Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٣٨) وروى أيضاً بإسناده عن مجاهد قال: ليس من السنة أن يقعد حتى يقوم، ثم يقعد بعدُ إن شاء. وعن سعيد بن جبير أنه كان يفعله. وعن عطاء قال: قد كان يجلس الإمام بعدما يسلّم، وأقول أنا: قدر ما ينتعل نعليه. وعن أبي عُبيدة أنه قال - لمّا سمع مصعباً يُكبّر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة -: ما له؟ قاتله الله نَغَّار بالبِدَعِ . ويُستثنى من ذلك الجلوسُ بعد الفجر، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسناً. ففي ((صحيح مسلم)) عن جابر بن سمرة عظته ((أن النبيّ وَّ كان لا يقوم من مصلّاه الذي يُصلي فيه الصبح، أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام)) . ورَوَى وكيع بإسناده عن النخعي أنه كان إذا سلّم قام، إلا الفجر والعصر، فقيل له في ذلك؟ فقال: ليس بعدهما صلاة. قال أحمد - في الإمام إذا صلى بقوم الفجرَ، أو العصرَ -: أعجب إليّ أن ينحرف، ولا يقوم من موضعه، وكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس. فأما جلوسه بعد الظهر، فقال أحمد: لا يُعجبني. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلامه أنه يستحبّ بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها، ولا يُستحبّ بعد غيرها، قال: وروى الخلّال بإسناده، عن عابد الطائي، قال: كانوا يكرهون جلوس الإمام في مصلّاه بعد صلاة يُصلّى بعدها، فإذا كانت صلاة لا يُصلى بعدها، فإن شاء قام، وإن شاء جلس. قال الجامع عفا الله عنه: القول بكراهة الجلوس في مكان الصلاة بعدها مما لا دليل عليه، بل هو مصادم الحديث الصحيح: ((إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يُحدِث، اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه)). فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وحُكي عن أصحاب الشافعي أن المستحبّ للإمام أن يقوم، ولا يجلس في كلّ الصلوات، وقد نصّ الشافعيّ في ((المختصر)) على أنه يُستحبّ للإمام أن يقوم عقب سلامه، إذا لم يكن خلفه نساء، فأما المأموم فلا يكره له ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الجلوس بعد الصلاة في مكانه يذكر الله، خصوصاً بعد الصبح والعصر، ولا نعلم في ذلك خلافاً . وقد صحّ الحديث في أن الملائكة تصلي على العبد ما دام في مصلاه ما لم يُحدِث. ووردت أحاديث في الجلوس بعد الصبح والعصر، وكان السلف الصالح يحافظون عليه. ومتى أطال الإمام الجلوسَ في مصلّاه، فإن للمأموم أن ينصرف، ويتركه، وسواء كان جلوسه مكروهاً، أو غير مكروه. قال ابن مسعود ربه: إذا فرغ الإمام، ولم يَقُم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودَعه، فقد تمّت صلاتك، أخرجه عبد الرزّاق. وذكر بإسناده عن عطاء قال: كلامه بمنزلة قيامه، فإن تكلّم فليقم المأموم إن شاء. وإن لم يُطل الإمام الجلوس فالسنّة أن لا يقوم المأموم حتى يقوم الإمام، كذا قال الزهريّ، والحسن، وقتادة، وغيرهم. وقال الزهريّ: إنما جُعل الإمام ليؤتم به - يشير إلى أن مشروعية الاقتداء لا تنقطع إلا بانصرافه. وفي ((صحيح مسلم))، عن أنس رضُّبه عن النبيّ وَّ قال: ((أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف)). وحديث أم سلمة ظّا: ((كان رسول الله إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومَكَث يسيراً قبل أن يقوم))، قال ابن شهاب: فأرى - والله أعلم - أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن مَن انصرف من القوم، رواه البخاريّ. فهذا يدلّ على أن الرجال كانوا يجلسون معه، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه . وفي هذا الحديث دليلٌ على أن النبيّ وَّ لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاءً عاماً للمأمومين، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء، كما أَمَرَ بشهود النساء العيدين حتى الحيّض، وقال: ((يشهدن الخير ودعوة المسلمين)). فلو كان عقب الصلاة دعاء عامّ لشهده النساء مع الرجال أيضاً. ١٦٣ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٣٨) وقال الشافعي في ((الأمّ)): فإن قام الإمام قبل ذلك، أو جلس أطول من ذلك، فلا شيء عليه. قال: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام، أو معه أحبّ إليّ. وظاهر كلام كثير من السلف كراهة ذلك، كما تقدّم. وفي ((تهذيب المدوّنة)) للمالكية: ولا يقيم الإمام في مصلّاه إذا سلّم إلا أن يكون في سفر، أو فنائه، وإن شاء تنحّى وأقام. انتهى كلام الحافظ ابن رجب تَُّ ببعض تصرّف(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ في ((الأم)) هو الراجح عندي. وحاصله أن الإمام إن شاء جلس في مصلاه، وإن شاء قام، ولا كراهة في شيء من ذلك، وأما المأموم فهو بالخيار بعد السلام، إن شاء جلس مع الإمام، وهو الأحبّ، وإن شاء انصرف، ولا كراهة في ذلك، إلا إذا كان هناك نساء يخاف الاختلاط معهن، فلا يقوم حتى ينصرفن. وأما القول بكراهة الانصراف قبل الإمام مستدلاً بالحديث المتقدّم، وهو قوله: ((ولا بالانصراف)) فهو غير صحيح عندي؛ لأن معنى الانصراف هنا - والله أعلم - هو السلام، بدليل أنه وَّر قابله بالركوع، والسجود، والقيام، فَنَهَى عن مسابقته بالركوع، والسجود، والقيام، والانصراف أي السلام، فلا يجوز للمأموم أن يسلّم قبل الإمام، إلا فيما استُثنِيَ بالنصّ، وهو ما إذا طوّل الإمام الصلاة، فللمأموم أن يسلم، ويصلي وحده، لقصة معاذ ظُه المشهورة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التطوع في محل الفريضة بعدها : قال الحافظ ابن رجب كَثّلُهُ: قد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة، فأما ما قبلها، فيجوز بالاتفاق. فكرهت طائفة تطوّعه في مكانه بعد صلاته. (١) راجع: ((فتح الباري شرح صحيح البخاريّ)) لابن رجب ٤٣٧/٧ - ٤٤١. ١٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وبه قال الأوزاعي، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ورُوي عن عليّ رَظُهُ أنه كرهه، وقال النخعي: كانوا يكرهونه. ورَخْص فيه ابنُ عقيل من أصحاب أحمد، كما رجّحه البخاريّ، ونقله عن ابن عمر، والقاسم بن محمد. فأما المروي عن ابن عمر، فإنه لم يفعله، وهو إمام، بل كان مأموماً، كذلك قال الإمام أحمد. وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك، وهو قول مالك، وأحمد. وقد أخرج أبو داود حديثاً يقتضي كراهته من حديث أبي رِمْئة ظُه قال: صلى بنا رسول الله وَ﴿، وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصفّ المقدّم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله وَّل، ثم سلّم عن يمينه، وعن يساره حتى رأيت بياض خدّيه، ثم انفتل، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع، فوثَبَ إليه عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزّه، ثم قال: اجلس، فإنه لم يَهْلِك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فَصْلٌ، فرفع النبيّ وَّهِ بصره، فقال: ((أصاب الله بك يا ابن الخطّاب))(١). وهذا الحديث إنما يدلّ على كراهة أن يَصلَ المكتوبةَ بالتطوّع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم. ويدلّ عليه أيضاً ما رَوَى السائب بن يزيد قال: صلّيت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلمّا سلّم قمت في مقامي، فصليت، فلمّا دخل أرسل إليّ، فقال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصلُها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن رسول الله ﴿ ﴿ أمرنا بذلك أن لا تُوصَل صلاةٌ بصلاة حتى نتكلّم، أو نخرج، أخرجه مسلم. وروى حرب بإسناده عن عطاء أنه قال فيمن صلى المكتوبة: لا يصلي مكانه إلا أن يقطع بحديث، أو يتقدّم، أو يتأخر. وعن الأوزاعيّ قال: إنما يجب ذلك على الإمام أن يتحوّل من مصلّاه، (١) هذا الحديث ضعيف يأتي الكلام عليه قريباً. ١٦٥ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٣٨) قيل له: فما يُجزئ من ذلك؟ قال: أدناه أن يزيل قدميه من مكانه. قيل له: فإن ضاق مكانه؟ قال: فليتربع بعد سلامه، فإنه يُجزئه. ورَوَى أيضاً بإسناده عن ابن مسعود أنه كان إذا سلّم قام وتحوّل من مكانه غير بعيد. قال حرب: وثنا محمد بن آدم، ثنا أبو المليح الرَّقّيّ، عن حبيب، قال: كان ابن عمر يكره أن يُصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة حتى يتقدّم، أو يتأخّر، أو يتكلّم، وهذه الرواية تخالف رواية نافع التي أخرجها البخاري. وقد ذكر قتادة، عن ابن عمر أنه رأى رجلاً صلّى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة، فنهاه عنه، وقال: لا أراك تصلي في مقامك، قال سعيد: فذكرته لابن المسيب، فقال: إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة. وعن عكرمة، قال: إذا صليت الجمعة، فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحوّل أو كلام. أخرجهما عبد الرزّاق. ومذهب مالك أنه يكره في الجمعة أن يتنفّل في مكانه من المسجد، ولا ينتقل منه، وإن كان مأموماً، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بکلّ حال. وقد قال الشافعي في ((سنن حرملة)): حديث السائب بن يزيد عن معاوية هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، قال: وهذا مثل قوله لمن صلى، وقد أقيمت الصلاة: ((أصلاتان معاً؟))، كأنه أحبّ أن يفصلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام بفصل بعد السلام. وقد روي أن النبيّ ◌َّ اضطجع بعد ركعتي الفجر. ورَوَى الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس . أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة، فأراد أن يتنفّل بعدها أن لا يتنفّل حتى يتكلّم، أو يتقدّم. قال ابن عبد البرّ: هذا حديث صحيح، قال: وقال الشعبي: إذا صلّيت المكتوبة، ثم أردت أن تتطوّع فاخطُ خطوة، وخالف ابنُ عمر ابنَ عباس في هذا، وقال: وأيّ فصل أفصل من السلام؟. ١٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقد ذكر الفقهاء من الحنابلة والشافعيّة أن هذا كلّه خلاف الأولى من غير كراهة فيه، وحديث معاوية به يدلّ على الكراهة. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ببعض تصرّف(١). قال الجامع عفا الله عنه: كيف يدّعون عدمَ الكراهة، وقد صحّ حديث معاوية ظُه المتقدّم، ودلالته على الكراهة واضحة؟، كما أشار إليه ابن رجب تَخْتُ، فليُتَنَبّه، والله تعالى أعلم. وكتب الحافظ تَُّْ على قول الإمام البخاريّ كََّثُهُ: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: ((لا يتطوّع الإمام في مكانه))، ولم يصحّ. انتهى. ما نصه: قوله: ((ولم يصحّ)) هو كلام البخاريّ، وذلك لضعف إسناده، واضطرابه، تفرّد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه، وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في ((تاريخه))، وقال: لم يثبت هذا الحديث. وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعاً أيضاً بلفظ: ((لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحوّل)). رواه أبو داود، وإسناده منقطع، وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي ظنه قال: ((من السنّة أن لا يتطوّع الإمام حتی یتحوّل من مكانه)). وحَكَى ابن قدامة في ((المغني)) عن أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير عليّ، فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة، ولا المغيرة، وكأن المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة. وفي مسلم: ((عن السائب بن يزيد، أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفّل بعدها، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن النبيّ وَل ◌ّ أمرنا بذلك)). ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة. ويؤخذ من مجموع الأدلّة أن للإمام أحوالاً؛ لأن الصلاة إما أن تكون مما يُتطوّع بعدها، أو لا يتطوّع، الأول اختلف فيه هل يتشاغل قبل التطوّع (١) ((شرح صحيح البخاري)) لابن رجب ٧/ ٤٣٠ - ٤٣٤. ١٦٧ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٣٨) بالذكر المأثور، ثم يتطوّع؟ وهذا هو الذي عليه عمل الأكثرين، وعند الحنفية يبدأ بالتطوّع. ضيعنه . وحجة الجمهور حديث معاوية ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر، بل إذا تنحّى من مكانه كفى. فإن قيل: لم يثبت حديث التنحّي. قلنا: قد ثبت في حديث معاوية نظافته: ((أو تخرج)). ويترجّح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة. وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام. وتُعُقّب بحديث: ((ذهب أهل الدثور))، فإن فيه: ((تسبّحون دبر كل صلاة))، وهو بعد السلام جزْماً، فكذا ما شابهه. وأما الصلاة التي لا يُتطوّع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعيّن له مكان، بل إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا، وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعلّمهم، أو يعظهم، فيستحبّ أن يقبل عليهم بوجهه جميعاً، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور، فهل يقبل عليهم جميعاً، أو ينفتل، فيجعل يمينه من قبل المأمومين، ويساره من قبل القبلة، ويدعو؟ الثاني هو الذي جزم به أكثر الشافعيّة. ويحتمل إن قصر زمن ذلك أن يستمرّ مستقبلاً للقبلة، من أجل أنها أليق بالدعاء، ويُحمَلُ الأولُ على ما لو طال الذكر والدعاء. انتهى كلام الحافظ تَذْشُهُ . قال بعض المحققين ردّاً على الاحتمال الأخير: الصواب أن المشروع إقبال الإمام على المأمومين بوجهه بعد السلام، والاستغفار، وقول: ((اللَّهم أنت السلام ... إلخ)) مطلقاً؛ لما تقدّم من الأحاديث الصحيحة، والله تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله هذا المحقّق حسنٌ جدّاً، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقد تلخص مما تقدم من أقوال أهل العلم أن القول الراجح أنه لا يتطوّع الإمام ولا المأموم في محلّ المكتوبة؛ لعموم حديث معاوية نظراته المتقدّم. وأما حديث أبي رمثة المتقدّم فضعيف؛ لأن في سنده المنهال بن خليفة، وهو ضعيف، وأشعث بن شعبة متكلّم فيه. وكذا حديث أبي هريرة رضيبه عند أبي داود مرفوعاً: ((أَيَعْجَز أحدكم أن يتقدّم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله في الصلاة)) - يعني السُّبْحة، ضعيف أيضاً (١)؛ لأن في سنده ليث بن أبي سُليم متروك، والحجاج بن عُبيد، وشيخه إبراهيم بن إسماعيل مجهولان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر أحاديث وردت باستحباب إقبال الإمام على المأمومين بعد التسليم، وأن ذلك كان من هدي النبيّ وَلّ: (منها): حديث سمرة بن جندب بنظاه: ((كان رسول الله وَلقوله إذا صلى صلاةً أقبل علينا بوجهه)). أخرجه البخاريّ. ! قال: ((كنا إذا صلينا خلف (ومنها): حديث البراء بن عازب رسول الله ﴿ أحببنا أن نكون عن يمينه، ليُقبل علينا بوجهه))، رواه مسلم، وأبو داود. (ومنها): حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ ◌َلُبه: ((صلى لنا رسول الله وَيه صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس ... )) الحديث، أخرجه البخاريّ. (ومنها): حديث أنس ◌َُّله قال: ((أخّر رسول الله وَله الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه ... )) الحديث. أخرجه البخاريّ أيضاً. (ومنها): حديث جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه رضيُبه: ((أنه صلى مع رسول الله ( لا صلاة الصبح، فلما صلى انحرف)). حديث صحيح رواه النسائيّ. (١) صححه الشيخ الألبانيّ تَُّ في ((صحيح أبي داود))، وقد عرفت ما فيه، وراجع ما قاله في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة الحجاج بن عبيد. ١٦٩ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٣٨) فهذه الأحاديث تدلّ على استحباب استقبال الإمام للمأمومين بعد الفراغ من الصلاة، والمواظبة على ذلك؛ لما يشعر به لفظ ((كان))، كما هو القول الراجح فيها، فقد حقّقته في ((التحفة المرضيّة))، وشرحها . [تنبيه]: قيل: الحكمة في استقبالهم أن يعلّمهم ما يحتاجون إليه، وعلى هذا يختصّ بمن كان حاله في مثل حاله وَيليه من الصلاحية للتعليم والموعظة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الاختصاص فيه نظر لا يخفى. وقيل: الحكمة أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة، إذ لو استمرّ الإمام على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلاً . وقال الزين ابن المنَيّر: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحقّ الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، واستقبالهم حينئذ يرفع الخُيَلاء والترفّع على المأمومین . وحديث سمرة ربه يدلّ على أنه وَلو كان يُقبل على جميع المأمومين، وحديث البراء يدلّ على أنه كان يقبل على من في جهة يمينه. ويمكن الجمع بينهما بأنه كان تارة يستقبل جميع المأمومين، وتارة يستقبل أهل یمینه. أو يُجعَلُ حديثُ البراء مفسّراً لحديث سمرة ظ ◌ُبه، فيكون المراد بقوله: ((أقبل علينا)) أي على بعضنا . أو أنه كان يصلي في الميمنة، فقال ذلك باعتبار من يصلي في جهة اليمين، أفاده في ((النيل))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الأحاديث الصحاح تدلّ على أنه يستحبّ للإمام أن يُقبل على المأمومين بعد السلام، إن شاء من جهة يمينه، وإن شاء أقبل عليهم جميعاً؛ لأن هذا هو هدي النبيّ ◌ََّ، وغالب أحواله. هذا إن إذا لم تكن له حاجة، فأما إن كانت له حاجة، فله أن يذهب إليها، ويترك الإقبال عليهم؛ لما أخرجه البخاريّ عن عقبة بن الحارث (١) راجع: ((نيل الأوطار)) ٣٦١/٢. ١٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ظُه، قال: صليت وراء النبيّ وَّ بالمدينة العصر، فسلّم، ثم قام النوفليّ مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجَر نسائه، ففَزِعَ الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عَجِبوا من سرعته، فقال: ((ذَكَرتُ شيئاً من تِبْر عندنا، فكرهت أن يَحْبِسني، فأمرت بقسمته)). فهذا الحديث يدلّ أيضاً على أن هديه وَّر كان المكث في مصلاه؛ إذ لو لم يكن كذلك لَمَا تعجّبوا من سرعة انصرافه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٣٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، يَعْنِي الْأَحْمَرَ، عَنْ عَاصِم، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ))). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥. والباقيان ذُكرا قبله، و((عاصم)): هو ابن سليمان الأحول. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عاصم الماضي، وهو: عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة [تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ(١)، عَنْ عَاصِم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَخَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَّةً، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»). (١) وفي نسخة: ((قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني شعبة)). ١٧١ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤٠) قال الجامع عفا الله عنه: اتّفقت النسخ التي بين يديّ في هذا الإسناد على قوله: ((حدّثنا شعبة، عن عاصم، عن عبد الله بن الحارث، وخالدٍ، عن عبد الله بن الحارث، كلاهما عن عائشة))، وهو غلطٌ، والصواب: ((حدّثنا شعبة، عن عاصم، وخالدٍ، كلاهما عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة ... إلخ))، فشعبة يروي عن كلّ من عاصم، وخالدٍ، وكلاهما يرويان عن عبد الله بن الحارث، وهو عن عائشة رضيثنا، فقوله: ((عن عبد الله بن الحارث)) يُحذف، ويكون قوله: ((وخالدٍ)) مجروراً بالعطف على ((عاصم))، ولفظ ((كلاهما)) يكتب بعد قوله: ((وخالدٍ)). وقد وقع عند أبي داود في ((سننه)) على الصواب، وسأسوق لفظه في التنبيه الآتي، وكذا وقع على الصواب عند أبي نعيم في ((مستخرجه))، ولفظه بعد أن ساقه بسنده: ((حدّثنا شعبة، عن عاصم الأحول، وخالدٍ الحذّاء، جميعاً عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة ... )) الحديث. وكذلك وقع في ((تحفة الأشراف)) (١)، ولفظه: ((وعن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن شعبة، عن عاصم، وخالدٍ، كلاهما عن عبد الله بن الحارث ... ))، فتنبّه لهذا المهمّ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٥٢) تقدم في ((الإيمان)) ٣١١/٤٩. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقة ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (خَالِد) بن مِهْران الحذّاء، أبو الْمُنَازل البصريّ، يرسل [٥] (ت١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠. (١) ((تحفة الأشراف)) ٢٤٣/١١. ١٧٢ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة والباقون تقدّموا قبله. [تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها أبو داود في ((سننه))، فقال: (١٥١٢) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا شعبة، عن عاصم الأحول، وخالد الحذاء، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة ﴿ّا أن النبيّ وََّ كان إذا سلّم قال: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٤١] (٥٩٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ وَرَّادٍ، مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنََّ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْمُسَيَّبُ(١) بْنُ رَافِع) الأسديّ الكاهليّ، أبو العلاء الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ [٤] (ت١٠٥) (ع) تَقَّدم في ((المقدمة)) ١٧/٤. ٢ - (وَرَّادٌ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً) هو: ((ورّاد)) - بفتح الواو، وتشديد الراء - الثقفيّ، أبو سعيد، أو أبو الْوَرْد الكوفيّ كاتب المغيرة، ومولاه، ثقة [٣]. رَوَى عن مولاه المغيرة، ووَفَدَ على معاوية. ورَوَى عنه عبد الملك بن عُمير، والشعبيّ، وعبدة بن أبي لبابة، والْمُسَيَّب بن رافع، ورجاء بن حَيْوَة، والقاسم بن مُخَيمِرة، وأبو سعيد الشاميّ، وأبو عون الثقفيّ، وزياد بن عِلاقة، وعطاء السائب، وغيرهم. (١) بضم الميم، وفتح السين المهملة، والياء المشدّدة المفتوحة. ١٧٣ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤١) ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث برقم (٥٩٣) وكرّره خمس مرّات، و(١٤٩٩): ((أتَعْجَبون من غيرة سَعْد، فوالله لأنا أغير منه ... )) الحديث. ٣ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور ربه، أسلم قبل الحديبية، وولي إِمْرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقون تقدّموا قبل باب، و((إسحاق بن إبراهيم))، هو: ابن راهويه، و(جرير)) هو: ابن عبد الحميد، و((منصور)) هو: ابن المعتمر. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنف دَخْذَلُهُ، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة . ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه أيضاً، فمروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، وعلى قول من عدّ منصوراً من صغار التابعين، ففيه ثلاثة منهم روى بعضهم عن بعض، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ وَرَّادٍ) بتشديد الراء، وفي رواية معتمر بن سليمان، عن سفيان عند الإسماعيليّ: ((حدّثني ورّاد))، وفي رواية ابن عيينة - الآتية للمصنّف - عن عبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عمير، سمعا ورّاداً كاتب المغيرة ... (مَوْلَى الْمُغِيرَةِ) بضمّ الميم، وحُكي كسرها إتباعاً للغين (ابْنِ شُعْبَةَ) المراد بالمولى هنا: الْمُعْتَقُ، قال في ((ألفيّة الحديث)): وَمَا لَهُ فِي الْفَنِّ مِنْ مَجَالِ وَلَهُمُ مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي وَلَاءُ إِسْلَامٍ كَمِثْلِ الْجُعْفِي وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَلَاءُ حِلْفٍ وقد تقدّم في ((شرح المقدّمة)) أن المولى يُطلَق على عدّة معان، أوصلها ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة في ((القاموس)) إلى واحد وعشرين معنى، ونظمتها، ومنها الْمُعتَق - بفتح التاء - وهو المراد هنا . (قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ) وكان المغيرة إذ ذاك أميراً على الكوفة من قِبَلَ معاوية ﴿به، وسيأتي سبب كتابه، من طريق ابن عيينة قال: حدّثنا عبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عُمير سمعا ورّاداً كاتب المغيرة بن شعبة، يقول: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ بشيء سمعته من رسول الله وَ له، قال: فكتب إليه سمعت رسول الله وَله ... ، وعند البخاريّ في ((القدر)) من رواية عبد بن أبي لبابة، عن ورّاد قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبيّ ◌َّ يقول خلف الصلاة ... (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ) أي المكتوبة، ففي رواية للبخاريّ من طريق سفيان(١)، عن عبد الملك بن عُمير، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: أملى عليَّ المغيرةُ بن شعبة في كتاب إلى معاوية، أن النبيّ ◌َ ﴿ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... )) الحديث. (وَسَلَّمَ) أي خرج من صلاته بالسلام (قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) أي لا معبود بحقّ إلا الله تعالى (وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتقديره نكرةً، كما قال في ((الخلاصة)): وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظاً فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ مَعْنَى كَـ((وَحْدَكَ اجْتَهِدْ)) ومنه قول الشاعر [من الوافر]: وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدِّخَالِ فَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ وَلَمْ يَذُدْهَا أي أرسل الإبل، أو الخيل حال كونها معتركة، أي مزدحمةً. والمعنى هنا: منفرداً في ذاته. (لَا شَرِيكَ لَهُ) أي في أفعاله، وصفاته، وعبادته، وهو تأكيد بعد تأكيد لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد، وقال في ((العمدة)): ((لا شريك له)) تأكيد لقوله: ((وحده))؛ لأن المتّصف بالوحدانيّة لا شريك له. انتهى(٢). (١) هو الثوريّ، قاله في ((الفتح)) ٣٨٦/٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٦/ ١٩٢. ١٧٥ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَّانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤١) وقال ابن الملقّن تَُّهُ: قوله: ((وحده لا شريك له)) هو على طريق التوكيد مع التكثير لحسنات الذاكر، وإلا فالحصر الذي قبله يُفيده. قال ابن العربيّ كَّثُ: وهو إشارة إلى نفي الإعانة لما كانت العرب تقول: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. انتهى(١). (لَهُ الْمُلْلُك) بضمّ الميم، قال في ((اللسان)): الْمُلْكُ: معروف، وهو يُذكّر ويُؤنّث كالسلطان، وملك الله تعالى، ومَلكوته: سلطانه وعظمته، وقال أيضاً: قال ابن سِيدهْ: ((الْمَلْكُ - بالفتح - والْمُلْك - بالضمّ - والْمِلْك - بالكسر -: احتواء الشيء، والقدرة على الاستبداد به. انتهى(٢). وقدّم الخبر لإفادة الاختصاص، أي لا لغيره، ومثله قوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ) أي جميع حمد أهل السماوات والأرض، وجميع أصناف المحامد في الأولى والآخرة لله رَ؛ لأنه المستحقّ لها دون غيره. وزاد الطبرانيّ من طريق أخرى عن المغيرة: ((يُحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير - إلى - قدير))، ورواته مُؤَثَّقون، وثبت مثله عند البزّار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف، لكن في القول إذا أصبح، وإذا أمسى، قاله في ((الفتح)). وقال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: وقد رُوي في الحديث زيادة: ((بيده الخير)) خرّجها الإسماعيلي من طريق مسعر، عن زياد بن عِلَاقة، عن ورّاد. وروي فيه أيضاً زيادة: ((يحيي ويميت)). ذكرها الترمذي في كتابه تعليقاً، ولم يذكر رواتها. وقد خرّجه البزّار بهذه الزيادة من رواية ابن عِلاقة، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن جابر ◌َظُه عن النبيّ وَّ، بمثل حديث المغيرة ظُه بهذه الزيادة، وفي إسنادها ضعف. وخرّجه أيضاً من حديث ابن عباس ﴿ه، عن النبيّ وَّ، وفيه زيادة: (بيده الخير))، وفي إسناده ضعف. وخرّجه ابن عديّ، وزاد فيه: ((يحيي ويميت))، وقال: هو غير محفوظ. (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤/ ٢٠. (٢) (لسان العرب)) ١٠/ ٤٩٢. ١٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وخرّجه أبو مسلم البلخيّ في ((سننه)) من حديث أبان بن أبي عيّاش، عن أبي الجوزاء، عن عائشة رضيؤُّ، عن النبيّ وَّ، وفيه: ((يحيي ويميت، بيده الخير))، وأبان متروك. انتهى كلام الحافظ ابن رجب تَظّهُ(١). (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال في ((العمدة)): هو من باب التتميم والتكميل؛ لأن الله تعالى لَمّا كانت الوحدانيّة له، والملك له، والحمد له، فبالضرورة يكون قادراً على كلّ شيء، وذكره للتتميم والتكميل، والقدير: اسم من أسماء الله تعالى، كالقادر، والمقتدر، وله القدرة الكاملة الباهرة في السماوات والأرض. انتهى(٢). [تنبيه]: لم يُقيّد هذا الذكر بثلاث مرّات في رواية المصنّف، وكذا عند البخاريّ هنا، لكن أخرج البخاريّ تَُّ الحديث في ((كتاب الرقاق)) من ((صحيحه))(٣) مقيّداً بالثلاث، ونصه: حدّثنا عليّ بن مسلم، حدثنا هُشيم، أخبرنا غير واحد، منهم مغيرة، وفلان، ورجل ثالث أيضاً، عن الشعبي، عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية كتب إلى المغيرة: أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول الله وَ لقه، قال: فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير - ثلاث مرّات ... )) الحديث. وكذلك أخرجه النسائيّ في ((المجتبى)) (١٣٤٣/٨٦) عن الحسن بن إسماعيل المجالديّ، ويعقوب الدورقيّ، كلاهما عن هُشیم به. غير أن الشيخ الألبانيّ تَخْذُهُ ضعّف قوله: ((ثلاث مرّات))؛ لأجل الشذوذ. (١) (شرح البخاريّ)) لابن رجب ٤١٧/٧ - ٤١٨. (٢) ((عمدة القاري)) ١٩٢/٦. (٣) راجع: ((صحيح البخاريّ)) بالنسخة اليونينية ١٢٤/٨، وقد ذكر الحافظ في ((الفتح)) أيضاً أنها موجودة في نسخة الصغانيّ، فدلّ على أن نسخ البخاريّ مختلفة، وأصح نسخه هي النسخة اليونينية، كما هو معروف لدى كلّ من له عناية بـ ((صحيح البخاريّ)). ١٧٧ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في تضعيف الزيادة المذكورة نظر، بل هي زيادة صحيحة، وقد أخرجها البخاريّ، والنسائيّ، فالذي يظهر أن تقييد هذا الذكر بثلاث مرّات هو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. (اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي أعطيته، فالعائد محذوف، وكذا ما بعده، قال في ((الخلاصة)) : وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَـ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ)» والمعنى: أن من قضيت له بقضاء من رزق أو غيره لا يمنعه أحد عنه (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) أي من قضيت عليه بحرمان شيء، فلا أحد يقدر على إعطائه ذلك (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) المشهور الذي عليه الجمهور أنه بفتح الجيم، ومعناه: لا ينفع ذا الغنى والحظّ منك غناه، وضبطه جماعة بكسر الجيم، ومعناه: الاجتهاد، وقد تقدّم في ((باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع». وقال الخطابيّ تَّتُهُ: ((الجَدّ)): الغنى، ويقال: الحظّ، قال: و((مِنْ)) في قوله ((منك)) بمعنى البدل، قال الشاعر [من الطويل]: فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الظَّهَيَانِ(١) يريد: لنا بدل ماء زمزم. انتهى. وفي ((الصحاح)): معنى ((منك)) هنا: ((عندك))، أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح. وقال ابن التين: الصحيح عندي أنها ليست بمعنى ((البدل))، ولا بمعنى ((عند))، بل هو كما تقول: ولا ينفعك مني شيء، إن أنا أردتك بسوء. قال الحافظ: ولم يظهر لي من كلامه معنى، ومقتضاه أنها بمعنى ((عندك))، أو فيه حذف، تقديره: ((من قضائي))، أو ((سطوتي))، أو ((عذابي)). واختار الشيخ جمالُ الدين في ((المغني)) الأولَ. قال ابن دقيق العيد تَخْلُهُ: قوله: ((منك)) يتعلّق بـ((ينفع))، وينبغي أن يكون (١) ((الَّهَيَان)) بفتح الطاء، والهاء المهملتين: خشبة يُبَرّد عليها الماء. ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (ينفع)) قد ضُمّن معنى ((يمنع))، أو ما قاربه، ولا يعود ((منك)) إلى ((الجدّ)) على الوجه الذي يقال فيه: حظي منك قليل، أو كثير، بمعنى عنايتك بي، أو رعايتك لي، فإن ذلك نافع. انتهى. و((الجدّ)) مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم، ومعناه: الغنى، كما نقله البخاريّ عن الحسن، أو الحظّ. وحكى الراغب أن المراد به هنا أبو الأب، أي لا ينفع أحداً نسبه. وقال القرطبيّ: حُكي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواه بالكسر، وقال: معناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري. وقال القزاز في توجيه إنكاره: الاجتهاد في العمل نافع؛ لأن الله قد دعا الخلق إلى ذلك، فكيف لا ينفع عنده؟، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييع أمر الآخرة. وقال غيره: لعل المراد أنه لا ينفع بمجرّده، ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته، كما ثبت في حديث: ((لا يُدخلُ أحداً منكم الجنةَ عمَلُهُ))، وقيل: المراد على رواية الكسر السعي التامّ في الحرص، أو الإسراع في الهرب. وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح، وهو الحظّ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان. والمعنى لا يُنجيه حظه منك، وإنما يُنجيه فضلك ورحمتك. [تنبيه]: اشتَهَرَ على الألسنة في الذكر المذكور زيادة: ((ولا رادٌ لما قضيت))، وهي في مسند عبد بن حُميد من رواية معمر، عن عبد الملك بن عُمير، عن ورّاد به، لكن حذف قوله: ((ولا معطي لما منعت))، ووقع عند الطبراني تامّاً من وجه آخر، قاله في ((الفتح))(١). وعبارة ابن الملقّن في ((إعلامه)): مِنَ الناس من يزيد في هذا الدعاء: ((ولا راد لما قضيت))، ورأيت من يُنكر هذه اللفظة، وهو عجيبٌ، فقد أخرجها عبد بن حُميد في ((مسنده))(٢)، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن ورّاد، قال: (١) ((الفتح)) ٣٨٧/٢. (٢) رقم (٣٩١). ١٧٩ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤١) كتب معاوية إلى المغيرة: أن اكتُب لي بشيء من حديث رسول الله وَله، قال: فكتب إليه: إني سمعت رسول الله وَله يتعوّذ من ثلاثة: من عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وسمعته ينهى عن ثلاث: عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وسمعته يقول: ((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا رادٌ لما قضيت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ)). انتهى(١). وقال الحافظ في ((نتائج الأفكار)) بعد أن ساق هذه الرواية بسنده إلى الطبرانيّ(٢) قال: قال شيخنا - يعني الحافظ العراقيّ -: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. انتهى(٣). [تنبيه آخر]: زاد في رواية البخاري في ((كتاب القدر)) في آخر هذا الحديث أن ورّاداً قال: ((ثم وَفَدت على معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك)). وزعم بعضهم أن معاوية كان قد سمع الحديث المذكور، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتجّ بما في ((الموطأ)) من وجه آخر عن معاوية أنه كان يقول على المنبر: ((أيها الناس، إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، ولا ينفع ذا الجدّ منه الجدّ، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ثم يقول: سمعته من رسول الله وَل﴿ على هذه الأعواد)). قال الجامع عفا الله عنه: وفي احتجاجه بما ذُكِر نظرٌ لا يخفى؛ إذ الذي ذَكَر أنه سمعه منه بَّرَ هو الذي قاله على المنبر في خطبته، لا ما كتب إليه المغيرة أنه كان يقوله في دبر كل صلاة، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة صوته هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٤١/٢٦ و١٣٤٢ و١٣٤٣ و١٣٤٤ و١٣٤٥] (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٩/٤. (٢) رواه الطبرانيّ هكذا في ((الدعاء)) رقم (١١١٠). (٣) راجع: ((نتائج الأفكار)) ٢٤٤/٢. ١٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥٩٣)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٨٤٤ و١٤٧٧ و٢٤٠٨ و٥٩٧٥) و((الدعوات)) (٦٣٣٠) و((الرقاق)) (٦٤٧٣) و((القدر)) (٦٦١٥) و((الاعتصام)) (٧٢٩٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٥٠٥)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١٣٤١ و١٣٤٢ و١٣٤٣) وفي ((الكبرى)) (١٢٦٣ ١٢٦٤ و١٢٦٦) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١٢٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٢٢٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٣١/١٠)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٦٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٥/٤ و٢٤٧/٤ و٢٥٠/٤ و٢٥١/٤ و٢٥٤/٤ و٢٥٥/٤)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٣٩٠ و٣٩١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٣٥٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٤٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٠٥ و٢٠٠٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٢٥/٢٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٦٩ و٢٠٧٠ و٢٠٧١ و٢٠٧٢ و٢٠٧٣ و٢٠٧٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣١٢ و١٣١٣ و١٣١٤ و١٣١٥ و١٣١٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٥/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب هذا الذكر عقب الصلوات؛ لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله تعالى، والمنع، والإعطاء، وتمام القدرة. قال الإمام ابن دقيق العيد تَخَّتُهُ: والثواب المرتّب على الأذكار يَرِدُ كثيراً مع خفّة الأذكار على اللسان وقلّتها، وإنما كان ذلك باعتبار مدلولاتها، وأنها كلها راجعة إلى الإيمان الذي هو أشرف الأشياء. انتهى. ٢ - (ومنها): أن فيه المبادرةَ إلى امتثال السنن، وإشاعتها. ٣ - (ومنها): أن فيه جوازَ العمل بالمكاتبة بالأحاديث، وإجراؤها مُجرَى السماع في الرواية، ولو لم تقترن بالإجازة، والعمل بالخط في مثل ذلك إذا أمن تغييره. واعْتَلّ بعضهم بأن العمدة حينئذ على الذي بلّغ الكتاب، كأن يكون الذي أرسله أمره أن يوصل الكتاب، وأن يبلغ ما فيه مشافهةً. وتعُقّب بأن هذا يحتاج إلى نقل، وعلى تقدير وجوده، فتكون الرواية عن