Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ (٢٦) - بَابُ اسْتِخْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤١) مجهول، ولو فُرض أنه ثقة عند من أرسله، ومن أُرسل إليه، فتجيء فيه مسألة التعديل على الإبهام، والمرجّح عدم الاعتداد بها، قاله في ((الفتح)). ٤ - (ومنها): أن فيه الاعتمادَ على خبر الشخص الواحد، وله نظائر كثيرة . ٥ - (ومنها): أن فيه استحباب الذكر عقب الصلوات المكتوبات، قال الحافظ ابن رجب تَخُّْ بعد كلامه على حديث الباب ما نصّه: وفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أُخَر، وجمهور أهل العلم على استحبابه، وقد روى عليّ، وابن عبّاس، وابن الزبير، وغيرهم، وهو قول عطاء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين. قال: وعن عَبِيدة السلمانيّ أنه عدّ التكبير عقب الصلاة من الْبِدَع، ولعله أراد بإنكاره على مصعب أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر، كذلك هو في كتاب عبد الرزّاق. قال: وإذا صحّت السنّة بشيء، وعَمِلَ بها الصحابة، فلا نَعْدِل عنها . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ رجب تَخْتُ أصل مهمّ جدّاً، وقاعدة ثابتة لا تتزعزع، ولا تتحرّك، وهو أن المعيار للعمل الشرعيّ صحّة السنّة، وثبوتها، واستمرارها، وذلك يكون عن طريق عمل الصحابة أو بعضهم بها، فإن ذلك مما يدلّ على عدم نسخها، أو كونها من خصوصيّات النبيّ ◌َل﴾ . فإذا صحّت السنّة، وثبت العمل بها، فلا سبيل إلى العدول عنها، وترك العمل بها لمخالفة من خالفها، وإنكار من أنكرها؛ لعدم علمه بها، أو لتأويل تأوّلها به. والحاصل أن الواجب على المسلم إذا صحّت السنة أن يتمسّك بها، وإن خالفها أهل مذهبه، أو غيرهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في حكم الدعاء بعد الصلوات المكتوبات: قال الإمام ابن رجب رَّتُهُ: استَحبّ أيضاً أصحابنا - يعني الحنبليّة - ١٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وأصحاب الشافعيّ الدعاء عقب الصلوات، وذَكَره بعض الشافعيّة اتّفاقاً، واستدلّوا بحديث أبي أمامة ◌َوبه قال: قيل لرسول الله وَّ: أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: ((جوفُ الليل الآخرُ، ودبر الصلوات المكتوبات))، أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وحسّنه. وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، بإسناد صحيح، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، عن الصُّنَابحيّ، عن معاذ بن جبل رضىعنه، أن النبيّ ◌َّ أخذ بيده يوماً، ثم قال: ((يا معاذ إني لأحبك))، فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا أحبك، قال: ((أوصيك يا معاذ، لا تَدَعَنَّ في دبر كل صلاة، أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك))، قال: وأوصى بذلك معاذ الصُّنَابحيّ، وأوصى الصُّنابِحِيّ، أبا عبد الرحمن، وأوصى أبو عبد الرحمن عُقبةَ بن مسلم(١) . وقالت طائفة من أصحابنا، ومن الشافعيّة: يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر والعصر؛ لأنه لا يُتنفّل بعدهما، وظاهر كلامهم أنه يجهر، ويُؤمّنون عليه، وفي ذلك نظرٌ، وقد ذكرنا حديث دعاء النبيّ وَّ عقب الصلاة جهراً، وأنه لا يصحّ، ولم يصحّ في ذلك شيء عن السلف، والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة، ثم يُسرّ بالباقي، ويَعقد التسبيح والتكبير والتحميد سرّاً، ويدعو سرّاً. ومن الفقهاء من يَستحبّ للإمام الدعاء للمأمومين عقب كلّ صلاة، وليس في ذلك سنّة، ولا أثرٌ يُتَّبَع. انتهى كلام ابن رجب ◌َتُهُ بتصرّف(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن رجب رَّتُهُ تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً . وحاصله أنه يُستحبّ الذكر والدعاء عقب الصلوات المكتوبات، وأن ذلك من هدي النبيّ وَّ وهدي السلف، وإن كرهه بعضهم، ولكن لا وجه له، فقد ثبتت فيه أحاديث كثيرة: (١) حديث صحيح. (٢) ((شرح البخاريّ)) لابن رجب ٧/ ٤٢٠ - ٤٢١. ١٨٣ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤١) ـته المذكور. (فمنها): حديث معاذ بن جبل (ومنها): ما أخرجه المصنّف تَخْتُهُ عن البراء تَظُه قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله وَ ﴿ أحببنا أن نكون عن يمينه، يُقْبِل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: ((رَبِّ قني عذابك يوم تبعث، أو تجمع عبادك)). (ومنها): ما أخرجه النسائيّ في ((سننه)) عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، أن كعباً حَلَف له بالله الذي فَلَق البحر لموسى، إنا لنجد في التوراة أن داود نبي الله ◌َي كان إذا انصرف من صلاته قال: ((اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نِقْمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ، قال: وحدثني كعب أن صُهيباً حدّثه أن محمداً ﴿ كان يقولهنّ عند انصرافه من صلاته)). وهو حديث حسنٌ، كما بيّنته في ((شرح النسائيّ)) (١). (ومنها): ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد رجاله ثقات، عن هلال بن يساف، عن زاذان، حدّثنا رجل من الأنصار، قال: سمعت رسول الله وَليه يقول في دبر الصلاة: ((اللهم اغفر لي، وتُب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم))(٢). والحاصل أن الدعاء بعد الصلوات المكتوبات مستحبّ؛ للأدلّة الكثيرة. وقال الإمام البخاريّ تَظْلَتُهُ في ((كتاب الدعوات)) من ((صحيحه)): ((باب الدعاء بعد الصلاة)). قال في ((الفتح)): وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يُشْرَع، متمسّكاً بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث، عن عائشة رضيعلينا: كان النبيّ وَ﴾ إذا سلّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: ((اللَّهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)). والجواب أن المراد بالنفي المذكور نَفْيُ استمراره جالساً على هيئته قبل (١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٣٧٧/١٥ - ٣٧٨. (٢) راجع: ((مصنّف ابن أبي شيبة)) ٤٦٢/١٣. ١٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة السلام إلا بقدر ما ذُكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلّى أقبل على أصحابه، فَيُحْمَل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يُقْبِل على أصحابه. قال ابن القيّم في ((الهدي النبويّ)): وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء الإمام، والمنفرد، والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبيّ وَ﴿ أصلاً، ولا رُوي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخَصّ بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبيّ وَّ، ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما استحسان رآه من رآه عِوَضاً من السنّة بعدهما، قال: وعامّة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربّه مناجيه، فإذا سلّم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟، ثم قال رَّتُهُ: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يُسْتَحبّ لمن أتى بها أن يصلي على النبيّ وَّر بعد أن يَفْرُغ منها، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر، لا لكونه دبر المكتوبة. انتهى كلام ابن القيّم ◌َظّثُ . قال الحافظ تَخّلُ: وما ادّعاه من النفي مطلقاً مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل له أن النبيّ وَ﴿ قال له: (يا معاذ إني والله لأحبك، فلا تدع دبر كلّ صلاة أن تقول: اللَّهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك))، أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، والحاكم. وحديث أبي بكرة رُبه في قول: ((اللَّهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر، كان النبيّ 18َّ يدعو بهنّ دبر كلّ صلاة))، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وصححه الحاكم. وحديث سعد بن أبي وقّاص ◌ُبه: كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلّم المكَثِّبُ الغلمانَ، ويقول: إنّ رسول الله وَ له كان يتعوّذ بهنّ دبر الصلاة: ((اللَّهمّ إني أعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك من البُخْل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر)). أخرجه البخاريّ، والنسائيّ. وحديث زيد بن أرقم ربه: سمعت رسول الله وَ* يدعو في دبر كلّ ١٨٥ (٢٦) - بَابُ اسْتِخْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤١) صلاة: ((اللَّهمّ ربّنا، وربّ كلّ شيءٍ ... )) الحديث، أخرجه أبو داود، والنسائيّ(١). وحديث صهيب رضُْه رفعه: ((كان يقول إذا انصرف من الصلاة: اللَّهم أصلح لي ديني ... )) الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، وغير ذلك. فإن قيل: المراد بدبر كلّ صلاة قرب آخرها، وهو التشهد. قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعاً، فكذا هذا، حتى يثبت ما يخالفه. وقد أخرج الترمذيّ من حديث أبي أمامة ظُه: قيل: يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات))، وقال: حسن . وأخرج الطبريّ من رواية جعفر بن محمد الصادق، قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة. وفَهِمَ كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيّم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقاً، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده بعد السلام، وأما إذا انتقل بوجهه، أو قدّم الأذكار المشروعة، فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى كلام الحافظ تَُّهُ، وهو تحقيق نفيس جدّاً. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر من الأدلّة أن الدعاء عقب الصلاة ثابت عن النبيّ وَ لّ قولاً، وفعلاً، فلا يسع أحداً إنكاره. وأمّا تأويل قوله: ((دبر كلّ صلاة)) بأنه قبل السلام؛ لأن دبر الحيوان منه، فغير مسلّم؛ لأنه وَ ر عّمهم تلك الأذكار والدعوات، وأمرهم أن يجعلوها دبر كل صلاة، فلا يصحّ حمل بعضها على ما قبل السلام، كالدعوات، وبعضها على بعده، كالتسبيح، وقراءة آية الكرسيّ؛ إذ لا دليل على التفريق، ولا سيما وبعضها فيه التصريح بأنه بعد السلام. (١) حديث ضعيف الإسناد. ١٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة فقد أخرج ابن خزيمة في ((صحيحه)) رقم (٧٤٣) عن عليّ ◌َته، عن رسول الله ◌َ﴾، أنه كان إذا فرغ من صلاته، فسلّم قال: ((اللَّهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت)). والحاصل أن الذكر والدعاء بعد السلام من الصلاة مشروع، كما هو مذهب البخاريّ، والنسائيّ، وقد تقدّم في كلام الحافظ ابن رجب تَّتُهُ، أنه مذهب الإمام أحمد، بل نقل أن أصحاب أحمد، وأصحاب الشافعي استحبّوا الدعاء عقب الصلوات، وذكره بعض الشافعية اتفاقاً. انتهى. فإذا ثبتت الأحاديث بذلك، وعمل بها أهل العلم، أو بعضهم، فلا وجه للإنكار. وأما ما اعتاده الناس الآن في كثير من البلدان، من الدعاء الجماعي بعد الصلاة بأن يدعو الإمام، أو غيره، ويُؤمّن القوم فلم، يصحّ له دليل، ولا هو منقول عن السلف، كما تقدّم عن الحافظ ابن رجب تَّتُهُ، فالحذر كلّ الحذر من إحداث ما لم يكن في عهد السلف، فإن ذلك بلا ريب سبب التلف. فَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ وَكُلُّ شَرِّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ اللهم أرنا الحقََّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، برحمتك يا أرحم الراحمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم رفع اليدين عند الدعاء: (اعلم): أنه قد عقد الإمام البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه)) باباً لرفع اليدين في الدعاء، فقال في ((كتاب الدعوات)): ((باب رفع الأيدي في الدعاء)): وقال أبو موسى الأشعريّ: دعا النبيّ وَّ، ثم رفع یدیه، حتى رأيت بياض إبطيه. وقال ابن عمر: رَفَعَ النبيّ وَِّ يديه، وقال: ((اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)). قال أبو عبد الله: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك، سمعا أنساً، عن النبيّ ◌َآل رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه. ١٨٧ (٢٦) - بَابُ اسْتِخْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤١) قال في ((الفتح)): وفي الحديث الأول ردٌّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلاً، وتمسك بحديث أنس ره: ((لم يكن النبيّ وَلـ يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء))، وهو صحيح، لكن جُمع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناها بأن المنفيّ صفةٌ خاصّة، لا أصل الرفع. وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلاً، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يَعْكُر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما: ((حتى يُرى بياض إبطيه))، بل يُجمَع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره. وإما بأن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء. قال المنذريّ كَُّهُ: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح. قال الحافظ: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في جزء سَرَد منها النوويّ في ((الأذكار))، وفي ((شرح المهذب)) جملةً، وعقد لها البخاريّ أيضاً في ((الأدب المفرد)) باباً ذكر فيه حديث أبي هريرة ◌ُ: قَدِمَ الظُّفَيل بن عمرو على النبيّ ◌َ﴿، فقال: إن دَوْساً عَصَت، فادع الله عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: ((اللَّهم اهد دوساً))، وهو في ((الصحیحین))، دون قوله: ((ورفع يديه)). وحديث جابر: ((أن الطفيل بن عمرو هاجر))، فذكر قصّة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبيّ وَلّ: ((اللَّهم وليديه فاغفر، ورفع يديه)). وسنده صحيح، وأخرجه مسلم. وحديث عائشة ◌َّا أنها ((رأت النبيّ وَّ﴾ يدعو رافعاً يديه، يقول: اللَّهم إنما أنا بشر ... )) الحديث، وهو صحيح الإسناد. ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك: ما أخرجه البخاريّ في ((جزء رفع اليدين)): ((رأيت النبيّ وَ ل﴿ رافعاً يديه، يدعو لعثمان)). ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة ظه في قصّة الكسوف: «فانتھیت إلى النبيّ ێ، وهو رافع یدیه یدعو)). وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضاً: ((ثم رفع يديه يدعو)). ١٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع: ((فرفع يديه ثلاث مرّات ... )) الحدیث. ومن حديث أبي هريرة ظبه الطويل في فتح مكة: ((فرفع يديه، وجعل يدعو )) . وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي حميد به في قصة ابن اللُّتَبِيَّة: ((ثم رفع يديه حتى رأيت عُفرة إبطه يقول: اللَّهم هل بلّغت)). ومن حديث عبد الله بن عمرو ظه: ((أن النبيّ ◌َّ﴾ ذكر قول إبراهيم وعيسى، فرفع يديه، وقال: اللَّهم أمتي)). وفي حديث عمر ◌َظُه: (كان رسول الله وَ ﴿ إذا نزل عليه الوحي يُسمَعُ عند وجهه كدَوِيّ النَّحْل، فأنزل الله عليه يوماً، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، ودعا ... )) الحديث، أخرجه الترمذيّ، واللفظ له، والنسائيّ، والحاكم. وفي حديث أسامة ظه: ((كنت رِدْفَ النبيّ وَّ﴿ بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناوله بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى)، أخرجه النسائيّ بسند جيّد. وفي حديث قيس بن سعد رَظُه عند أبي داود: (ثم رفع رسول الله وَل يديه، وهو يقول: اللَّهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة ... )) الحدیث، وسنده جيّد. والأحاديث في ذلك كثيرة. وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُوَيبة - براء، وموحدة، مصغراً - أنه رأى بِشْرَ بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: ((لقد رأيت رسول الله (َجر، وما يزيد على هذا، يشير بالسبّابة)). فقد حَكَى الطبريّ عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنّة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، وردّه بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء، مع ثبوت الأخبار - الصحيحة - بمشروعيتها . وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وغيرهما من حديث ١٨٩ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤١) سلمان ظُه رفعه: ((إن ربكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْراً)) - بكسر المهملة، وسكون الفاء - أي خالية - وسنده جيّد. قال الطبريّ: وكره رفعَ اليدين في الدعاء ابنُ عمر، وجُبيرُ بن مطعم، ورأى شُرَيح رجلاً يرفع يديه داعياً، فقال: من تتناول بهما، لا أُمّ لك؟، وساق الطبريّ ذلك بأسانيده عنهم. وذكر ابن التين عن عبد الله بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في ((المدوّنة)): ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض. وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبريّ عنه أيضاً. وعن ابن عباس ظها أن هذه صفة الدعاء. وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: ((المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعاً)). وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وقد صحّ عن ابن عمر ظها خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) من طريق القاسم بن محمد: ((رأيت ابن عمر يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يُحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه)). انتهى كلام الحافظ تَّتُ في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من الأحاديث والآثار أن رفع اليدين في الدعاء مشروع، بل هو من أسباب إجابة الدعاء، كما بُيّن ذلك في حديث سلمان رظُه: ((إن ربكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفراً)). فلا ينبغي للداعي أن يُهْمِل رفع يديه في دعائه رجاءَ القبول. وأما القائلون بكراهة رفع اليدين في الدعاء، فيُعتذر عنهم بأنه لم تَصِل ١٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة إليهم هذه الأحاديث الصحاح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . [تنبيه]: أما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فليس فيه حديث صحيح، بل الأحاديث الواردة في ذلك كلّها ضعاف، وأما تحسين الحافظ تَظُّ في ((بلوغ المرام)) بعضها، فليس بحسن، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ(١)، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ وَرَّادٍ، مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ مِثْلَهُ(٢)، قَالَ أَبِّو بَكْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِمَا: قَالَ: فَأَمْلَاهَا عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ، وَكَتَبْتُ بِهَا (٣) إِلَى مُعَاوِيَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في هذا الباب. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ) بن أسد بن حِبّان - بكسر المهملة، بعدها موحّدة - أبو جعفر القطّان الواسطيّ، ثقة حافظ [١١]. رَوَى عن يحيى سعيد القطان، وأبي أحمد الزبيري، وأبي أسامة، ويزيد بن هارون، والشافعي، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ في حديث مالك، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو موسى، وهو من أقرانه، وابنه جعفر بن أحمد بن سنان، وزكريا بن يحيى الساجي، وأبو بكر بن أبي داود، وابن أبي حاتم، وابن صاعد، وأبو حاتم. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة)). (٢) وفي نسخة: ((بمثله)). (٣) وفي نسخة: ((فكتبت بها)). ١٩١ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤٢) قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال إبراهيم بن أورمة: أَعَدْنا عليه ما سمعناه منه من بُندار وأبي موسى، يعني لإتقانه وحفظه، وقال النسائي: ثقة، وقال الدارقطنيّ: كان من الثقات الأثبات، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقدَّمه على بُندار، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: حدثنا عنه ابنه جعفر . قيل: مات سنة (٦)، وقيل: سنة (٨)، وقيل: سنة (٢٥٩)؛ وقال ابن حبّان: مات (٢٥) أو قبلها، أو بعدها بقليل. وليس له عند البخاريّ سوى حديث واحد، وقد روى عنه النسائيّ في (السنن الكبرى)) عدّة أحاديث في ((الحدود))، و((الطلاق))، وغير ذلك. وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٩٣)، و (٢٣٢٠): ((أشدّ حياءً من العذراء في خدرها ... )). ٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم في هذا الباب. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءة، ورِعٌ لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (مِثْلَهُ) وفي نسخة: ((بمثله))، أي بمثل الحديث الماضي، يعني أن الأعمش حدّث عن الْمُسيَّب بن رافع بمثل حديث منصور عنه. وقوله: (قَالَ: فَأَمْلَاهَا عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ) فاعل ((قال)) ضمير ورّاد. وقوله: (وَكَتَبْتُ بِهَا) وفي نسخة: ((فكتبتُ بها)). [تنبيه]: رواية الأعمش هذه ساقها الإمام أبو داود كَّتُهُ في ((سننه))، فقال : (١٥٠٥) حدّثنا مسدَّد، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن وَرّاد، مولى المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة: كَتَب معاوية إلى المغيرة بن شعبة، أيُّ شيء كان رسول الله وَل﴿ يقول إذا سلّم من الصلاة؟ فأملاها المغيرة عليه، وكتب إلى معاوية، قال: كان رسول الله وَله يقول: ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على ١٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، أَنَّ وَرَّاداً مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبََّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُ وَرَّادٌ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِهِ يَقُولُ حِينَ سَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، إِلَّ قَوْلَهُ: ((وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرُ(١)). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) البرسانيّ البصريّ، تقدّم قبل بابين أيضاً. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين أيضاً. ٤ - (عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قريش، أبو القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ [٤] (خ م ل ت س ق) تقدم في ((الصلاة)) ٨٩٧/١٣. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لمنصور، والأعمش. وقوله: (فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل، ومفعوله محذوف، والضمير لعبدة بن أبي لبابة، ويَحْتَمِل أن يكون مبنيّاً للمفعول، أي لم يُذكر قوله: ((وهو على كلّ شيء قدير)) في حديث عبدة، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبدة بن أبي لبابة هذه ساقها الإمام أحمد تَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (١) وفي نسخة: ((لم يذكره)). ١٩٣ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤٤) (١٧٦٧٣) حدّثنا عبد الرزاق، وابن بكر قالا: أنا ابن جريج، وحدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا ابن جريج، أخبرني عبدة بن أبي لبابة، أن ورّاداً مولى المغيرة بن شعبة أخبره، أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية، كتب ذلك الكتاب له وَرّاد: إني سمعت النبيّ وَّ﴿ يقول حين يسلّم: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ))، قال ورّاد: ثم وَفَدتُ بعد ذلك على معاوية، فسمعته على المنبر يأمر الناس بذلك القول، ويعلمهموه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي أَزْهَرُ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عَوْذٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عُمر بن حفص بن عمر بن عُبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٣) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَزْهَرُ) بن سعد السمّان، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [٩]. رَوَى عن سليمان التيميّ، وابن عون، وهشام الدستوائيّ، ويونس بن عُبید . و ورَوَى عنه ابن المبارك، وهو أكبر منه، وعليّ ابن المدينيّ، وعمرو بن عليّ الفلاس، والحسن بن علي الحلوانيّ، وبندار، وأبو موسى، والذُّهْليّ، وأبو مسعود الرازيُ الْكُدَيْمِيّ. ١٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال ابن سعد: ثقة أوصى إليه عبد الله بن عون، وقال ابن قانع في ((الْوَفَيَات)): ثقةٌ مأمونٌ، وفي ((تاريخ البخاريّ)) الكبير: حكاية عن ابن عون قال: أزهر أزهر، وقال ابن معين: أروى عن ابن عون، وأعرفهم به أزهر، وقال في رواية الغلابيّ: لم يكن أحدٌ أثبت في ابن عون من أزهر، وبعده سُليم بن أخضر، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى: ثقةٌ، وحَكَى ابن شاهين في ((الثقات)) عن حماد بن زيد، أنه كان يأمر بالكتابة عن أزهر، وقال العقيليّ في ((الضعفاء)): له حديث منكر، عن ابن عون، وساق له حديث فاطمة في التسبيح، وصله أزهر، وخالفه غيره فأرسله، وحَكَى العقيليّ وأبو العرب الصَّقْليّ في ((الضعفاء)) أن الإمام أحمد قال: ابن أبي عديّ أحب إليّ من أزهر. وتعقّب الحافظ هذا، وقال: ليس هذا بجرح يوجب إدخاله في الضعفاء، ولكن ذَكَر العقيليّ، عن عليّ ابن المدينيّ: قال: رأيت في أصل أزهر في حديث عليّ في قصة فاطمة في التسبيح عن ابن عون، عن محمد بن سیرین، مرسلاً، فكلمت أزهر فيه، وشكّكته فأبى، وعن عمرو بن عليّ الفلاس قال: قلت ليحيى القطان: أزهر عن ابن عون، عن إبراهيم، عن عَبِيدة، عن عبد الله، حديث: ((خيرُ الناس قرني ... ))؟ قال: ليس فيه عبد الله، قلت: سمعته من ابن عون؟ فقال: لا، ولكن رأيت أزهر يحدِّث به من كتابه، لا يزيد على عُبيدة، قال عمرو بن عليّ: فاختلفت إلى أزهر أياماً، فأخرج إليّ كتابه، فإذا فيه كما قال يحيى دَآَتُهُ . تُؤُفّي وهو ابن أربع وتسعين سنةً، قال غيره: مات سنة (٢٠٣)، وذكر ابن حبان في ((الثقات)) أن مولده سنة (١١١). روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٥٩٣) و(١٦٢٣) و(١٦٣٣) و(١٦٧١) و(١٨٢١) و(٢٥٣٣). ٥ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ) الشاميّ، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، وعنه ابن ١٩٥ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤٤) عون، قال أبو عوانة الإسفرايينيّ: يقال: إن أبا سعيد هذا اسمه كثير، وهو رضيع عائشة، وقال الحاكم أبو أحمد: هو عمرو بن سعيد الثقفيّ، وقال غيره: اسمه عبد ربه، وقيل: لا يعرف اسمه، [٦]. قال الحافظ: القول الأخير قول أبي مسعود، والذي قبله قول الدارقطنيّ، ولم يَجزم، واستَشْهَد لذلك بأن حماد بن سلمة، رَوَى ذلك الحديث عن الْجُريريّ، وابن عون، وداود بن أبي هند، ثلاثتهم عن أبي سعيد، عن وَرّاد، ورواه خالد الواسطيّ، عن الْجُريريّ، عن عبد ربه، عن وَرّاد، قال الدار قطنيّ: فلعل اسم أبي سعيد عبدُ ربه، وقال ابن عبد البرّ في ((التمهيد)): أبو سعيد هذا أظنه الحسن البصريّ، قال هذا في ترجمة يزيد بن زياد من ((التمهيد))، فهذه خمسة أقوال. انتهى(١). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. وقال النوويّ تَخُّْ في ((شرحه)): اختَلَفوا في أبي سعيد هذا، فالصواب الذي قاله البخاريّ في ((تاريخه)) وغيره من الأئمة أنه عبد ربه بن سعيد، وقال ابن السكن: هو ابن أخي عائشة ◌َّا من الرضاعة، وغَلَّطوه في ذلك، وقال ابن عبد الْبَرّ: هو الحسن البصريّ تَُّ، وغَلَّطوه أيضاً. انتهى(٢). وعبارة القاضي عياض دَّثُ في (الإكمال)): قال الإمام - يعني المازريّ -: كذا وقع أبو سعيد غير مسمّى، وسمّاه البخاريّ في ((التاريخ الكبير)) (٣): عبد ربّه، وتابعه على ذلك ابن الجارود، وقد ذكر البخاريّ عن إسحاق، عن خالد، عن الْجُريريّ، عن عبد ربّه، عن وَرّاد، قال الدارقطنيّ: لعله اسم أبي سعيد، قال البخاريّ: قال عثمان بن عُمر، عن ابن عون، عن أبي سعيد الشاميّ، عن وَرّاد. وقال ابن السكن في ((مصنّفه)): أبو سعيد عن ورّاد هو ابن أخي عائشة من الرضاعة، ووَهِمَ في هذا؛ لأن أبا سعيد رضيع عائشة، واسمه كثير بن عُبيد (١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ١٢١/١٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٩١/٥. (٣) ((التاريخ)) ٦/ ٨٠. ١٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة مشهور بذلك يُعَدّ في الكوفيين، وذلك رجل شاميّ، وأَرَى دخول الوهم على ابن السكن من قِبَل أن عبد الله بن عون يروي عنهما جميعاً. وقد حَكَى ابن عبد البرّ أن أبا سعيد في هذا الإسناد هو الحسن البصريّ، وليس هذا بشيء، وقول البخاريّ، ومن تابعه أولى. انتهى كلام عياض تَخْذَّتُهُ(١). والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ) يعني أن حديث ابن عون، عن أبي سعيد، عن ورّاد مثل حديث منصور، والأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن ورّاد. [تنبيه]: رواية ابن عون هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (٥٥٤/١) فقال : (٢٠٧٤) حدّثنا محمد بن إبراهيم الطرسوسيّ، قال: ثنا رَوْح (ح) وحدّثنا العباس بن محمد، قال: ثنا عثمان بن عُمر (ح) وحدّثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، كلهم قالوا: ثنا ابن عون، أنبأني أبو سعيد، وقال بعضهم: عن أبي سعيد، قال: أنبأني وَرّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء حفظته من رسول الله وَله. قال: كان إذا صلّى ففرغ، قال: ((لا إله إلا الله - قال: وأظنه قال -: وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ)). انتهى. قال أبو عوانة: يقال: إن أبا سعيد هذا اسمه كثير، وهو رضيع عائشة، وبعض هؤلاء قال: أبو سعيد الشاميّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت ما في كلام أبي عوانة هذا آنفاً، فتنبه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((إكمال المعلم)) ٢ / ٥٤٤ - ٥٤٥. ١٩٧ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤٥ - ١٣٤٦) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعَا وَرَّاداً، كَاتِبَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، يَقُولُ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَه قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكَّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر، تقدّم قبل بابین. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيّ، ويقال له: الفَرَسيّ، ثقة فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت١٣٦) عن (١٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦. والباقون ذكروا قبل حديث. وقوله: (إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ) أي فرغ منها، وخرج منها بالسلام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٦] (٥٩٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، حِينَ يُسَلِّمُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْلُكَ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ ١٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الْكَافِرُونَ))، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبْرَ كُلِّ صَلَاةٍ(١)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في ثاني أحاديث الباب. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير بن العوام الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو١٤٦) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٥ - (ابْنُ الزُّبَيْرِ) هو: عبد الله بن الزبير بن الْعَوّام القُرشيّ الأسديّ، أبو بكر أو أبو خُبيب الصحابيّ ابن الصحابيّ ظَهَا، قُتِل في ذي الحجة سنة (٧٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٠/١٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَخْذَّتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أول مولود في الإسلام من المهاجرين بالمدينة . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم، وفي رواية الحجاج بن أبي عثمان الآتية: حدّثني أبو الزبير، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب على هذا المنبر ... (قَالَ: كَانَ) عبد الله (ابْنُ الزُّبَيْرِ) ﴿مَا (يَقُولُ) زاد الشافعيّ: في روايته: ((بصوته الأعلى))، ونَصّه في ((الأمّ)): أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: (١) وفي نسخة: ((في دبر كل صلاة)). ١٩٩ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤٦) حدثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد الله بن الزبير، يقول: كان رسول الله ﴿ إذا سلّم من صلاته يقول بصوته الأعلى: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلخ))(١). إلا أنه ليس عنده كلمة ((لا إله إلا الله)) بين قوله: ((لا حول ولا قوّة إلا بالله))، وقولِهِ: ((ولا نعبد إلّا إيّاه)). وإبراهيم شيخه متكلّم فيه، وكان هو يوثّقه، والجمهور علی تضعيفه، بل كذّبه بعضهم. (فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) أي مكتوبة، كما تقدّم تقييده في حديث المغيرة نظيـ (حِينَ يُسَلَّمُ) قيل: فيه أنه ينبغي أن يكون هذا الذكر تالياً للسلام، مقدّماً على غيره، لتقييد القول به بوقت التسليم. ولا يعارض هذا ما تقدّم من حديث ثوبان، وعائشة هما؛ لإمكان حمله على أوقات مختلفة، فتارةً يقول بعد السلام ما وقع في حديث ثوبان، وعائشة ◌ّا، وتارة يقول ما وقع في حديث عبد الله بن الزبير ﴿يا هذا، وتارةً ـه. يقول ما تقدّم في حديث المغيرة بن شعبة وعلى هذا فالسنّة أن يأتي بهذه الأذكار على سبيل البدل، لا الجمع، وقيل: يجوز الجمع بينها؛ لأنه يحتمل أنه وَ﴿ كان يجمع بينها، ورَوَى كلُّ واحد ما سمعه منه وَل، ولا يخفى بُعده(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا بُعْدَ في الجمع المذكور، بل هو الظاهر، لأنه ◌َ ﴿ كان يجلس لانتظار انصراف النساء من المسجد ودخولهنّ بيوتهن، وذلك الوقت يسع أكثر من الذكر المذكور بكثير، فالظاهر أنه كان يقول أكثر من ذكر واحد، فينبغي لمن طال جلوسه أن يجمع بين هذه الأذكار، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) ((لا)) نافية للجنس، وخبرها محذوف، أي لا معبود بحقّ سواه، فلا بدّ من كلمة ((بحقّ))، فلا يقدّر: لا معبود إلا الله، كما يقدّره بعضهم؛ لأن المعبودات كثيرة، وإنما المراد المعبود بحقّ، وكذا لا يقدّر بـ((لا (١) راجع: ((الأمّ)) ١/ ١١٠. (٢) راجع: ((المرعاة)) ٣١٨/٣ - ٣١٩. ٢٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة موجود إلا الله))؛ فإن هذا مذهب الحلوليّة، وكذا ما قدّره بعض الشرّاح هنا: أي لا إله موجود غير الله تقدير فاسدٌ؛ لأن وجود الآلهة مما لا شكّ ولا ارتياب فيه، فقد قال المشركين: ﴿أَجَعَلَ اَلْأَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًا﴾ الآية، وقال فرعون: ﴿لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى﴾ الآية، فليس المراد نفي وجود الآلهة، وإنما المراد نفي كونها معبودة بحقّ، وأنها لا تستحقّ العبادة، وإنما المعبود بحقّ هو الله رَك، وهو المستحقّ للعبادة، دون غيره (وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتأويله مشتقّاً نكرةً، أي حال كونه منفرداً في ذاته (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي في أفعاله، وصفاته، وعبادته. وقيل: تأكيد بعد تأكيد، لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد (لَهُ) أي لا لغيره، فتقديم الخبر يفيد الحصر (الْمُلْلُكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ) في الأولى والآخرة، لا لغيره، فلا منعم سواه حتى يستحقّ الحمد (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ) قال الأزهريّ: سمعت المنذريّ، يقول: سمعت أبا الهيثم يقول عن تفسير قوله: ((لا حول ولا قوّة إلا بالله))، قال: الحولُ: الحَرَكَةُ، تقول: حالَ الشخصُ: إذا تحرّك، وكذلك كلّ متحوّل عن حاله، فكأن القائل إذا قال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله يقول: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله، وقال الكسائي: يقال: لا حول ولا قوّة إلا بالله، ولا حَيْلَ ولا قوّة إلا بالله، وورد ذلك في الحديث: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وفُسّر بذلك المعنى: لا حركة، ولا قوّة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل: الحول الحيلةُ، قال ابن الأثير، والأول أشبه. انتهى. (لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّ إِيَّاهُ) إذ لا يستحقّ العبادة سواه (لَهُ النِّعْمَةُ) المراد جنس النعمة، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَلٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، أو له نعمة التوفيق (وَلَهُ الْفَضْلُ) أي له رَت الفضلُ بالقبول، أو له التفضّل على عباده (وَلَهُ) رَتْ (الثَّنَاءُ الْحَسَنُ) أي الوصف الحسن على ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله (لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي الطاعة (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ))) أي كرهوا كونّنَا مخلصين ديننا لله، وكوننا عابدین وموحّدین له رجلٌ. قال الطيبيّ نَّتُهُ: قوله: ((مخلصين)) حالٌ عاملُهُ محذوفٌ، وهو الدّالّ على مفعول ((كره))، أي نقول: ((لا إله إلا الله)) حال كوننا مخلصين، ولو كره