرح الحديث:
ـُ أنه (قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَّهِ عَلَيْنَا) أي في بيت أم
(عَنْ أَنَسِ)
سليم ◌ّها، فقد أخرج الحديث البخاريّ في ((صحيحه))، من طريق حُميد، عن
أنس رضيُه دخل النبيّ وَّر على أم سليم، فأتته بتمر، وسمن، قال: ((أعيدوا
سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم))، ثم قام إلى ناحية من
البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم، وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا
رسول الله إن لي خُوَيِصّةً، قال: ((ما هي؟)) قالت: خادمك أنس، فما ترك خير
آخرة، ولا دنيا، إلا دعا لي به، قال: ((اللهم ارزقه مالاً وولداً، وبارك له
فيه))، فإني لمن أكثر الأنصار مالاً، وحدثتني ابنتي أُمَينة، أنه دُفِن لصلبي مَقْدَمَ
حَجّاج البصرةَ بضع وعشرون ومائة.
ووقع في رواية أبي داود بسند صحيح، عن ثابت، عن أنس ظُه أنه
(١) وقع في برنامج الحديث للكتب التسعة هنا غلط، وهو أنهم ذكروا هنا ترجمة
سليمان التيميّ، والصواب سليمان بن المغيرة، كما صرّح به أبو نعيم في
((مستخرجه)) ٢٥٥/٢ رقم (١٤٧٣)، فتنبّه.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال: إن رسول الله وَ﴾ دخل على أم حرام، فأتوه بسمن، وتمر، فقال: ((رُدُّوا
هذا في وعائه، وهذا في سقائه، فإني صائم))، ثم قام، فصلى بنا ركعتين
تطوعاً، فقامت أم سليم، وأم حرام خلفنا، قال ثابت: ولا أعلمه إلا قال:
أقامني عن يمينه على بساط.
قال الجامع عفا الله عنه: لا تعارض بين القصّتين؛ إذ يمكن حمله على
تعدّد الواقعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا) (ما)) هنا نافية، و((هو)) في محل رفع مبتدأ، وهو ضمير
يفسِّره خبره، أي لا يُعْلَم ما يراد به إلا بذكر خبره، وهو من الضمائر التي
يفسِّرها ما بعدها لفظاً ورتبةً، أفاده السمين الحلبيّ نَّتُهُ في إعراب قوله تعالى:
﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ [الأنعام: ٢٩] الآية.
والمواضع التي يعود الضمير فيها على متأخّر لفظاً ورُتبةً ستّة، نظمتها
بقولی :
لَفْظَاً وَرُتْبَةً أَتَى مُغْتَفَرَا
وَعَوْدُ مُضْمَرٍ عَلَى مَا أُخِّرَا
وَارُبَّهُ فَتَّى)) كَذَا مَا أُبْدِلَا
فِي مُضْمَرِ الشَّأْنِ وِ((نِعْمَ رَجُلًا))
بِخَبَرٍ وَفِي التَّنَازُعِ جَرَى
مَا بَعْدَهُ عَنْهُ وَمَا قَدْ فُسِّرَا
تَقَدُّمَ الْمَرْجِعِ نَعْمَ الْمَّظْلَبُ
فَتِلْكَ سِتّ وَسِوَاهَا أَوْجَبُوا
وقوله: ((إلا أنا)) خبر المبتدأ .
(وَأُمِّي) أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصاريّة، يقال: اسمها سَهْلة، أو
رُميلة، أو رُميثة، أو مُليكة، أو غير ذلك، اشتهرت بكنيتها، وكانت من
الصحابيّات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان ربه، وقد تقدمت ترجمتها في
((الحيض)) ٧١٦/٧. (وَأَمُّ حَرَام خَالَتِي) هي أم حرام بنت مِلْحان، واسمه
مالك بن خالد بن زيد بن حَّرَام بن جندب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن
مالك بن النجّار الأنصاريّة، خالة أنس بن مالك، وزوجة عبادة بن الصامت،
يقال: اسمها الْغُمَيصاء، ويقال: الرُّمَيصاء.
رَوَت عن النبيّ ◌َِّه، وروى عنها ابن أختها أنس بن مالك، وعُمير بن
الأسود العنسيّ، ويعلى بن شداد بن أوس، وعطاء بن يسار.
قال ابن سعد: تزوجت عبادة بن الصامت، فوَلَدت له محمداً، ثم خَلَف