Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيّانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
على أمر إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم، ولم يَلْحَقكم مَن خَلَفَكم، إلا مَن عَمِل
بمثل ما عملتم؟ تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوه ثلاثاً
وثلاثين، وتكبروه(١) أربعاً وثلاثين))، فبلغ ذلك الأغنياءَ، فقالوا مثل ما قالوا،
فأتوا رسول الله وسلم، فأخبروه، فقال: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)).
(٢) .
انتھی
وساقها أيضاً في ((المعجم الصغير))، وقال في آخرها: لم يروه عن رجاء
إلا ابنُ عجلان. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رُّه هذا مُتّفقٌ عليه.
[تنبيه]: تكلّم الرشيد العطّار تَخْلُ في رواية المصنّف هذه، فقال في كتابه
((غرر الفوائد)) (١/ ٣٠١) بعد أن ساق رواية المصنّف هذه بنصّها:
هكذا أورده مسلم، وهو حديثٌ بعضه مسندٌ، وبعضه مرسلٌ، والمرسل
منه قول أبي صالح: ((فرجع فقراء المهاجرين ... )) إلى آخره؛ لأن أبا صالح لم
یسنده .
وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ولم يذكر فيه
هذه الزيادة من قول أبي صالح، إلا أن مسلماً كَخَُّ قد أخرجه من وجه آخر،
عن أبي صالح - يعني الرواية التالية - وفيه هذه الزيادة متصلةً مع سائر
الحديث، فأخرجه من حديث رَوْح بن عُبَادة، عن سُهيل بن أبي صالح، عن
أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَلايه، وقال في آخره: بمثل حديث قتيبة،
عن الليث، إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء
المهاجرين ... إلى آخر الحديث. انتهى كلام مسلم ركُّهُ.
(١) هكذا نسخة ((الأوسط)) بحذف نون الرفع في ((تحمدوه))، و((تكبروه))، وفي ((المعجم
الصغير)) بإثباتها في المواضع الثلاثة، وحذفها دون ناصب وجازم لغة قليلة، فتنبّه.
(٢) ((المعجم الأوسط)) ٢٧٨/٥ - ٢٧٩.
(٣) ((المعجم الصغير)) ٧٢/٢ رقم (٨٠٢).
٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال الرشيد تخذلهُ: فقد اتّصل ما في هذا الحديث من المرسل من هذا
الوجه الآخر الذي ذكرناه، والحمد لله.
قال: ووقع في آخر هذا الحديث أيضاً زيادة أوردها مسلم غير متصلة،
وهي قوله بعد انقضائه: وزاد غير قتيبة في هذا الحديث، عن الليث، عن ابن
عجلان، قال سُمَيّ: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وَهِمْتَ، وذكر
باقي الحديث، وهذا غير متصل كما ترى. انتهى كلام الرشيد العطار تَظّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فقد اتّصل ... إلخ)) هذا الذي اعتبره
الرشيد العطّار ◌َّتُ متّصلاً من رواية سهيل، عن أبيه لا يراه الحافظ متّصلاً؛
لأنه ذكر فيه قول أبي صالح مدرجاً، ونصّه في ((الفتح)): زاد مسلم في رواية
ابن عجلان، عن سُميّ: ((قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى
رسول الله ... إلخ))، ثم ساقه مسلم من رواية رَوْح بن القاسم، عن سُهيل،
عن أبيه، عن أبي هريرة، فَذَكَرَ طَرَفاً منه، ثم قال بمثل حديث قتيبة، قال: إلا
أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: «فرجع فقراء المهاجرين ...
الخ)).
قال الحافظ: وكذا رواه أبو معاوية، عن سهيل مُدرجاً، أخرجه جعفر
الفريابيّ، وتبين بهذا أن الزيادة المذكورة مرسلةٌ.
وقد رَوَى الحديث البزار من حديث ابن عمر بنظُه، وفيه: ((فرَجَع
الفقراء ... ))، فذكره موصولاً، لكن إسناده ضعيفٌ، ورواه جعفر الفريابيّ من
رواية حَرَام بن حكيم - وهو بحاء، وراء مهملتين - عن أبي ذرّ رَُّه، وقال
فيه: فقال أبو ذرّ: يا رسول الله، إنهم قد قالوا مثل ما نقول، فقال: ((ذلك
فضل الله يؤتيه من يشاء)).
ونَقَلَ الخطيب أن حرام بن حكيم يُرسل الرواية عن أبي ذرّ ◌َظُه، فعلى
هذا لم يصح بهذه الزيادة إسناد، إلا أن هذين الطريقين يَقْوَى بهما مُرسل أبي
صالح. انتهى كلام الحافظ كَّهُ(٢).
(١) راجع: ((قرة عين المحتاج في شرح المقدّمة ١٣١/١ - ١٣٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٨٤/٢ - ٣٨٥.
٢٢٣
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن قول أبي صالح: ((فرجع
فقراء المهاجرين ... إلخ)) مرسل، وليس متّصلاً كما زعمه الرشيد العطّار،
مستدلاً برواية سهيل التالية، بل فيها إدراج قول أبي صالح كما أرشد إليه
المصنّف في كلامه الآتي، لكن هذا المرسل يتقوّى بالطريقين اللذين ذكرهما
الحافظ، كما بيّنه في كلامه المذكور آنفاً، فتبصّر.
وأما قوله: ((وزاد غير قتيبة ... إلخ)) فلم أجد من وصله، فليُنظر، والله
تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في ((تخريجه)) :
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٥٠/٢٦ و١٣٥١] (٥٩٥)، و(البخاريّ) في
((الأذان)) (٨٤٣) و((الدعوات)) (٦٣٢٩)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة))
(١٤٥ و١٤٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٤٩)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٠١٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٨٥ و٢٠٨٦)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٣٢٠ و١٣٢١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٦/٢)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧١٧ و٧٢٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الذكر عقب الصلوات، واستدلّ به البخاريّ تَحْدَّثُهُ
على فضل الدعاء عقب الصلاة؛ لأنه في معناها، ولأنها أوقات فاضلة، يُرتَجَى
فيها إجابة الدعاء.
٢ - (ومنها): بيان جواز الغِبْطَة، وهي تمنّي مِثْلِ ما للغير من النعمة دون
زوالها عنه، بخلاف الْحَسَد، فإنه تمني زوال النعمة عن المنعَم عليه، سواء
تمناها لنفسه، أو لا، وقيل: مع تمنيها، وهو مذموم.
٣ - (ومنها): استحباب المسابقة إلى الأعمال المحصّلة للدرجات
العالية؛ لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بَلَغَهم، ولم ينكر عليهم النبيّ وَلَه.
٤ - (ومنها): بيان أن العمل اليسير في الصورة قد يُدْرِك به صاحبه فضل
العمل الشاقّ الذي يلحقه من بعده في الفضل ممن لا يعمل به.
٥ - (ومنها): بيان أن العمل القاصر قد يُساوي المتعدّيَ، خلافاً لمن
٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال: إن المتعدي أفضل مطلقاً، نبّه على ذلك الشيخ عزّ الدين بن
عبد السلام رَّتُهُ .
٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال ◌َّتُهُ: في هذه الأحاديث الحضّ على
الذكر في أدبار الصلوات، وأن ذلك يوازي إنفاق المال في طاعة الله تعالى؛
لقوله {َّله: ((تُدركون من سبقكم))، وسُئل الأوزاعيّ ◌َُّهُ: هل الذكر بعد الصلاة
أفضل، أم تلاوة القرآن؟، فقال: ليس شيء يَعدِل القرآن، ولكن كان هدي
السلف الذكر.
٧ - (ومنها): بيان أن الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة، ولا يؤخَّر
عنها إلى أن تصلَّى الراتبة؛ لقوله: ((دُبُر كلّ صلاة)).
٨ - (ومنها): بيان أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة يُرجى فيها إجابة
الدعوات، وقبول الطاعات، ويَصِل بها متعاطيها إلى الدرجات العالية،
والمنازل الغالية.
٩ - (ومنها): بيان أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف يُجيب
بما يَلْحَق به المفضول درجة الفاضل، ولا يُجيب بنفس الفاضل؛ لئلا يقع
الخلاف، كذا قال ابن بطّال، وكأنه أخذه من كونه و 8 أجاب بقوله: ((ألا
أدلّكم على أمر تساوونهم فيه))، وعَدَل عن قوله: نعم هم أفضل منكم بذلك.
١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب تَُّ: في الحديث دليلٌ على
قوّة رغبة الصحابة ﴿ه في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى، والنعيم
المقيم، فكانوا يَحْزنون على العجز عن شيء مما يَقدِر عليه غيرهم من ذلك،
وقد وصفهم الله رَّ في كتابه بذلك بقوله: ﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ
لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَآ أَخْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا
﴾ [التوبة: ٩٢].
أَلَا يَجِدُواْ مَا يُفِقُونَ
ولهذا قال النبيّ ◌َّ: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتين ... )) الحديث، فذكر
منهما: ((رجلٌ آتاه الله مالاً، فهو ينفقه في وجهه، فيقول رجلٌ: لو أن لي مالاً
لفعلت فيه كما فعل ذلك)) (١)، فلذلك كان الفقراء إذا رأوا أصحاب الأموال
(١) أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، ولفظه:
=
٢٢٥
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
يحجّون، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون، ويُنفقون حزِنُوا على عجزهم عن
ذلك، وتأسّفوا على امتناعهم من مشاركتهم فيه، وشَكَوا ذلك إلى النبيّ وَّه
فدلّهم النبيّ ◌َ﴿ على عمل إن أخذوا به أدركوا من سبقهم، ولم يُدركهم أحدٌ
بعدهم، وكانوا خير من هم بين ظهرانيهم، إلا من عَمِل مثله، وهو التسبيح،
والتحميد، والتكبير خلف كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الحافظ ابن رجب تَخْتُهُ في ((شرح البخاريّ)): هذا
الحديث يدلّ على أن الذكر أفضل الأعمال، وأنه أفضل من الجهاد، والصدقة،
والعتق، وغير ذلك، وقد رُوي هذا المعنى صريحاً عن جماعة كثيرة من
الصحابة، منهم أبو الدرداء، ومعاذٌ، وغيرهما ﴿ه، ورُوي مرفوعاً من وجوه
متعدّدة أيضاً.
وقال دَّثُ في ((جامع العلوم والحكم)): وقد تكاثرت النصوص بتفضيل
الذكر على الصدقة بالمال وغيره من الأعمال، كما في حديث أبي
الدرداء به، عن النبيّ وَّ قال: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند
مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير
لكم من أن تَلْقَوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا
رسول الله، قال: ((ذكر الله رَك))، خرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ (٢)، وذكره
مالك في ((الموطأ)) موقوفاً على أبي الدرداء تظلُله.
وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة ◌َظُه عن النبيّ وَّ قال: ((من قال لا إله
(٥٠٢٦) حدّثنا عليّ بن إبراهيم، حدثنا رَوْح، حدّثنا شعبة، عن سليمان، سمعت
=
ذكوان، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَّ و قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل
علّمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني
أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يَعمَل، ورجل آتاه الله مالاً، فهو يهلكه
في الحقّ، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعَمِلت مثل ما يَعْمَل.
انتھی.
(١) ((شرح البخاريّ)) لابن رجب ٤٠٥/٧ - ٤٠٦.
(٢) حديث صحيح، صحّحه الحاكم في ((المستدرك)) ٤٩٦/١، ووافقه الذهبيّ.
٢٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على
كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة
حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك، حتى
يمسي، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك)).
وفيهما أيضاً عن أبي أيوب ظنه عن النبيّ وَّ ر أنه قال: ((من قالها عشر
مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل)).
وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، من حديث أبي سعيد ظنه أن النبيّ وَلـ
سئل أيُّ العباد أفضل درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: ((الذاكرون الله كثيراً))،
قلت: يا رسول الله: ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: (لو ضَرَب بسيفه في
الكفار والمشركين حتى ينكسر، ويختضب دماً، لكان الذاكرون الله أفضل منه
درجةً)) (١)، ويُروى نحوه من حديث معاذ وجابر مرفوعاً، والصواب وقفه على
معاذ من قوله.
وخرّج الطبرانيّ من حديث أبي الوازع، عن أبي بردة، عن أبي موسى،
عن النبيّ وَ﴿ قال: ((لو أن رجلاً في حجره دراهم يقسمها، وآخر يذكر الله،
كان الذاكر أفضل».
قلت: الصحيح عن أبي الوازع، عن أبي برزة الأسلميّ من قوله، خرّجه
جعفر الفريابيّ.
وخرّج أيضاً من حديث أنس، عن النبيّ رَس قال: ((من كبر مائة، وسبح
مائة، وهلَّل مائة، كانت خيراً له من عشر رقبات يُعتقها، ومن سبع بدنات
ینحرها».
وخرّج ابن أبي الدنيا بإسناده، عن أبي الدرداء، أنه قيل له: إن رجلاً
أعتق مائة نسمة، فقال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك
إيمانٌ ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم رطباً من ذكر الله ريك .
وعن أبي الدرداء أيضاً قال: لأن أقول الله أكبر مائة مرة، أحب إلي من
(١) حديث ضعيف؛ لأن في سنده درّاجاً وهو ضعيف عن أبي الهيثم، وهذا منه،
والراوي عنه ابن لهيعة، وهو أيضاً متكلّم فيه.
٢٢٧
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
أن أتصدق بمائة دينار، وكذلك قال سلمان الفارسيّ وغيره من الصحابة
والتابعين: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال.
وخرّج الإمام أحمد، والنسائيّ من حديث أم هانئ رعُنا أن النبيّ وَّ قال
لها: ((سبّحي الله مائة تسبيحة، فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل،
واحمدي الله مائة تحميدة، فإنها تعدل لك مائة فرس مُلْجَمة مُسْرَجة تَحملين
عليهن في سبيل الله، وكبّري الله مائة تكبيرة، فإنها تعدل مائة بدنة مُقَدّدة متقبلة،
وهلّلي الله مائة تهليلة، لا أحسبه إلا قال: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا
يرفع يومئذ لأحد مثل عملك، إلا أن يأتي بمثل ما أتيت))(١).
وخرّجه أحمد أيضاً، وابن ماجه، وعندهما: ((وقولي: لا إله إلا الله،
مائة مرة لا تَذَرُ ذنباً، ولا يسبقها العمل)).
وخرّجه الترمذيّ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن
النبيّ وَّ﴿ بنحوه، وقال: هذا حديث حسنٌ غريب.
وخرّج الطبرانيّ من حديث ابن عباس مرفوعاً قال: ((ما من صدقة أفضل
من ذكر الله ريات))(٢).
وخرّج الفريابيّ بإسناد فيه نظرٌ، عن أبي أمامة مرفوعاً: ((ومن فاته الليل
أن يكابده، ويبخل بماله أن ينفقه، وجَبُن عن العدو أن يقاتله، فليكثر من
سبحان الله وبحمده، فإنها أحبّ إلى الله رم من جبل ذهب، أو جبل فضة،
ينفقه في سبيل الله ێ)).
وخرّج البزار بإسناد مقارب، من حديث ابن عباس مرفوعاً، قال في
حديثه: ((فليكثر ذكر الله))، ولم يزد على ذلك، وفي المعنى أحاديث أخر
متعددة. انتهى كلام ابن رجب تَّثُ في ((جامع العلوم والحكم)) (٣).
وقال في ((شرح البخاريّ)): ولا يعارض هذا - يعني ما سبق من تفضيل
(١) حديث حسنٌ، انظر: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ ٣٠٢/٣.
(٢) أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))، قال الهيثميّ: ورجاله وُثّقوا. انتهى. ((مجمع
الزوائد» ١٠/ ٧٧.
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) ٤٩/٢ - ٥٢.
٢٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الذكر على الجهاد وغيره - حديث الذي سأل النبيّ ◌َل ﴿ عما يعادل الجهاد؟
فقال: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تُفطر، وتقوم فلا تفتر ... ))
الحديث المشهور؛ لأن هذا السائل سأل عن عمل يعمله في مدّة جهاد المجاهد
من حين خروجه من بيته إلى قُدومه، فليس يُعْدَل ذلك بشيء غير ما ذُكر،
والفقراء دلّهم النبيّ ◌َ ﴿ على عمل يستصحبونه في مدّة عمرهم، وهو ذكر الله
الكثير في أدبار الصلوت، وهذا أفضل من جهاد يَقع في بعض الأحيان يُنفق
صاحبه فيه ماله.
فالناس منقسمون ثلاثة أقسام:
أهل الذكر يدومون عليه إلى انقضاء أجلهم.
وأهل جهاد يُجاهدون، وليس لهم مثل ذلك الذكر، فالأولون أفضل من
هؤلاء.
وقوم يجمعون بين الذكر والجهاد، فهؤلاء أفضل الناس.
ولهذا لَمّا سمع الأغنياء الذين كانوا يحجّون، ويَعتمرون، ويُجاهدون،
ويتصدّقون بما عَلَّم النبيّ وَّرِ الفقراء من ذلك عَمِلوا به، فصاروا أفضل من
الفقراء حينئذ، ولهذا لَمّا سألوا النبيّ وَ لّ عن ذلك؟ قال: ((ذلك فضل الله يؤتيه
من يشاء)) .
ومن زعم من الصوفيّة أنه أراد أن الفقر فضل الله، فقد أخطأ، وقال ما
لا يعلم. انتهى كلام ابن رجب ◌َُّ(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في التفضيل بين الغنى
والفقر :
قال ابن بطال، عن المهلّب رحمهما الله: في هذا الحديث فضل الغنى
نصّاً لا تأويلاً، إذا استوت أعمال الغني والفقير، فيما افترض الله عليهما،
فللغنيّ حينئذ فضل عمل البرّ من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير إليه.
قال: ورأيت بعض المتكلّمين ذهب إلى أن هذا الفضل يخصّ الفقراء دون
(١) (شرح البخاريّ)) لابن رجب ٤٠٥/٧ - ٤٠٧.
٢٢٩
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
غيرهم، أي الفضل المرتّب على الذكر المذكور، وغفل عن قوله في نفس
الحديث: ((إلا من صنع مثل ما صنعتم))، فجعل الفضل لقائله كائناً من كان.
وقال القرطبيّ تَُّهُ: استدلّ بهذا الحديث من يُفضّل الغنى على الفقر،
وهي مسألة اختُلِف فيها على خمسة أقوال: فمن قائل بتفضيل الغنى، ومن قائل
بتفضيل الفقر، ومن قائل بتفضيل الكَفَاف، ومن قائل رابع بردّ هذا التفضيل إلى
اعتبار أحوال الناس في ذلك، ومن قائل خامس توقّف، ولم يفضّل واحداً
منهما على الآخر، والمسألة لها غَوْرٌ، وفيها أحاديث متعارضة.
قال: والذي يظهر لي أن الأفضل من ذلك ما اختاره الله تعالى لنبيّهِ وَّه،
ولجمهور أصحابه ظه، وهو الفقر غير المدقع.
قال: وتأوّل بعضهم قوله: ((ذلك فضل الله يؤتيه)) بأن قال: الإشارة
راجعة إلى الثواب المرتّب على العمل الذي يحصل به التفضيل عند الله، فكأنه
قال: ذاك الثواب الذي أخبرتكم به لا يستحقّه أحد بحسب الذكر، ولا بحسب
الصدقة، وإنما هو بفضل الله(١).
قال: وهذا التأويل فيه بُعدٌ، ولكن اضطرّه إليه ما يعارضه(٢).
وتُعقب بأن الجمع بينه وبين ما يُعارضه ممكن من غير احتياج إلى
التعسف .
وقال ابن دقيق العيد تَّتُهُ: ظاهر الحديث القريبُ من النصّ أنه فَضَّلَ
الأغنياء بزيادة القربات المالية، وبعض الناس تأول قوله: ((ذلك فضل الله يؤتيه
من يشاء)» بتأويل مُستكرَه، يخرجه عما ذكرناه، كأنه يشير إلى ما تقدّم.
قال: والذي يقتضيه الأصل أنهما إن تساويا، وفضّلت العبادات المالية
أنه يكون الغنيّ أفضل، ولا شكّ في ذلك، وإنما النظر إذا تساويا في أداء
الواجب فقط، وانفرد كلّ منهما بمصلحة ما هو فيه، وإذا كانت المصالح
متقابلة، ففي ذلك نظر، يرجع إلى تفسير الأفضل، فإن فُسّر بزيادة الثواب،
(١) ((المفهم)) ٢١٣/٢ - ٢١٤.
(٢) قوله ((وهذا التأويل إلخ)) هكذا عزاه في ((الفتح)) إلى القرطبيّ، ولم أره في
((المفهم))، ولعله لاختلاف النسخ، والله تعالى أعلم.
٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدّية أفضل من القاصرة، وإن كان الأفضل
بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل لها من التطهير بسبب
الفقر أشرف، فيترجّح الفقراء.
ومن ثَمَّ ذهب جمهور الصوفيّة إلى ترجيح الفقير الصابر.
وقال الكرمانيّ تَخْتُ: قضية الحديث أن شكوى الفقر تبقى بحالها،
وأجاب بأن مقصودهم كان تحصيل الدرجات العُلَى، والنعيم المقيم لهم أيضاً،
لا نفي الزيادة عن أهل الدثور مطلقاً. اهـ.
قال الحافظ تَُّهُ: والذي يظهر أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة،
ويظهر أن الجواب وقع قبل أن يَعلَم النبيّ وَِّ أن متمنّي الشيء يكون شريكاً
لفاعله في الأجر، كما ثبت في حديث الترمذيّ كَّهُ (١) بأن المنفق والمتمنّ إذا
كان صادق النية في الأجر سواء، وكذا قوله وَله: ((من سنّ سنّة حسنة، فله
أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيئاً))، فإن الفقراء في
هذه القصّة كانوا السبب في تعلّم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في
قوله، امتاز الفقراء بأجر السبب، مضافاً إلى التمنّي، فلعل ذلك يقاوم التقرّب
بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شَظَّف العيش، وشكر الغنيّ على
(١) هو ما أخرجه الترمذيّ في ((جامعه)) عن أبي كبشة الأنماري ر ◌ُّه أنه سمع
رسول الله وَه يقول: ((ثلاثة أُقسم عليهنّ، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه ــ قال ـ: ما
نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها، إلا زاده الله عزّاً، ولا
فتح عبد باب مسألة، إلا فتح الله عليه باب فقر - أو كلمة نحوها - وأحدثكم حديثاً
فاحفظوه ــ قال ـ: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه
ربه، ويَصِلُ فيه رحمه، ويَعْلَم الله فيه حقّاً فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله
علماً، ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل
فلان، فهو بنّته، فأجرهما سواءٌ، وعبد رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علماً، فهو يَخْبِط
في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يَصِل فيه رحمه، ولا يعلم الله فيه حقّاً،
فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً
لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيّته، فوزرهما سواء))، قال الترمذيّ: هذا حديث
حسن صحيح. انتھی.
٢٣١
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
التنعّم بالمال، ومن ثمّ وقع التردد في تفضيل أحدهما على الآخر. انتهى كلام
الحافظ تَّلهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: استدلاله بحديث من ((سنّ سنّة حسنة إلخ)) على
هذه المسألة فيه نظر؛ لأن الذين تسببوا هم فقراء الصحابة، فالاشتراك مع
الأغنياء في الأجر قاصر عليهم، لا يتعدّاهم إلى غيرهم من الفقراء؛ لأن
غيرهم لم يشاركهم في التسبب، فكيف يستدلّ به على تفضيل الفقير على الغني
على الإطلاقّ؟، والله أعلم.
وقال في (كتاب الأطعمة)) عند قول البخاريّ تَخُّْ: ((بابٌ الطاعمُ الشاكرُ
مثل الصائم الصابر)) فيه عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر، ما نصه: وفيه رفع
الاختلاف المشهور في الغنيّ الشاكر والفقير الصابر، وأنهما سواء، كذا قيل،
ومساق الحديث يقتضي تفضيل الفقير الصابر؛ لأن الأصل أن المشبّه به أعلى
درجة من المشبّه .
والتحقيق عند أهل الْحِذْق أن لا يجاب في ذلك بجواب كلّيّ، بل
يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأحوال، نعم عند الاستواء من كل جهة،
وفَرْضٍ رفع العوارض بأسرها، فالفقير أسلم عاقبة في الدار الآخرة، ولا ينبغي
أن يُعدل بالسلامة شيء. انتهى كلام الحافظ كَّتُهُ(٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الحافظ تَُّهُ: وقع في رواية وَرْقاء عن سُمَيّ
عند البخاريّ في ((الدعوات)) في هذا الحديث: ((تسبحون عشراً، وتحمدون
عشراً، وتكبرون عشراً))، ولم أقف في شيء من طُرُق حديث أبي هريرة على
من تابع ورقاء على ذلك، لا عن سُميّ، ولا عن غيره، ويَحْتَمِل أن يكون تأوّل
ما تأوّل سهيل من التوزيع، ثم ألغى الكسر، ويَعْكُر عليه أن السياق صريح في
كونه كلام النبيّ وَلته .
قال: وقد وجدت لرواية العشر شواهد، منها عن عليّ عند أحمد، وعن
سعد بن أبي وقاص عند النسائيّ، وعن عبد الله بن عمرو عنده، وعند أبي
(١) ((الفتح)) ٣٨٥/٢.
(٢) ((الفتح)) ٧٣٠/١٠ - ٧٣١.
٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج . كتاب المساجد ومواضع الصلاة
داود، والترمذيّ، وعن أم سلمة عند البزار، وعن أم مالك الأنصارية عند
الطبرانيّ.
وجَمَع البغويّ في ((شرح السنة)) بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون
ذلك صدر في أوقات متعددة، أوّلها عشراً عشراً، ثم إحدى عشرة إحدى
عشرة، ثم ثلاثاً وثلاثين ثلاثاً وثلاثين، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على سبيل
التخيير، أو يفترق بافتراق الأحوال.
وقد جاء من حديث زيد بن ثابت، وابن عمر عنه أنه ولو أمرهم أن
يقولوا كلّ ذكر منها خمساً وعشرين، ويزيدوا فيها: ((لا إله إلا الله)) خمساً
وعشرین.
ولفظ زيد بن ثابت ه: أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين،
ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبر أربعاً وثلاثين، فأَتِيَ رجل في منامه، فقيل له:
أمركم محمد أن تسبحوا ... فذكره، قال: نعم، قال: اجعلوها خمساً
وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبيّ وَّر وأخبره، فقال:
((فافعلوه))، أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبان.
ولفظ ابن عمر ﴿ه: رأى رجلٌ من الأنصار فيما يرى النائم، فذكر
نحوه، وفيه: فقيل له: سبح خمساً وعشرين، واحْمَدْ خمساً وعشرين، وكَبِّر
خمساً وعشرين، وهَلِّل خمساً وعشرين، فتلك مائة، فأمرهم النبيّ وَّر أن
يفعلوا كما قال. أخرجه النسائيّ، وجعفر الفريابي.
واستُنْبِط من هذا أن مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرةٌ، وإلا
لكان يُمكن أن يقال لهم: أضيفوا لها التهليل ثلاثاً وثلاثين.
وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة كالذكر عقب
الصلوات، إذا رُقِّب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد
المذكور، لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك
الأعداد حكمةٌ وخاصيةٌ تفوت بمجاوزة ذلك العدد.
قال الحافظ أبو الفضل العراقيّ كَُّ في ((شرح الترمذيّ)): وفيه نظر؛ لأنه
أتى بالمقدار الذي رُتُّب الثواب على الإتيان به، فحصل له الثواب بذلك، فإذا
زاد عليه من جنسه، كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله. انتهى.
٢٣٣
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
قال الحافظ تَخْذُ: ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند
الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة فالأمر كما قال العراقيّ لا
محالةَ، وإن زاد بغير نية، بأن يكون الثواب رُقِّب على عشرة مثلاً، فرتّبه هو
على مائة، فيتجه القول الماضي.
وقد بالغ القرافيّ في ((القواعد))، فقال: من الْبِدَع المكروهة الزيادة في
المندوبات المحدودة شرعاً؛ لأن شأن العظماء إذا حَدُّوا شيئاً أن يُوقَفَ عنده،
ويُعَدّ الخارج عنه مسيئاً للأدب. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن كلام القرافيّ تَخْلَتُ في هذا، فالحقّ
أنه لا ينبغي الزيادة على الأعداد والتقديرات الشرعيّة، وإن كانت مندوبات؛
لأن الشارع الحكيم حكمة لا يعلمها غيره، فإذا وجّه إلى شيء من العبادة،
أذكاراً، أو غيرها، وعيّن لها عدداً، أو صفة معيّنة، فلا ينبغي العدول عنها إلا
بتوقيف منه، فالأذكار التي خلف الصلوات، وغيرها لا ينبغي أن يُتجاوز العدد
المأثور فيها، إلا أن يقطعها، ثم يستأنف.
وبالجملة فالذي ينبغي للعاقل أن يقف عند تعليم النبيّ وَّ للأذكار، أو
غيرها مع تعيينه لها عدداً، أو صفةً، أو وقتاً، أو غير ذلك، ولا يتجاوز ذلك
التوجيه؛ لأنه توجيه ربّانيّ يلزم التأدّب معه، فليُتنبّه لمثل هذا، فإن كثيراً من
الناس عنه لغافلون، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: وقد مثّله بعض العلماء بالدواء یکون مثلاً فيه أوقية سُكّر، فلو زيد
فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقية في الدواء، ثم
استَعْمَل من السكّر بعد ذلك ما شاء لم يتخلف الانتفاع.
قال الجامع عفا الله عنه: ما أجمل هذا التمثيل، وما أحقّه أن يُنظر إليه
بعين الاعتبار، والبصيرة النافذة، فإن الأذكار النبويّة أدوية للأمراض الحسيّة
والمعنويّة، والقلبيّة والبدنيّة، فكما ينبغي المحافظة على ما يصفه الأطبّاء
للأدوية البدنيّة، فكذلك ينبغي المحافظة على ما وصفه النبيّ وَّه للأدوية
الروحيّة، فإنه وَلّ مبلّغ عن ربّه رَ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىُ
[النجم: ٣ - ٤].
◌ُوحَى
قال: ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص
٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
مع طلب الإتيان بجميعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص؛ لما
في ذلك من قطع الموالاة؛ لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمةٌ خاصّةٌ
تفوت بفواتها. انتهى كلام الحافظ تَخُّْهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، كما أسلفته
آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
(المسألة السابعة): في اختلاف ألفاظ هذا الحديث:
قال الحافظ ابن رجب ◌َّهُ في ((شرح البخاريّ)): وأما ألفاظ الحديث،
فهي مختلفة، ففي رواية عُبيد الله بن عمر التي أخرجها البخاريّ ها هنا:
(تسبّحون، وتحمدون، وتكبّرون ثلاثاً وثلاثين))، وفسّره بأنه يقول: سبحان الله،
والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون منهنّ كلِّهنّ ثلاثاً وثلاثين، وقد تبيّن أن
المفسِّر لذلك هو أبو صالح، وهذا يَحْتَمل أمرين:
أحدهما: أنه يجمع بين هذه الكلمات الثلاث، فيقولها ثلاثاً وثلاثين مرّةً،
فيكون مجموع ذلك تسعاً وتسعين.
والثاني: أنه يقولها إحدى عشرة مرّةً، فيكون مجموع ذلك ثلاثاً وثلاثين،
وهذا هو الذي فهمه سُهيل، وفسَّر الحديث به، وهو ظاهر رواية سُميّ، عن
أبي صالح أيضاً، ولكن قد رُوي حديث أبي هريرة من غير هذا الوجه صريحاً
بالمعنى الأول، فخرّجه مسلم من حديث سُهيل، عن أبي عُبيد الْمَذْحِجِيّ، وهو
مولى سليمان بن عبد الملك وحاجبه، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، عن
النبيّ بَّر قال: ((من سبّح الله في دبر كلّ صلاة ... )) الحديث سيأتي في هذا
الباب.
قال: وقد روي عن سُهيل بهذا الإسناد موقوفاً على أبي هريرة، وكذا
رواه مالك في ((الموظّأ))، عن أبي عُبيد موقوفاً، وخرّجه ابن حبّان في
((صحيحه)) من طريق مالك مرفوعاً، والموقوف عن مالك أصحّ.
وخرّجه النسائيّ في ((اليوم والليلة)) بنحو هذا اللفظ من رواية ابن
عَجلان، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً.
وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبّان في ((صحيحه)) عن
الأوزاعيّ، حدّثني حسان بن عطيّة، قال: حدّثني محمد بن أبي عائشة، قال:
٢٣٥
(٢٦) - بَابُ اسْتِخْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
حدّثني أبو هريرة، قال: قال أبو ذرّ: يا رسول الله ذهب أصحاب الدثور
بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال
يتصدقون بها، وليس لنا مال نتصدق به، فقال رسول الله وَله: ((يا أبا ذرّ ألا
أعلمك كلمات تدرك بهن من سبقك، ولا يَلحقك من خلفك، إلا من أخذ
بمثل عملك؟)) قال: بلى يا رسول الله، قال: ((تكبر الله رحمك دبر كل صلاة ثلاثاً
وثلاثين، وتحمده ثلاثاً وثلاثين، وتسبحه ثلاثاً وثلاثين، وتختمها بلا إله إلا الله
وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، غُفِرت
له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر))(١).
قال: فهذا ما في حديث أبي هريرة من الاختلاف.
وقد رُوي عنه نوع آخر، وهو التسبيح مائة مرّة، والتكبير مائة مرّة،
والتهليل مائة مرّة، والتحميد مائة مرّة، خرّجه النسائيّ في كتاب ((عمل اليوم
والليلة)) بإسناد فيه ضعف، ورُوي موقوفاً على أبي هريرة.
وخرّجه النسائيّ في ((السنن)) بإسناد آخر عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من
سبّح الله في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة، وهّل مائة تهليلة، غُفر له ذنوبه،
ولو كانت مثل زَبَد البحر))(٢).
ورُوي عن أبي هريرة موقوفاً عليه: ((التسبيح عشرٌ، والتحميد عشرٌ،
والتكبير عشرٌ))، وقد أخرجه البخاريّ في ((الدعوات)) من ((صحيحه)) من طريق
ورقاء، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قالوا: يا رسول الله ذهب
أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم ... الحديث، وفيه: ((تُسبحون في دبر كل
صلاة عشراً، وتحمدون عشراً، وتكبرون عشراً)).
وقد رُوي عن النبيّ وَّر من غير حديث أبي هريرة في هذا الباب أنواعٌ
أُخر من الذكر :
(فمنها): التسبيح، والتحميد، والتكبير مائة، فالتسبيح والتحميد كلّ منهما
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) ٢٣٨/٢، وأبو داود في ((سننه)) رقم
(١٥٠٤)، وابن حبّان في ((صحيحه)) ٣٥٨/٥.
(٢) حديث صحيحٌ، أخرجه النسائيّ ٧٩/٣ و((عمل اليوم والليلة)) رقم (١٤٠).
٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ثلاثٌ وثلاثون، والتكبير وحده أربع وثلاثون، خرّجه مسلم من حديث كعب بن
عُجرة(١)، وخرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ من حديث زيد بن
ثابت ظه، وخرّجه الإمام أحمد من حديث أبي ذرّ ◌َظُله، لكن عنده أن
التحميد هو الأربع، وخرّجه ابن ماجه، وعنده أن ابن عيينة قال: لا أدري
أيتهنّ أربع.
(ومنها): التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل مائة مرّة، من كلّ واحد
خمس وعشرون، خرّجه الإمام أحمد، والنسائيّ، والترمذيّ من حديث زيد بن
ثابت ه، وخرّجه النسائيّ من حديث ابن عمر ◌ًا.
(ومنها): التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد مثله، والتكبير أربعاً وثلاثين،
فذلك مائة، ويزيد عليهنّ التهليل عشراً، خرّجه النسائيّ، والترمذيّ من حديث
ابن عبّاس ها.
(ومنها): التسبيح عشر مرّات، والتحميد مثله، والتكبير مثله، فذلك
ثلاثون، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ◌ًا، وخرّجه النسائيّ في ((اليوم والليلة))
من حديث سعد پئه .
(ومنها): التكبير إحدى عشرة مرّةً، والتحميد مثله، والتهليل مثله،
والتسبيح مثله، فذلك أربعٌ وأربعون، خرّجه البزّار من حديث ابن عمر طًَّا،
وإسناده ضعيف، فيه موسى بن عُبيدة.
قال ابن رجب تَّتُهُ: ويجوز الأخذ بجميع ما ورد من أنواع الذكر عقب
الصلوات، والأفضل أن لا ينقص عن مائة؛ لأن أحاديثها أصحّ أحاديث
الباب.
واختلف في تفضيل بعضها على بعض، فقال أحمد في رواية الفضل بن
زياد، وسئل عن التسبيح بعد الصلاة ثلاثةً وثلاثين أحبّ إليك، أم خمسةً
وعسرين؟ قال: كيف شئتَ.
قال القاضي أبو يعلى: وظاهر هذا التخيير بينهما من غير ترجيح، وقال
(١) هو الحديث الآتي بعد هذا.
٠
٢٣٧
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
في رواية عليّ بن سعيد: أذهب إلى حديث ثلاث وثلاثين، وظاهر هذا تفضيل
هذا النوع على غيره، ولذلك قال إسحاق: الأفضل أن يُسبّح ثلاثاً وثلاثين،
ويَحمَد ثلاثاً وثلاثين، ويُكبّر ثلاثاً وثلاثين، ويَختِم المائة بالتهليل، قال: وهو
في دبر صلاة الفجر آكد من سائر الصلوات؛ لما ورد من فضيلة الذكر بعد
الفجر إلى طلوع الشمس، نَقَل ذلك عنه حرب الكرمانيّ.
وهل الأفضل أن يجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير في كلّ مرّة،
فيقولهنّ ثلاثاً وثلاثين مرّة، ثم يَختم بالتهليل؟ أم الأفضل أن يُفرد التسبيح
والتحميد والتكبير على حِدَةٍ؟ قال أحمد في رواية محمد بن ماهان، وسأله:
هل يَجمع بينهما أو يُفرد؟ قال: لا يُضيَّق، قال أبو يعلى: وظاهر هذا أنه مخيّرُ
بين الإفراد والجمع، وقال أحمد في رواية أبي داود: يقول هكذا: سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا يقطعه، وهذا ترجيح منه للجمع
كما قاله أبو صالح، لكن ذكر التهليل فيه غرابة.
وقد روى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة مرسلاً أن النبيّ وَّ أمرهم
أن يقولوا دبر كلّ صلاة: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله
عشراً .
وقال إسحاق: الأفضل أن يُفرد كلّ واحد منها، وهو اختيار القاضي أبي
يعلى من أصحابنا، قال: وهو ظاهر الأحاديث لوجهين:
أحدهما: أنه قال: يُسبّحون، ويحمدون، ويكبّرون، والواو قد قيل: إنها
للترتيب، فإن لم تقتض وجوبه أفادت استحبابه.
والثاني: أن هذا مثل نقل الصحابة ﴿ه الوضوء النبيّ وَّر، وأنه تمضمض
ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ولا خلاف في
المراد أنه غسل كلّ عُضو من ذلك بانفراده ثلاثاً ثلاثاً قبل شروعه في الذي
بعده، ولم يَغسِل المجموع مرّة، ثم أعاد مرّةً ثانيةً وثالثةً.
قال ابن رجب: هذا على رواية من رَوَى التسبيح ثلاثاً وثلاثين،
والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير ثلاثاً وثلاثين ظاهرٌ، وأما من روى يسبحون،
ويحمدون، ويكبّرون ثلاثاً وثلاثين، فمحتملةٌ، ولذلك وقع الاختلاف في فهم
٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
المراد منها. انتهى كلام ابن رجب تَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفنا أن الإفراد هو الأولى؛ عملاً بظاهر
أكثر الأحاديث، كقوله وَّل: ((من سبّح الله في دبر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين،
وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال
تمام المائة ... )) الحديث صريح في إفراد كلّ منها، فتأمّل، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٥١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع،
حَدَّثَنَا رَوْحُ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَنَّهُمْ قَالُواً:
يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ
قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، إِلَّا أَنَّهُ أَدْرَجَ فِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَّ أَبِي صَّالِحٍ: ثُمَّ رَجَعَ
فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: يَقُولُ سُهَيُّلٌ: إِحْدَى
عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ :
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) - بالياء، والشين المعجمة - أبو بكر
البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيَّمان)) ٧/ ١٣٢.
٣ - (رَوْح) بن القاسم التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غِيَاث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[٦] (ت١٤١) (ح م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٤ - (سُهَيْل) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره
[٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦١/١٤.
٥ - (أَبُوهُ) هو: أبو صالح السمّان، تقدّم قبله، وكذا أبو هريرة رڅته
(١) ((شرح صحيح البخاريّ)) لابن رجب ٤٠٩/٧ - ٤١٦.
٢٣٩
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥١)
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ) يعني سهيل بن أبي صالح حدّث
عن أبيه أبي صالح، بمثل حديث سُميّ عن أبي صالح الذي رواه قتيبة، عن
الليث، عن ابن عجلان، عنه، وإنما خصّ رواية قتيبة؛ لأن المصنّف روى
الحديث من طريقين: طريق عاصم بن النضر، عن المعتمر بن سليمان، عن
عُبيد الله العمريّ، عن سُميّ، وطريق قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن
سُميّ، وبين سياقيهما اختلاف، فبيّن أن رواية سهيل توافق السياق الذي رواه
قتيبة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ أَدْرَجَ ... إلخ) يعني أن سُهيلاً أدرج في الحديث قول أبي
صالح: ((ثم رجع ... إلخ))، وهذا فيه إشارة إلى أن رواية سُميّ الماضية بفصل
قول أبي صالح هو المحفوظ.
وقوله: (إِحْدَى عَشْرَةَ، إِحْدَى عَشْرَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلاثُونَ) تقدّم
أن هذا مما فهمه سُهيل من تفسير قوله: ((ثلاثاً وثلاثين))، فظنّ توزيعه على
الأذكار الثلاثة، والصواب أن ثلاثاً وثلاثين لكلّ فرد من أفراد الأذكار الثلاثة،
فيكون كلّ من التسبيح، والتحميد، والتكبير ثلاثاً وثلاثين، والمجموع تسعة
وتسعون، لا ثلاثة وثلاثون، وأوضح دليل على ذلك ما يأتي عن أبي هريرة .
عن رسول الله وَّ ر: ((مَن سَبّح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله
ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة:
لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء
قدير، ... )) الحديث.
وقوله: (فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ) بجرّ ((كلّه)) توكيد لاسم الإشارة.
[تنبيه]: رواية سهيل، عن أبيه هذه ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٢/
١٩٤) فقال :
(١٣٢٣) حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، في مجموع حديثه لرَوْح،
ثنا ابن أبي عاصم، ثنا أمية، ثنا يزيد بن زريع، ثنا رَوْحٌ، عن سهل، عن أبيه،
عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات
العلى، والنعيم المقيم، صَحِبُوك كما صحبناك، ويجدون أموالاً ينفقونها، ولا
نجدها، فقال: ((ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به مَن قبلكم، إلا من
٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال مثل ما قلتم؟ تسبحون، وتكبرون، وتحمدون، دبر كل صلاة، ثلاثاً
وثلاثين))، إحدى عشرة، وإحدى عشرة، وإحدى عشرة، فذلك كله ثلاث
وثلاثون، قال: فلما فعلوا ذلك فعل الآخرون، فذكروا ذلك للنبيّ وَّه، فقال:
((ذلك الفضل يؤتيه الله من يشاء)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٢] (٥٩٦) - (وَحَدَّثَنَا (١) الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ،
أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ:
((مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ
تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ تَكْبِيرَةً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى) بن ماسَرْجس - بفتح المهملة، وسكون الراء،
وكسر الجيم، بعدها مهملة - الماسَرْجِسي، أبو علي النيسابوريّ، مولى ابن
المبارك، ثقة [١٠] تقدم في ((المقدمة)) ١٠١/٦.
٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ جوادٌ مجاهدٌ، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت١٨١)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.
٣ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) - بكسر الميم - أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [٧] (ت١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٦/١٠.
٤ - (الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ) الْكِنديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ، ربما دلّس [٥] (ت١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢]
(ت٨٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).