Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٤)
وعن أبي هريرة تُله: ((لأن يمتلئ أذنا ابن آدم رصاصاً مُذاباً خير له من
أن يسمع المنادي فلا یجیبه)).
وعن عائشة رؤثنا: ((من سمع النداء فلم يأته، فلم يرد خيراً، ولم يُرَد به)).
وعن علي بن أبي طالب رَُّله: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد))،
فقيل له: يا أمير المؤمنين: ومَن جار المسجد؟ قال: من سمع الأذان))(١).
وعن ابن عباس ﴿ًا، قال: ((من سمع النداء، ثم لم يأت فلا صلاة له
إلا من عذر)). وعن عطاء: ((ليس لأحد من خلق الله تعالى في الحضر والقرية
يسمع النداء والإقامة رخصة في أن يدع الصلاة))، وعنه: ((كنا نسمع أنه لا
يتخلف عن الجماعة إلا منافق)).
وعن إبراهيم النخعي: ((أنه كان لا يرخص في ترك الصلاة في الجماعة
إلا لمريض، أو خائف)). وعن الحسن، قال: ((إذا سمع الرجل الأذان فقد
احتبس)). وسأل رجل سعيد بن المسيِّب عن بعض الأمر، ونادى المنادي،
فأراد أن يخرج، فقال له سعيد: قد نودي بالصلاة، فقال له الرجل: إن
أصحابي قد مَضَوا، وهذه راحلتي بالباب، فقال له سعيد: لا تخرج، فإن
رسول الله وَل قال: ((لا يخرج من هذا المسجد بعد النداء إلا منافق، إلا رجل
خرج، وهو يريد الرجعة إلى الصلاة))، فأبى الرجل إلا الخروج، فقال سعيد:
دونكم الرجل، قال: فإني عنده ذات يوم إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا محمد،
ألم تر ذلك الرجل الذي خرج، وقع عن راحلته، فانكسرت رجله؟ قال سعيد:
قد ظننت أنه سيصيبه أمر، نقل هذه الآثار الإمام أبو محمد بن حزم تَظُّ في
کتابه (المحلی))(٢).
(١) قد ورد حديث: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) مرفوعاً من حديث أبي
هريرة ظُه عند الدارقطنيّ، والحاكم، وفي إسناده سليمان بن داود اليماميّ منكر
الحديث، ومن حديث جابر ظه عند الدارقطنيّ، وفي إسناده محمد بن سُکین،
وهو ضعيف، ولذا قال الحافظ في ((التلخيص)): حديث: ((لا صلاة لجار المسجد
إلا في المسجد)) مشهور بين الناس، وهو ضعيف، انظر: ما كتبه الشيخ أحمد
شاكر على ((المحلى)) ١٩٥/٤.
(٢) ((المحلّى)) ١٩٤/٤ - ١٩٦.

٢٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ولولا الأحاديث الدالة على جواز صلاة
الرجل وحده كحديث: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين
درجة))، وحديث: ((صلاة الرجل أفضل من صلاة أحدكم وحده ... ))،
وحديث: ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ... )) لقلت - كما
قالت الظاهرية -: إنها من شروط صحة الصلاة.
وخلاصة القول أن صلاة الجماعة فرض عين على من ليس له عذر من
الرجال، وأما النساء فلا خلاف في أن شهودهن الجماعة ليس فرضاً عليهنّ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قد حقّق الحافظ ابن رجب تَّتُهُ في تفنيد أدلّة
القائلين بعدم فرضية صلاة الجماعة، في شرح حديث أبي هريرة ظه الآتي:
(لقد هممت أن آمر ... )) الحديث، فقال بعد قوله: ((وهذا الحديث ظاهر في
وجوب شهود الجماعة في المساجد)) ما نصّه:
وقد اعترض المخالفون في وجوب الجماعة على هذا الاستدلال،
وأجابوا عَنْهُ بوجوهِ:
مِنْهَا: حمل هَذَا الوعيد عَلَى الجمعة خاصة.
واستدلوا عَليهِ بما فِي ((صحيح مُسْلِمٍ)) عَن ابن مَسْعُود، أن النَّبِيِّ بَِّ قَالَ
لقوم يتخلفون عَن الجمعة: ((لَقَدْ هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثُمَّ أحرق
عَلَى رجال يتخلفون عَن الجمعة)).
ومنها: أَنَّهُ أراد تحريق بيوت المنافقين لنفاقهم؛ ولهذا قَالَ ابن مَسْعُود:
ولقد رأيتنا وما يتخلف عَنْهَا إلا منافق معلوم نفاقه، وقد سبق ذكره.
والمنافق إذا تخلف عَن الصلاة مَعَ المُسْلِمِين لا يصلي في بيته بالكلية،
كما أخبر الله عنهم، أنهم ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٢].
وهذا التأويل عَن الشَّافِعِيّ وغيره.
ومنها: أَنَّهُ لَمْ يفعل التحريق، وإنما توعّد بِهِ.
وقد ذهب قوم من العلماء إلى جواز أن يهدِّد الحَاكِم رعيّته بما لا يفعله
بهم، واستَدَلّ بعضهم لذلك بما أخبر بِهِ النَّبِيّ ◌َّهِ عَن سُلَيْمَان، أَنَّهُ قَالَ حِينَ
اختصمت إليه المرأتان في الولد: ((ايتوني بالسكين حَتَّى أشقه))، ولم يَرِد فعل

٢٠٣
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٤)
ذَلِكَ، إنما قصد بِهِ التوصل إلى معرفة أمه منهما بظهور شفقتها ورقّتها عَلَى
ولدها .
والجواب: أَنَّهُ لا يصح حمل الحَدِيْث عَلَى شيء من ذَلِكَ.
أما حمله عَلَى الجمعة وحدها فغير صحيح.
وفي ذكر النَّبِيّ وَِّ شهود العشاء فِي تمام الحَدِيْث مَا يدل عَلَى أن صلاة
العشاء المولَّخ عَلَى ترك شهودها هِيَ المراد.
وقد روي ذَلِكَ عَن سَعِيد بْنِ المُسَيِّب، وأنها داخلة فِي عموم الصلاة؛
فإن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يعم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهذا قَوْل جماعة من العلماء.
وقد جَاءَ التصريح بالتحريق عَلَى من تخلف عَن صلاة العشاء.
فروى الحميدي عَن سُفْيَان: ثنا أبو الزناد، عَن الأعرج، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِيّ وََّ، قَالَ: ((لَقَدْ هممت أن أقيم الصلاة صلاة العشاء، ثُمَّ آمر فتياني
فيخالفوا الى بيوت أقوام يتخلفون عَن صلاة العشاء، فيحرقون عليهم بحزم
الحطب))، وذكر بقية الحَدِيْث.
وروى ابن أَبِي ذئب، عَن عجلان مَوْلَى الْمُشْمَعِلِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن
النَّبِيِّ وَّهِ، قَالَ: ((لينتهين رجال ممن حول المسجد، لا يشهدون العشاء الآخرة
في الجمع، أو لأحرقن حول بيوتهم بحزم الحطب)).
خرّجه الإمام أحمد.
وخرّج - أيضاً - من حَدِيْث أَبِي معشر، عَن سَعِيد المقبري، عَن أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ وََّ، قَالَ: ((لولا مَا فِي البيوت من النِّسَاء والذرية أقمت
صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون مَا فِي البيوت بالنار)).
وروى عاصم، عَن أَبِي صالح، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أخر رَسُول الله وَّل
صلاة العشاء حَتَّى تهوّر الليل وذهب ثلثه أو قريباً مِنْهُ، ثُمَّ خرج إلى المسجد،
فإذا النَّاس عزون، وإذا هم قليل، فغضب غضباً مَا أعلم أني رأيته غضب غضباً
قط أشد مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ((لَوْ أن رجلاً نادى النَّاس إلى عرق أو مرماتين أتوه
لذلك [ولم يتخلفوا]، وهم يتخلفون عَن هذه الصلاة، لَقَدْ هممت أن آمر رجلاً

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
يصلي بالناس، ثُمَّ أتتبع هذه الدور الَّتِيْ تخلف أهلوها عَن هذه الصلاة،
فأحرقها عليهم بالنيران)).
وورد التصريح بأن العقوبة عَلَى ترك الجماعة دون الجمعة.
خرّجه الطبراني فِي ((أوسطه)): حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم - هُوَ ابن هاشم البغوي -،
ثنا حوثرة بْن أشرس، ثنا حماد بْن سَلَمَة، عَن ثابت، عَن أنس، أن النَّبِيّ وَّلـ
قَالَ: ((لَوْ أن رجلاً دعا النَّاس إلى عرق أو مرماتين لأجابوه، وهم يدعون إلى
هذه الصلاة فِي جماعة فلا يأتونها، لَقَدْ هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس فِي
جماعة، ثُمَّ أنصرف إلى قوم سمعوا النداء، فَلَمْ يجيبوا فأضرمها عليهم ناراً؛
فإنه لا يتخلف عَنْهَا إلا منافق)) .
حوثرة: ضَعِيف، قَالَ ابن نقطة في ((تكملة الإكمال)).
وأما ذكر الجمعة فِي حَدِيْث ابن مَسْعُود، فلا يدل عَلَى اختصاصها بذاك؛
فإنه كما همّ أن يحرق عَلَى المتخلف عَن الجمعة فَقَدْ همّ أن يحرق عَلَى
المتخلف عَن العشاء.
وقد قيل إنه عبّر بالجمعة عَن الجماعة للاجتماع لها .
قَالَ البيهقي: هَذَا هُوَ الَّذِي عَلِيهِ سائر الرواة.
واستدل بما خرّجه من ((سنن أَبِي داود)) عَن يزيد بْن يزيد، عَن یزید بْن
الأصم، قَالَ: [سَمِعْت أبا هُرَيْرَةً يَقُول]: سَمِعْتَ رَسُول اللهِوَّهِ يَقُول: ((لَقَدْ
هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزماً من حطبٍ، ثُمَّ آتي قوماً يصلّون في بيوتهم،
ليس بهم علة فأحرقها عليهم)).
قيل ليزيد بْن الأصم: الجمعة عنى أو غيرها؟ فَقَالَ: صمّتا أذناي إن لَمْ
أكن سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يأثره عَن النَّبِيّ وَ لَ، مَا ذكر جمعة ولا غيرها .
وخرّجه - أيضاً - من طريق معمر، عَن جَعْفَر بْن برقان، عَن یزید بْن
الأصم مختصراً، وفي حديثه: ((لا يشهدون الجمعة))، وهذه الرواية، أو أَنَّهُ
أراد بالجمعة الجماعة، كما قَالَ البيهقي؛ فإن مسلماً خرّجه من طريق وكيع،
عَن جَعْفَر بْن برقان، وَقَالَ فِي حديثه: ((لا يشهدون الصلاة)).
ورواية أبي داود صريحة فِي أن التحريق عقوبة عَلَى المتخلف عَن
الجماعة.

٢٠٥
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٤)
وإن صلى المتخلف في بيته.
وأما دعوى أن التحريق كَانَ للنفاق فهو غير صحيح؛ فإن النَّبِيّ ◌َّر صرح
بالتعليل بالتخلف عَن الجماعة، ولكنه جعل ذَلِكَ من خصال النفاق، وكل مَا
كَانَ علماً عَلَى النفاق فهو محرَّم.
وفي حَدِيْث أَبِي زرارة الأنصاري، عَن النَّبِّ نَّهِ: ((من سَمِعَ النداء ثلاثاً
فَلَمْ يجب كتب من المنافقين))، وإسناده صحيح؛ لكن أبو زرارة، قَالَ أبو
الْقَاسِم البغوي: لا أدري أله صحبة أم لا؟.
وخرّج الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة، عَن زبان بْن فائد، عَن سَهْل بْن
معاذ بْن أنس، عَن أبيه، عَن النَّبِيّ بِّهِ، قَالَ: ((الجفاء كل الجفاء، والكفر
والنفاق من سَمِعَ منادي الله ينادي بالصلاة ويدعو بالفلاح فلا يجيبه)).
ورواه رشدین بن سعد، عَن زبان.
قَالَ الحافظ أبو موسى: رواه جماعة عَن زبان، وتابعه عَليهِ یزید بْن أَبِي
حبيب .
وَقَالَ النخعي: كفى عَلَماً عَلَى النفاق أن يكون الرَّجُلُ جار المسجد، لا
یری فِیهِ .
وقد كَانَ النَّبِيّ ◌ََّ يعلم نفاق خلق من المنافقين ولا يعاقبهم عَلَى
نفاقهم، بل يكل سرائرهم إلى الله، ويعاملهم معاملة المُسْلِمِين فِي الظاهر، ولا
يعاقبهم إلا عَلَى ذنوب تظهر منهم، فَلَمْ تكن العقوبة بالتحريق إلا عَلَى الذنب
الظاهر، وَهُوَ التخلف عَن شهود الصلاة في المسجد، لا عَلَى النفاق الباطن.
وأما دعوى أن ذَلِكَ كَانَ تخويفاً وإرهاباً مِمَّا لا يجوز فعله، فَقَدْ اختلف
فِي جواز ذَلِكَ.
فروي جوازه عَن طائفة من السلف، منهم: عَبْد الحميد بْن عَبْد الرحمن
عامل عُمَر بْن عَبْد العزيز عَلَى الكوفة، وميمون بن مهران، وروي - أيضاً - عن
عُمَر بْن الخَطَّاب من وجه منقطع ضَعِيف، وعن عَلِيّ بْن أَبِي طالب.
وأنكر ذَلِكَ عُمَر بْن عَبْد العزيز وتغيّظ عَلَى عَبْد الحميد لمّا فعله، وَقَالَ:
إن خصلتين خيرهما الكذب لخصلتا سوءٍ.
وقد ذكر هذه الآثار عُمَر بْن شبة البصري فِي ((كِتَاب أدب السلطان)).

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبكل حال؛ فليس مَا ذكره النَّبِيِّ وَّ من التحريق من هَذَا فِي شيء؛
لأنه وَّ أخبر بأنه همّ، وأنما يَهُمُّ بما يجوز لَهُ فعله، والتخويف يكون عِنْدَ من
أجازه بما لا يجوز فعله ولا الهم بفعله، فتبين أَنَّهُ ليس من التخويف فِي شيء،
وإنما امتنع من التحريق لما فِي البيوت من النِّسَاء والذرية وهم الأطفال، كما
فِي الرواية الَّتِي خرجها الإمام أحمد، وهم لا يلزمون شهود الجماعة؛ فإنها لا
تجب عَلَى امرأة ولا طفل، والعقوبة إذا خشي أن تتعدى إلى من لا ذنب لَهُ
امتنعت، كما يؤخر الحد عَن الحامل إذا وجب عَلَيْهَا حَتَّى تضع حملها .
فإن زعم زاعم أن التحريق منسوخ؛ لأنه من العقوبات المالية، وقد
نُسِخت، وربما عضَّدَ ذَلِكَ بنهي النَّبِيّ بَّهِ عَن التحريق بالنار.
قيل لَهُ: دعوى نسخ العقوبات المالية بإتلاف الأموال لا تصح، والشريعة
طافحة بجواز ذَلِكَ، كأمره وَّه بتحريق الثوب المعصفر بالنار، وأمره بتحريق
متاع الغالّ، وأمره بكسر القدور الَّتِيْ طبخ فيها لحوم الحمر الأهلية، وحرّق
عُمَر بيت خمّار.
ونصّ عَلَى جواز تحريق بيت الخمّار أحمد وإسحاق، نقله عنهما ابن
منصور فِي ((مسائله))، وَهُوَ قَوْل يَحْيَى بْن يَحْيَى الأندلسي، وذكر أن بعض
أصحابه نقله عَن مَالِك، واختاره ابن بطة من أصحابنا .
وروي عَن عَلِيّ - أيضاً - وروي عَنْهُ أَنَّهُ أنهب ماله.
وعن عُمَر، قَالَ فِي الَّذِي يبيع الخمر: كسِّروا كل آنية لَهُ، وسَيِّروا كل
ماشية لَهُ، خرّجه وكيع في ((کتابه)).
وأما نهيه وَّوَ عَن التحريق بالنار، فإنما أراد بِهِ تحريق النفوس وذوات
الأرواح.
فإن قيل: فتحريق بيت العاصي يؤدي إلى تحريق نفسه، وَهُوَ ممنوع.
قيل: إنما يقصد بالتحريق دارهُ ومتاعهُ، فإن أتى عَلَى نفسه لَمْ يكن
بالقصد، بل تبعاً، كما يجوز تبييتُ المشركين وقتلهم ليلاً، وقد أتى القتل عَلَى
ذراریھم ونسائهم.
وقد سئل النَّبِيّ وَّهِ عَن ذَلِكَ، فَقَالَ: ((هم منهم))، رواه البخاريّ.
وهذا مِمَّا يحسن الاستدلال بِهِ عَلَى قتل تارك الصلاة؛ فإنه إذا جازت

٢٠٧
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٥)
عقوبة تارك الجماعة في ماله وإن تعدت إلى نفسه بالهلاك، فقتل من ترك
الصلاة بالكلية أولى بالجواز، فلا جرم كَانَ قتله واجباً عِنْدَ جمهور العلماء.
انتهى كلام ابن رجب نَظّتُهُ(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ابن رجب نَّتُهُ تحقيقٌ
نفيسٌ جدّاً .
وحاصله أن تأويل القائلين بعدم وجوب صلاة الجماعة للأدلّة الواضحة
الظاهرة على وجوبها تأويل غير صحيح، فلا يلتفت إليه، فالحقّ أنها فرض من
فروض الصلاة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا
شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ:
(بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغانيّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الْحِمصيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣.
٣ - (شُعَيْب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ،
ثقةٌ عابد، من أثبت الناس في الزهري [٧] (ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٩٦/٢٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، و((أبو سلمة)) هو: ابن عبد الرحمن بن
عوف، تقدّم قبل بابين.
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٤٥٣/٥ - ٤٦١.

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ) يعني أن أبا اليمان، حدّث
عن شعيب عن الزهريّ بمثل ما حدّث به عبد الأعلى، عن معمر عنه.
[تنبيه]: رواية أبي اليمان، عن شعيب هذه ساقها البخاريّ في
((صحيحه))، فقال:
(٦٤٩) حدّثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني
سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعت
رسول الله وَ* يقول: ((تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمس وعشرين
جزءاً، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر))، ثم يقول أبو
هريرة: فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال شعيب: وحدّثني
نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: ((تفضلها بسبع وعشرين درجة)). انتهى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ،
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، تَعْدِلُ خَمْساً وَعِشْرِينَ، مِنْ صَلَاةِ
الْفَذِّ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن
البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابد، كان ابن معين، وابن
المدينيّ لا يقدّمان عليه في ((الموظّأ)) أحداً، من صغار [٩] مات في أول سنة
(٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (أَفْلَحُ) بن حُميد بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال
له: ابن صُفيراء، ثقةٌ [٧] (ت١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في
((الحيض)) ٩/ ٧٣٧.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٢٠٩
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٧)
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ
القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: كنيته أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٢٠)
(ع) تقدم في ((الإيمان) ٨٠/ ٤٢٢.
٤ - (سَلْمَانُ الْأَغَرُّ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى جُهينة، أصله من
أصبهان، ثقةٌ، من كبار [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٩/٥٣.
٥ - (أبو هريرة) تقدم في الباب.
وقوله: (مِنْ صَلَاةِ الْفَذّ) بالفاء، والذال المعجمة المشدّدة، أي المنفرد،
أي المصلّي وحده، قال صاحب ((المطالع)): ولغة عبد القيس: الفنذ بالنون،
وهي غنّة لا نون حقيقةً، قال: وكذلك يقوله أهل الشام. انتهى (١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٤٧٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالًا:
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي
الْخُوَارِ، أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بُّنِ مُطْعِم، إِذْ مَرَّ بِهِمْ أَبُو عَبْدِ اللهِ،
خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّاذٍ، مَوْلَى الْجُهَنِيِّينَ، فَدَعَاهُ نَافِعٌ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((صَلَةٌ مَعَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، يُصَلِّيهَا
وَحْدَهُ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قبل بابين أيضاً.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن ميمون،، تقدّم قبل بابين أيضاً.
٤ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل بابين
أيضاً.
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٤٩/٢.

٢١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٥ - (عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ) - بضمّ الخاء المعجمة، وتخفيف
الواو - المكيّ، مولى بني عامر، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عباس، والسائب بن يزيد، وعبيد الله بن عياض، وعُبيد بن
جريج، وعطاء بن بخت، ونافع بن جبير بن مطعم، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر، ومولى لأبي الأسقع.
ورَوَى عنه ابن جريج، وإسماعيل بن أمية.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، ووَثّقه يعقوب بن سفيان، والعجليّ.
وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن عمر بن عطاء الذي رَوَى عنه ابن
جريج؟ فقال: هذا عمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار، بلغني عن يحيى أنه ضعَّفه.
قال الحافظ المزيّ تَّتُهُ: كذا قال، والمحفوظ عن يحيى أنه وَثَّقه،
وضعّف الذي بعده.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا
برقم (٦٤٩)، وحديث (٨٨٣): ((أن لا توصل صلاة بصلاة ... )) الحديث،
وروى أبو داود ثلاثة أحاديث فقط.
٦ - (أَبُو عَبْدِ اللهِ، خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّانٍ، مَوْلَى الْجُهَنِّينَ) هو سلمان الأغرّ
الذي تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّانٍ) قال النوويّ كَّتُهُ: هو بفتح الزاي، وتشديد
الباء الموحّدة، و((الختنُ)): زوج بنت الرجل، أو أخته، ونحوها. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ كَظُّهُ: ((الْخَتَنُ)) بفتحتين عند العرب كلُّ من كان من قِبَل
المرأة، كالأب، والأخ، والجمع أختان، وخَتَنُ الرجل عند العامّة زوج ابنته،
وقال الأزهريّ: الْخَتَنُ: أبو المرأة، والْخَتَنَةُ أمها، فالأَخْتان من قِبَل المرأة،
والأَحْماءُ من قِبَل الرجل، والأصهارُ يعمّهما، ويقال: المخاتنة: المصاهرة من
الطرفين، وخاتنتهم: إذا صاهرتهم. انتهى(٢).
[تنبيه]: زيد بن زبّان هذا لم أجد من ترجمه، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٢/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٦٤.

٢١١
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٨)
٧ - (أبو هريرة): تقدم في الباب.
وقوله: (أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ) الضمير لعمر بن عطاء.
وقوله: (فَدَعَاهُ نَافِعٌ) أي دعا نافع بن جبير أبا عبد الله.
وقوله: (فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير أبي عبد الله
المذكور، وهو عطف على مقدّر، أي فسأله نافع أن يُخبره ما سمع من أبي
هريرة ◌َبه في فضل صلاة الجماعة، فقال: سمعت أبا هريرة نظر ته ... إلخ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٨] (٦٥٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّرِ قَالَ: ((صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ
الْفَذِّ، بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (نافع) مولى ابن عمر رپا، تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابن عمر) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب ◌ًّا، تقدّم أيضاً قبل
بابین.
والباقيان ذُكرا أول الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ◌َتُهُ، وهو (٩٠) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، وقد دخلها .
٤ - (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل عن الإمام
البخاريّ تَخْشُهُ.
٥ - (ومنها): أن ابن عمر رضيها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
والمشهورين بالفتيا، والله تعالى أعلم.

٢١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿َا (أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ) الإضافة
لأدنى ملابسة، أي صلاة أحدكم مع الجماعة، أو بحذف مضاف، أي صلاة
آحاد الجماعات، فليس المراد تفضيل صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل
تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الواحد باعتبار حالين، أفاده السنديّ. (أَفْضَلُ
مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ) أي تزيد على صلاة المنفرد.
قال ابن الأثير تَخْلَتُهُ في ((شرح المسند)): لما كانت ((تفضل)) بمعنى
((تزيد))، وهي تتعدى بـ((على)) أعطاها معناها، فعدّاها بها، وإلا فهي متعدية
بنفسها، قال: وأما الذي في ((صحيح مسلم)): ((أفضل من صلاة الفذ))، فجاء
بها بلفظ ((أفعل)) التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك، وهي أبلغ من
(تَفْضُل)) على ما لا يخفى. انتهى.
و ((الْفَذَّ» - بالذال المعجمة -: المنفردُ، يقال: فَذَّ الرجلُ من أصحابه: إذا
بقي منفرداً وحده.
وفي رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع التالية، وسياقه أوضح، ولفظه:
((صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده)).
(بِسَبْعِ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً))) قال في ((الفتح)): معنى الدرجة، أو الجزء:
حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمُجَمِّع، وقد أشار ابن دقيق العيد
إلى أن بعضهم زعم خلاف ذلك، قال: والأول أظهر؛ لأنه قد ورد مبيّناً في
بعض الروايات. انتهى.
وكأنه يشير إلى ما عند مسلم في بعض طرقه بلفظ: ((صلاة الجماعة تعدل
خمساً وعشرين من صلاة الفذ))، وفي أخرى: ((صلاة مع الإمام أفضل من
خمس وعشرين صلاةً يصليها وحده))، ولأحمد من حديث ابن مسعود بإسناد
رجاله ثقات نحوه، وقال في آخره: ((كلها مثل صلاته))، وهو مقتضى لفظ أبي
هريرة ظُه حيث قال: ((تُضَعَّف))؛ لأن الضِّعْف كما قال الأزهري: المثل إلى
ما زاد، ليس بمقصور على المثلين، تقول: هذا ضعف الشيء، أي مثله، أو
مثلاه، فصاعداً، لكن لا يزاد على العشرة.
وظاهر قوله: ((تُضَعَّف))، وقوله: ((تَفْضُل))، وقوله: ((تزيد)) أن صلاة

٢١٣
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٨)
الجماعة تساوي صلاة المنفرد، وتزيد عليها العدد المذكور، فيكون لمصلي
الجماعة ثواب ستِّ، أو ثمان وعشرين من صلاة المنفرد. انتهى (١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظها هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٧٨/٤٣ و١٤٧٩ و١٤٨٠ و١٤٨١] (٦٥٠)،
و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٤٥ و٦٤٩)، و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٨٣٧) وفي
((الكبرى)) (٩١١)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٢١٥)، و(ابن ماجه) فيها
(٧٨٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٢٩/١)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٢١/١
- ١٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١/ ٤٨٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٦٥ و١١٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٩٢/١ -٢٩٣)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (١٤٧١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٠٥٢)، و(ابو عوانة) في
((مسنده)) (٣/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٤٩ و١٤٥٠ و١٤٥١)،
و(الطحاويّ) في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٩/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣/
٥٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧٨٤ و٧٨٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف الروايات بخمس وعشرين، أو بسبع
وعشرين :
قال الإمام الترمذيّ تَخْتُ: عامّة من رواه قالوا: ((خمساً وعشرين))، إلا
ابن عمر، فإنه قال: ((سبعاً وعشرين)). انتهى.
قال الحافظ تَُّهُ: لم يُختَلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق
في ((مصنّفه))، عن عبد الله العُمَريّ، عن نافع، فقال فيه: ((خمساً وعشرين))،
لكن العمري ضعيف، ووقع نحوه عند أبي عوانة في ((مستخرجه)) من طريق أبي
أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، فإنه قال فيه: ((بخمس وعشرين))،
(١) ((الفتح)) ٣٤٩/٢.

٢١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وهي شاذّة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله، وأصحاب نافع، وإن
كان راويها ثقة.
قال: وأما ما وقع عند مسلم، من رواية الضحاك بن عثمان، عن نافع
بلفظ: ((بضع وعشرين))، فليست مغايرة لرواية الحفاظ؛ لصدق البضع على
السبع، وأما غير ابن عمر، فصح عن أبي سعيد، وأبي هريرة، كما في هذا
الباب، وعن ابن مسعود عند أحمد، وابن خزيمة، وعن أَبَيّ بن كعب عند ابن
ماجه، والحاكم، وعن عائشة، وأنس عند السرّاج، وورد أيضاً من طرق ضعيفة
عن معاذ، وصهيب، وعبد الله بن زيد، وزيد بن ثابت، وكلّها عند الطبراني،
واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية أُبَيّ، فقال: ((أربع))، أو
(خمس)) على الشك، وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد، قال فيها: ((سبع
وعشرون)) وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف.
وفي رواية لأبي عوانة: ((بضعاً وعشرين))، وليست مغايرة أيضاً، لصدق
البضع على الخمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس، والسبع؛ إذ لا أثر
للشكّ.
واختُلِف في أيهما أرجح، فقيل: رواية الخمس؛ لكثرة رواتها، وقيل:
رواية السبع؛ لأن فيها زيادةً من عدل حافظ.
ووقع الاختلاف في موضع آخر من الحديث، وهو مميز العدد المذكور،
ففي الروايات كلها التعبير بقوله: ((درجة))، أو حذف المميِّز، إلا طريق حديث
أبي هريرة، ففي بعضها: ((ضِعْفاً))، وفي بعضها: ((جُزْءاً))، وفي بعضها:
((درجةً))، وفي بعضها: ((صلاةً))، ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث
أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من التفنن
في العبارة.
وأما قول ابن الأثير: إنما قال: ((درجة))، ولم يقل: جزءاً، ولا نصيباً،
ولا حظاً، ولا نحو ذلك؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، فإن تلك
فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجات إلى جهة فوقُ، فكأنه بناه على أن
الأصل لفظ ((درجة))، وما عدا ذلك من تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء
مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضعف. انتهى.

٢١٥
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٩)
قال الجامع عفا الله عنه: ذكر العلماء في الجمع بين روايتي الخمس
والسبع، ما لا يخفى على بصير أنها كلّها تكلّفات، لا حاجة إليها، ولا ينشرح
لها الصدر، ولا تطمئن إليها النفس، إذ هي من الأمور التي مرجعها إلى علم
النبوة التي تقصر عن إدراك حقائقها عقول الحكماء، وتتقاصر دون معرفتها
أذواق الفهماء، فلا ينبغي الاشتغال بمثلها، بل تفوّض إلى عِلْم من له الخلق
والأمر، جَلّت عظمته، ودَقّت حكمته، وإلى عِلْم من أوحي إليه بتبليغ
الأحكام، وإيضاح أسرار التشريع للأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وكذلك كل ما ذكروه من تعيين الأسباب الموجبة للدرجات من التكلفات
التي لا داعي إليها، فالأولى أن يوكل علمها إلى عالمها الخبير بحكمة التشريع
وحقائقها، وقد كنت ذكرتها كلّها في ((شرح النسائيّ))؛ تبعاً للحافظ تَُّهُ، ولكن
أعرضت عنها هنا؛ لما أعلمتك آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٧٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا:
حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِيُّ
قَالَ: ((صَلَةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ، تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، سَبْعاً وَعِشْرِينَ))(١)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (يَحْيَى) بن سعيد بن فَرُّوخ التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ
الأحول، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمامٌ قُدوة، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في
((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٨٥.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
(١) وفي نسخة: ((سبعاً وعشرين درجةً)).

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
والباقيان تقدّما قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٨٠] (.) - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ
نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ
ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ: ((بِضْعاً وَعِشْرِينَ))(١)، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: ((سَبْعاً
وَعِشْرِينَ دَرَجَةً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ
سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
وقوله: (وَابْنُ نُمَيْرٍ) الأول هو محمد بن عبد الله بن نمير، والثاني أبوه
عبد الله بن نمير.
وقوله: (قَالَا) الضمير لأبي أُسامة، وعبد الله بن نمير.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عبيد الله المتقدّم، وهو: عن نافع، عن
ابن عمر پا.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، وابن نمير، عن عبيد الله هذه لم أجد من
(١) وفي نسخة: ((بضعاً وعشرين درجةً)).

٢١٧
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٨١)
ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ رَافِع(١)، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا
الضَّحَّكُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ قَالَ: ((بِضْعاً وَعِشْرِينَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ رَافِع) هو: محمد، تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك
الديليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) على
الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٧٥/١٦.
٣ - (الضَّخَّاكُ) بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسديّ
الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤.
[تنبيه]: رواية الضحّاك بن عثمان، عن نافع هذه ساقها أبو نعيم في
(مستخرجه)) (٢٤٦/٢) فقال:
(١٤٥١) حدثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي
بكر، ثنا حميد بن الأسود، ثنا الضحاك بن عثمان (ح) وحدّثنا سليمان بن
أحمد إملاءً، ثنا الحسين بن إسحاق بن أحمد، قالا: ثنا أبو كريب، ثنا ابن
أبي فُدَيك، عن الضحاك (ح) وحدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا أحمد بن
محمد بن شريح، ثنا محمد بن رافع، ثنا ابن أبي فُديك، ثنا الضحاك بن
عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ وَّر قال: ((فضل صلاة الجماعة على
الفذّ بضع وعشرين درجةً))، قال: لفظهم واحد. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا ابن رافع)).

٢١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٨٢] (٦٥١) - (وَحَدَّثَنِي(١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ فَقَدَ نَاساً فِي بَعْضٍ
الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى
رِجَالٍ، يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا(٢)، فَامْرَ بِهِمْ، فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الْحَطَبِ بُيُوتَهُمْ، وَلَوْ
عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْماً سَمِينَاً لَشَهِدَهَا))، يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب أيضاً.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضاً.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَّهُ ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّتْهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من أبي الزناد، وسفيان مكيّ، وعمرو
بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي
هريرة رضيبه، كما نقله أبو عبد الله الحاكم عن البخاري(٣).
٦ - (ومنها):
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٣) راجع: ((التدريب)) ٨٣/١.
(٢) وفي نسخة: ((يتأخّرون عنها)).

٢١٩
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٨٢)
٧ - (ومنها): أنه مسلسل الفقهاء.
٨ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهر كلٌّ منهما باللقب، وأحدهما لقبه
بصورة الكنية، وهما الأعرج، وأبو الزناد، فأبو الزناد لَقَبٌّ لُقِّب به لذكائه،
وليس بكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن.
٩ - (ومنها): أنّ أبا هريرة رُبه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْأَعْرَج) عبد الرحمن بن هرمز، وفي رواية السراج من طريق
شعيب، عن أبي الزناد، سمع الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله
فَقَدَ) قال الفيّوميّ: فَقَدتُهُ فَقْداً، من باب ضَرَبَ، وفِقْدَاناً: عَدِمتُهُ، فهو مفقودٌ،
وفَقِيدٌ، وافتقدته مثلُهُ، وتفقّدته: طلبته عند غيبته. انتهى(١). (نَاساً) تقدّم أن
ناساً اسم وُضِع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده إنسان، من غير لفظه،
مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلَّى، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال الله
(@) ثم فسّر الناس بالجنّ
تعالى: ﴿اَلَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
®)﴾. انتهى(٢).
(٢)
والإنس، فقال: ﴿مِنَ اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
(فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ) رواية المصنّف تَخْذُ هذه بيّنت سبب هذا الحديث،
فإن قوله: ((فقد ناساً ... إلخ)) فيه إيضاح سبب قوله وَير: (لقد هممت ...
إلخ)).
قال العراقيّ كَُّ: وعند أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث
أُبَيّ بن كعب ظُه ما يقتضي أن الصلاة المبهمة عند مسلم هي الصبح، فقال:
صلى بنا رسول الله وَ﴿ يوماً الصبح، فقال: ((أشاهد فلانٌ؟))، قالوا: لا، قال:
(أشاهد فلان؟))، قالوا: لا، قال: ((أشاهد فلان؟))، قالوا: لا، قال: ((إن
هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين)). انتهى (٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٤٧٨/٢.
(٣) ((طرح التثريب)) ٣١٢/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٣٠/٢.

٢٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(فَقَالَ) وَ (لَقَدْ هَمَمْتُ) وفي رواية البخاريّ: ((والذي نفسي بيده، لقد
هممت))، وهو قسم كان النبيّ وَّ كثيراً ما يُقْسِم به، وفيه إثبات اليد لله تعالى
على ما يليق بجلاله، وجواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهاً على
عظم شأنه، وفيه الردّ على من كره الحلف بالله مطلقاً .
فقوله: ((لقد هممت)) جواب القسم، أكَّده باللام، وكلمة ((قد)). ومعنى
((هممت)): أي قصدت، من الهم، وهو العزم، وقيل: دونه.
(أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ) أي يؤمّ الناس في الصلاة، وفيه دليلٌ لجواز
استخلاف الإمام، وانصرافه لعذر (ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَی رِجَالٍ) أي آتیھم من خلفهم،
قال الجوهريّ: خالف إلى فلان: أي أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى أخالف
المشتغلين بالصلاة قاصداً إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة،
فأحرّقها عليهم، وقيل: معناه: أذهب إليهم، وقيل: المعنى: أخالف الفعل
الذي أظهرت من إقامة الصلاة، فأتركه، وأسير إليهم، أو أخالف ظنّهم في أني
مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، والتقييد بالرجال يُخرج النساء والصبيان،
وهو منصوص عليه في رواية أحمد بلفظ: ((لولا ما في البيوت من النساء
والذرّيّة ... )) الحديث(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((ثم أخالف)) من باب المفاعلة، قال
الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان، أي يأتيه إذا غاب عنه، وقال
الزمخشريّ: يقال: خالفني إلى كذا: إذا قصدك، وأنت مُوَلِّ عنه، قال تعالى:
﴿َوَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] الآية.
والمعنى هنا: أخالف المشتغلين بالصلاة، قاصداً إلى بيوت الذين لم
يخرجوا عنها إلى الصلاة، فأحرقها عليهم، ويقال: معنى أخالف إلى رجال:
أذهب إليهم. انتهى(٢).
(يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا) أي يتأخّرون عن حضور الصلاة، وفي رواية أبي صالح
الآتية: ((إلى قوم لا يشهدون الصلاة))، وفي رواية لأبي داود: ((ثم آتي قوماً
(١) راجع: ((الفتح)) ٢/ ١٥٢، و((المرعاة)) ٤٨٣/٣.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٦١/٥.