Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٨٧)
سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ))، وَزَادَ) وفي
نسخة: ((زاد)) بدون عاطف (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير، شيخه
الأول (فِي حَدِيثِهِ: ((فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمّْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ)))، والحديث متّفقٌ
عليه، وقد تقدّم بيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج كَذَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢٨٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ(١) عَوْنُ بْنُ سَلَّام الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ
التَّهْشَلِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عُنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا
رَسُولُ اللهِ وَّةِ خَمْساً، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟، قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟))،
قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْساً، قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأَنْسَى كَمَا
تَنْسَوْنَ))، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَوْنُ بْنُ سَلَام الْكُوفِيُّ) أبو جعفر، مولى بني هاشم، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٠) (م) تقدم فيَّ ((الإيمان) ٢٢٨/٣٠.
٢ - (أَبُو بَكْرِ النَّهْشَلِيُّ) الكوفيّ، قيل: اسمه عبد الله بن قَطاف، أو ابن
أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية، صدوقٌ، رُمي بالإرجاء [٧].
رَوَى عن أبي بكر بن أبي موسى، وعبد الرحمن بن الأسود بن يزيد،
وزياد بن عِلاقة، ومحمد بن الزبير، وحبيب بن أبي ثابت، وعاصم بن كُليب،
ومرزوق بن بكير التميميّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن المبارك، ووكيع، وبهز بن أسد، ويحيى بن آدم، وابن
مهديّ، وأبو نعيم، وعون بن سلّام، وعمرو بن مرزوق، وجُبَارة بن الْمُغلِّس،
وآخرون.
قال أبو داود: ثقةٌ كوفيّ مرجئٌ، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه،
(١) وفى نسخة: ((وحدّثنا)).

٦٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وعباسٌ الدُّوري عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: أبو بكر بن قَطَاف النَّهْشليّ
من أُنفسِهم ثقةٌ، وقال أبو قُدامة، عن ابن مهديّ: كان من ثقات مشيخة
الكوفة، وقال أبو حاتم: شيخٌ صالحٌ، يُكتب حديثه، وهو عندي خير من أبي
بكر الْهُذَليّ، وقال عثمان الدارميّ: أبو بكر النَّهْشليّ هو الذي رَوَى عنه وكيع،
فقال أبو بكر بن عبد الله بن أبي القِطاف، ولم يَقُل: النَّهشليّ، وقال ابن سعد:
وهو نَهْشَليّ من أَنْفُسهم، وكان مرجئاً، وكان عابداً ناسكاً، وله أحاديث،
ومنهم من يستضعفه.
قال مُطَيَّن: مات يوم عيد الفطر سنة ست وستين ومائة.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٧٢)، و(١١٠٦) حديث: ((يقبّل في رمضان،
وهو صائم)).
[تنبيه]: قوله: ((النَّهْشَليّ)) بفتح أوله، وسكون الشين المعجمة: نسبة إلى
نَهْشَل بطنٌّ من تميم، ومن كلب، أفاده في ((اللبّ))(١).
٣ - (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣]
(ت٩٩) (ع) تقدم في ((الحيض)) ١/ ٦٨٦.
٤ - (أَبُوهُ) الأسود بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو
عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ مخضرم [٢] (ت ٤ أو٥٧) (ع) تقدم في
((الطهارة)) ٣٢/ ٦٧٤.
[تنبيه]: هذا الإسناد مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه رواية الابن عن أبيه،
وتابعيّ عن تابعيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
(١) (لُبّ اللباب)) ٣٠٨/٢.

٦٠٣
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٨٨)
مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: صَلَّى
رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَزَادَ، أَوْ نَقَصَ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَالْوَهْمُ مِنِّي، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ
أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ، وَهُوَ جَالِسٌ))، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَسَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣١) (م فق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٣/٤١.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسْهِر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل،
ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سُليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة، وَرِعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧.
والباقون تقدّموا قبله، و((إبراهيم)) هو: ابن يزيد النخعيّ.
وقوله: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو: ابن يزيد النخعيّ الراوي عن علقمة، يعني أن
التردّد في كونه زاد أو نقص منّي، لا من علقمة، ولا من عبد الله.
وقوله: (فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ،
فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ، وَهُوَ جَالِسٌ))، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ) قال
النوويّ تَُّهُ: هذا الحديث مما يُسْتَشْكَلُ ظاهره؛ لأن ظاهره أن النبيّ وَّ قال
لهم هذا الكلام بعد أن ذكر أنه زاد أو نقص، قبل أن يسجد للسهو، ثم بعد أن
قاله سجد للسهو، ومتى ذكر ذلك فالحكم أنه يسجد، ولا يتكلّم، ولا يأتي
بمنافٍ للصلاة.
ويجاب عن هذا الإشكال بثلاثة أجوبة:
[أحدها]: أن ((ثُمَّ)) هنا ليست لحقيقة الترتيب، وإنما هي لعطف جملة
على جملة، وليس معناه أن التحوّل والسجود كانا بعد الكلام، بل إنما كانا
قبله، ومما يؤيِّد هذا التأويل أنه قد سبق في هذا الباب في أول طرق حديث

٦٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ابن مسعود به هذا بهذا الإسناد: صلَّى رسول الله وَلَه، فزاد أو نقص، فلَمّا
سَلَّم قيل له: يا رسول الله أَحَدَث في الصلاة شيءٌ؟ قال: ((وما ذاك؟)) قالوا:
صليت كذا وكذا، فَثَنَى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سَلَّم، ثم
أقبل علينا بوجهه، فقال: ((إنه لو حَدَث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما
أنا بشرٌ أَنْسَى كما تَنْسَوْن، فإذا نسيت فذكِّروني، وإذا شك أحدكم في صلاته،
فليتحرَّ الصواب، فَلْيُتِمَّ علیه، ثم لیسجد سجدتین)).
فهذه الرواية صريحة في أن التحوُّل والسجود قبل الكلام، فتحمل الثانية
عليها؛ جمعاً بين الروايتين، وحمل الثانية على الأولى أولى من عكسه؛ لأن
الأولى على وفق القواعد.
[الجواب الثاني]: أن يكون هذا قبل تحريم الكلام في الصلاة.
[الثالث]: أنه وإن تكلَّم عامداً بعد السلام لا يضُرّه ذلك، ويسجد بعده
للسهو، وهذا على أحد الوجهين لأصحابنا أنه إذا سجد لا يكون بالسجود
عائداً إلى الصلاة، حتى لو أحدث فيه لا تبطل صلاته، بل قد مَضَت على
الصحة، والوجه الثاني وهو الأصح عند أصحابنا أنه يكون عائداً، وتبطل
صلاته بالحدث والكلام، وسائر المنافيات للصلاة، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأجوبة أولها، وهو حمل هذه الرواية
على الرواية السابقة، وهي رواية منصور، عن إبراهيم، وسيأتي عن ابن
خزيمة: أنه رجّح هذا التأويل، وقال: إن رواية منصور أرجح.
والحاصل أن هذا الكلام صدر منه ل# بعد سجدتي السهو، والسلام من
الصلاة، لا قبله، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُ المذكور أولَ الكتاب
[١٢٨٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا(٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
قال :
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٦/٥ - ٦٨.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٦٠٥
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٩٠)
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ سَجَدَ سَجْدَتَيٍ
السَّهْوِ، بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٩]
(ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (حَفْص) بن غِيَاث بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ
فقيهٌ تغير قليلاً بآخره [٨] (ت١٩٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨.
والباقون تقدّموا في الباب، و((ابن نُمير)): هو محمد بن عبد الله بن نُمير.
وقوله: (سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ، بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَام) قال في ((الفتح)):
رَوَى الأعمش، عن إبراهيم هذا الحديث مُختصراً، ولفظهَ أن النبيّ وَّ سجد
سجدتي السهو بعد السلام والكلام، أخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن
خزيمة، وغيرهم، قال ابن خزيمة: إن كان المراد بالكلام قوله: ((وما ذاك؟))
في جواب قولهم: ((أزيد في الصلاة؟))، فهذا نظير ما وقع في قصة ذي اليدين،
وسيأتي البحث فيه فيها، وإن كان المراد به قوله: ((إنما أنا بشر أنسى كما
تنسون))، فقد اختَلَف الرواة في الموضع الذي قالها فيه، ففي رواية منصور أن
ذلك كان بعد سلامه من سجدتي السهو، وفي رواية غيره أن ذلك كان قبلُ،
ورواية منصور أرجح، والله أعلم. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢٩٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ
الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ بِّهِ، فَإِمَّا زَادَ، أَوْ نَقَصَ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَايْمُ اللهِ مَا جَاءَ ذَاَكَ
(١) ((الفتح)) ١١٥/٣.

٦٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إِلَّا مِنْ قِبَلِي، قَالَ: فَقُلْنَا (١): يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟، فَقَالَ:
(لَا))، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ الَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ: ((إِذَا زَادَ الرَّجُلُ، أَوْ نَقَصَ، فَلْيَسْجُدْ
سَجْدَتَيْنٍ))، قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار الْقُرَشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان،
وربّما نُسِب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ) الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت٣
أو ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيٍّ [٧]
(ت١٦٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
والباقون تقدّموا قبله، و((سُليمان)): هو الأعمش.
وقوله: (وَايْمُ اللهِ) مختصرٌ من ((أيمُنُ الله)) بحذف الهمزة والنون، وهو
مبتدأ حُذف خبره، والتقدير: وايمُ الله قسمي، أو خبر لمحذوف، والتقدير:
قسمي وايمُ الله، وإلى هذا أشار ابن مالك تَخْتُهُ في ((الخلاصة)) بقوله:
وَبَعْدَ ((لَوْلَا)) غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرْ
قال الفيّوميّ تَخُّْهُ: ((وأيمُنُ)) اسمٌ استُعْمِل في القسم، والتُزِم رفعه كما
التُزِمِ رفعُ ((لَعَمرُ الله))، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من
الْيُمْنِ، وهو البركةُ، وعند الكوفيين قطعٌ؛ لأنه جمع يَمِين عندهم، ثم اختُصِر
ثانياً، فقيل: ((مُ الله)) بضمّ الميم وكسرها. انتهى(٢).
وقال ابن الأثير تَذَتُهُ: (لَيْمُنُ))، و((أَيْمُنُ)) من ألفاظ القسم، تقول:
لَيْمُنُ الله لأفعلنّ، وأيمُنُ الله لأفعلنّ، وايمُ الله لأفعلنّ بحذف النون، وفيها
لغاتٌ غير هذا، وأهل الكوفة يقولون: أَيْمُن: جمعُ يمين القَسَمُ، والألف فيها
ألف وصل، وتُفتح وتُكسر. انتهى(٣) .
(١) وفي نسخة: ((قال: قلنا)).
(٣) ((النهاية)) ٣٠٢/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٨٢/٢.

٦٠٧
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٩٠)
وقال في ((اللسان)): و((أَيْمُنُ)): اسم وُضِع للقسم هكذا بضم الميم
والنون، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجئ في الأسماء ألف وصل
مفتوحة غيرها، قال: وقد تدخل عليه اللام لتأكيد الابتداء، تقول: لَيْمُنُ الله،
فتذهب الألف في الوصل، قال نُصَيْبٌ [من الطويل]:
فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لَمَّا نَشَدْتُهُمْ نَعَمْ وَفَرِيقٌ لَيْمُنُ اللهِ مَا نَدْرِي
وهو مرفوع بالَابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: لَيْمُنُ الله قَسَمِي،
ولَيْمُنُ الله ما أُقْسِم به، وإذا خاطبتَ قلتَ: لَيْمُنُكَ، وربما حذفوا منه النون،
قالوا: أَيْمُ الله، وإِيمُ الله أيضاً بكسر الهمزة، وربما حذفوا منه الياء، قالوا:
أَمُ الله، وربما أَبْقَوْا الميم وحدها مضمومةً، قالوا: مُ اللهِ، ثم يكسرونها؛ لأنها
صارت حرفاً واحداً، فيشبهونها بالباء، فيقولون: م اللهِ، وربما قالوا: مُنُ اللهِ
بضم الميم والنون، ومَنَ اللهِ بفتحهما، ومِنِ اللهِ بكسرهما. انتهى باختصار(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ((أيمن)) أحد الأسماء العشر التي لم تُحفَظ همزة
الوصل في الأسماء التي ليست مصادر للفعل الزائد على أربعة إلا فيها، وهي
التي جمعها ابن مالك تَّتُهُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَاثْنَيْنٍ وَامْرِىءٍ وَتَأْنِيثٍ تَبِعْ
وَفِي اسْمِ اسْتِ ابْنِ ابْنُم سُمِعْ
مَدّاً فِي الاسْتِفْهَامِ أَوْ يُسَهَّلُ
وَايْمُنُ هَمْزُ أَنْ كَذَا وَّيُبْدَلُ
وقوله: (مَا جَاءَ ذَاكَ إِلَّ مِنْ قِبَلِي) إشارة إلى تردّده في الزيادة، أو
النقص، وقد تقدّم جزمه بالزيادة في رواية الحكم عنه: ((صلّى الظهر خمساً،
فلما سلّم قيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً))،
فجزم بالزيادة، فتنبّه.
وقوله: (فَقُلْنَا لَهُ الَّذِي صَنَعَ) أي ذكرنا له الشيء الذي صنعه في الصلاة.
وقوله: (إِذَا زَادَ الرَّجُلُ، أَوْ نَقَصَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) قال القرطبيّ ◌َظْهُ:
هذا يقتضي التسوية بين ما كان للنقص وبين ما كان للزيادة، فإما أن يكون هذا
الأمر بهما على الوجوب، أو على الندب، والتفرقة التي حكيناها عن أصحابنا
- يعني المالكيّة - مخالفة لهذا النصّ، فتُلغى. انتهى كلام القرطبيّ ◌َذْهُ(٢).
(١) (لسان العرب)) ٤٦٢/١٣.
(٢) ((المفهم)) ١٨٦/٢.

٦٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال الجامع عفا الله عنه: ما أجمل كلام القرطبيّ تَخْلَتُهُ، وأحسنه،
وأصدقه، فكلّ قول خالف النصّ يُلْغَى، وإن كان مذهب جلّ الناس، وهكذا
ينبغي للمقلّد إذا خالف مذهبه النصوص أن يقول مثل هذا القول، فإن الله تعالى
ضمن الهدى والفلاح في اتّباع النصوص، لا في اتّباع آراء الناس، قال الله
تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾، وقال: ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَُّوهُ وَنَصَرُوهُ
وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال:
﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢٩١] (٥٧٣) - (حَدَّثَنِي(١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنِ
ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرُو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمِعْتُ
مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَه
إِحْدَى صَلَاتَي الْعَشِيِّ، إِمَّ الظُّهْرَ، وَإِمَّا الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ أَتَى جِذْعاً
فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا مُغْضَباً، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا(٢) أَنْ
يَتَكَلَّمَا، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ ذُوَ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَنَظَرَ النَّبِيُّ وَهِ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ: ((مَا
يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟))، قَالُوا: صَدَقَ، لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَسَلَّمَ،
ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ، قَالَ: وَأُخْبِرْتُ
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّهُ قَالَ: وَسَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، تقدّم في الباب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب أيضاً.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).
(٢) وفي نسخة: ((فهاباه)).

(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٩١)
٦٠٩
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلالي، أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة حافظ
فقيه إمام حجّة رأس [٨] (ت١٩٨) تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص ٣٨٣.
٤ - (أَيُّوبُ) تَظُبه، أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ حجة [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ فقيه [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨.
٦ - (أبو هريرة) ظ ◌ُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما .
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له الترمذيّ وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ظه، إذا كان من
رواية حماد بن زيد، عن أيوب، فقد نُقل عن ابن المدينيّ أنه قال: أصحّ
أسانيد أبي هريرة ظه حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عنه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في عصره، روى
(٤ ٥٣٧) حديثاً
شرح الحديث :
(يَقُولُ: صَلَّى بِنَا
عن محمد بن سيرين أنه قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َظُ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿) قال في ((الفتح)): ظاهر في أن أبا هريرة ◌َظُه حضر القصة،
وحمله الطحاوي على المجاز، فقال: إن المراد به صلّى بالمسلمين، وسبب
ذلك قول الزهري: إن صاحب القصة استُشْهد ببدر، فإن مقتضاه أن تكون
القصّة وقعت قبل بدر، وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين(١).
(١) والصواب بأكثر من أربع سنين؛ لأن غزوة بدر وقعت في رمضان من السنة الثانية =
.

٦١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
لكن اتفق أئمة الحديث - كما نقله ابن عبد البرّ وغيره ـ على أن الزهريّ
وَهمَ في ذلك، وسببه أنه جعل القصّة لذي الشمالين، وذو الشمالين هو الذي
قتل ببدر، وهو خُزَاعي، واسمه عُمَير بن عبد عمرو بن نَضْلَة، وأما ذو اليدين،
فتأخر بعد النبيّ وَله بمدّة، لأنه حدّث بهذا الحديث بعد النبيّ وَّ، كما أخرجه
الطبرانيّ وغيره، وهو سُلَميّ، واسمه الخرْبَاق، على ما سيأتي البحث فيه.
وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة نظراته: ((فقام
رجل من بني سُلَيم))، فلما وقع عند الزهريّ بلفظ: ((فقام ذو الشمالين))، وهو
يَعرِف أنه قُتِل ببدر، قال لأجل ذلك: إن القصّة وقعت قبل بدر.
وقد جوّز بعض الأئمة أن تكون القصّة وقعت لكلّ من ذي الشمالین، وذي
اليدين، وأن أبا هريرة ظُله رَوَى الحديثين، فأرسل إحداهما، وهي قصّة ذي
الشمالين، وشَاهَدَ الأُخرى، وهي قصّة ذي اليدين، وهذا مُحتمل من طريق الجمع.
وقيل: يُحمَل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضا: ذو اليدين،
وبالعكس، فكان ذلك سبباً للاشتباه.
ويَدْفَع المجاز الذي ارتكبه الطحاويّ ما رواه مسلم، وأحمد، وغيرهما
من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة
بلفظ: ((بينما أنا أصلي مع رسول الله (وَلاغير)).
وقد اتَّفَقَ معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين
غير ذي اليدين، ونصّ على ذلك الشافعيّ نَّتُهُ في ((اختلاف الحديث)).
وقال صاحب ((المرعاة)) بعد نقل ما تقدّم ما خلاصته: رواية أحمد،
ومسلم، والبيهقيّ بلفظ: ((بينما أنا أصلي مع رسول الله (وَ ل﴾) نصّ صريح في
حضور أبي هريرة قصّة ذي اليدين، وليس عند من ادّعى عدم حضوره عن هذه
الرواية الصحيحة الصريحة جوابٌ شافٍ، وقد اعترف به صاحب ((البحر
الرائق))، من الحنفيّة، حيث قال: لم أجد جواباً شافياً عن هذه، وكذا اعترف
صاحب ((العرف الشذيّ)) منهم أيضاً، حيث قال: ولكن الطحاويّ لم يُجِب عما
في طريق مسلم عن أبي هريرة ◌َظُله: ((بينا أنا أصلي ... إلخ)).
= من الهجرة، وإسلام أبي هريرة ظُه وقع في عام خيبر في أول سنة سبع، فتأمّل.

٦١١
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٩١)
قال: ثم إن الحنفيّة لَمّا عجزوا عن جواب هذه الرواية اعترف بعضهم
بعدم وجدان الجواب الشافي، وسعى بعضهم لإثبات الوهم فيها من الراوي،
فقال النيموريّ، ومن تبعه أخذاً عن العينيّ كَُّ قوله: ((بينما أنا أصلي)) ليس
بمحفوظ، ولعلّ بعض رواة الحديث فهم من قول أبي هريرة تظله: ((صلّى بنا))
أنه كان حاضراً، فروى هذا الحديث بالمعنى على ما زعمه، وقد أخرجه مسلم
من خمس طرُق، فلفظه في طريقين: ((صلّى بنا))، وفي طريق: ((صلّى لنا))، وفي
طريق: ((أن رسول الله ﴿ ﴿ صلّى ركعتين))، وفي طريق: ((بينما أنا أصلِّي مع
رسول الله (َ﴾))، تفرّد بها يحيى بن أبي كثير، وخالفه غير واحد من أصحاب
أبي سلمة، وأبي هريرة، فكيف يُقبل أن أبا هريرة قال في هذا الخبر: ((بينما أنا
أصلِّي))؟. انتهى.
قال المباركفوري كَّتُ في ((شرح الترمذيّ)) مجيباً عن كلام النيموريّ هذا
ما لفظه: قلت: يحيى بن أبي كثير ثقةٌ ثبتٌ متقنٌّ، قال الحافظ في ((مقدّمة
الفتح)): أحد الأئمة الثقات الأثبات، قال شعبة: حديثه أحسن من حديث
الزهريّ، وقال في ((تهذيب التهذيب)): وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه:
يحيى بن أبي كثير من أثبت الناس، إنما يُعدّ مع الزهريّ، ويحيى بن سعيد،
وإذا خالفه الزهريّ، فالقول قول یحیی. انتهى.
فكيف لا يُقبل ما تفرّد به مثلُ هذا الثقة الثبت الذي هو من أثبت الناس،
وإذا خالفه الزهريّ فالقول قوله؟ فقول النيموريّ: قوله: ((بينما أنا أصلي)) غير
محفوظ مردودٌ علیه.
والحاصل أن رواية مسلم وأحمد بلفظ: ((بينما أنا أصلِّي)) صحيحة
محفوظة، وهي نصّ صريحٌ في شُهود أبي هريرة ◌ُه قصّة ذي اليدين، وليس
لمن أنكر ذلك جواب شاف عن هذه الرواية. انتهى كلام المباركفوريّ رَّتُهُ(١).
وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً.
(إِحْدَى صَلَاتَي الْعَشِيِّ) ((الْعَشِيُّ)) - بفتح العين المهملة، وكسر السين،
وتشديد الياء - أصله من العِشَاء، وهي الظلمة، واختُلف في تحديد وقت
(١) ((المرعاة)) ٤٠٩/٣.

٦١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
العشيّ، فالذي اختاره الأزهريّ أنه من زوال الشمس إلى غروبها، وقيل: من
صلاة المغرب إلى العَتَمَة، وقال ابن الأثير: ما بعد الزوال إلى المغرب عشيّ،
وقيل: العشيّ من زوال الشمس إلى الصباح، واختار الحافظ العلائيّ هذا
القول، قال: وبه يحصل الجمع بين الأقوال كلها .
(إِمَّا الظُّهْرَ، وَإِمَّا الْعَصْرَ) بالشكّ، وكذا في رواية للبخاري: ((الظهر، أو
العصر)) بالشك أيضاً، ووقع عند البخاري بلفظ: ((إحدى صلاتي العشي))، قال
ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا، فهذا صريح في أن الناسي هو
ابن سيرين، لكن في رواية النسائيّ تَخُّْ قال: قال أبو هريرة رضيُبه: ((ولكني
نسيت))، وهذا ظاهر في أن الشكّ من أبي هريرة
وفي الرواية الآتية [١٢٩٣] من طريق أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد،
عن أبي هريرة ◌َالله: ((صلّى لنا رسول الله وَّ﴾- صلاة العصر))، من غير شك،
وفي رواية أبي سلمة، عنه الآتية [١٢٩٥]: ((بينا أنا أصلِّي مع النبيّ وَّ صلاة
الظهر)) من غير شك أيضاً، وفي رواية له قال محمد: ((وأكثر ظني أنها
العصر)) .
قال الحافظ تَُّ: والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعدَ من قال:
يُحْمَل على أن القصة وقعت مرتين، بل الظاهر أن أبا هريرة رضيته رواه كثيراً
على الشك، وكان ربما غَلَب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، وتارة غلب على
ظنه أنها العصر، فجزم بها، وطرأ الشكُّ في تعيينها أيضاً على ابن سيرين،
وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصّة من الأحكام الشرعية، ولم
تختلف الرواة في حديث عمران في قصة الْخِرْباق أنها العصر، فإن قلنا: إنهما
قصّة واحدة، فيترجّح رواية مَنْ عَيّنَ العصرَ في حديث أبي هريرة ◌َُّه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يمكن اتّحاد قصّة أبي هريرة وعمران ێًا،
بل هما قصّتان؛ لأن في قصّة أبي هريرة ◌ُبه أنه سلّم من ركعتين، وفي قصّة
عمران څ، أنه سلّم من ثلاث، فتبصّر.
(فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنٍ) أي في آخر ركعتين من تلك الصلاة (ثُمَّ أَتَى جِذْعاً)
بكسر الجيم، وسكون الذال المعجمة، آخره عين مهملة: ساق النخلة، ويُسمّى

(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٩١)
٦١٣
سَهْم السقف جِذْعاً، والجمع ◌ُذُوعٌ وأَجْذاع، قاله في ((المصباح))(١).
وقوله: (فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ) متعلّق بصفة لـ((جِذْعاً))، وفي رواية للبخاري:
(ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد))، وفي النسائيّ: ((فانطلق إلى خشبة
معروضة في المسجد)).
قال الحافظ تَّتُهُ: ولا تنافي بين هذه الروايات، لأنها تُحْمَل على أن
الجذع قبل اتّخاذ المنبر كان ممتدًا بالعرض، وكأنه الجذع الذي كان وَّل يستند
إليه قبل اتّخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشرّاح. انتهى.
(فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا) قال النوويّ تَخْذُ: هكذا هو في كل الأصول: ((فاستند
إليها))، والجذع مذكَّرٌ، ولكن أَنَّثه على إرادة الخشبة، وكذا جاء في رواية
البخاريّ وغيره: ((خشبة)). انتهى.
وقال القرطبيّ: الجِذع مذكّرٌ، لكنه أعاد عليه ضمير المؤنّث؛ لأنه خشبةٌ،
كما قالوا: بلغني كتابه، فمزّقتها؛ لأن الكتاب صحيفةٌ. انتهى(٢).
وقوله (مُغْضَباً) بفتح الضاد المعجمة، حال من الفاعل، وفي رواية
البخاريّ: ((فاتّكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبّك
بين أصابعه، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفّه اليسرى)).
قال الحافظ ابن رجب تَخّْتُهُ: والظاهر أن النبيّ وَّ كان في حال الصلاة
مشغول البال بأمر أوجب له ذلك الغضب، وهو الذي حمله على أن صلّى
رکعتین، وسلّم، ولم يشعر بذلك. انتهى.
زاد في رواية البخاريّ: ((فقال بيده عليها))، أي اتكأ بيده على تلك
الخشبة، وفيه إطلاق القول على الفعل.
(وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﴿يَا، أي وكان مع القوم الذين صلَّوّا مع
النبيّ وَ﴿ أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب ﴿هَا (فَهَابَا) وفي نسخة: ((فهاباه))
(أَنْ يَتَكَلَّمَا) وفي رواية البخاريّ: ((فهاباه أن يكلّماه))، أي خافا من تكليمه وَلَّهِ،
و ((الهيبة)): إجلالٌ ومخافةٌ ناشئة عن إعظام.
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٩٤.
(٢) («المفهم)) ٢ /١٨٧.

٦١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه ◌َّه، وتعظيمه عن الاعتراض عليه،
وأما ذو اليدين، فغلب عليه حرصه على تعلم العلم.
وقال القرطبيّ تَخْلَثُ: يعني أنهما بما غلبهما من احترام النبيّ وَلـ
وتعظيمه، وإكبار مقامه الشريف امتنعا من تكليمه بَير مع علمهما بأنه سيَيِين أمر
ما وقعَ، ولعلّه بعد النهي عن السؤال، كما قرّرناه في ((كتاب الإيمان))
وقال الحافظ ابن رجب ◌َّتُهُ: وأما هيبة أبي بكر وعمر ظّمَا أن يُكَلِّماه
مع قربهما منه، واختصاصهما به فلشدّة معرفتهما بعظمته وحقوقه، وقوّةُ المعرفة
توجب الهيبة، كما أن أشدّ الناس معرفةً بالله أشدهم له خشيةً وهيبةً وإجلالاً،
كما كان النبيّ ﴾﴾ كذلك. انتهى.
وقال الحافظ العلائيّ تَخْتُ: معنى الحديث: أن أبا بكر وعمر ﴿مَا لَمّا
غَلَبَ عليهما من احترام النبيّ وَّر، وتعظيمه، وإكبار مقامه الشريف امتنعا من
تكليمه .
هذا مع ما روَى الترمذيّ في ((جامعه)) بسند جيّد عن أنس ◌َُّه، قال:
كان النبيّ ◌َ﴿ يَخرُج على أصحابه، فلا ينظر إليه أحد سوى أبي بكر
وعمر ها، فإنهما كانا ينظران إليه، وينظر إليهما، ويبتسمان إليه، ويبتسم
إليهما .
ففي هذا المقام غلبت عليهما الهيبة له وَلّر مع علمهما بأنه سيتبيّن أمرُ مَا
وقع.
وأما إقدام ذي اليدين على السؤال والفحص ابتداءً، فهو لشدة حرصه
على تعلم العلم، واعتنائه بأمر الصلاة. انتهى.
وقوله: ((أن يكلماه))(١) في موضع نصب بدل من الهاء في ((هاباه))، بدل
ظاهر من مضمر، وهو بدل اشتمال، والتقدير ((فهاباه تكليمه))، والمعنى: ((هابا
تكليمه))؛ لأن البدل هو المقصود بالنسبة، أفاده العلائيّ دَّثُ .
(وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ) بفتحات: هم أوائل الناس خروجاً من المسجد،
وهم أصحاب الحاجات غالباً .
(١) هذه رواية البخاريّ.

٦١٥
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٩١)
وقال ابن الأثير تَخّلهُ: هم أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء،
ويُقبلون عليه بسرعة.
وقال الحافظ ابن رجب تَخْلَتُهُ: وسَرَعَان الناس: هم الذين أسرعوا
الخروج من المسجد، فظنوا أن الصلاة قصرت، فتحدثوا بذلك، وهذا يدلّ
على أنه لم يَخْفَ ذلك على عامّة من كان في المسجد أو كلّهم. انتهى.
قال القاضي عياض تَخْتُ: رَوَيناه بفتح السين والراء عن مُتقني شيوخنا،
وهو قول الكسائيّ، وغيرُهُ يسكن الراء.
وقال الخطابي: ويقال لهم: سِرْعان - بكسر السين، وسكون الراء - وهو
جمع سريع، کقولهم: رَعیل وڕِغْلان.
وقال عياض: ورَوَيناه في البخاريّ من طريق الأصيلي بضم السين،
وإسكان الراء، وكذا وجدته بخطه في أصله. ووجهه أنه جمع سَرِيع، كقَفِيز
وقُفْزان، وکثیب وكثبان.
وقال النوويّ كََّتُهُ: ((السَّرَعَان)) بفتح السين والراء، هذا هو الصواب
الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وهكذا ضبطه المتقنون،
والسرعان: المسرعون إلى الخروج. انتهى(١).
وقال الحافظ العلائيّ تَخُّْ: الذي قاله جمهور أهل اللغة هو القول
الأول، بفتح السين والراء معاً، لكن فرّق أبو العباس المبرّد، فقال: إذا كان
السَّرَعان من الناس قيل: بفتح الراء وسكونها، وإن كان من غيرهم فالفتح
أفصح، ويجوز الإسكان(٢).
وقوله: (قُصِرَتِ الصَّلَاةُ) فعلٌ ونائب فاعله، وهو مقول لقول مقدّر حالٍ
من ((سَرَعَان الناس))، أي خرجوا حال كونهم قائلين: قُصرت الصلاةُ، وفي
رواية البخاريّ: ((وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قُصرت
الصلاة)) .
(١) (شرح النوويّ)) ٦٨/٥.
(٢) (نظم الفرائد)) (ص١٢٧ - ١٢٨).

٦١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ويَحْتمل أن يكون بتقدير همزة الاستفهام، وهو رواية النسائيّ، ولفظه:
((فقالوا: أقُصِرت الصلاةُ)).
وقول النوويّ كَّلُهُ قوله: ((قصرت الصلاة)) بضم القاف وكسر الصاد،
على البناء للمفعول، أي إن الله قَصَرَها ورُوي بفتح القاف وضم الصاد، على
بناء الفاعل، وكلاهما صحيح، ولكن الأول أشهر وأصحّ. انتهى.
وقال الحافظ العلائي كََّثُ وقوله: ((أقصرت الصلاة)) فيه روايتان،
إحداهما بضم القاف، وكسر الصاد على البناء لما لم يسم فاعله.
والثانية: بفتح القاف، وضم الصاد، والفعل لازم ومتعدّ، فاللازم مضموم
الصاد التي هي عين الكلمة؛ لأنه من الأمور الخَلْقيّة، كحَسُنَ وقَبُحَ، والمتعدي
بفتح الصاد، ومنه قَصَرَ الصلاةَ وقَصَّرَها، وأقصرها على السواء. حكاه
الأزهريّ.
ولا يقال: إن ((قَصَرَ)) إذا كان مخففاً لا يتعدّى إلا بحرف الجرّ، كقوله
تعالى: ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأنا نقول: تعدّيه بنفسه ثابتٌ
ومنقولٌ، حكاه أيضا الجوهري وغيره.
وأما ((من)) في الآية فزائدة عند الأخفش، وصفة لمحذوف عند سيبويه،
تقديره: ((شيئاً من الصلاة)). انتهى بتصرف.
وفيه دليلٌ على وَرَعِهم، إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم، وهابوا
النبيّ ◌َ ﴿ أن يسألوه، وإنما استفهموا؛ لأن الزمان زمان النسخ.
(فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ) وفي رواية أبي سلمة الآتية: ((فقام رجلٌ من بني سُليم))،
وفي حديث عمران ظ ◌ُه الآتي: ((فقام إليه رجل يقال له: الْخِرْباق، وكان في
يديه طُولٌ))، وفي رواية: ((فقام رجلٌ بَسِيط اليدين))، هذا كله رجلٌ واحدٌ، اسمه
الْخِرباق بن عمرو، بكسر الخاء المعجمة والباء الموحدة.
وفي رواية البخاريّ: ((وفي القوم رجل في يديه طولٌ، يقال له: ذو
اليدين)).
والمعنى: أنه كان مع القوم رجل موصوفٌ بطول اليدين، وهو محمول
على الحقيقة، ويَحْتَمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل، أو بالبذل، قاله
القرطبي، وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعاً. وحُكي عن بعض شُرّاح

٦١٧
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٩١)
((التنبيه)) أنه قال: كان قصير اليدين، فكأنه ظن أنه حميد الطويل، فهو الذي فيه
الخلاف .
والصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين، وذهب الأكثر إلى أن
اسم ذي اليدين الْخِرْباق - بكسر المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحّدة،
وآخره قاف - اعتماداً على ما وقع في حديث عمران بن حصين ظًّا عند مسلم،
ولفظه: ((فقام رجل، يقال له: الْخِرباق، وكان في يده طول))، وهذا صنيع من
يُوَحِّدُ حديثَ أبي هريرة بحديث عمران، قال الحافظ: وهو الراجح في نظري،
وإن كان ابن خزيمة، ومن تبعه جَنَحُوا إلى التعدد، والحامل لهم على ذلك
الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من
اثنتين، وأنه ﴿ قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران أنه سلّم من
ثلاث ركعات، وأنه دخل منزله لمّا فرغ من الصلاة.
فأما الأول: فقد حَكَى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به
أنه سلّم في ابتداء الركعة الثالثة، واستبعده.
ولكن طريق الجمع يُكتفى فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد
القصّة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كلّ مرّة استفهم النبيّ عن ذلك،
واستفهم النبيُّ وَّهِ الصحابةَ عن صحّة قوله.
وأما الثاني: فلعلّ الراوي لمّا رآه تقدَّم من مكانه إلى جهة الخشبة ظنّ أنه
دخل منزله؛ لكون الخشبة كانت في جهة منزله، فإن كان كذلك، وإلا فرواية
أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعيّ، وأبو
داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه، كما
أخرجه أبو بكر الأثرم، وعبد الله بن أحمد في زيادات («المسند»، وأبو بكر بن
أبي خيثمة، وغيرهم.
وقد ورد ما يدلّ على أن محمد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة
كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنه قال في آخر حديث أبي هريرة: «نُبِّئت أن
عمران بن حُصَين قال: ثم سلّم)). انتهى كلام الحافظ كَّقُ ببعض تصرف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ رحمه الله تعالى
من دعوى الاتّحاد بين حديث أبي هريرة، وحديث عمران بن حُصَين ظّ فيه

٦١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
نظر لا يخفى، والذي ذكره في وجه الجمع ظاهر التكلَّف، فالذي يظهر أن ما
رجحه ابن خزيمة، ومن تبعه هو الصواب؛ إذ لا تكلّف فيه، فتأمل، وسيأتي
تمام الكلام عند ذكر كلام الحافظ العلائيّ تَُّ في المسائل - إن شاء الله
تعالی ۔۔
(فَقَالَ) ذو اليدين (يَا رَسُولَ اللهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟) استفهامٍ عن
سبب تسليمه على رأس الركعتين (فَتَظَرَ النَّبِيُّ نَّهِ يَمِيناً وَشِمَالاً) وفي رواية أبي
سفيان التالية: ((فقال رسول الله وَ له: كلُّ ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض
ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول اللهصل﴿ على الناس ... ))، وفي رواية
البخاريّ: ((لم أنس، ولم تُقصر)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((لم أنسَ، ولم تُقصَر)) كذا في أكثر الطرق، وهو
صريح في نفي النسيان، ونفي القصر، وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي
سفيان، عن أبي هريرة: ((كلُّ ذلك لم يكن))، وتأييد لما قاله أصحاب المعاني:
إن لفظة ((كلّ)) إذا تقدّمت، وعَقَبَها النفي كان نفياً لكلّ فرد، لا للمجموع،
بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كلّ ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين
في رواية أبي سفيان بقوله: ((قد كان بعض ذلك))، وأجابه في رواية بقوله:
(بلى قد نسيتَ))؛ لأنه لَمّا نَفَى الأمرين، وكان مقرّراً عند الصحابة أن السهو
غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان، لا القصر.
وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع،
وإن كان عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال
التبليغية، وخَصّ الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه.
نعم اتَّفَق من جَوَّز ذلك على أنه لا يُقَرُّ عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما
متصلاً بالفعل، أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: ((لم أنسَ، ولم
تُقْصَر))، ثم تبيّن أنه نَسِيَ.
ومعنى قوله: ((لم أنس))، أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر، ويستفاد
منه أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين، وفائدة جواز السهو في مثل
هذا بيانُ الحكم الشرعي، إذا وقع مثله لغيره.
وأمّا من منع السهو مطلقاً، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة:

٦١٩
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٩١)
فقيل: قوله: ((لم أنس)) نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول
من فرّق بينهما، وهو مردود، ويكفي في ردّه قوله في الحديث: ((بلى قد
نسيتَ))، وأقرّه على ذلك.
وقيل: قوله: ((لم أنسَ)) على ظاهره، وحقيقته، وكان يتعمّد ما يقع منه
من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول.
وتُعُقّب بحديث ابن مسعود ظُه الماضي: ((إنما أنا بشر أنسى كما
تنسون))، فأثبت العلة قبل الحكم، وقيَّد الحكم بقوله: ((إنما أنا بشر))، ولم
يكتف بإثبات وصف النسيان حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه
کنسیاننا، فقال: ((كما تنسون)).
وبهذا الحديث يردّ أيضاً قول من قال: معنى قوله: ((لم أنسَ)) إنكارٌ للّفظ
الذي نفاه عن نفسه، حيث قال: ((إني لا أنسى، ولكن أُنَسَّى))، وإنكارٌ للّفظ
الذي أنكره على غيره، حيث قال: ((بئسما لأحدكم أن يقول: نَسِيتُ آية كذا
و كذا)).
وقد تعقبوا هذا أيضاً بأن حديث: ((إني لا أَنْسَى))، لا أصل له، فإنه من
بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وأما الآخر فلا يلزم من
ذمّ إضافة نسيان الآية ذمّ إضافة نسيان كلّ شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدّاً.
وقيل: إن قوله: ((لم أنسَ)) راجع إلى السلام، أي سلّمت قصداً بانياً على
ما في اعتقادي أني صلّيت أربعاً، وهذا جيّد، وكأن ذا اليدين فهم العموم،
فقال: ((بلى قد نسيت))، وكأن هذا القول أوقع شكّاً احتاج معه إلى استثبات
الحاضرين.
وبهذا التقرير يندفع إيراد مَن استشكل كون ذي اليدين عدلاً، ولم يُقبَل
خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسؤول،
مُغَايِرٍ لما في اعتقاده.
وبهذا يجاب مَن قال: إن من أخبر بأمر حسّيّ بحضرة جمع، لا يَخفَى
عليهم، ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حاملَ لهم على السكوت عنه، ثم لم
يُكَذِّبُوه أنه لا يقطع بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارضاً باعتقاد
المسؤول خلاف ما أخبر به.

٦٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(فَقَالَ) وَ ((مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟))) استفهام عما قاله، وفي رواية أبي
سفيان: ((أصدق ذو اليدين؟))، وفي رواية للبخاريّ: ((أكما يقول ذو اليدين؟))،
والهمزة للاستفهام، أي هل الأمر كما يقول ذو اليدين من وقوع الخلل في هذه
الصلاة؟ (قَالُوا: صَدَقَ) وفي رواية أبي سفيان: ((فقالوا: نعم يا رسول الله))،
وفي رواية أبي داود: فقال: ((أصدق ذو اليدين؟))، فأومأوا، أي نعم.
قيل: ولا منافاة بين هذه الروايات، لإمكان الجمع بينها بأن بعض الرواة
جمع بين الإشارة والكلام، وبعضهم أشار، وبعضهم تكلم.
(لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ) أي ما بقي من صلاته، وفي رواية
أبي سفيان: ((فأتمّ رسول الله وَ ل﴿ ما بقي من الصلاة))، وفي رواية البخاريّ:
((فتقدّم، فصلى ما ترك))، وفي رواية أبي داود: ((فرجع رسول الله وَّ إلى
مقامه، فصلّی الركعتين الباقيتين)).
(وَسَلَّمَ) وفي رواية البخاريّ: ((ثمّ سلّم))، قال الحافظ العلائيّ دَّتُهُ:
جميع رواياته وطرقه لم يختلف فيه شيء منها أن السجود بعد السلام، كذا في
شرح ابن رسلان لسنن أبي داود، وهذا يَهْدِم قاعدةَ المالكية، ومن وافقهم أنه
إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل السلام.
(ثُمَّ كَبَّرَ) أي للسجود بعد السلام، قال في ((الفتح)): اختُلِف في سجود
السهو بعد السلام، هل يشترط له تكبيرة الإحرام، أو يُكتفَى بتكبيرة السجود؟
فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث.
وحَكَى القرطبيّ أن قول مالك لم يَختَلِف في وجوب السلام بعد سجدتي
السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام، لا بدّ له من تكبيرة إحرام، ويؤيده ما رواه
أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين في هذا
الحديث، قال: ((فكبر، ثم كبر، وسجد للسهو)). قال أبو داود: لم يقل أحد:
(فكبر، ثم كبر)) إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة.
وقال القرطبيّ أيضاً: قوله - يعني في رواية مالك -: ((فصلّى ركعتين، ثم
سلّم، ثم كبّر، ثم سجد)) يدلّ على التكبيرة للإحرام؛ لأنه أتى بـ(ثمّ)) التي
تقتضي التراخي، فلو كان التكبير للسجود لكان معه.
وتعقّب بأن ذلك من تصرّف الرواة، فقد رواه ابن عون، عن ابن سيرين