Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٣٩٧)
احتجّ الجمهور القائلون باستحباب الإبراد في شدّة الحر مطلقاً بأحاديث
الباب، وغيرها، فإنه ليس فيها سوى ذلك.
قال الحافظ العراقيّ تَخّْثهُ: واستنبط الشافعيّ تَخْلَثُ هذه الشروط التي
اعتبرها من الحديث، وجعله تخصيصاً للنص بالمعنى، فحُكي عنه أنه قال: إن
أمر رسول الله * بالإبراد كان بالمدينة لشدة حرّ الحجاز، ولأنه لم يكن
بالمدينة مسجد غير مسجده يومئذ، وكان يُنتاب من البعد، فيتأذون بشدة الحرّ،
فأمرهم بالإبراد؛ لما في الوقت من السعة، حكاه ابن عبد البر.
واستَدَلَّ الترمذيّ في ((جامعه)) بحديث أبي ذرّ ◌َظُهُ الثابت في
((الصحيحين)): ((أذن مؤذِّن رسول الله وَّل، فقال النبيّ وَله: ((أبرد، أبرد))، أو
قال: ((انتظر، انتظر))، وقال: ((شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحرّ،
فأبردوا عن الصلاة))، حتى رأينا فيء التلول.
وفي رواية للبخاريّ أن ذلك كان في سفر، على خلاف ما ذهب إليه
الشافعيّ، وقال: لو كان على ما ذهب إليه لم يكن للإبراد في ذلك الوقت
معنى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد.
انتھی .
وأجاب الشافعية عما قاله الترمذيّ بأن اجتماعهم في السفر قد يكون أكثر
مشقة منه في الحضر، فإنه يكون كل واحد منهم في خبائه، أو مستقرّاً في ظل
شجرة، أو صخرة، ويؤذيه حرّ الرمضاء إذا خرج من موضعه، وليس هناك ظل
يمشون فيه، وأيضاً فليس هناك خباء كبير يجمعهم، فيحتاجون إلى أن يصلوا
في الشمس، والظاهر أيضاً أن أخبيتهم كانت قصيرة، لا يتمكنون من القيام
فيها .
وقد ثبت في الصحيح أنه وَلجر: ((كان يأمر مناديه، في الليلة الباردة، أو
المطيرة في السفر أن يقول: ألا صلوا في الرحال))، فلما كان وجود البرد
الشديد، أو المطر في السفر مرخِّصاً في ترك الجماعة، كذلك وجود الحر
الشديد في السفر مُقْتَضٍ للإبراد بالظهر.
وقال ابن المنذر تَخّْتُهُ: ثبت أن رسول الله وَ ل قال: ((إذا اشتد الحر،

٤٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فأبردوا بالظهر))، وبخبر رسول الله ولا نقول، وهو على العموم، لا سبيل
يستثنى من ذلك البعض. انتهى.
قال العراقيّ كَّتُهُ: وقد عرفت أن التخصيص إنما هو بالمعنى، والصحيح
في الأصول أنه يجوز أن يُستَنْبَط من النصّ معنى يُخَصِّصه.
لكن قد يقال: لا يتعين أن تكون العلة ما أشار إليه الشافعيّ من تأذيهم
بالحر في طريقهم، فقد تكون العلة ما يجدونه من حرّ الرمضاء في جباههم في
حالة السجود، وقد ثبت في الصحيح عن أنس نظُبه، قال: ((كنا إذا صلينا
خلف رسول الله (﴿ بالظهائر جلسنا على ثيابنا اتقاء الحر))، ورواه أبو عوانة
في ((صحيحه)) بلفظ: ((سجدنا)) بدل: ((جلسنا)).
وفي ((سنن أبي داود)) وغيره: ((كنت أصلي الظهر مع رسول الله وَ له، فآخذ
قبضة من الحصى؛ لتبرد في كفي، أضعها لجبهتي، أسجد عليه، لشدة الحر)).
وفي حديث أنس ظه في الصحيح: ((فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن
جبهته من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه))، فهذا هو المنقول عن الصحابة
ولم نجد عنهم أنهم شَكَوا مشقة المسافة، ولا بُعْد الطريق.
ويمكن أن تكون العلة في ذلك أنه وقت يفوح فيه حرّ جهنم، ولهيبها،
وهو ظاهر قوله: ((فإن شدة الحر من فيح جهنم))، وكونها ساعة يفوح فيها لهب
جهنم وحرها، يقتضي الكفّ عن الصلاة، كما في حديث عمرو بن عَبَسَة
((فإذا اعتدل النهار، فأقصِرْ))، يعني عن الصلاة، فإنها ساعة تُسجَر فيها جهنّم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه العلة هي أوضح ما يُعَلَّل به الأمر
((بالإبراد))؛ لكون الحديث نصّاً فيها، فلا معنى للتعليل بغيرها، فحينئذ يستوي
في الحكم الجماعة، والمنفرد، والحضري، والمسافر، فالقول بالعموم هو
الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
واحتجّ القائلون بعدم استحباب الإبراد مطلقاً بالأحاديث الدالة على
فضيلة أول الوقت، وبحديث خباب نظُّه: ((شكونا إلى رسول الله وَله
الرمضاء، فلم يشكنا)) الآتي في الباب التالي.
وأجابوا عن حديث الباب، وغيره من الأحاديث الدالة على الإبراد بأن
معناها: صَلُّوها في أول وقتها، أخذاً من بَرْد النهار، وهو أوله.

٤٦٣
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٣٩٧)
ورُدّ عليهم بأن هذا تأويل بعيد، يبطله قوله: ((فإن شدة الحرّ من فيح
جهنم))؛ لأن أول وقت الظهر أشدّ حرّاً من آخره، وحديث أبي ذرّ المتقدم
صريح في أن المراد بالإبراد التأخير إلى وقت البرد.
وقال الخطابيّ نَُّهُ: ومن تأول الحديث على برد النهار، فقد خرج من
جملة قول الأئمة.
وأجيب عما تمسكوا به، بأن أحاديث أول الوقت عامة، أو مطلقة،
والأمر بالإبراد خاص؛ فهو مقدم، ولا التفات إلى من قال: التعجيل أكثر
مشقة، فيكون أفضل؛ لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون
الأخف أفضل، كما في قصر الصلاة في السفر، قاله في ((الفتح))(١).
وأجيب عن حدیث خباب ره بأوجه:
أحدها: أنه إنما لم يجبهم لِمَا سألوا؛ لأنهم أرادوا أن يؤخروا الصلاة
بعد الوقت الذي حدّه لهم، وأمرهم بالإبراد إليه، ويزيدوا على الوقت
المرخّص لهم فيه، ومن المعلوم أن حر الرمضاء الذي يسجد عليه، لا يزول
إلا بعد خروج الوقت كله، ذكر المازريّ هذا الجواب، وقال: إنه الأشبه،
يعني أشبه الأجوبة.
ثانيها: أن هذا الحديث ونحوه من الأحاديث الدالة على التقديم،
منسوخة بأحاديث الإبراد؛ لأنها رُويت من حديث أبي هريرة، والمغيرة بن
شعبة، ونحوهما ممن تأخر إسلامه، بخلاف أحاديث التعجيل، كحديث
خباب، وحديث عبد الله بن مسعود.
ويدل عليه ما رواه ابن ماجه، وابن حبان في ((صحيحه)) عن قيس بن أبي
حازم، عن المغيرة بن شعبة ظلبه قال: ((كنا نصلي مع رسول الله وَي و صلاة
الظهر بالهاجرة، فقال لنا: أبردوا بالصلاة، فإن شدّة الحر من فيح جهنم))،
ورواه الطحاويّ بلفظ: ((ثم قال: أبردوا))، وأعله أبو حاتم بأنه رُوي عن
قيس بن أبي حازم، عن عمر بن الخطاب من قوله.
وذكر الخلال عن الميمونيّ: أنهم ذاكروا أبا عبد الله، يعني أحمد بن
(١) راجع: ٢٢/٢.

٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
حنبل حديث المغيرة بن شعبة، فقال: أسانيدها جياد، ثم قال: خباب يقول:
(شكونا إلى النبيّ ◌َ﴾، فلم يُشْكِنا))، والمغيرة ــ كما ترى ــ روى القصتين
جميعاً، قال: وفي رواية غير الميمونيّ: وكان آخر الأمرين من رسول الله وَلّر ،
الإبراد.
وقال الأثرم بعد ذكر أحاديث التعجيل والإبراد: فأما التي ذكر فيها
التعجيل في غير الحر فإن الأمر عليها، وأما حديث خباب، وجابر، وما كان
فيها من شدّة الحر، فإن ذلك عندنا قبل أن يأمر بالإبراد.
وقد جاء بيان ذلك في حديثين: أحدهما حديث بيان، عن قيس، عن
المغيرة بن شعبة: قال: كنا نصلي مع النبيّ وَ ل ﴿ بالهاجرة، فقال لنا: ((أبردوا))
فتبيّن لنا أن الإبراد كان بعد التهجير، والحديث الآخر أبين من هذا: خالد بن
دينار أبو خلدة، قال: سمعت أنساً، يقول: ((كان النبيّ وَّه إذا كان البرد بَكَّر
بالصلاة، وإذا كان الحرّ أبرد بالصلاة)).
ثالثها: أن الإبراد رخصة، وتقديمه وسلو كان أخذاً بالأشق، قال العراقيّ:
وبهذا قال بعض أصحابنا، ونصّ عليه الشافعيّ في البويطيّ، وصححه أبو علي
السنجي، لكن الصحيح من مذهبنا أن الإبراد هو الأفضل، فلا يمشي عليه هذا
الجواب.
رابعها: أن معنى قوله: ((فلم يُشْكِنا)) لم يُحْوِجنا إلى شكوى، بل رَخَّص
لنا في الإبراد، حكاه القاضي أبو الفرج المالكيّ عن ثعلب، ويُرُدّه أن في بعض
طرقه: ((فما أشكانا))، وقال: ((إذا زالت الشمس فصَلَّوا))، روى هذه الزيادة أبو
بكر بن المنذر، كما ذكره ابن القطان.
خامسها: أن الإبراد أفضل، وحديث خباب فيه بيان جواز التعجيل، دلّ
عليه كلام ابن حزم، فإنه ذكر استحباب الإبراد، ثم قال: وإنما لم نحمل هذا
الأمر على الوجوب؛ لحديث خباب، قال العراقيّ: لكن في هذا نظر؛ لأن
ظاهر حديث خباب المنع من التأخير، أو أنه مرجوح بالنسبة إلى التقديم، والله
أعلم. انتهى كلام العراقيّ ببعض تصرف، وبعض زيادة من ((الفتح))(١).
(١) راجع: ((طرح التثريب)) ١٥١/٢ - ١٥٥.

٤٦٥
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٣٩٧)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أظهر الأجوبة وأرجحها جواب من
قال بنسخ حديث خباب ظه بحديث المغيرة ظه الذي استدلّ به الطحاويّ
عليه، قال: ((كنا نصلي مع النبيّ وَ﴿ الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: أبردوا
بالصلاة))، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن
حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله وَله،
كما قاله الحافظ في ((الفتح)) (١).
وقال في ((التلخيص)): وسئل البخاريّ عنه، فعدّه محفوظاً، وذكر
الميمونيّ عن أحمد أنه رجح صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هو عندي
صحيح، وأعله ابن معين بما رَوَى أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر
موقوفاً، وقال: لو كان عند قيس، عن المغيرة مرفوعاً، لم يفتقر إلى أن يُحَدِّث
به عن عمر موقوفاً، وقوّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك، والله
(٢)
أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع: فتبيّن بهذا كلُّه أن الأكثرين على تصحيحه، ويؤيِّد ذلك ما
تقدَّم من حديث أنس ربه: ((كان النبيّ وَ ﴿ إذا كان البرد بكّر بالصلاة، وإذا
كان الحرّ أبرد بالصلاة)).
والحاصل: أن الراجح كون حديث خباب ربه منسوخاً، وأن أرجح
المذاهب مذهب من قال بالإبراد في اشتداد الحرّ مطلقاً، سواء كان جماعةً، أو
منفرداً؛ لقوة حجّته، ووضوحها، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله أعلم.
وقال العلّامة الشوكانيّ رَّتُهُ - بعد ذكر نحو ما تقدم -: ولو سلّمنا جهل
التاريخ، وعدم معرفة المتأخر لكانت أحاديث الإبراد أرجح؛ لأنها في
((الصحيحين))، بل في جميع الأمهات بطرق متعددة، وحديث خباب في مسلم
فقط، ولا شك أن المتفق عليه مقدم، وكذا ما جاء بطرُقٍ. انتهى كلام
الشوكانيّ ◌َُّ(٣)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(١) راجع: ((الفتح)) ٢١/٢.
(٣) ((نيل الأوطار)) ٣٢/٢ - ٣٣.
(٢) ((التلخيص الحبير)) ١٨١/١.

4
٤٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(المسألة السادسة): قيل: لفظ ((الصلاة)) عامّ بناء على أن المفرد المعرّف
بالألف واللام للعموم، فيتناول سائر الصلوات، وذلك يقتضي تأخير كل منها
في شدة الحر، وبه قال الجمهور في الظهر، كما تقدم، وقال به أشهب وحده
في صلاة العصر؛ قال: تؤخر ربع القامة، وقال به أحمد بن حنبل في رواية
عنه في صلاة العشاء، فرأى تأخيرها في الصيف، وتعجيلها في الشتاء، وعكس
ابن حبيب من المالكية، فرأى تأخيرها في الشتاء؛ لطول الليل، وتعجيلها في
الصيف؛ لقصره.
قال العراقيّ كَّتُهُ: وهو أظهر في المعنى، ولانعلم أحداً قال بالإبراد في
المغرب، وكأن ذلك لضيق وقتها، ولا في الصبح، وكأن ذلك لأن وقتها أبرد
الأوقات مطلقاً، فلا معنى للإبراد بها .
وجواب الجمهور عن ترك القول بالإبراد في العصر والعشاء: أن المراد
بالصلاة هنا صلاة الظهر، كما ورد بيانه في بعض الطرق الصحيحة المتقدمة؛
ففي رواية البخاري من حديث أبي سعيد ظه، فقال: ((أبردوا بالظهر))، وهي
رواية النسائيّ من حديث أبي موسى ربه، فتكون الألف واللام في الصلاة في
الرواية المطلقة للعهد.
وأيضاً فإن أول وقت العصر، وأول وقت العشاء لا يكون في الغالب
أشدّ حرّاً من آخر وقت الظهر، فإذا فعلت الظهر في آخر وقتها، ففعلُ العصر
في أول وقتها، والعشاء في أول وقتها، وهما أقل حرّاً أولى بذلك.
وأيضاً فإنه ومؤ لم ينقل عنه في خبر الإبراد، لا بالعصر، ولا بالعشاء،
بل كان يأتي بكل منهما في أول وقتها صيفاً وشتاءً، وأما تأخيره العشاء في
بعض الأوقات، فهو إما لاجتماع الناس، كما ورد بيانه، أو لما في تأخيرها
من الفضل، وليس ذلك لأجل الإبراد، ولا فرق فيه بين الصيف والشتاء.
انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال في
المسألة قول الجمهور، وهو أن الإبراد المأمور به إنما في الظهر، ومثله
(١) ((طرح التثريب)) ١٥٥/٢.

٤٦٧
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٣٩٨)
الجمعة، وأما ما عدا ذلك من الصلوات فلا يُشرع فيه الإبراد؛ لعدم نصّ يُعتمد
عليه في ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٩٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي(١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ،
أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ سَوَاءً) يعني أن حديث يونس عن ابن شهاب، مثل حديث
الليث عنه سواء.
[تنبيه]: رواية يونس هذه ساقها الحافظ أبو نعيم تخلُّ في ((مستخرجه))
(٢١٢/٢) فقال:
(١٣٧٤) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن
يحيى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يونس، أن ابن شهاب أخبره، أخبرني أبو
سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب أنهما سمعا أبا هريرة يقول: قال
رسول الله وَ﴾: ((إذا اشتد الحرّ، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدّة الحرّ من فيح
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).

٤٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
جهنّم)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٣٩٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ،
وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَسَلْمَانَ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الْحَارُّ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةً
الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ))، قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِنَ ◌ّ قَالَ: ((أَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ))، قَالَ
عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ لَّهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) نزيل مصر، أبو جعفر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠]
(ت٢٥٣) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) - بتشديد الواو - ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو
محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التَّسْتُريّ،
صدوقٌ، تُكُلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ
م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) ذُكر قبله.
٥ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيّوب
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٦ - (بُكَيْر) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو
أسامة المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤.

٤٦٩
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٣٩٩)
٧ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) مولى ابن الحضرميّ المدنيّ العابد، ثقةٌ جليلٌ [٢]
(ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١.
٨ - (سَلْمَانُ الْأَغَرُّ) أبو عبد الله الجُهنيّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ،
أصبهانيّ الأصل، ثقةٌ، من كبار [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٩/٥٣.
٩ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير الدوسيّ المصريّ، مولى أبي هريرة، ثقةٌ
[٣] (ت١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٠/٣٤.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) قد تقدّم
البحث على مثل هذه الكلام غير مرّة، وخلاصته: أن قوله: ((ابن وهب)) تنازعه
كلّ من ((أخبرنا))، و((حدّثنا))، وغرضه بذلك بيان الاختلاف بين شيوخه الثلاثة
في كيفيّة التحمل والأداء، فعمرو بن سوّاد سمعه عن ابن وهب بقراءة غيره
عليه، ولذا قال: ((أخبرنا))، وأما هارون، وأحمد فسمعاه من لفظ ابن وهب،
ولذا قالا: ((حدّثنا))، فتنبّه، فإنه مهمّ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: ((إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الْحَارُّ)) ((كان)) هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها،
أي جاء اليوم الجارّ، ووقع.
وقوله: (قَالَ عَمْرُو: وَحَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ... إلخ) ((عمرو))
هو ابن الحارث، وقائل ((قال)) هو ابن وهب، وأراد بذلك أن عمرو بن
الحارث حدّثه بحديث أبي هريرة ظُه هذا بطرق ثلاث:
الأولى: طريق بكير، عن بسر بن سعيد، وسلمان الأغرّ كلاهما عن أبي
هريرة قلبه .
والثانية: طريق أبي يونس، عن أبي هريرة رَظُبه، وهذه أعلى من الأولى
والثالثة؛ لأنها خماسيّة، وهما سُداسيّان.
والثالثة: طريق ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، وأبي سلمة، كلاهما عن
أبي هريرة قائه .
وقوله: (بِنَحْوِ ذَلِكَ) أي بنحو ما تقدّم من طريقي بُكير، وأبي يونس.
[تنبيه]: رواية عمرو عن ابن شهاب هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظَر،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٤٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٤٠٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنِ الْعَلَاءِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ هَذَا الْحَرَّ مِنْ قَبْحِ جَهَنَّمَ،
فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن محمد بن عُبيد الدّراوَرْديّ الجهنيّ مولاهم، أبو
محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره فيُخطئ [٨] (ت٦ أو ١٨٧)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٢ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ
ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع و(١٣٠) (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ الْحُقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ
[٣] (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
والباقيان ذُكرا في الباب، والحديث مضى شرحه، ومسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٠١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَّيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ،
مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَبْرِدُوا عَنِ الْحَرِّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَبْحِ
جَهَنَّمَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ رَافِع) هو: محمد بن رافع، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ
حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قبل بابين.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل بابين أيضاً.

٤٧١
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٤٠٢)
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل الأَبْناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤]
(ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦، والحديث مضى شرحه، ومسائله،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٤٠٢] (٦١٦) - (حَدَّثَنِي(١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُهَاجِراً أَبَا الْحَسَنِ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ،
يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ بِالظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
((أَبْرِدْ أَبْرِدْ))، أَوْ قَالَ: ((انْتَظِرِ انْتَظِرْ))، وَقَالَ: ((إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا
اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ»، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ الثُّلُولِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح
الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ) التيميّ الكوفيّ الصائغ، مولى بني تيم الله،
ثقةٌ [٤].
رَوَى عن البراء بن عازب، وابن عباس، ورجل من الحضرميين له
صحبة، وعمرو بن ميمون الأوديّ، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وأبو معاوية النخعيّ، ومِسْعَرٌ، ومالك بن
مِغْوَل، وإسرائيل، وشريك، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به،
وقال أبو زرعة: حدّثنا عبد الله بن أبي بكر الْعَتَكيّ، حدّثنا شعبة، عن أبي
الحسن، يعني مهاجراً الصائغ، وأحسن شعبة عليه الثناء، وذكره ابن حبان في
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا))، وفي أخرى: ((وحدّثنا)).

٤٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
((الثقات))، وقال يعقوب بن سفيان، والعجليّ: كوفيّ ثقةٌ.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرم،
لم يُصب من قال: في حديثه خللٌ [٢] مات بعد (٨٠) وقيل: سنة (٩٦) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٧٤/٦٧.
٦ - (أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ، جندب بن جُنادة، وقيل غيره، الصحابيّ الشهير،
مات روايته سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى مهاجر، فما أخرج له ابن
ما جه .
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالكوفيين،
سوى أبي ذرّ ◌ُبه، فرَبَديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) ◌َظُبه، ووقع عند البخاريّ من طريق أخرى عن شعبة بهذا
الإسناد: ((سمعت أبا ذرّ))(١). (قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ نَّ) وفي رواية أبي
بكر بن أبي شيبة عن شبابة، ومسدد، عن أمية بن خالد، والترمذيّ من طريق
أبي داود الطيالسيّ، وأبي عوانة، من طريق حفص بن عمر، ووهب بن جرير،
والطحاويّ، والجوزقيّ من طريق وهب أيضاً كلهم عن شعبة التصريح بأنه
ـة .
بلال
ولفظ أبي عوانة في ((مسنده)): ((كنّا مع النبيّ وَّل في مسير فأراد بلال أن
يؤذّن بالظهر، فقال له رسول الله وَلو: أبرد ... ))، وفي رواية: ((كنّا مع
(١) ((الفتح)) ٢٣/٢.

٤٧٣
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٤٠٢)
رسول الله ◌َ ﴿ في سفر، فأذّن بلالٌ، فقال: مه يا بلال ... )) الحديث.
(بِالظُّهْرِ) متعلّق بـ((أذّن))، أي أعلم الناس بدخول وقت الظهر (فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌ِهِ: ((أَبْرِدْ أَبْرِدْ))) أمر من الإبراد، مكرّراً، وظاهر هذا أن الأمر بالإبراد
وقع بعد تقدّم الأذان منه، ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((فأراد أن يؤذّن
للظهر))، وظاهره أن ذلك وقع قبل الأذان، فيُجمع بينهما بأنه شَرَع في الأذان،
فقيل له: أَبْرِدْ، فترك، فمعنى ((أذّن)): شَرَع في الأذان، ومعنى ((أراد أن يؤذّن)):
أي يُتمّ الأذان، قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب في وجه الجمع - كما قاله في
(العمدة))(٢) - أن يقال: إن معنى قوله: ((أَذّن)) أراد الشروع في الأذان، فهذا
أسهل وأوفق في الجمع، فتأمله، والله تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ: ((فأراد المؤذِّن أن يؤذّن للظهر، فقال النبيّ وَّ:
أبرد، ثم أراد أن يؤذّن، فقال له: أبرد))، زاد أبو داود في روايته، عن أبي
الوليد، عن شعبة: ((مرتين أو ثلاثاً))، وجزم مسلم بن إبراهيم، عن شعبة بذكر
الثالثة، وهو عند البخاريّ في ((باب الأذان للمسافرين)).
[فإن قيل]: الإبراد للصلاة، فكيف أمر المؤذن به للأذان؟.
[فالجواب]: أن ذلك مبنيّ على أن الأذان هل هو للوقت، أو للصلاة؟،
وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يُقَوِّي القول بأنه للصلاة.
وأجاب الكرمانيّ بأن عادتهم جرت بأنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان
عن الحضور إلى الجماعة، فالإبراد بالأذان لغرض الإبراد بالعبادة، قال:
ويَحْتَمِل أن المراد بالتأذين هنا الإقامة.
قال الحافظ: ويشهد له رواية الترمذيّ من طريق أبي داود الطيالسيّ، عن
شعبة، بلفظ: ((فأراد بلال أن يقيم))، لكن رواه أبو عوانة من طريق حفص بن
عمر، عن شعبة، بلفظ: ((فأراد بلال أن يؤذن))، وفيه: ((ثم أمره، فأذَّن وأقام)).
ويُجْمَع بينهما بأن إقامته كانت لا تتخلف عن الأذان؛ لمحافظته بَّ على
الصلاة في أول الوقت، فرواية: ((فأراد بلال أن يقيم))، أي أن يؤذِّن ثم يقيم،
(١) ٢/ ٢٣.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٣/٥.

٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ورواية: ((فأراد أن يؤذِّن)) أي ثم يقيم. انتهى(١).
(أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: ((انْتَظِرِ انْتَظِرْ))) وهو بمعنى ((أبرد))؛ لأن
المقصود بالانتظار هو الإبراد (وَقَالَ) بَّهِ معلّلاً أمره بالإبراد، أو الانتظار ((إِنَّ
شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) - بفاء مفتوحة، ثم مثنّاة من تحتُ ساكنة، ثم حاء
مهملة -: أي سُطُوع حرّها، وانتشاره، وغليانها، يقال: فاحت القِدْرُ تفيح،
وتفوح: إذا هاجت وغَلَت (فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ)) قال
القرطبيّ ◌َّهُ: أي أخّروها عن ذلك الوقت، وادخلوا بها في وقت البرد، وهو
الزمن الذي يَتَبَيَّن فيه انكسار شدّة الحرّ، وتوجد فيه برودةٌ ما، يقال: أبرد
الرجل : أي صار في بَرْد النهار.
قال: و((عن)) بمعنى الباء، كما قد روي في بعض طرقه: ((أبردوا
بالصلاة))، و((عن)) تأتي بمعنى الباء، كما يقال: رميت عن القوس، أي به، كما
تأتي الباء بمعنى ((عن))، كما قال الشاعر [من الطويل]:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
أي عن النساء، وكما قيل في قوله تعالى: ﴿فَسَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان:
٥٩]، أي عنه، وقيل: إن ((عن)) زائدة، أي أبردوا الصلاةَ، يقال: أبرد الرجلُ
كذا: إذا فعله في بَرْد النهار. انتهى(٢).
(قَالَ أَبُو ذَرٍّ) ◌َبه (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ) بالضمّ: جمع تَلّ، وهي
الروابي، وظلّها لا يظهر إلا بعد تمكّن الفيء، واستطالته جدّاً، بخلاف الأشياء
المنتصبة التي يظهر فيئها سريعاً في أسفلها؛ لاعتدال أعلاها وأسفلها، قاله
القرطبيّ ◌َُّهُ(٣) .
وقال النوويّ كَّتُهُ: معناه أنه أخّر تأخيراً كثيراً حتى صار للتُّلُول فيءٌ،
والتُّلُول منبطحة غير منتصبة، ولا يصير لها فيء في العادة إلا بعد زوال الشمس
بكثير، قاله النوويّ تَظُّهُ(٤) .
وقال في ((الفتح)): قوله: ((حتى رأينا ... إلخ)) هذه الغاية متعلقة بقوله:
(١) ((الفتح)) ٢٦/٢.
(٣) ((المفهم)) ٢٤٦/٢.
(٢) ((المفهم)) ٢٤٤/٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١١٩/٥.

٤٧٥
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٤٠٢)
((فقال له: أَبْرِد)) أي كان يقول له في الزمان الذي قبل الرؤية: أبرد، أو متعلقة
بـ((أَبْرِد))، أي قال له: أبرد إلى أن ترى، أو متعلقة بمقدر: أي قال له: أبرد،
فأبرد إلى أن رأينا .
و((الفيء)) - بفتح الفاء، وسكون الياء، بعدها همزة -: هو ما بعد الزوال
من الظلّ .
و ((التُّلُول)) جمع تَلِّ - بفتح المثناة، وتشديد اللام -: كلُّ ما اجتمع على
الأرض، من تراب، أو رمل، أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحة، غير
شاخصة، فلا يظهر لها ظلّ إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر.
وقال ابن رجب تَخُّْ: قوله: ((حتى رأينا فيء التُّلُول)) يعني حتى مالت
الشمس، وبَعُدت عن وسط السماء، حتى ظهر للتُّلول فيءٌ.
و((الفيء)): هو الظلّ بعد زواله، فإن الشمس إذا طلعت كان للتلول
ونحوها ظلّ مستطيلٌ، ثم يقصُر حتى يتناهى قِصَرُهُ وقت قيام الشمس بالظهيرة،
ثم إذا زالت الشمس عاد الظلّ، وأخذ في الطول، فما كان قبل الزوال يُسمَّى
ظلّاً، وما كان بعده يُسمّى فيئاً؛ لرجوع الظلّ بعد ذهابه، ومنه سُمّي الفيء
فيئاً، كأنه عاد إلى المسلمين ما كانوا أحقّ به ممن كان في يده. انتهى(١).
[تنبيه]: اختَلَفَ العلماء في غاية الإبراد، فقيل: حتى يصير الظل ذراعاً
بعد ظل الزوال، وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها، وقيل غير
ذلك.
ونزّلها المازريّ على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنه
يَخْتَلف باختلاف الأحوال، لكن يُشتَرط أن لا يمتد إلى آخر الوقت، وأما ما
وقع عند البخاريّ في ((الأذان)) عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، بلفظ: ((حتى
ساوى الظلّ التُّلُول))، فظاهره يقتضي أنه أخّرها إلى أن صار ظل كل شيء
مثله .
ويَحْتَمِل أن يراد بهذه المساواة ظهور الظل بجنب الثَّلّ بعد أن لم يكن
ظاهراً، فساواه في الظهور، لا في المقدار، أو يقال: قد كان ذلك في السفر،
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٢٤٧/٤ - ٢٤٨.

٤٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فلعله أخّر الظهر حتى يجمعها مع العصر، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٠٢/٣٢] (٦١٦)، و(البخاريّ) في ((المواقيت))
(٥٣٥ و٥٣٩)، و((الأذان)) (٦٢٩)، و((بدء الخلق)) (٣٢٥٨)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٤٠١)، و(الترمذيّ) فيها (١٥٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٤٥)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٥/٥
و١٦٢ و١٧٦)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٣٢٨)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (١٥٠٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠١٧ و١٠١٨ و١٠١٩)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٧٨)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار))
(١٨٦/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣٨/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٣٦٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الإبراد في الظهر في السفر، وفيه الردّ على ما
نُقل عن الشافعيّ تَخْتُهُ، حيث قيّد الإبراد بالحضر دون السفر، وقد عقد الإمام
البخاريّ كَثُ عليه باباً في ((صحيحه))، فقال: ((باب الإبراد بالظهر في السفر))،
ثم أورد حديث أبي ذرّ رَّ ◌ُه هذا، قال الحافظ ابن رجب ◌َّتُهُ: مقصود
البخاري بهذا الباب أن الإبراد بالظهر مشروع في الحضر والسفر، وسواء كان
جماعةُ المصلّين مجتمعين في مكان الصلاة أو كانوا غائبين، وقد استدلّ
الترمذيّ في ((جامعه)) بهذا الحديث على أن الإبراد لا يختصّ بالمصلّي في
مسجدٍ ينتابه الناس من الْبُعْد، كما يقوله الشافعيّ، فإن النبيّ ◌َّ كان هو
وأصحابه مجتمعين في السفر، وقد أبرد بالظهر. انتهى.
(١) ٢٦/٢.

٤٧٧
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٤٠٢)
وعبارة الترمذيّ رَُّهُ قال: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة
الحرّ، فهو أولى وأشبه بالاتباع، وأما ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن
ينتاب من البعد وللمشقة على الناس، فإن في حديث أبي ذرّ ما يدل على
خلاف ما قاله الشافعيّ، قال أبو ذرّ ◌َظُه: كنا مع رسول الله مَ ◌ّر في سفر،
فأذَّن بلال بصلاة الظهر، فقال النبيّ وَّهِ: ((يا بلال أبرد، ثم أبرد)»، فلو كان
الأمر على ما ذهب إليه الشافعيّ لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛
لاجتماعهم في السفر، فكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البُعْد. انتهى.
وأجاب الكرمانيّ، فقال: لا نسلم اجتماعهم؛ لأن العادة في القوافل
سيما في العساكر الكثيرة تفرقهم في أطراف المنزل لمصالح، مع التخفيف على
الأصحاب، وطلب المرعى وغيره خصوصاً إذا كان فيه سلطان جليل القدر،
فإنهم يتباعدون عنه احتراماً وتعظيماً له.
وتعقّبه العينيّ، فقال: هذا ليس بردّ مُوَجَّهٍ لكلام الترمذيّ، فإن كلامه
على الغالب، والغالب في المسافرين اجتماعهم في موضع واحد؛ لأن السفر
مظنة الخوف، سيما إذا كان عسكر خرجوا لأجل الحرب مع الأعداء.
وقال بعضهم - يريد الحافظ ابن حجر - عقيب كلام الكرمانيّ تَخّْتُهُ:
وأيضاً فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرقون في ظلال
الشجر، ليس هناك كِنّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله
الشافعيّ، وغايته أنه استنْبَط من النصّ العامّ معنى يخصه. انتهى.
فقال العينيّ كَُّهُ: قلت: هذا أكثر بُعْداً من كلام الكرمانيّ؛ لأن فيه
إسقاط العمل بعموم النصوص الواردة في الإبراد بالظهر بأشياء مُلَفَّقة من
الخارج، وقوله: فليس في سياق الحديث إلى آخره غير صحيح؛ لأن الخلاف
لظاهر الحديث صريح لا يخفى؛ لأن ظاهره عامّ، والتقييد بالمسجد الذي ينتاب
أهله من البعد خلاف ظاهر الحديث، والاستنباط من النصّ العامّ معنى يخصصه
لا يجوز عند الأكثرين، ولئن سلّمنا فلا بد من دليل للتخصيص، ولا دليل لذلك
ههنا. انتهى كلام العينيّ تَخْذَتُهُ(١)، وهو تعقّب وجيهٌ، والله تعالى أعلم.
(١) ((عمدة القاري)) ٣٧/٥.

٤٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٢ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن حدّ الإبراد إلى أن يظهر فيء التُّلول
ونحوها .
٣ - (ومنها): ما قاله ابن رجب ◌َّتُهُ: ظاهر حديث أبي ذرّ ظُه هذا
يدلّ على أنه يُشرع الإبراد بالأذان عند إرادة الإبراد بالصلاة، فلا يؤذّن إلا في
وقت يُصلَّى فيه، فإذا أُخّرت الصلاة أُخِّر الأذان معها، وإن عُجّلت عُجّل
معها. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٤٠٣] (٦١٧) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، وَاللَّفْظُ
لِحَرْمَلَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (٢)، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي(٣)
أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّى:
((اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ:
نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهْوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا
تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ)»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم تقدّموا في هذا الباب.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي نسخة :
((أخبرني)) (أَبُو سَلَمَةً بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، هكذا أخرج المصنّف هذا
الحديث عن ابن شهاب، عن أبي سلمة.
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٢٤٩/٤.
(٢) وفي نسخة: ((قال: أخبرنا ابن وهب))، وفي أخرى: ((قالا: أخبرنا ابن وهب)).
(٣) وفي نسخة: ((أخبرني)).

(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٤٠٣)
٤٧٩
وأخرجه البخاريّ من طريق سفيان بن عيينة، قال: حفظناه الزهريّ، عن
سعيد بن المسيّب، قال في ((الفتح)): قوله: ((عن سعيد بن المسيب))، كذا رواه
أكثر أصحاب سفيان عنه، ورواه أبو العباس السّرّاج، عن أبي قُدَامة، عن
سفيان، عن الزهريّ، عن سعيد أو أبي سلمة، أحدهما أو كلاهما، ورواه
أيضاً من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة وحده،
والطريقان محفوظان، فقد رواه الليث، وعمرو بن الحارث، عند مسلم،
ومعمر، وابن جريج، عند أحمد، وابن أخي الزهريّ، وأسامة بن زيد، عند
السرّاج، ستتهم عن الزهريّ، عن سعيد وأبي سلمة، كلاهما عن أبي
هريرة رَظُته. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: فقد رواه الليث، وعمرو بن الحارث،
عند مسلم، يريد به قوله: ((إذا اشتدّ الحرّ فأبردوا ... إلخ))، وأما قوله:
((اشتكت النار ... إلخ)) فإنما أخرجه مسلم عن الزهريّ، عن أبي سلمة فقط.
والحاصل أنه قد تبيّن بما ذُكر أن الحديث محفوظ عن الزهريّ، عن ابن
المسيّب، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة ظُه، والله تعالى أعلم.
(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا)
اختُلِفَ في هذه الشكوى، هل هي بلسان المقال، أو بلسان الحال، واختار
كلّاً طائفة، وقال ابن عبد البرّ: لكلا القولين وجه ونظائر، والأول أرجح،
وقال عياض: إنه الأظهر، وقال القرطبيّ: لا إحالة في حمل اللفظ على
حقيقته، قال: وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله، فحمله على
حقيقته أولى، وقال النوويّ نحو ذلك، ثم قال: حمله على حقيقته هو
الصواب، وقال نحو ذلك التُّورِبِشْتِيّ.
ورجّح البيضاويّ حمله على المجاز، فقال: شكواها مجاز عن غليانها،
وأكلها بعضها بعضاً مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفسها مجاز عن خروج ما
يبرز منها(٢).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: واختلف في معنى هذا الحديث، فمن العلماء من
(١) ((الفتح)) ٢٤/٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٤/٢.

٤٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
حَمَله على ظاهره، وقال: هو لسان مقال مُحقّق، وشكوى محقّقة، وتنفّس
محقّقٌ؛ إذ هو إخبار من الصادق بأمر جائز، فلا يُحتاج إلى تأويله.
وقيل: إن هذا الحديث خرج مخرج التشبيه والتقريب، أي كأنه نار جهنّم
في الحرّ، وقد تكون هذه الشكوى، وهذه المقالة لسان حال، كما قال [من
الرجز]:
شَكَى إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلَانَا مُبْتَلَى
والأول أولى؛ لأنه حمل اللفظ على حقيقته، ولا إحالة في شيء من
ذلك. انتھی(١).
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: المختار حمله على الحقيقة؛ لصلاحية القدرة
لذلك، ولأن استعارة الكلام للحال، وإن عُهِدت وسُمِعت، لكن الشكوى
وتفسيرها، والتعليل له، والإذن، والقبول، والتنفس، وقصره على اثنين فقط
بعيد من المجاز، خارج عما أُلِف من استعماله. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن الْمُنَيّر: هو التحقيق الحقيق
بالقبول .
والحاصل أن حمل الشكوى هنا على حقيقتها هو الصواب؛ إذ لا داعي
لدعوى المجاز هنا، فإن المجاز لا يُصار إليه إلا عند تعذّر الحقيقة، أو
تعسّرها، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (فَقَالَتْ) تفسير وتوضيح لمعنى قوله: ((اشتكت النار)) (يَا رَبِّ)
تقدّم أنه يجوز في مثله ستّة أوجه، أشار إلى خمسة منها ابن مالك في
((الخلاصة» بقوله:
وَاجْعَلْ مُنَادَى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا
والسادسة ((يا ربُّ)) بالضم تشبيهاً له بالمنادى المفرد.
(أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ) تثنية ((نَفَس)) - بفتح الفاء - وهو ما
يخرج من الجوف، ويدخل فيه من الهواء (نَفَسِ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسِ فِي الصَّيْفِ)
بجرّ (نَفَسٍ)) في الموضعين على البدل، أو البيان، ويجوز فيهما الرفع على أنه
(١) ((المفهم)) ٢٤٤/٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٤/٢.