Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(٣٨) - بَابُ فَضْلٍ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٥)
يجوز أن يكون لأجل طلبهم الرؤية على سبيل التعنت والعناد؟، بدليل
الاستعظام في نزول الملائكة في قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَئِكَةُ﴾ [الفرقان:
٢١]، ولا نزاع في جواز ذلك.
والجواب عن قولهم: لو صحت رؤية الله تعالى ... إلخ أن عدم
الوقوع لا يستلزم عدم الجواز، فإن قالوا: الرؤية لا تتحقق إلا بثمانية أشياء:
سلامة الحاسّة، وكون الشيء بحيث يكون جائز الرؤية، وأن يكون المرئي
مقابلاً للرائي، أو في حكم المقابل، فالأول كالجسم المحاذي للرائي،
والثاني كالأعراض المرئية، فإنها ليست مقابلة للرائي؛ إذ العَرَض لا يكون
مقابلاً للجسم، ولكنها حالّة في الجسم المقابل للرائي، فكان في حكم
المقابل، وأن لا يكون المرئيّ في غاية القرب، ولا في غاية البعد، وأن لا
يكون في غاية الصِّغَر، ولا في غاية اللطافة، وأن لا يكون بين الرائي
والمرئي حجاب.
قلنا: الشرائط الستة الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلَّا في رؤية الأجسام،
والله تعالى ليس بجسم فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته، ولا يعتبر في
حصول الرؤية إلَّا أمران: سلامة الحاسّة، وكونه بحيث يصحّ أن يُرَى وهذان
الشرطان حاصلان. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره صاحب ((العمدة)) في الردّ على
نفاة رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، إلا أن قوله: ((والله
تعالى ليس بجسم)) فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه لم يأت نصّ في جواز إطلاق
الجسم على الله تعالى، ولا في منعه، فلا ينبغي الخوض فيه، فتنبّه.
وقد ذكر العلامة ابن أبي العزّ تَخْلَثُ في ((شرح العقيدة الطحاويّة)) بحثاً
نفيساً في مسألة الرؤية، بما يكفي ويشفي، فراجعه تستفد علماً جمّاً(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((عمدة القاري)) ٤٣/٥.
(٢) راجع: ((شرح العقيدة الطحاويّة)) لابن أبي العزّ (ص١٨٩ - ٢٠١).

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٣٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ،
وَأَبُوِ أُسَامَةَ، وَوَكِيعٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ(١): ((أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ،
فَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ»، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ، وَلَمْ يَقُلْ: جَرِيرٌ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١٠ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة ثبتٌ سنّيّ، من
كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة، تقدّم قبل باب.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) هكذا النسخ، بدون ذكر إسماعيل بن أبي خالد،
وهذا خلاف عادته، وذلك أنه إذا أحال بقيّة الإسناد ذكر الشيخ الذي تلتقي فيه
الأسانيد، ولعلّه هنا سقط من النسّاخ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَقَالَ) وفي نسخة: ((قال)) بدون واو، والظاهر أن الفاعل ضمير
شيخه أبي بكر بن أبي شيبة.
وقوله: (سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ) ببناء الفعل للمفعول، قال في
((القاموس)): عَرَضَ له كذا يَعْرِضُ: ظهر عليه، وبدا، كعَرِضَ، كسَمِعَ، والشيءَ
له: ((أظهر له، وعليه)) أراده إيّاه، والْعُودَ على الإناء، والسيفَ على فخذه
يَعْرِضُهُ وَيَعْرُضُهُ فيهما، والجندَ عَرْضَ عَيْنٍ: أمرَّهُم عليه، ونظر حالهم. انتهى
باختصار(٢).
[تنبيه]: رواية وكيع، عن إسماعيل، ساقها الترمذيّ تَخْتُ، فقال:
(٢٤٧٤) حدّثنا هنّاد، حدّثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن
قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجليّ، قال: كنا جلوساً عند
النبيّ وَل﴾، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: ((إنكم ستُعْرَضون على ربكم،
(١) وفي بعض النسخ: (قال)) بدون واو.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٣٤/٢.

٤٣
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٧)
فترونه كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا
على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها فافعلوا))، ثم قرأ فـ﴿وَسَبِّخْ
بِحَمْدٍ رَئِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، قال أبو عيسى: هذا حديث
حسن صحيح. انتهى.
وأما رواية أبي أسامة، فساقها أبو داود في ((سننه)) مقروناً بجرير بن
عبد الحميد، ووكيع، فقال:
(٤٧٢٩) حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، ووكيع، وأبو أسامة،
عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله،
قال: كنا مع رسول الله وَله جلوساً، فنظر إلى القمر ليلة البدر ليلة أربع عشرة،
فقال: ((إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم
أن لا تُغْلَبُوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا))، ثم قرأ هذه
الآية ف﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهاً﴾ [طه: ١٣٠]. انتهى.
وأما رواية ابن نمير، فساقها ابن ماجه تَُّ، مقروناً بوكيع، وأبي
معاوية، فقال :
(١٧٧) حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدّثنا أبي، ووكيع (ح) وَحدّثنا
عليّ بن محمد، حدّثنا خالي يعلى، ووكيع، وأبو معاوية، قالوا: حدّثنا
إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال:
كنّا جلوساً عند رسول الله وَله، فنظر إلى القمر ليلة البدر، قال: ((إنكم سترون
ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا
على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا))، ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ
رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٣٧] (٦٣٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيعِ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ

٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أَبِي خَالِدٍ، وَمِسْعَرٍ، وَالْبَخْتَرِيِّ بْنِ الْمُخْتَارِ، سَمِعُوهُ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ
رُؤَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا))، يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ
الْبَصْرَةِ: أنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَّا
أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْحَاقُ بَنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مِسْعَر) بن كِدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ [٧] (ت٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٤ - (الْبَخْتَرِيِّ بْنِ الْمُخْتَارِ) هو: البَخْتَريّ بن أبي البَخْتَريّ - بفتح
الموحّدة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح المثنّاة، وكسر الراء - واسم أبيه
المختار بن رُوَيح العبديّ البصريّ، صدوق [٦].
رَوَى عن أبي بكر، وأبي بُردة ابني أبي موسى الأشعريّ، وأبي بكر بن
عُمارة، وغيرهم.
ورَوى عنه شعبة، وعيسى بن يونس، ووكيع، وابن أخيه محمد بن بشر بن
الفُرَافِصَة بن المختار العبديّ، وغيرهم.
قال شعبة: كان كخير الرجال، وقال وكيع: كان ثقةً، وقال ابن المديني:
ثقة، وقال البخاري: يُخَالِف في بعض حديثه، وقال ابن عديّ: ليس له كثير
رواية، ولا أعلم له حديثاً منكراً.
قال عمرو بن عليّ: مات سنة (١٤٨).
قال الحافظ الْمِزّيّ تَظْلَتُهُ: فَرَّق في الأصل - يعني صاحب الكمال - بين
البختريّ بن أبي البختريّ، والبختريّ بن المُخْتَار، وهما واحد، والحديث الذي
أخرجاه - يعني مسلماً والنسائي - وهو من رواية وكيع عنه، عن أبي بكر بن
عمارة بن رويبة.
قال الحافظ تَّتُهُ: قد سبقه إلى التفرقة بينهما البخاريّ وابن حبان في

٤٥
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٧)
((الثقات))، فذكر ابن أبي البختريّ في التابعين، ثم قال في أتباع التابعين:
البختريّ بن المختار؛ كان يُخطئ، وأَرَّخ وفاته كما قال عمرو بن عليّ. اهـ.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وله عندهما هذا الحديث فقط.
٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ) - براء وموحّدة مصغّراً - الثقفيّ
الكوفيّ، ثقةٌ(١) [٣].
رَوَى عن أبيه، وعنه مِسْعَر بن كِدَام، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وغيرهم.
وثقه ابن حبان، وقال الذهبيّ في ((الكاشف)): ثقةٌ (٢).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عندهم هذا الحديث فقط،
وأعاده بعده.
٦ - (أَبُوهُ) عُمارة بن رُؤَيبة الثقفيّ، أبو زُهَير، صحابيّ نزل الكوفة،
وتأخّر إلى ما بعد الستين.
وفي ((تهذيب التهذيب)) (٤١٦/٧): رَوَى عن النبيّ وَّ، وعن عليّ ◌َظُهُ،
ورَوى عنه ابنه أبو بكر بن عُمارة، وأبو إسحاق السَّبِيعِيّ، وعبد الملك بن
عُمَير، وحُصَين بن عبد الرحمن.
قال الحافظ تَُّهُ: الراوي عن عليّ آخَرُ غيره؛ وبيان ذلك أن ابن أبي
حاتم ذكر في ((الجرح والتعديل)): عُمَارَةَ بن رُويبة رَوَى عن عليّ بن أبي طالب
أنه خَيَّره بين أبيه وأمه، وهو صغير، فاختار أمَّه، رَوَى عنه يونس الْجَرميّ،
فتبيّن أنه غيره، الصحابيّ، ثقفيّ، والراوي عن عليّ جَرْميّ، ولأن الذي رَوَى
عن عليّ كان صغيراً في زمن عليّ، فليس بصحابيّ. والله أعلم. انتهى.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله عندهم حديثان
فقط(٣)، هذا الحديث عند المصنّف، برقم (٦٣٤) وأعاده بعده، وعند أبي داود
برقم (٤٢٧) وعند النسائيّ برقم (٤٧١ و٤٨٧)، وحديث: ((رأيت رسول الله الآلي
(١) قال في ((التقريب)): مقبول، والحقّ أنه ثقةٌ؛ لأنه روى عنه جماعة، وأخرج له
مسلم في الأصول، فهو ثقةٌ عنده، ووثّقه ابن حبّان، والذهبيّ، فتنبّه.
(٢) ((الكاشف)) ٣١٦/٣.
(٣) له تسعة أحاديث، انفرد مسلم بحديثين. انتهى. ((قرّة العين)) (ص٣٢٥).

٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ما يزيد على أن يقول بيده ... )) عند المصنّف برقم (٨٧٤) وعند أبي داود برقم
(١١٠٤) وعند النسائيّ برقم (١٤١٢).
والباقون تقدّموا قبله، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلا شيخه إسحاق، فمروزيّ،
والبَخْتَريّ فبصريّ.
٣ - ومنها: أن صحابيّه ظ له من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب
الستة إلا حديثان فقط، كما أسلفته آنفاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم (ابْنِ رُؤَيْبَةَ)
بضم الراء، بعدها همزة، وتُبدل واواً (عَنْ أَبِيهِ) عُمارة بن رُؤيبة ◌َُّهَ أنه (قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: (لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى) وفي الرواية التالية: ((لا
يلج النار من صلّى)) (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا))، يَعْنِي) أي يقصد بهذا
(الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ) أي داوم علَى أداء صلاتهما، قال القرطبيّ تَُّ: أي لن
يدخل النار من عاهد وحافظ على هاتين الصلاتين ببركة المداومة عليهما.
انتهى(١).
وقال في ((المنهل)): المراد أنه لا يدخلها أصلاً للتعذيب، بل يدخلها أو
يَمُرُّ عليها تَحِلَّةَ القسم، وهذا إذا وُفِّقَ لِبَقِيَّةِ الأعمال، أو لا يدخلها على وجه
التأبيد، وهذا لا ينافي أنه قد يُعَذَّبُ؛ لما في حديث أبي هريرة تصُّه أن
رسول الله وسلم قال: ((أتدرون من المفلس؟))، قالوا: المفلس فينا من لا درهمَ
له، ولا مَتَاعَ، فقال: ((إن المفلس من أمتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاة،
وصيام، وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ
هذا، وضَرَبَ هذا، فَيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت
(١) ((المفهم)) ٢٦٢/٢.

٤٧
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٧)
حسناته قبل أن يُقْضَى ما عليه أخِذَ من خطاياهم فَطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في
النار))، رواه مسلم (١). انتهى (٢).
وإنما خَصَّ هاتين الصلاتين بالذكر؛ لأن وقتَ الصبح وقتُ لَذَّةِ النوم،
والقيامُ فيه أشقّ على النفس من القيام في غيره، ووقتُ العصر وقتُ قُوَّةٍ
الاشتغال بالتجارة أو غيرها، فلا يَتَفَرَّغُ للصلاة فيه إلا مَن كان قَوِيَّ الإيمان،
كما قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَِّ
الزَّكَوَةُ﴾ الآية [النور: ٣٧].
فالمسلم إذا حافَظَ على هاتين الصلاتين مع ما فيه من التثاقل والتشاغل
كان الظاهر من حاله أن يحافظ على غيرهما أشَدَّ، ولأن الوقتين مشهودان،
تشهدهما ملائكة الليل، وملائكة النهار، وتُرْفَعُ فيهما الأعمال إلى الله تعالى،
فبالحَرِيِّ أن من داوم عليهما لا يدخل النار أصلاً، ويدخل الجنة؛ لصيرورة
ذلك مكفراً لذنوبه، وإن كان هذا ينافي ما عليه الجمهور من اختصاص كفارة
الصلاة بالصغائر، ولكن فضل الله واسع.
وقيل: خُصَّتَا بالذكر؛ لأن أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه
غَدْوَةً، وعَشِيَّةً، كما في حديث ابن عمر ◌َّا عند أحمد، والترمذيّ(٣).
(فَقَالَ لَهُ) أي لعُمارة بن رؤيبة دَُّه (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) اسمه
إسماعيل، كما بيّنه في ((الإصابة))، ونصّه:
(١٤٠) إسماعيلُ رجلٌ من الصحابة، نزل البصرة، رَوَى مسلم من طريق
وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، ومِسْعَر بن كِدام، والْبَخْتريّ بن المختار،
والنسائيّ من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، ومسلم أيضاً من طريق عبد الملك بن
عُمير، كلهم عن أبي بكر بن عُمارة بن رُويبة، عن أبيه، قال: قال
رسول الله : ((لا يلج النار رجل صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)).
(١) سيأتي للمصنّف في ((كتاب البرّ والصلة)) برقم (٢٥٨١).
(٢) ((المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود)) ٧/٤.
(٣) راجع: ((المرعاة في شرح المشكاة)) ٣٣١/٢.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ورَوَيناه في خبر عبد الله الجابريّ(١) قال: حدّثنا ابن أبي المثنى، حدّثنا
جعفر بن عون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن عُمارة بن رُويبة،
قال: جاء شيخ من أهل البصرة إلى أبي، فقال: حدِّثنا ما سمعت من
رسول الله ◌َ﴾، فذكره، فقال الشيخ: أنت سمعته؟ قال: سمعته أذناي، ووعاه
قلبي، فقال الشيخ: وأنا سمعت رسول الله وَ له يقوله، وما علمت أحداً وافقني
عليه .
ورواه ابن خزيمة في (صحيحه))(٢) عن بُندار، عن يزيد بن هارون، عن
إسماعيل، فقال فيه: شيخٌ من أهل البصرة، يقال له: إسماعيل، أخرجه ابن
منده، عن إبراهيم بن محمد، عن ابن خزيمة.
ولا نَعْرِف تسمية هذا الشيخ إلا في هذه الرواية، وهي رواية صحيحة،
والله أعلم. انتهى(٣).
(آنْتَ) بالمدّ، أصله ((أأنت)) بهمزتين، أولاهما همزة الاستفهام، فأبدلت
الثانية مدّاً، ويجوز تحقيقها (سَمِعْتَ هَذَا) الحديث (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ؟ قَالَ)
عمارة رَظُه (نَعَمْ) وفي رواية أبي عوانة في ((مسنده)): ((قال: نعم سمعته من
رسول الله وَلّ، حتّى ردّد عليه ثلاثاً))، وفي رواية أبي نعيم في ((مستخرجه)):
((قال: نعم، أشهد لسمعته من رسول الله وَله، سمعته أذناي، ووعاه قلبي)) (قَالَ
الرَّجُلُ) البصريّ (وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿)، وقوله: (سَمِعَتْهُ
أُذُنَايَ) أشار إلى دفع المجاز في السماع، وذلك بأن يسمعه عن شخص سمعه
منه وَّر، ثم يسنده إليه تجوّزاً، وقوله: (وَوَعَاهُ قَلْبِي) أشار به إلى أنه لم ينسه
منذ أسمعه منه بَّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) هكذا نسخة ((الإصابة)) ((في خبر)» بالخاء، والباء، ولعل الصواب في ((جزء عبد الله
الجابريّ)) بالجيم والزاي، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٢) لا يوجد في النسخة المطبوعة من ((صحيحه)) ١٦٤/١، ولعله لاختلاف النسخ،
والله تعالى أعلم.
(٣) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٥/١.

٤٩
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٨)
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عُمَارة بن رُؤَيْبَةَ رَّ ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف ◌َُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٣٧/٣٨ و١٤٣٨] (٦٣٤)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٤٢٧)، و(النسائيّ) فيها (٤٧١ و٤٨٧)، وفي ((الكبرى)) (٣٥٤)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٨٦١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٨٦/٢)،
و(أحمد) في («مسنده)) (١٣٦/٤ و٢٦١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣١٨
و٣١٩ و٣٢٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧٣٨ و١٧٤٠)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (١١١٣ و١١١٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤١٣ و١٤١٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٦٦/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٨٢
و٣٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): وهو بيان فضل صلاتي العصر والفجر، والمحافظة عليهما.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ظه من حرصهم على طلب
العلم، والتثبّت في نقله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي(١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا بَحْبَى
بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ،
وَقَبْلَ غُرُوبِهَا))، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ(٢) هَذَا مِنَ
النَّبِيِّ ◌ََّ؟، قَالَ: نَعَمْ، أَشْهَدُ بِهِ (٣) عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهـ
يَقُولُهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنْهُ).
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: ((قال: نعم، وأشهد به)).
(٢) وفي نسخة: ((فقال: أنت سمعت)).

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥، وهو أحد مشايخ
الأئمة السّة بلا واسطة.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر (١) الكرمانيّ كوفيّ الأصل، نزل
بغداد، ثقةٌ [٩] (ت٨ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٧١/٩٠.
٠
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ،
نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ الفرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ،
تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في ((الإيمان))
٢٩٦/٤٦.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ) هو أبو بكر المذكور في السند الماضي.
وقوله: (لَا يَلِجُ النَّارَ) ((لا)) هنا نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها.
وقوله: (بِالْمَكَانِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنْهُ) ظاهره أنه سمعه مع عمارة في مكان
واحد، فعلى هذا يكون قوله: ((أنت سمعته ... إلخ)) من باب التأكيد، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٩] (٦٣٥) - (وَحَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ
يَحْيَى، حَدَّثَنِي (٢) أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَمُ
قَالَ: ((مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ) القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له:
هُذْبةُ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣٠)
(خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١.
(١) بفتح النون، وسكون السين المهملة.
(٢) وفى نسخة: ((حدّثنا)).

٥١
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٩)
٢ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٣ - (أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ) نصر بن عمران بن عِصَام البصريّ، نزيل
خُرَاسان، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٤.
٤ - (أَبُو بَكْر) بن أبي موسى الأشعريّ، اسمه عمرو، أو عامر الكوفيّ، ثقة
[٣] (ت ١٠٦) وكان أسنّ من أخيه أبي بردة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٥/٨٦.
[تنبيه]: اختُلف في أبي بكر هذا، هل هو ابن أبي موسى، أو هو أبو
بكر بن عُمارة المذكور في الحديث الماضي؟.
فصنيع الشيخين أنه الأول؛ فأما المصنّف فقد صرّح في الطريق التالية بأن
بشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم نسبا أبا بكر، فقالا : ابن أبي موسى.
فهذا يدلّ على أن المصنّف تَّتُهُ يرى ترجيح كون أبي بكر هنا هو أبا
بكر بن أبي موسى الأشعريّ، لا أبا بكر بن عمارة.
وأما البخاريّ، فقد أخرجه عن هُدْبة بن خالد بسند المصنّف، وفيه: عن
أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، ثم قال: وقال ابن رجاء: حدّثنا همّام، عن
أبي جمرة، أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس أخبره بهذا، ثم رواه من طريق
حَبّان بن هلال، وفيه: عن أبي بكر بن عبد الله، عن أبيه. انتهى.
قال في ((الفتح)): أبو بكر هو ابن أبي موسى الأشعريّ، بدليل الرواية
التي بعده، حيث وقع فيها أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس، وعبد الله بن قيس
هو أبو موسى، وقد قيل: إنه أبو بكر بن عُمارة بن رُويبة، والأول أرجح.
وقال أيضاً: فاجتمعت الروايات عن همام بأن شيخ أبي جمرة هو أبو
بكر بن عبد الله، فهذا بخلاف مَن زَعَم أنه ابنُ عُمارة بن رُويبة، وحديث عمارة
أخرجه مسلم وغيره من طُرُق عن أبي بكر بن عمارة، عن أبيه، لكن لفظه: ((لن
يلج النار أحد صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها))، وهذا اللفظ مغاير للفظ
حديث أبي موسى، وإن كان معناهما واحداً، فالصواب أنهما حديثان. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب تَظُّ: وأما أبو بكر فقد أشار البخاريّ إلى أنه
أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ عبدِ الله بن قيس، واستشهَدَ له بشيئين:

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[أحدهما]: رواية ابن رجاء التي ذكرها تعليقاً عنه، عن همّام، عن أبي
جمرة أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس أخبره.
[والثاني]: أنه أسنده من رواية حَبّان بن هلال، عن همّام، ثنا أبو
جمرة، عن أبي بكر بن عبد الله - وهو ابن أبي موسى، عبد الله بن قيس.
وأخرجه مسلم من طريق بشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم قالا: ثنا
همّام بهذا الإسناد، ونسبا أبا بكر، فقالا: ابنُ أبي موسى.
قال: وإنما احتيج إلى هذا؛ لاختلافٍ وقع بين الحفّاظ في نسبة أبي بكر
هذا .
فمنهم من قال: هو أبو بكر بن أبي موسى، وتصرُّف الشيخين في
((صحيحيهما)) يدلّ على ذلك.
ومنهم من قال: هو أبو بكر بن عُمَارة بن رؤيبة، واستدلُّوا بما أخرجه
مسلم من رواية وكيع، عن ابن أبي خالد، ومشعَرٍ، والبَخْتريّ بن المختار،
سمعوا من أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه، قال: سمعتُ رسول الله وَل
يقول: ((لن يلج النار أحدٌ صلَّى قبل طلوع الشمس ... )) الحديث.
فمن هنا قال بعضهم: أبو بكر الذي روى عنه أبو جمرة هو ابن عُمارة بن
رؤيبة، عن أبيه عمارة بن رؤيبة؛ لأن معنى الحديثين متقارب.
قال ابن أبي خيثمة في ((كتابه)): سألت يحيى بن معين عن أبي بكر الذي
رَوَى حديث البردين من أبوه؟ قال: يَرَون أنه أبو بكر بن أبي موسى، فلذلك
استغربوه، قال: فقال له أبي: يُشبه أن يكون أبا بكر بن عمارة بن رؤيبة؛ لأنه
يروي عن أبيه عُمارة: ((من صلَّى قبل الغداة، وقبل غروب الشمس)).
وقال صالح بن محمد، عن عليّ ابن المدينيّ: هو عندي أبو بكر بن
عُمارة؛ لأن معنى الحديثين واحدٌ، قيل له: إن أبا داود الطيالسيّ، وهُدبة
نسباه، فقالا: عن أبي بكر بن أبي موسى؟ فقال: ليسا ممن يَضبِط هذا،
حدّثناه بهزٌ وحَبّان، ولم ينسباه.
قال أبو بكر الخطيب: قد نسبه جماعة عن همّام، منهم بشر بن السريّ،
وعبد الله بن رجاء، وعمرو بن عاصم، وللناسب فضلُ تَعَرُّفٍ وبيانٍ على من لم
ينسبه، قال: وكان عفّان ينسبه كذلك حتى قال له بُلْبُلٌ، وعليّ ابن المدينيّ: إنه

٥٣
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٩)
أبو بكر بن عُمارة، فترك نسبته، وقال: عن أبي بكر، عن أبيه (١).
ونَقَل الْبَرْقَانيّ، عن الدارقطنيّ أنه كان يقول: هو أبو بكر بن عُمارة بن
رؤيبة .
وعن الإسماعيليّ، عن مطيّن مثله.
وقال أبو الحسن الْعَقِيلِيّ(٢): اختُلف فيه، فالأقوى أنه أبو بكر بن أبي
موسى الأشعريّ، عن أبيه، ويقال: هو أبو بكر بن عُمارة بن رؤيبة، عن أبيه،
وكذلك قال مطيَّنٌ، وإليه يميل شيخنا أبو الحسن - يعني الدار قطنيّ تَظّْتُهُ. انتهى
كلام ابن رجب كَّتُهُ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن أبا بكر هنا هو ابن أبي
موسى الأشعريّ؛ لأمور:
[أحدها]: اتفاق الشيخين على ترجيح هذا.
[الثاني]: أن الذين نسبوه ثقات حفّاظ، يُعتمد على زيادتهم، وهم:
حَبّان بن هلال، وعبد الله بن رجاء، عند البخاريّ، وبشر بن السريّ، وعمرو بن
عاصم عند المصنّف، فزيادة هؤلاء مقبولة، ولا يضرّهم من لم ينسبه؛ فمن
حفظ حجة على من لم يحفظ.
[الثالث]: أن الذين رجّحوا كونه ابن عُمارة حجتهم كون الحديث هذا
بمعنى حديث ابن عمارة الماضي، وهذا لا يكفي حجةً، فكم من أحاديث
تتشابه بمعناها، وتكون أسانيدها مختلفة.
(١) وعبارة أبي عوانة في ((مسنده)) (٣١٥/١): قال عفّان: كان همّام قال لنا: عن أبي
بكر بن أبي موسى، فقال لي بلبل، وعليّ ابن المدينيّ: إنما هو عن أبي بكر بن
عُمارة بن رؤيبة، عن أبيه، فأنا أقول: أبو بكر، عن أبيه، وقال حبّان: عن أبي
بكر بن عبد الله، عن أبيه. انتهى.
(٢) هو: عيسى بن زيد بن عيسى بن زيد بن محمد بن عَقِيل، بفتح العين الأديب
الشافعيّ، مترجم في ((الأنساب)) للسمعانيّ ٢١٨/٤، وهو غير أبي جعفر الْعُقيليّ،
صاحب الضعفاء.
(٣) ((فتح الباري)) لابن رجب ٤١٦/٤ - ٤١٩.

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والحاصل أن كونه ابن أبي موسى هو الأرجح، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
٥ - (أَبُوهُ) أبو موسى الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار
الصحابيّ الشهير، مات ◌َظُه سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَظّتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى أبي بكر، وهو وأبوه كوفيّان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبي جمرة، عن أبي بكر،
وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكنى، سوى همّام، وهدّاب.
٥ - (ومنها): أن هدّاباً يقال له هُذْبة - بضمّ، فسكون - واختلف في أيهما
الاسم، وأيهما اللقب؟.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه الله من مشاهير الصحابة ﴿ه، أمّره عمر، ثم
عثمان ظيم، وهو أحد الحَكَمين بصفّين، وكان حسن الصوت بالقرآن، فقد
أخرج الشيخان أنّ النبيّ وَ ﴿ قال له لَمّا سمع قراءته: ((يا أبا موسى، لقد أوتيت
مزماراً من مزامير آل داود))، وفي رواية لمسلم قال رسول الله وَلّ لأبي موسى:
(«لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل
داود)»، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي بَكْرٍ) تقدّم الخلاف في اسمه قريباً (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى
الأشعريّ رَظُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نِهِ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ) تثنية بَرْد - بفتح الباء
الموحّدة، وسكون الراء - والمراد بهما: صلاة الفجر والعصر.
قال القرطبي: قال كثير من العلماء: البردان: الفجر والعصر، وسمّيا
بذلك؛ لأنهما يفعلان في وقت البرد.
وقال الخطابيّ: لأنهما يصليان في بردي النهار، وهما طرفاه، حين
يطيب الهواء، وتذهب سَوْرَة الْحَرّ.

٥٥
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٩)
وقال السفاقسيّ تَخْتُ عن أبي عبيدة: المراد الصبح والعصر والمغرب،
وفيه نظر؛ لأن المذكور تثنية، ومع هذا لم يتبعه على هذا أحد.
وقال في ((الفتح)): المراد صلاة الفجر والعصر، ويدلّ على ذلك قوله في
حديث جرير ظُه: ((صلاةٌ قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها))، زاد في رواية
لمسلم: ((يعني العصر والفجر))، قال الخطابيّ: سمّيتا بردين؛ لأنهما تصليان في
بردي النهار، وهما طرفاه، حين يطيب الهواء، وتذهب سَوْرة الحرّ.
ونقل عن أبي عبيد أن صلاة المغرب تدخل في ذلك أيضاً، وقال القزّاز
في توجيه اختصاص هاتين الصلاتين بدخول الجنة دون غيرهما من الصلوات ما
مُحَصَّله: إن ((مَن)) موصولة، لا شرطية، والمراد الذين صَلَّوهما أولَ ما فُرِضت
الصلاة، ثم ماتوا قبل فرض الصلوات الخمس؛ لأنها فُرِضت أوّلاً ركعتين
بالغداة، وركعتين بالعشيّ، ثم فُرضت الصلوات الخمس، فهو خبر عن ناس
مخصوصین، لا عموم فيه.
قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلُّف، والأوجه أن ((مَن)) في
الحديث شرطية، وقوله: (دَخَلَ الجنّةَ)) جواب الشرط، وعَدَلَ عن الأصل، وهو
فعل المضارع، كأن يقول: يدخل الجنة؛ إرادةً للتأكيد في وقوعه، بجعل ما
سيقع كالواقع، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَىَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٤].
(١) .
انتھی
وعبارة ((العمدة)): وزَعَم القَزّاز أنه اجتهد في تمييز هذين الوقتين؛ لعظم
فائدتهما، فقال: إن الله تعالى أدخل الجنة كلَّ مَن صلّى تلك الصلاة، ممن
آمن به في أول دعوته، وبَشَّر بهذا الخبر أن مَن صلاهما معه في أول فرضه إلى
أن نُسِخ ليلة الإسراء أدخلهم الله الجنة، كما بادروا إليه من الإيمان؛ تفضلاً منه
تعالی. انتھی.
قال العينيّ تَخْذَلُهُ: كلامه يؤدِّي إلى أن هذا مخصوص لأناس معينين، ولا
عموم فیه، وأنه منسوخ، وليس كذلك من وجوه:
(١) ((الفتح)) ٢/ ٦٤ بزيادة الآية.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(الأول): أن راويه أبا موسى سمعه في آواخر الإسلام، وأنه فَهِمَ
العموم، وكذا غيره فَهِم ذلك؛ لأنه خير فضل لمحمد ◌َله ولأمته.
الثاني: أن الفضائل لا تُنْسَخ.
الثالث: أن كلمة ((مَن)) شرطية، وقوله: (دَخَلَ الْجَنَّةَ) جواب الشرط،
فكلُّ من أتى بالشرط، فقد استحقّ المشروط؛ لعموم كلمة الشرط.
ولا يقال: إن مفهومه يقتضي أن مَن لم يصلها لم يدخل الجنة؛ لأنا
نقول: المفهوم ليس بحجة(١).
وأيضاً فإن قوله: ((دخل الجنة)) خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن مَن
صلاهما، وراعاهما انتَهَى عما ينافيهما، من فحشاء ومنكر؛ لأن الصلاة تنهى
عن الفحشاء والمنكر، أو يكون آخر أمره دخول الجنة.
وأما وجه التخصيص بهما، فهو لزيادة شرفهما، وترغيباً في حفظهما؛
لشهود الملائكة فيهما. انتهى(٢).
وقال الحافظ ابن رجب تَّلهُ: والبردان: صلاة الصبح والعصر؛ لأنهما
تُصلّيان في برد النهار من أوله، وأما الظهر فتُسمّى الْهَجِير، كما في حديث أبي
بردة؛ لأنها تُصلّى بالهاجرة، ويقال للعصر والفجر: العصران، كذلك رُوي عن
النبيّ ◌َ﴾ من حديث فضالة الليثيّ، وأنه أوصاه بالمحافظة عليهما، أخرجه
أحمد، وأبو داود.
وصلاة الصبح من صلاها فهو في ذمة الله، كما في حديث جندب بن
عبد الله يقول: قال رسول الله وَلّ: ((من صلّى الصبح، فهو في ذمة الله، فلا
تُخفروا الله في ذمته))، رواه مسلم، وفي رواية له: ((فلا يطلبنكم الله من ذمته
بشيء، فیدركه، فيَكُبّه في نار جهنم)).
وقد رُوي مثله في صلاة العصر أيضاً أخرجه نعيم بن حماد في ((كتاب
الفتن)) عن عبد العزيز الدراورديّ، عن زيد بن أسلم، عمن حدّثه أن
(١) هذا مذهب العينيّ، وهو مذهب الحنفيّة، والجمهور يرون كونه حجة بشروط
مذكورة في كتب الأصول، فتنبّه.
(٢) ((عمدة القاري)) ٧١/٥ - ٧٢.

٥٧
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٤٠)
رسول الله وَل قال: ((من صلّى الصبح كان في جوار الله حتى يُمسي، ومن
صلى العصر كان في جوار الله حتى يُصبح، فلا تُخفروا الله في جواره، فإنه من
أخفر الله في جواره طلبه الله، ثم أدركه، ثم كبّه على منخره))، أي في جهنّم.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رَُّبه عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٣٩/٣٨ و١٤٤٠] (٦٣٥)، و(البخاريّ) في
((مواقيت الصلاة)) (٥٧٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٠/٤)، و(الدارميّ) في
(سننه)) (٣٣١/١ - ٣٣٢)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (١٧٣٩)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (١١١٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤١٥)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٤٦٦/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٨/٢)، وفوائد الحديث
تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٤٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِم، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، بِهَذَا
الْإِسْنَادِ، وَنَسَبَا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَا: ابْنُ أَبِي مُوسَىِّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل
مكة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأفوه البصريّ، سكن مكة، وكان
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب: ٤١٩/٤ - ٤٢٠.

٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
واعظاً، ثقة متقنٌ، طُعن فيه برأي جهم،، ثم اعتَذَر وتاب [٩] (ت٥ أو ١٩٦)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٣ - (ابْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر
البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٤٢) (م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٠/٤٢.
٤ - (عَمْرُو بْنُ عَاصِم) بن عبيد الله الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ،
صدوقٌ، في حفظه شيءٌ، من صغار [٩] (ت٢١٣) (ع) تقدم في ((الإيمان))
٢٨٦/٤٣.
و«همّام)) ذُكر قبله.
وقوله: (قَالَا جَمِيعاً) ضمير التثنية فيه، وفي ((نَسَبَا)) لبشر بن السريّ،
وعمرو بن عاصم.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد همّام السابق، وهو: عن أبي جمرة،
عن أبي بكر، عن أبيه.
[تنبيه]: رواية بشر بن السريّ، وعمرو بن عاصم، عن همّام هذه ساقها
أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٢٣٣/٢) فقال:
(١٤١٥) حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، من أصل كتابه، ثنا أبو
شعيب الحرّانيّ، ثنا عفان، ثنا همام، عن أبي جمرة، وعبد الله بن محمد بن
حيان، قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا هدبة بن خالد، ثنا همام، ثنا أبو جمرة
(ح) وحدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن أحمد الخزاعيّ، ثنا محمد بن
أبي عمر، ثنا بشر بن السريّ، ثنا همّام(١)، عن أبي جمرة الضبعيّ، وحدّثنا أبو
محمد بن حيان، ثنا حمزة، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا
همام، ثنا أبو جمرة الضبعيّ، عن أبي بكر، عن أبيه، عن رسول الله وَلّم قال:
((من صلّى البردين دخل الجنة))، لفظهم واحد.
قال عمرو بن عاصم: ((عن أبي بكر بن أبي موسى))، وسمّاه، ونسبه إلى
أبيه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أفرد أبو نعيم عمرو بن عاصم بقوله: ((عن
أبي بكر بن أبي موسى))، وهو مخالف لما قاله المصنّف، حيث جعل معه
(١) وقع في النسخة: ((حماد))، وهو غلط، فتنبّه.

٥٩
(٣٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٤١)
بشر بن السريّ، ولعله وقع المصنّف له عنهما جميعاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بَِلَهِ عَلَيْهِ تَكَثُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾
(٣٩) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ،
وَاسْتِحْبَابِ التَّعْجِيلِ بِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤١] (٦٣٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، وَهُوَ ابْنُ
إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ كَانَ
يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ،
يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ
الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في
((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ، ثقةٌ
[٤] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٠/٥١.
٤ - (سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَع) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو
مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ المشهور، شهد بيعة الرضوان، ومات نظراته سنة
(٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو (٨٧) من رباعيّات
الكتاب، وهو من ثلاثيّات البخاريّ تَظُّهُ، فإنه رواه عن شيخه المكيّ بن
إبراهيم، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة
ـّه .

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل
المدينة أيضاً.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ◌َظُبه من مشاهير الصحابة ﴿ه، كان شجاعاً،
رامياً، وكان يَسبق الفرس شَدّاً على قدميه، فلما قُتل عثمان رَظُه خرج من
المدينة، فسكن الرَّبَذَة، وتزوّج بها امرأةً، فولدت له أولاداً، فلم يزل بها حتى
قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة، فمات بها، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كَانَ يُصَلِّ الْمَغْرِبَ إِذَا
غَرَبَتِ الشَّمْسُ) أي ساعة تغَرُب، وهذا يدلّ على تأهّبه لها قبل وقتها، ومُراقبة
وقتها، قاله القرطبيّ ◌َظُّهُ(١). (وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أي استترت بما يحجبها عن
الأبصار، يعني به غيبوبة جِرْم الشمس، قاله القرطبيّ تَخَذُ(٢).
ولفظ أبي عوانة من طريق صفوان بن عيسى، عن يزيد بن أبي عُبيد:
((كان يصلي المغرب ساعة غربت الشمس، حين يغيب حاجبها)).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب))
اللفظان بمعنَى، وأحدهما تفسيرٌ للآخر، وفي هذين الحديثين(٣) أن المغرب
تُعَجّل عقب غروب الشمس، وهذا مجمع عليه، وقد حُكِي عن الشيعة فيه شيء
لا التفات إليه، ولا أصل له، وأما الأحاديث السابقة في تأخير المغرب إلى
قريب سقوط الشفق، فكانت لبيان جواز التأخير، كما سبق إيضاحه، فإنها
كانت جواب سائل عن الوقت، وهذان الحديثان إخبار عن عادة رسول الله ولايهمل
المتكررة التي واظب عليها، إلا لعذر، فالاعتماد عليها، والله أعلم. انتهى(٤).
ومما يدلّ على استحباب تعجيل صلاة المغرب، ما أخرجه أحمد، وأبو
داود بإسناد صحيح، عن مَرْتَد بن عبد الله الْيَزنيّ، قال: لَمّا قَدِم علينا أبو
(١) ((المفهم)) ٢٦٣/٢.
(٢) ((المفهم)) ٢٦٣/٢.
(٣) يعني حديث سلمة رُه هذا، وحديث رافع رقُه بعده.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/٥ - ١٣٦.