Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٦٠)
الشدّة، قال ابن الأعرابيّ: البأس، والْبَئِسُ - بفتح، فكسر - على مثال فَعِلِ:
العذاب الشديد، وقال ابن سِيدَهْ: البأس: الحرب، ثم كَثُر حتى قيل: لا بأس
عليك، ولا بأس، أي لا خوف، قال قيس بن الْخَطِيم [من الطويل]:
يَقُولُ لِيَ الْحَدَّادُ وَهْوَ يَقُودُنِي إلى السِّجْنِ لا تَجْزَعْ فَمَا بِكَ مِنْ بَاسٍ
أراد: فما بك من بأس، فخففها، أفاده في ((اللسان))(١).
وفي رواية أحمد، وابن خزيمة: ((أيكم القائل كذا وكذا))، قال: فأرمّ
القوم، قال: فأعادها ثلاث مرات.
(فَقَالَ رَجُلٌ) الظاهر: فقال الرجل، كما في رواية أبي داود، وفي رواية
النسائيّ: ((قال: أنا يا رسول الله)) (جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ) أي دفعني، واشتدّ
عليّ تتابعه (فَقُلْتُهَا) أي قلت الكلمات المذكورة؛ ثناءً، وشكراً لله تعالى حيث
لم تفتني صلاة الجماعة، وفي رواية أحمد، وابن خزيمة: ((فقال رجل: أنا
قلتها، وما أردت بها إلا الخير)) (فَقَالَ) وَّر وفي نسخة: ((قال))، وفي رواية
النسائيّ: ((قال النبيّ وََّ)) ((لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكاً) تخصيص العدد من
الملائكة بالمقدار المذكور مُفَوَّض إلى علم الله تعالى.
وقال بعضهم: إن كلمات ((الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)) ستّ
كلمات، فبعث الله لكل كلمة منها ملكين تعظيماً لشأنها، وتكثيراً لثواب قائلها .
(٢)
انتھی
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما أسلفته آنفاً من التفويض إلى الله تعالى
في مثل هذا أسلم، وأقوم، والله تعالى أعلم.
(يَبْتَدِرُونَهَا) أي يتسابقون فيها (أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا))) مبتدأ وخبره، والجملة في
موضع نصب على الحال من فاعل ((يبتدرونها)).
قال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ [آل
عمران: ٤٤]: ((أيهم يكفل)): مبتدأ وخبر، في موضع نصب، أي يقترعون أيُّهُم،
= وفي رواية: ١٣٤٩ ((قال: كنا إذا احْمَرّ البأس، ولقي القوم القومَ، اتقينا
برسول الله ير، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه)).
(١) راجع: ((لسان العرب)) ٢٠/٦.
(٢) أفاده في ((المنهل العذب)) ١٧٤/٥.

٢٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فالعامل ما دلّ عليه (يلقون))، كذا ذكره الطيبيّ(١).
وقال السمين الحلبيّ في هذه الآية: هذه الجملة منصوبة المحلّ؛ لأنها
معلقة لفعل محذوف، وذلك الفعل في محلّ نصب على الحال، تقديره: يُلقون
أقلامهم، ينظرون أيُّهُم يكفل مريم، أو يَعْلَمُون، وجوَّز الزمخشري أن يُقَدَّر
((يقولون))، فيكون محكيّاً به، ودلّ على ذلك قوله: ((يلقون)). انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السَّمِين: أوضح، فيكون تقدير
الكلام في الحديث: يبتدرونها، حال كونهم ينظرون أيهم يرفعها .
والمعنى: أنهم يتسابقون في كتابتها، ورفعها إلى الله تعالى؛ لعظم
شأنها، وكثرة ثوابها .
وقال السنديّ: ((يبتدرونها))، أي: كل منهم يريد أن يسبق على غيره في
رفعها إلى محلّ العرض، أو القبول، وجملة ((أيهم يرفعها)) حالٌ، أي قاصدين
ظهور أيهم يرفعها. انتهى(٣).
زاد في رواية أحمد، وأبي داود من رواية حميد، عن أنس ظلبه: «ثم
قال: إذا جاء أحدكم إلى الصلاة، فَلْيَمْشِ على هِينَتِهِ، فَلْيُصَلِّ ما أدرك،
وليقض ما سبقه))، وقد تقدّم قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رُّبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٦٠/٢٧] (٦٠٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٧٦٣)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (٩٠١) وفي ((الكبرى)) (٩٧٤)، و(عبد
الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٥٦١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٠١)،
و(أحمد) (١٢٥/٢ و٢٦٩ و١٠٦/٣ و١٨٨ و٢٥٢)، و(ابن خزيمة) في
(١) ذكره في ((المرقاة)) ٢/ ٥٣٧.
(٢) ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ٢/ ٩٢.
(٣) (شرح السنديّ على النسائيّ)) ١٣٣/٢.

٢٨٣
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٦١)
(صحيحه)) (٤٦٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٧٦١)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (١٦٠٢ و١٦٠٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٣١)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٦٣٣ و٦٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يقال بين التكبير والقراءة من الأذكار.
٢ - (ومنها): بيان ما أكرم الله وَ به هذا الصحابي الجليل نظُّبه حيث
ألهمه هذا الذكر العظيم القدر.
٣ - (ومنها): أن بعض الأعمال يتولى كتابتها غير الحفظة أيضاً لشرفها،
وعظيم منزلتها عند الله تعالى.
٤ - (ومنها): بيان أن الملائكة يتسابقون في الخيرات، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٦١] (٦٠١) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ،
أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ
الْقَوْم: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنِ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟))، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا بَا
رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ»، قَالَ (١) ابْنُ عُمَرَ: فَمَا
تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ(٢) يَقُولُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبله.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) اسم أبيه ميسرة، أو سالم، تقدّم في الباب
الماضي أيضاً.
(١) وفي نسخة: ((وقال)).
(٢) وفي نسخة: ((من رسول الله وَالفقر).

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم في الباب الماضي
أيضاً .
٥ - (عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن عُثْبَة بن مسعود الهُذَليّ، أبو عبد الله
الكوفيّ الزاهد، أخو عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة الفقيه، ثقة عابد، من [٤].
رَوَى عن أبيه، وعمّ أبيه عبيد الله بن مسعود مرسلاً، وأخيه عبيد الله،
وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، والشعبيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أخوه حمزة، والمسعوديّ، وأبو العُميس، وابن عجلان،
والزهريّ، وقتادة، وعمرو بن مرّة، وأبو الزبير، ومسعرٌ، وآخرون.
قال أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، والمصنف: ثقة، وقال ابن
المديني: قال عون: صلّيت خلف أبي هريرة. وذكر الدارقطني أن روايته عن
ابن مسعود مرسلة. وقال ابن سعد: لَمَّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة رحل
إليه عون بن عبد الله، وعمر بن ذَرّ، وأبو الصباح موسى بن أبي كثير، فناظروه
في الإرجاء، فزعموا أنه وافقهم، وكان عون ثقةً كثير الإرسال. وقال
الأصمعيّ، عن أبي نَوْف الهذلي، عن أبيه: كان من آدبِ أهل المدينة،
وأفقههم، وكان مرجئاً، ثم رَجَع عن ذلك، وقال أبياتاً في ذلك [من الوافر]
منها :
نُفَارِقُ مَا يَقُولُ الْمُرْجِئُونَا
لأَوَّلُ مَا نُفَارِقُ غَيْرَ شَكٌّ
وَلَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ بِجَائِرِينًا
وَقَالُوا مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ جَوْرٍ
وَقَدْ حَرُمَتْ دِمَاءُ الْمُسْلِمينَا
وَقَالُوا مُؤْمِنٌ دَمُهُ حَلالٌ
ثم خرج مع ابن الأشعث، فهرب حيث هربوا، فأتى محمد بن مروان
بَنَصِيبين، فآمنه، وألزمه ابنه، ثم صَحِب عمر بن عبد العزيز في خلافته، وكانت
له منه منزلة، وخرج جرير، فأقام بباب عمر بن عبد العزيز، فطال مقامه،
فكتب إلى عون بن عبد الله [من البسيط]:
هَذَا زَمَانُكَ إِنِّي قَدْ خَلا زَمَنِي
يَا أَيُّهَا الْقَارِئُ الْمُرْخِي عِمَامَتَهُ
أَنِّي لَدَى الْبَابِ کَالمَشْدُودِ فِي قَرَنِ
أَبْلِغْ خَلِيفَتَنَا إِنْ كُنْتَ لاقِيَهُ
وقال ابن عيينة، عن أبي هارون موسى بن أبي عيسى: كان عون يحدّثنا،
ولحيته تَرْتَشُّ بالدموع، وعن المسعوديّ: قال عون بن عبد الله: إن من كان

٢٨٥
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٦١)
قبلنا كانوا يجعلون لدنياهم ما فضل عن آخرتهم، وإنكم اليوم تجعلون لآخرتكم
ما فضل عن دنياكم، وعن ابن عجلان: كان عون بن عبد الله يقول: اليوم
المِضْمَار، وغداً السِّبَاق، والسُّبْقَة الجنة، والغاية النار، فبالعفو تنجون،
وبالرحمة تدخلون الجنة، وبالأعمال تقتسمون المنازل. وقال العجلي: كان
يرى الإرجاء، ثم تركه. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان من عُبّاد أهل
الكوفة، وقرائهم، يروي عن أبي هريرة، إن كان سَمِع منه، وقد أدرك أبا
جُحَيفة. وقال البخاريّ: سمع أبا هريرة، وابن عمرو.
ذكره البخاريّ فيمن مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة.
أخرج له الجماعة إلا البخاري، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط،
برقم (٦٠١) و(١٥٩٩) و(٢٧٦٧) و(٣٠٢٧).
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﴿هَا، تقدم في
تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رَّلهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةً تابعيّ، عن تابعيّ: أبي الزبير، عن عون،
وهو من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ظًا أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) طَّ أنه (قَالَ: بَيْنَمَا) تقدّم الكلام عليها غير مرّة (نَحْنُ
نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهَ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم) الظاهر أنه غير الرجل الذي
سبق في حديث أنس ظه، كما هو واضح من اختلاف صِيَغ أذكارهما (اللهُ
أَكْبَرُ) مبتدأ وخبر. قال القاري: أي أكبر من أن يُعْرَف كنه كبريائه وعظمته، أو
من أن يُنْسَب إليه ما لا يليق بجلاله، أو من كل شيء.

٢٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وفي ((الغريبين)): قيل: معناه الله كبير، وبَيَّنَ بعض المحققين أن ((أفعل))
قد يقطع عن متعلِّقه، قصداً إلى نفس الزيادة، وإفادة المبالغة، ونظيره: فلان
يُعطِي، ويَمْنَع، أي توجد حقيقتهما فيه، وإفادة المبالغة من حيث إن الموصوف
تفرد بهذا الوصف، وانتهى أمره فيه إلى أن لا يُتَصَوَّر له من يشاركه فيه، وعلى
هذا يُحْمَل كلُّ ما جاء من أوصاف الباري جلّ وعلا، نحو: ((أعلم)).
وقال ابن الهمام: إن أفعل وفعيلاً في صفاته تعالى سواء؛ لأنه لا يراد بـ
((أكبر)) إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة؛ لأنه لا يساويه
أحد في أصل الكبرياء، فكان ((أفعل)) بمعنى ((فعيل)).
لكن في ((المغرب)): الله أكبر من كلّ شيء، وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف.
ويمكن أن يكون المراد من كون كبير وأكبر واحداً في صفاته أن المراد
من الكبير المسند إليه الكبرياء بالنسبة إلى كل ما سواه، وذلك بأن يكون كل ما
سواه بالنسبة إليه ليس بكبير، وهذا المعنى هو المراد بأكبر فتدبر، ولكن لَمّا
كان هذا المعنى في أكبر أظهر لم يجوّز بعضهم في التحريمة إلا أن يقال: الله
أكبر، قاله القاري في ((المرقاة)).
(كَبِيراً) منصوب بفعل محذوف، أي أُكَبِّرُ كبيراً، أو على أنه صفة
المحذوف، أي تكبيراً كبيراً، أو حال مؤكدة للجملة، قاله في ((المنهل)).
وقال القرطبيّ تَُّ: قيل: هو منصوب على إضمار الفعل، أي كبّرت
كبيراً، وقيل: على القطع، وقيل: على التمييز. انتهى (١).
(وَالْحَمْدُ للهِ) مبتدأ وخبرٌ أيضاً (كَثِيراً) نعت لمصدر محذوف، أي حمداً
كثيراً .
(وَسُبْحَانَ اللهِ) قال الأزهريّ تَّقُ: ((سبحان الله)) معناه تنزيهاً لله من
الصاحبة والولد، وقيل: تنزيهُ الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف به،
ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحاً له، تقول: سبحتُ الله تسبيحاً له،
أي نزهته تنزيهاً .
(بُكْرَةً وَأَصِيلاً) أي في أول النهار وآخره، منصوبان على الظرفية،
(١) ((المفهم)) ٢١٨/٢.

٢٨٧
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٦١)
والعامل ((سبحان))، وخَصَّ هذين الوقتين بالذكر؛ لاجتماع ملائكة الليل والنهار
فيهما، كذا ذكره الأبهريّ، وصاحب ((المفاتيح)).
ويمكن أن يكون وجه التخصيص تنزيه الله تعالى عن التغير في أوقات
تغير الكون.
وقال الطيبيّ: الأظهر أنه يراد بهما الدوام كما في قوله تعالى: ﴿وَلَّمْ
رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةُ وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. قاله القاري تَخْشُهُ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنِ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟))) أراد بالكلمة
الكلامَ؛ إذ الكلمة تطلق على الكلام لغةً، كما في قوله تعالى: ﴿كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةُ
هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارةً إلى قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ ﴿﴿ لَعَلِّ أَعْمَلُ
صَلِحًا فِيمَا تَرَكْثُ﴾ الآية [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]. وقال ابن مالك في ((خلاصته)):
كِلْمَةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ
وإنما سأله النبيّ وَله بياناً لِعِظَم شأن الكلمة، وليتعلم السامعون كلامه،
فيقولوا مثل قوله، والله تعالى أعلم.
(قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية النسائيّ: ((فقال رجل:
أنا يا نبي الله)) (قَالَ) وَهَ ((عَجِبْتُ) بكسر الجيم، من باب تَعِبَ، يقال: عَجِبتُ
من الشيء، عَجَباً، وتعجّبتُ، واستعجبتُ، وهو شيء عجيبٌ، أي يُتعجّب منه،
قال بعض النحاة: التعجّب: انفعال النفس لزيادة وصفٍ في المتعجّب منه،
نحو ما أشجعه(١). (لَهَا) أي لهذه الكلمة (فُتِحَتْ) بالبناء للمفعول (لَهَا) أي
لأجلها (أَبْوَابُ السَّمَاءِ))) أي حتى تصعد إلى الله تعالى، كما قال رَّت: ﴿إِلَيْهِ
يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] الآية.
وفي رواية للنسائيّ من طريق عمرو بن مرّة، عن عون بن عبد الله:
((فقال: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً)).
(قَالَ) وفي نسخة: ((وقال)) بالواو (ابْنُ عُمَرَ) عَا (فَمَا) نافيةٌ (تَرَكْتُهُنَّ) أي
هؤلاء الكلمات (مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نََّ) وفي نسخة: ((من رسول اللهِ وَلا))
بزيادة ((من)) (يَقُولُ ذَلِكَ) أي الفضل المذكور.
(١) راجع: ((المصباح)) ٣٩٣/٢.

٢٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وفيه: حِرْصُ عبد الله بن عمر ◌ًّا في التمسك بما حفظه من رسول الله وَليه
من الأقوال، والأفعال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر شيئًا هذا من أفراد
المصنّف نَّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٦١/٢٧] (٦٠١)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات))
(٣٥٩٢)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (٨٨٥ و٨٨٦) وفي ((الكبرى)) (٩٥٩
و٩٦٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٥٥٩)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٤٦١٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٠٤ و١٦٠٥)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (١٣٣٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦/٢)، وفوائده تقدّمت في
شرح حديث أنس ره الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢٨) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ،
وَالثَّهْىٍ عَنْ إِنْيَانِهَا سَعْياً)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٦٢] (٦٠٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَعَمْرٌو النَّقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا (١) إِبْرَاهِيمُ،
يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
(١) وفي نسخة: ((أخبرني)).

٢٨٩
(٢٨) - بَابُ بَانِ الأَمْرِ بِإِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَّارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢)
النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا
هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَأْتُوهَا
تَسْعَوْنَ، وَأَتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِّمُّوا))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ حجةٌ فقيهٌ إمامٌ، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) الْوَرَكانيّ - بفتحتين - أبو عمران
الْخُرَاسانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان))
٢٥٥/٣٨.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ بْنَ سَعْد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهريّ، أبو
إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٧ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٨ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ
حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٩ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
١٠ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب
القرشيّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة فقيه إمام، من كبار [٤] (ت١٢٥) (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
١١ - (سَعِيد) بن المسيِّب بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو
محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجةٌ إمام، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٧١.
١٢ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
١٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف تَخَّتُهُ، بالنسبة للإسنادين الأولين،
فهما عاليان، وأما الثالث فمن سُداسيّاته، فهو أنزل منهما .
٢ - (ومنها): أنه كُتبت فيه (ح) مرّتين إشارة إلى تحويل الإسناد، ففي
السند الأول روى الزهريّ عن سعيد بن المسيّب فقط، وفي الثاني قرن معه أبا
سلمة، وفي الثالث عن أبي سلمة فقط، وكلاهما عن أبي هريرة نظراُته.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيوخه، فأبو بكر، وزهير ما
أخرج لهما الترمذيّ، وعمرو الناقد ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه،
ومحمد بن جعفر تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وحرملة تفرّد به هو
والنسائيّ، وابن ماجه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ.
٥ - (ومنها): أنه قيل: أصح أسانيد أبي هريرة ظُه الزهريّ، عن
سعيد بن المسيِّب، عنه.
٦ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعي عن تابعيين؛ الزهري عن سعيد، وأبي سلمة.
٧ - (ومنها): أن سعيداً أحد الفقهاء السبعة من التابعين، وكذا أبو سلمة
على بعض الأقوال.

٢٩١
(٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢)
٨ - (ومنها): أن أبا هريرة ظله رأس المكثرين السبعة من الصحابة
رَوَى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: اختُلِف في إسناد حديث أبي هريرة ◌َُّه هذا:
فقد أخرجه المصنّف تَّتُهُ من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد
وحده، عن أبي هريرة، ومن طريق يونس، عن الزهريّ، عن أبي سلمة وحده،
عن أبي هريرة، ومن طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي
سلمة كلاهما عن أبي هريرة، ونحو هذا فعل البخاريّ في ((الصحيح)).
وذكر الدارقطني هذا الاختلاف على الزهريّ، وجزم بأنه عنده عنهما
جميعاً، قال: وكان ربما اقتصر على أحدهما.
وأما الترمذيّ، فإنه أخرجه من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن
الزهري، عن أبي سلمة وحده، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن
الزهري، عن سعيد وحده، قال: وقول عبد الرزاق أصح، ثم أخرجه من طريق
ابن عيينة، عن الزهريّ، كما قال عبد الرزاق، وهذا عمل صحيح، لو لم يثبت
أن الزهري حَدَّث به عنهما .
والحقّ ما قاله الدارقطنيّ، وهو أن هذا الحديث مما رواه الزهريّ عن
سعيد، وأبي سلمة كليهما، وحدّث به عنهما جميعاً، وربّما اقتصر على
أحدهما، فمن هنا اختلف الرواة عليه.
والحاصل أن الحديث صحيح بالطرق الثلاثة، طريق الاجتماع، وطريقي
الانفراد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن
عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً) رَبه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا أُقِيَمَتِ
الصَّلَاةُ) وفي رواية العلاء، عن أبيه: ((إذا ثُوِّب للصلاة)، وفي رواية همّام بن
منبّه: ((إذا نودي بالصلاة))، وكلّها عند المصنّف في هذا الباب، وفي رواية
البخاريّ: ((إذا سمعتم الإقامة))، وفي حديث أبي قتادة: ((إذا أتيتم الصلاة،
فعلیکم السكينة)).

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال في ((الفتح)): قوله: ((إذا سمعتم الإقامة)) هو أخصّ من قوله في
حديث أبي قتادة: ((إذا أتيتم الصلاة))، لكن الظاهر أنه من مفهوم الموافقة؛ لأن
المسرع إذا أقيمت الصلاة يترجى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى، ونحو ذلك،
ومع ذلك فقد نُهِي عن الإسراع، فغيره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى
الإسراع؛ لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها، فيُنهَى عن الإسراع من بابٍ أولى.
وقد لَحَظَ فيه بعضهم معنى غير هذا، فقال: الحكمة في التقييد بالإقامة
أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها، وقد انبهر فيقرأ، وهو في تلك
الحالة، فلا يَحْصُل له تمام الخشوع في الترتيل وغيره، بخلاف من جاء قبل
ذلك، فإن الصلاة قد لا تقام فیه حتى يستريح. انتهى.
وقضية هذا أنه لا يُكره الإسراع لمن جاء قبل الإقامة، وهو مخالف
لصريح قوله: ((إذا أتيتم الصلاة))؛ لأنه يتناول ما قبل الإقامة، وإنما قيد في هذا
الحديث بالإقامة؛ لأن ذلك هو الحامل في الغالب على الإسراع. انتهى (١).
وقال الحافظ ولي الدين العراقيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((إذا نودي للصلاة)) يَحْتَمِل
أن يراد بالنداء الأذان، ويَحْتَمِل أن يراد به الإقامة، ويدل للاحتمال الثاني قوله
في رواية أخرى في ((الصحيح)): ((إذا أقيمت الصلاة)). وسواء فسَّرناه بالأذان أو
الإقامة فليس هذا القيد معتبراً في الحكم، فلو قَصَد الصلاة قبل الإقامة كُرِه له
الإسراع أيضاً، بل هو أولى بالكراهة؛ لأنه بعد الإقامة يخاف فوت بعض
الصلاة، وقبلها لا يخاف ذلك، فإذا نُهي عن الإسراع مع خوف فوات بعض
الصلاة، فمع عدم الخوف أولى، فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى، وهو
من مفهوم الموافقة.
وقد صرح بذلك النوويّ، فقال: إنما ذكر الإقامة لينبه بها على ما
سواها؛ لأنه إذا نُهي عن إتيانها سعياً في حال الإقامة مع خوفه فوت بعضها،
فقبل الإقامة أولى، وأكَّد ذلك ببيان العلة، فقال ◌َّطيور: ((فإن أحدكم إذا كان
يَعْمِد إلى الصلاة، فهو في صلاة)).
قال: وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكَّد ذلك تأكيداً
(١) ((الفتح)) ١٣٩/٢.

٢٩٣
(٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِنْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَّارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢)
آخر، فقال: ((فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا))، فحصل به تنبيه وتأكيد؛
لئلا يَتَوَّهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يَخَفْ فوت بعض الصلاة، فصرّح
بالنهي، وإن فات من الصلاة ما فات. انتهى. وهو حسن.
وقال والدي - يعني الحافظ العراقي - في ((شرح الترمذيّ)) بعد حكايته:
ويَحْتَمِل أن هذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أنه إنما يفعل ذلك من خاف
الفوت، فأما من بادر في أول الوقت، فلا يفعل ذلك؛ لوثوقه بإدراك أول
الصلاة. انتهى.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: هذه الوصية بالسكينة، إنما هي لمن
غَفَل عن المشي إلى المسجد حتى سمع الإقامة، أو لمن كان له عذر،
وكلاهما سواء في النهي عن الإسراع. انتهى.
ومقتضى هذه العبارة، أنه فَهِمَ أن مفهوم الشرط هنا معتبر، وأنه من
مفهوم المخالفة، فلا يُنْهَى عن الإسراع من قصد الصلاة قبل الإقامة، وهذا
مردود يُنْفَرُ عن القول به ببادئ الرأي وآخره، إلا أن يقال: إنما خَصَّ النهي عن
الإسراع بما بعد الإقامة؛ لأنه يدخل في الصلاة مُنْبَهِراً، فيمنعه ذلك عن
الخشوع، وإقامة الأركان على وجهها، وأما إذا كان قبل الإقامة، فإنه إذا وصل
إلى المسجد لا يدخل في الصلاة بمجرد دخوله؛ لأن الصلاة لم تُقَمْ،
فيستريح، ويذهب عنه ما به من البهر والتعب قبل الإقامة، وفي هذا نظر؛ لأن
الصلاة وإن كانت لم تُقَم، فقد تقام بمجرد وصوله إلى المسجد، فيقع في
المحذور، ثم إن هذا المعنى ليس هو المعتبر في الحديث على ما سيأتي بيانه،
وقد ظهر بذلك أنه وقع التردد في أن هذا من مفهوم الموافقة، أو المخالفة، أو
لا مفهوم له، والأول هو الراجح. انتهى كلام ولي الدين دَّتُهُ(١). وهو تحقيقٌ
مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
(فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ) الجملة الاسمية في محل نصب على الحال من
الفاعل، والمراد من السعي: الإسراع البليغ، وقد يُظْلَق على مطلق المشي، كما
(١) ((طرح التثريب)) ٣٥٦/٢ - ٣٥٧.

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
في قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]. فلا تنافي بين الآية
والحديث في الذهاب إلى الجمعة.
وقال ابن منظور كَّلُهُ: والسعي: عَدْوٌ دون الشَّدّ، قال: المراد بالسعي
في هذا الحديث: هو العدو، يقال: سَعَى يَسْعَى سَعْياً: إذا عَدَا، وسَعَى: إذا
مَشَى، وسَعَى: إذا عَمِلَ، وسَعَى: إذا قَصَدَ، وإذا كان بمعنى الْمُضِيّ عُدِّي
بـ((إلى))، وإذا كان بمعنى العمل عُدِّي باللام، والسعيُّ: القصدُ، وبذلك فُسِّر
قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وليس من السعي الذي هو
الْعَدُوُ، وقرأ ابن مسعود: ((فامضوا إلى ذكر الله))، وقال: لو كانت من السعي
لسعيت حتى يَسْقُط ردائي، قال الزجاج: السعي، والذهاب بمعنى واحد؛
لأنك تقول للرجل: هو يسعى في الأرض، وليس هذا باشتداد، وقال الزجاج:
أصل السعي في كلام العرب: التصرف في كلِّ عَمَلٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَ
[النجم: ٣٩]، معناه إلاَّ ما عَمِلَ، ومعنى قوله
٣٩)
لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]: فاقصدوا. انتهى كلام ابن منظور
بتصرّف(١).
(وَأَتُوهَا تَمْشُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، قال
السنديّ ◌َخْتُهُ: المشي وإن كان يعم السعي، لكن التقييد بقوله: ((وعليكم
السكينة)) خَصَّه بغيره، ولولا التقييد صريحاً لكفى المقابلة في إفادته. انتهى.
وإنما أتى بجملة: ((وأتوها ... إلخ)) بعد قوله: ((فلا تأتوها ... إلخ))
تأكيداً .
قال الحافظ ابن رجب تخّتُهُ: هذا أمر بالمشي، ونهيّ عن الإسراع إلى
الصلاة لمن سَمِعَ الإقامة، وليس سماع الإقامة شرطاً للنهي، وإنما خرج مخرج
الغالب؛ لأن الغالب أن الاستعجال إنما يقع عند سماع الإقامة خوف فوات
إدراك التكبيرة، أو الركعة، فهو كقوله تعالى: ﴿وَإِن كُمْ عَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ
كَلِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣]، والرهن جائز في السفر وغيره، وكذلك
قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ تَرْضَىَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ
(١) ((لسان العرب)) ٣٨٥/١٤.

٢٩٥
(٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَّارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢)
النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وقد ذكرنا أن التيمّم يجوز عند
عدم الماء في السفر والحضر، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَآِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ
عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَبَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ آَلِيْنِ وَمَوَلِكُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٥]،
ويجوز أن ندعوهم إخواناً وموالي وإن عُلم آباؤهم، فقد قال وَل ◌ّ لزيد: ((أنت
أخونا ومولانا))(١)، مع علمه بأبيه. انتهى(٢).
(وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ) كذا في رواية البخاري عند غير أبي ذر، وضبطها
القرطبيّ في ((المفهم)) بالنصب على الإغراء، وضبطها النوويّ بالرفع على أنها
جملة في موضع الحال.
ووقع في رواية أبي ذَرّ للبخاريّ: ((وعليكم بالسكينة)) بزيادة الباء.
قال في ((الفتح)): واستَشْكَل بعضهم دخول الباء، قال: لأنه متعدٍّ بنفسه،
كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وفيه نظر؛ لثبوت زيادة الباء في
الأحاديث الصحيحة، كحديث: ((عليكم برخصة الله))، وحديث: ((فعليه
بالصوم، فإنه له وجاء))، وحديث: ((فعليك بالمرأة))، قاله لأبي طلحة في قصّة
صفية، وحديث: ((عليك بعيبتك))، قالته عائشة لعمر، وحديث: ((عليكم بقيام
الليل))، وحديث: ((عليك بخويصة نفسك))، وغير ذلك.
ثم إن الذي عَلَّل به هذا المعترض غير مُوَفِّ بمقصوده؛ إذ لا يلزم من
كونه يجوز أن يتعدى بنفسه امتناع تعديه بالباء، وإذا ثبت ذلك فيدلّ على أن فيه
لغتين، والله تعالى أعلم. انتهى ما في ((الفتح))(٣).
وقد اعترض العينيّ على كلام صاحب ((الفتح)) الأخير بما فيه تَعَنُّتُّ، وقد
رددت على اعتراضه فيما كتبته على النسائيّ، فراجعه تستفد(٤).
قال وليّ الدين دَّثُهُ: والسكينة: هي الوقار، كما فسره أئمة اللغة، لكن
في بعض طرقه في ((صحيح البخاريّ)): ((وعليكم السكينة والوقار))، فقال
القاضي عياض في ((المشارق)): كَرَّر فيه الوقار للتأكيد، وكذا قال أبو العباس
(١) أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) برقم (٢٦٩٩).
(٢) «فتح الباري)) لابن رجب ٣٩١/٥ - ٣٩٢.
(٣) ١٣٩/٢.
(٤) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٣٥٤/١٠.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
القرطبيّ: السكينة والوقار اسمان لمسمى واحد؛ لأن السكينة من السكون،
والوقار من الاستقرار والتثاقل، وهما بمعنى واحد.
وأنكر الحافظ العراقيّ قوله: إن الوقار من الاستقرار؛ لأن الوقار معتل
الفاء، وهذا واضح، وقال في ((الصحاح)): الوقار: الحلم والرزانة.
وقال النوويّ: الظاهر أن بينهما فَرْقاً، وأن السكينة في الحركات،
واجتناب العَبَث، ونحو ذلك، والوقار في الهيئة، وغضّ البصر، وخفض
الصوت، والإقبال على طريقه من غير التفات، ونحو ذلك. انتهى(١).
[تنبيه]: الحكمة في هذا الأمر تُستَفَاد من زيادة وقعت للمصنّف من طريق
العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة في الرواية التالية فإنه قال في آخرها: ((فإن
أحدكم إذا كان يَعْمِد إلى الصلاة، فهو في صلاة))، أي أنه في حكم المصلي،
فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلّي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلّي
اجتنابه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: زاد في رواية البخاريّ هنا: ((ولا تُسرعوا))، قال في
((الفتح)): قوله: ((ولا تُسرِعوا)) فيه زيادة تأكيد، ويُستفاد منه الردّ على من أَوَّل
قوله في حديث أبي قتادة: ((لا تفعلوا)) أي الاستعجال المفضي إلى عدم
الوقار، وأما الإسراع الذي لا ينافي الوقار، كمن خاف فوت التكبيرة فلا،
وهذا مَحْكِيّ عن إسحاق ابن راهويه، وقد تقدمت رواية العلاء التي فيها: ((فهو
في صلاة))، قال النوويّ: نَّه بذلك على أنه لو لم يدرك من الصلاة شيئاً لكان
محصلاً لمقصوده؛ لكونه في صلاة، وعدم الإسراع أيضاً يستلزم كثرة الخطا،
وهو معنىَّ مقصودٌ لذاته، وَرَدت فيه أحاديث، كحديث جابر رَُّه عند مسلم:
((أن بكل خطوة درجة))، ولأبي داود من طريق سعيد بن المسيِّب، عن رجل من
الأنصار، مرفوعاً: ((إذا توضأ أحدكم، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى
المسجد، لم يرفع قدمه اليمني إلا كتب الله له حسنةً، ولم يضع قدمه اليسرى،
إلا حظّ الله عنه سيئةً، فإن أتى المسجد، فصلى في جماعة غُفِر له، فإن أتى
وقد صَلَّوا بعضاً، وبقي بعض، فصلى ما أدرك، وأتَمَّ ما بقي، كان كذلك،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٠/٥، و((طرح التثريب)) ٣٥٧/٢ - ٣٥٨.

٢٩٧
(٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢)
وإن أَتَى المسجد، وقد صَلَّوا، فأتم الصلاة كان كذلك))(١).
(فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا) قال الكرمانيّ كَّتُهُ: الفاء جواب شرط محذوف، أي
إذا بَيَّنْتُ لكم ما هو أولى بكم، فما أدركتم فصلوا.
ويَحْتَمِل أن يكون التقدير: إذا فعلتم الذي أمرتكم به من السكينة، وترك
الإسراع، فما أدركتم فصلُّوا .
(وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِّمُّوا) أي أكملوا، قال في ((الفتح)): هذا هو الصحيح في
رواية الزهريّ، ورواه عنه ابن عيينة بلفظ: ((فاقضُوا))، وحكم مسلم في كتابه
((التمييز)) عليه بالوهم في هذه اللفظة، مع أنه أخرج إسناده في ((صحيحه))، لكن
لم يَسُقْ لفظه، وكذا رَوَى أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن
أبي هريرة، فقال: ((فاقضوا))، وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع، عن
عبد الرزاق بلفظ: ((فأتموا))(٢).
واختُلِف أيضاً في حديث أبي قتادة، فرواية الجمهور: ((فأتموا))، ووقع
لمعاوية بن هشام، عن سفيان: ((فاقضوا))، كذا ذكره ابن أبي شيبة، عنه،
وأخرج مسلم إسناده في ((صحيحه)) عن ابن أبي شيبة، فلم يسق لفظه أيضاً(٣).
ورَوَى أبو داود مثله عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة. قال: ووقعت في رواية أبي رافع، عن أبي هريرة، واختُلِف في حديث
أبي ذرّ. قال، وكذا قال ابن سيرين، عن أبي هريرة: ((ولْيَقْضٍ))، ورواية ابن
سيرين عند مسلم بلفظ: ((صَلِّ ما أدركتَ، واقْضٍ ما سَبَقَك))(٤).
والحاصل أن أكثر الروايات وَرَد بلفظ: ((فَأَتِمُّوا))، وأقلها بلفظ:
((فاقْضُوا))، وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جَعَلنا بين الإتمام والقضاء مغايرةً، لكن
إذا كان مخرج الحديث واحداً، واختُلِف في لفظة منه، وأمكن رَدُّ الاختلاف
إلى معنى واحد كان أولى، وهنا كذلك؛ لأن القضاء، وإن كان يُظْلَق على
الفائت غالباً، لكنه يُطْلَق على الأداء أيضاً، ويَرِدُ بمعنى الفراغ، كقوله تعالى:
(١) ((الفتح)) ١٤٠/٢.
(٣) هو الآتي آخر الباب.
(٢) هو الحديث الثالث هنا.
(٤) هو الحديث الرابع في هذا الباب.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ﴾، ويَرِدُ بمعانٍ أُخَرَ، فَيُحْمَل قوله: ((فاقضُوا)) على
معنى الأداء، أو الفراغ، فلا يغاير قوله: ((فأتموا)).
فلا حُجَّة فيه لمن تمسك برواية ((فاقضوا))، على أن ما أدركه المأموم هو
آخر صلاته، حتى استَحَبَّ له الجهر في الركعتين الأخيرتين، وقراءة السورة،
وترك القنوت، بل هو أوَّلها، وإن كان آخر صلاة إمامه؛ لأن الآخر لا يكون
إلا عن شيء تقدمه.
وأوضح دليل على ذلك أنه يَجِب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل
حالٍ، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخراً له لما احتاج إلى إعادة التشهد.
وقول ابن بطال: إنه ما تشهد إلا لأجل السلام؛ لأن السلام يحتاج إلى
سبق تشهد، ليس بالجواب الناهض على دفع الإيراد المذكور.
واستَدَلَّ ابن المنذر لذلك أيضاً على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح
لا تكون إلا في الركعة الأولى.
وقد عَمِلَ بمقتضى اللفظين الجمهور، فإنهم قالوا: إن ما أدرك المأموم
هو أول صلاته، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من قراءة السورة، مع أم القرآن
في الرباعية، لكن لم يستحبوا له إعادة الجهر في الركعتين الباقيتين، وكأن
الحجة فيه قوله: ((ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، واقْضٍ ما سبقك به
من القرآن))، أخرجه البيهقيّ.
وعن إسحاق والمزنيّ: لا يقرأ إلا أمّ القرآن فقط، وهو القياس.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة قريباً مع
ترجيح القول: إن ما يقضيه المسبوق، فهو أول صلاته - إن شاء الله تعالى -
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
(١) ((الفتح)) ٢/ ١٤٢.

٢٩٩
(٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِثْبَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٦٢/٢٨ و١٣٦٣ و١٣٦٤ و١٣٦٥] (٦٠٢)،
و(البخاري) في ((الأذان)) (٦٣٦)، و((الجمعة)) (٩٠٨)، وفي ((جزء القراءة))
(١٦٩ و١٧٠ و١٧١ و١٧٢ و١٧٦ و١٧٧ و١٧٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٥٧٢/٢ و٥٧٣)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٣٢٧ و٣٢٨)، و(النسائيّ) في
(الإمامة)) (٨٦١)، وفي ((الكبرى)) (٩٣٤)، و(ابن ماجه) (٧٧٥)، و(عبد
الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٤٠٤)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١٤٥/١ - ١٤٦)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٣٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٥٨/٢)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٩/٢ و٢٥٣ و٢٧٠ و٣٢٨ و٣٨٢ و٣٨٧ و٤٥٢
و٤٧٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٣٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٨٦)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٥٠٥ و١٧٧٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢١٤٥ و٢١٤٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٩٦/١)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٣٠٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٤٠ و١٥٤١
و١٥٤٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٣٣ و١٣٣٤ و١٣٣٥ و١٣٣٦
و١٣٣٧ و١٣٣٨)، و(البيهقيّ) في («الكبرى» (٢٩٧/٢)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٤٤١ و٤٤٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن الإسراع في إتيان الصلاة، فينبغي لمن أتى
إلى الصلاة أن يأتيها بتُؤَدَة ووقار.
قال الحافظ وليّ الدين كَّتُهُ: ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين الجمعة
وغيرها، ولا بين أن يخاف فوت تكبيرة الإحرام، أو فوت ركعة، أو فوت
الجماعة بالكليّة، أو لا يخاف شيئاً من ذلك، وبهذا قال جمهور العلماء من
الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. انتهى(١).
(١) ((طرح التثريب)) ٣٥٥/٢.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الجمهور من إطلاق النهي هو
الحقّ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أنهم ذكروا في المعنى الذي نُهِي قاصد الصلاة عن
الإسراع، وأُمِر بالمشي بسكينة أموراً:
[أحدها]: قوله ﴿ فيما رواه مسلم في هذا الباب: ((فإن أحدكم إذا كان
يَعْمِد إلى الصلاة، فهو في صلاة))، فأشار بذلك إلى أنه ينبغي أن يتأدب بآداب
الصلاة، مِن ترك الْعَجَلة، والخشوع، وسكون الأعضاء، ومن هذا أمره وَ له مَن
خرج إلى المسجد أن لا يُشَبِّك بين أصابعه، وعَلَّل ذلك بكونه في صلاة،
وحكى النوويّ هذا المعنى عن العلماء.
[الثاني]: تكثير الْخُطَا، فقد رَوَى الطبراني بإسناد صحيح، عن أنس بن
مالك ظه، قال: كنت أمشي مع زيد بن ثابت، فقارب الخطا، فقال: أتدري
لم مشيت بك هذه المشية؟ فقلت: لا، فقال: لتكثر خطانا في المشي إلى
الصلاة، وقد رُوي هذا مرفوعاً من حديث زيد بن ثابت، ومن حديث أنس .
[الثالث]: ذَكَر المُهَلَّبُ أن المعنى في ذلك أن لا يَبْهَرَ (١) الإنسانَ نفسُهُ،
فلا يتمكن من ترتيل القرآن، ولا من الوقار اللازم له في الخشوع. انتهى.
وذكره القاضي عياض أيضاً .
وقال الحافظ العراقيّ: ينبني على المعنيين، أي الأوّلين عود المصلي من
المسجد إلى بيته، فإن عَلَّلنا بالمعنى الأول، فقد زال في رجوعه إلى بيته كونه
في صلاة، وإن عُلَّلنا بالمعنى الثاني، فيستحب أيضاً المشي، ومقاربة الخطا؛
لحديث عبد الله بن عمرو ثها مرفوعاً: ((من راح إلى مسجد الجماعة، فخطوة
تمحو سيئةً، وخطوة تكتب حسنةً، ذاهباً وراجعاً))، وإسناده جيد.
قال وليّ الدين: وإن عللنا بالمعنى الثالث، فلا يثبت هذا الحكم في
الرجوع، كما قلنا على المعنى الأول. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعليله بالمعنى الثاني أولى؛ لحديث
عبد الله بن عمرو ضيًّا المذكور. والله تعالى أعلم.
(١) يقال: بَهَره بَهْراً، من باب نَفَعَ: إذا غلبه.