Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٦٩) قال: فَعَطَفَ السجود على التكبير الأول بـ((ثم)) التي تقتضي التراخي، ولو كان التكبير للسجود لكان معه مصاحباً له، ولأتى الراوي به بالواو المقتضية للجمع، كما فعل في بقية انتقالات السجود. قال العلائي: وهذا الاستدلال ليس بالظاهري القويّ، بل هو مُحْتَمِلٌ، أو قريب من الظهور. وأقوى ما يُستدَلُّ به لذلك ما ثبت عن النبيّ وَلّ من التسليم بعد سجود السهو الذي فعله بعد السلام، كما ثبت هذا من حديث عمران بن حُصين عند مسلم. والقاعدة تقتضي أن السلام لا يُتحلّل به إلا من عَقْد انعقد قبله بتحرّم، فهذا إذا انضمّ إلى ما قاله القرطبي أفاد قوّةً في تكبيرة الإحرام. ولكن هذا إذا قلنا بأنه ليس في الصلاة الأولى، أما إذا جعلناه عائداً إليها كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا سلم ناسياً سجود السهو، وكمذهب أبي حنيفة في أن السلام الأول لم يُخرج به من الصلاة، إذ كان عليه سجودُ سهو، فلا معنى هنا لتكبيرة الإحرام، لكن القول بأنه لم يخرج من الصلاة بالتسليم الذي أَتَّى به قصداً بعيدٌ لا وجه له، وقد قال النبيّ وَّ: (وتحليلها التسليم))، فيحتاج من يقول بأنه لا يخرج من الصلاة إذا تعمد التسليم إلی دلیل. وأما التشهّد، فقد روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه جميعاً عن محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرني أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ، أن النبيّ وَّ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلّم، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قال العلائي: أشعث هذا هو ابن عبد الملك الحُمراني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، والنسائي وغيرهما، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: خرج حفص بن غياث إلى عَبّادان، فاجتمع إليه البصريون، فقالوا: لا تحدّثنا عن أشعث بن عبد الملك. ولم يخرّج الشيخان له شيئاً في كتابيهما، لكن البخاري ذكره تعليقاً، وقد ٥٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ذكره ابن عديّ في كتابه ((الكامل في الضعفاء))، لكنه لم يذكر شيئاً يدلّ على تليينه أكثر من قول أهل البصرة هذا، وفي كونه تضعيفاً نظر، لو انفرد، فكيف به مع توثيق يحيى بن سعيد القطان وغيره؟ . والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث أنه تفرّد به أشعث هذا، وقد رواه شعبة بن الحجاج، ووهيب بن خالد، وإسماعيل ابن عُلية، وحماد بن زيد، وهُشيم بن بَشير، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي، كلهم عن خالد الحذّاء، من حديث عمران بن حُصين مطوّلاً ومختصراً، ولم يذكر أحد منهم التشهّد بعد سجدتي السهو، فهذه الزيادة شاذّة مخالفة للثقات الحُفّاظ المتقنين، فكانت مردودة، هذا لو كان أشعث مقاوماً لمن ذكر، فكيف، وهو دونهم في الإتقان والحفظ بكثير؟، وقد مُسّ أيضاً، وهذا وحده كاف في ردّ زيادة التشهّد. ويدلّ عليه أيضاً ما ثبت من طُرُق عديدة عن ابن سيرين في حديث ذي اليدين بعد سياقه حديث أبي هريرة حظيبه، قال: ونُبِّئتُ عن عمران بن حصين أنه قال: ثم سلّم، فلم يذكر مع السلام تشهّداً، وهو هنا راوي هذا الحديث، فلو كان محفوظاً عنده لذكره ولو مرّةً واحدة. وفي ((صحيح البخاري)) عن حماد بن زيد قال سلمة بن علقمة: قلت لمحمد - يعني ابن سيرين -: في سجدتي السهو تشهّد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة، ولفظ الإسماعيلي: لم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئاً، وأحبّ إليّ أن یتشهّد. وفي سنن البيهقي من حديث محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثني الشعبي، عن المغيرة بن شعبة: أن النبيّ وَّ تشهّد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو. قال البيهقي: وهذا تفرّد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الشعبي، ولا يُفرح بما تفرد به. ثمّ روى من حديث محمد بن سلمة، عن خُصَيف، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مسعود تظ له: أن رسول الله و الله قال: ((إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهّدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلّم، ثم تشهّدت أيضاً، ثم سلّمت)). ٥٤٣ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٠) ثم قال البيهقي: وهذا غير قويّ، ومختلف في رفعه ووقفه. قال العلائي: خُصيف الجزري تقدم أن أحمد بن حنبل ضعّفه، وقال مرّةً: ليس بقويّ، وقال أبو حاتم: تُكُلّم في سوء حفظه. وتقدّم أيضاً أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئاً؛ لأنه كان صغيراً جدّاً في حياته، قال عمرو بن مرّة: سألت أبا عُبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئاً؟، قال: لا . وأما حديث المغيرة، ففيه ابن أبي ليلى، كما قال البيهقي، وهو القاضي الفقيه محمد بن عبد الرحمن كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وقال فيه أحمد بن حنبل: سيئ الحفظ مضطرب الحديث، وفقهه أحبّ إلينا من حديثه، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: كان سيئ الحفظ شُغل بالقضاء، فساء حفظه، ومع ذلك فقال فيه: محله الصدق، وكذلك قال فيه العجلي: كان صدوقاً جائز الحديث، وقد أثنى عليه جماعة. قال العلائي: فقد يقال: إن هذه الأحاديث الثلاثة باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، ويُحتجّ بها، وهذا ليس ببعيد، ولكن قال ابن عبد البرّ: أما التشهّد في سجدتي السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبيّ وَّر، وكذلك قال النووي: إنه لا يثبت في التشهّد حديث، فالله أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالی. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن زيادة التشهّد في أحاديث السهو لا يثبت؛ لمخالفة من زادها لجماعة الحفّاظ، مع أنهم قد تُكلّم فیھم، وقد كنت رجّحت في ((شرح النسائيّ ثبوتها، لكن الآن ترجّح لي هذا، كما قاله ابن عبد البرّ، والنوويّ، وأقرهما العلائيّ، فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٢٧٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). (١) وفي نسخة: ((وحدّثناه)). ٥٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) بإسناد الزهريّ السابق، نحو حديثه، وهو: رضى عنه. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة [تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة، فقد ساقها الإمام أحمد تَخُّْ في ((مسنده))، فقال: (٧٢٤٤) حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، يبلغ به النبيّ وَّه: ((يأتي أحدكم الشيطان، وهو في صلاته، فيُلْبِس عليه، حتى لا يدري كم صلّى؟ فمن وجد من ذلك شيئاً، فليسجد سجدتين، وهو جالس)). انتھی . وأما رواية الليث، فقد ساقها الترمذيّ كَُّ في ((جامعه))، فقال: (٣٦٣) حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: (إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته، فيلبس عليه، حتى لا يدري كم صلّى؟، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٧١] (.) - (حَدَّثَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنِي(٢) أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبًّا (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٥٤٥ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧١) هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّْوِيبُ، أَقْبَلَ يَخْطُرُ(١) بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ، وَهُوَ جَالِسٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصري، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم فّي ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ. ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس ويُرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ ٢ ص٤٢٤. والباقيان ذكرا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد مرّ ذكرهم غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن أبي سلمة. ٦ - (ومنها): أن أبا سلمة ممن اشتَهَر بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. - (١) وفي نسخة: ((أقبل حتى يخطر)). ٥٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدٍ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ) أي حدّث أبا سلمة ومن معه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ) أي بألفاظ الأذان المعهودة (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال: دَبَر النهار دُبُوراً، من باب فَعَد: إذا وَلَّى، وانصرَمَ (١)، وأدبر بالألف مثله، والألف واللام في ((الشيطان)) للعهد، والمراد الشيطان المعهود، قاله في ((العمدة))(٢). وقال في ((الفتح)): الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس، ويَحْتَمِل أن المراد جنس الشيطان، وهو كل مُتَمَرِّد من الجنّ والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجنّ خاصة. انتهى(٣). (لَهُ ضُرَاطٌ) جملة في محل نصب على الحال من ((الشيطان))، و((الضُّرَاط)» - بالضم ـ اسم من ضَرِطَ يَضْرَطُ، من باب تَعِبَ، ضَرِطاً، مثل كَتِفٍ، فهو ضَرِطٌ، وضَرَطَ، ضَرْطاً، من باب ضَرَب لغةٌ، قاله في ((المصباح))، وهو: ريحٌ له صوتٌ، يَخْرُج من دُبُر الإنسان، وغيره. قاله في ((المنهل))(٤) . ثم إن خروج الضُّرَاط من الشيطان حقيقةٌ، كما قاله القاضي عياض تَخْتُهُ؛ لأنه جسم يأكل ويشرب، كما جاء ذلك في الأخبار الصحيحة. وقال العينيّ نَظُّهُ: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هُرُوبه من سماع الأذان بحال من خَرَقه أمر عظيم، واعتراه خَطْبٌ جسيم، حتى لم يزل يَحْصُّل له الضُّراط من شدّة ما هو فيه؛ لأن الواقع في شدّة عظيمة؛ من خوف، وغيره تسترخي مفاصله، ولا يَقْدِر على أن يَمْلِك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط . ولما كان الشيطان لعنه الله يعتريه شدة عظيمة، وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة، فيهرُب حتى لا يسمع الأذان؛ شُبِّه حاله بحال ذلك الرجل، وأُثبت له على وجه الادّعاء الضُّراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد، وفي (١) راجع: ((المصباح)) ١٨٨/١ - ١٨٩. (٢) ((عمدة القاري)) ١١١/٥. (٤) ((المنهل العذب المورود)) ١٧٥/٤. (٣) ((الفتح)) ١٠٢/٢. ٥٤٧ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧١) الحقيقة ما ثَمَّ ضُراطٌ، ولكن يجوز أن يكون له ريحٌ؛ لأنه رُوحٌ، ولكن لم ٩٩ تَعْرَف كيفيته . وقال الطيبيّ نَّتُهُ: شُبِّهَ شَغْل الشيطان نفسَهُ عند سماع الأذان بالصوت الذي يملؤ السمعَ، ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضُرَاطاً تقبيحاً له (١) انتھی . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ، ونقله أيضاً عن الطيبيّ، من نفي حقيقة الضراط، وأن الكلام مجازٌ خرج مخرج التمثيل فقط، غير صحيح؛ لأنه من التعسّف، وتأويل النصّ دون حاجة، بل الصواب أن الضراط ثابت حقيقةً، كما أثبته هذا الحديث الصحيح، وأيُّ مانع يَمنع منه؟، حتى يُحرَّف النص الصريح عن ظاهره، فما سبق عن القاضي عياض نَّتُهُ هو الحقّ، فتبصر بالإنصاف، والله الهادي إلى الصواب. (حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ) علّةٌ للضُّراط، أي إنما يفعل ذلك ليَشْغَل نفسه عن سماع الأذان؛ لئلا يَشْهَد للمؤذن يوم القيامة، لما في حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َُّه مرفوعاً: ((لا يَسْمَع مَدَى صوت المؤذِّن جنّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ، إلا شَهِدَ له يوم القيامة))، رواه البخاريّ، وهو داخل فيه، وقيل: حتى غاية لإدباره، قاله في ((العمدة)). قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الأول أقرب إلى المعنى؛ إذ الظاهر في سبب هروبه عن الأذان، مع أنه لا يَهْرُب عن القرآن، وهو أفضل من الأذان: هو الابتعاد عن إلزامه الشهادة للمؤذن، كما دلّ عليه حديث أبي سعيد رَظُه المذكور، فيكون خروج الضُّراط منه حين هروبه من أجل خوفه، وُصُولَ صوت المؤذِّن إليه خلال هُرُوبه، ودخوله في أذنه، فظهر كون قوله: ((حتى لا يسمع)) علة للضراط، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)): قوله: ((حتى لا يسمع الأذان))، ظاهره أنه يتعَمَّد إخراج ذلك، إما لِيَشْتَغِل بسماع الصوت الذي يُخرِجه عن سماع المؤذن، أو يَصْنَع ذلك استخفافاً، كما يفعله السفهاء. (١) ((عمدة القاري)) ١١١/٥. ٥٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة ويَحْتَمِل أن لا يتعمد ذلك، بل يَحصُل له عند سماع الأذان شدّة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها. ويَحْتَمِل أن يتعمد ذلك، ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث. واستُدِلَّ به على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن قوله: ((حتى لا يسمع)) ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية للمصنّف تقدّمت في ((الأذان)) من حديث جابر ربه، فقال: ((حتى يكون مكان الرَّوْحَاء))، وحَكَى الأعمش عن أبي سفيان، راويه عن جابر أن بين المدينة والرَّوْحاء ستة وثلاثين ميلاً. هذه رواية قتيبة، عن جرير، عند مسلم، وأخرجه عن إسحاق، عن جرير، ولم يسق لفظه، ولفظ إسحاق في مسنده: ((حتى يكون بالرَّوْحاء، وهي ثلاثون ميلاً من المدينة))، فأدرجه في الخبر، والمعتمد رواية قتيبة. انتهى(١). (فَإِذَا قُضِيَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (الْأَذَانُ) أي فُرِغ منه، والقضاء يأتي لمعان كثيرة، فهو هنا بمعنى الفراغ، يقال: قضيت حاجتي، أي فرغت منها، وانتهيت من أمرها (أَقْبَلَ) أي توجه إلى المصلِّي حتى يُلَبِّس عليه صلاته (فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا) - بضم المثلّثة، وتشديد الواو المكسورة، مبنيّاً للمفعول -: أي أُقيم للصلاة، والتثويب هنا بمعنى الإقامة. ومعنى التثويب في الأصل: الإعلام بالشيء، والإنذار بوقوعه، وأصله أن يُلَوِّح الرجل لصاحبه بثوبه، فيديره عند أمر يُرْهِقه من خوف، أو عدوّ، ثم كَثُر استعماله في كل إعلام يُجهَر به، وإنما سميت الإقامة تثويباً؛ لأنه عَوْد إلى النداء، من ثاب إلى كذا: إذا عاد إليه. أفاده في ((العمدة))(٢). (أَدْبَرَ) أي ولّى الشيطان حتى لا يسمع التثويب (فَإِذَا قُضِيَ التَّغْوِيبُ، أَقْبَلَ يَخْطُرُ) وفي نسخة: ((حتى يَخْطِر))، وهو : - بضم الطاء وكسرها - لغتان، حكاهما القاضي عياض في ((المشارق))، قال: ضبطناه عن المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه: يوسوس، (١) ((الفتح)) ١٠٢/٢. (٢) ((عمدة القاري)) ١١٢/٥. ٥٤٩ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٢) وقد تقدّم تمام البحث فيه في كتاب ((الصلاة))(١). (بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي قلبه، يعني أنه يحول بين المرء، وبين ما يريده من إقباله على صلاته، وإخلاصه فيها . قال في ((العمدة)): وبهذا التفسير - يعني تفسير النفس بالقلب - يحصل الجواب عما قيل: كيف يُتَصَوَّر خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يجاب بأن يكون تمثيلاً لغاية قربه منه. انتهى (٢). (يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا) هو كناية عن أشياء غير متعلّقة بالصلاة، وكرّره للتأكيد (لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) أي لشيء لم يكن يتذكّره المصلّي قبل دخوله في الصلاة، وزاد في رواية عبد ربه، عن الأعرج التالية: ((فَهَنَّه، ومَنَّاهُ، وذَكَّره من حاجته ما لم يَذْكُرْ)). (حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى) أي كي يصير الرجل لا يعلم كم صلّى، فـ(حتى)) غاية الوسوسة الشيطان، و((يظلّ)) بالظاء، من باب تَعِب، أي يصير، و((إن)) بكسر الهمزة نافية، و((يدري)) بمعنى يعلم، أي إنه يوسوس للرجل حتى يصير لا يعلم كم صلّى من الركعات، أثلاثاً، أم أربعاً؟. (فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ) فيه أنه لا زيادة على السجدتين، وإن سها عن أمور متعدّدة. (وَهُوَ جَالِسٌ))) أي حال كونه جالساً. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٢] ( ... ) - (حَدَّثَنِي(٣) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، وَلَّى وَلَهُ ضُرَاطٌ))، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ: ((فَهَنَّهُ، وَمَنَّاهُ، وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ))). (١) راجع: شرح الحديث رقم [٨٦٥/٨] (٣٨٩). (٢) ((عمدة القاري)) ١١٢/٥. (٣) وفي نسخة: ((وحدّثني)). ٥٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ النجّاريّ، أخو يحيى المدنيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن جدّه قيس، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن المنكدر، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومَخْرَمة بن سليمان، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعبد الرحمن الأعرج، وغيرهم. ورَوَى عنه عطاء، وهو أكبر منه، وأيوب السختيانيّ، وهو من أقرانه، وعمرو بن الحارث، ومالك، والليث، وشعبة، والسفيانان، والمبارك بن فَضَالة، وحماد بن سلمة، وابن لَهِيعة. قال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد القطان: كان وقّاداً حَيّ الفُؤاد، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة مدنيّ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة مأمونٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: لا بأس به، قلت: يُحْتَجّ بحديثه؟ قال: هو حسن الحديث، ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: هو الذي يقال له: عبد ربه المدنيّ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، دون أخيه يحيى، وقال أبو عوانة: هو أعزّ إخوته حديثاً. قال عمرو بن عليّ، وغير واحد: مات سنة تسع وثلاثين ومائة، وقال خليفة، وابن قانع، وغيرهما: مات سنة (١٤٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، برقم (٣٨٩) و(٧٦٣) و(١١٠٨) و(١١٠٩) وأعاده بعده، و(٢١٩٤) و(٢٢٠٤) و(٢٢٦١) وكرّره ثلاث مرّات. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣/ ١٩٢. والباقون تقدّموا قبل باب، و(عمرو)): هو ابن الحارث. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير عبد الرحمن الأعرج، أي ذَكّر عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ◌َظ ◌ُبه نحو حديث أبي سلمة، عنه. وقوله: (فَهَنَّهُ، وَمَنَّهُ) الأول من التهنئة، خُفِّف لأجل قرينه، وهو منّاه، ٥٥١ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٢) وهو من التمنية، أي فذكّره الْمَهَانِئ، والأَمَانِيّ، قال ابن الأثير تَخْلَتُهُ: والمراد به ما يَعْرِض للإنسان في صلاته من أحاديث النفس، وتسويل الشيطان، يقال: هَنَأَنِي الطَّعَامُ يَهْنَؤُنِي، ويَهْنِئُنِي، ويَهْنَأَنِي، وهَنَأْتُ الطعامَ: أي تَهَنَّأْتُ بِهِ، وكلُّ أمر يأتيك من غير تَعَبِ فهو هَنِيٌ، وكذلك الْمَهْنَأُ، والْمُهَنَّأُ، والجمع الْمَهَانِىُ، هذا هو الأصلُ بالهمز، وقد يُخَفَّفُ، وهو في هذا الحديث أشبه؛ لأجل (مَنَّاهُ)). انتهى كلام ابن الأثير تَخْذُهُ(١) . وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: هَنُؤَ الشيءُ بالضمّ مع الهمز هَنَاءَةً بالفتح والمدّ: تَيَسَّرَ، من غير مشقّة، ولا عَنَاءً، فهو هَنِىٌّ، ويجوز الإبدال والإدغام، وهَنَأَنِي الولدُ يَهْنَؤُنِي مهموزٌ، من بابِي نَفَعَ وضَرَب، وتقول العرب في الدعاء: لِيَهْنِئْكَ الولد بهمزة ساكنة، وبإبدالها ياءً، وحذفُها عاميٍّ، ومعناه: سَرَّنِي، فهو هانِئٌّ، وبه سُمِّي، وهَنَأْتُهُ هَنْئاً باللغتين: أعطيته، أو أطعمته، وهَنَأَنِي الطعامُ يَهْنَؤُنِي : ساغ، ولَّذَّ، وأكلته هَنِيئاً مَرِيئاً: أي بلا مَشَقَّة، ويَهْنُؤُ بضم المضارع في الكلّ لغةٌ، قال بعضهم: وليس في الكلام يَفْعُل بالضم مهموزاً مما ماضيه بالفتح غيرُ هذا الفعل، وهَنَّأَتُهُ بالولد بالتثقيل، وباسم المفعول سُمِّيَ. انتهى كلام الفيّوميّ تَذْتُ(٢). [تنبيه]: رواية الأعرج التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي سلمة، ساقها الحافظ أبو نعيم في ((مستخرجه)) (١٦٦/٢) فقال: (١٢٤٨) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرة بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((إن الشيطان إذا ثُوِّب بالصلاة وَلَّى وله ضُرَاطٌ، فإذا فُرِغ منها رجع يلتمس الخلاط، فيأتي الإنسانَ(٣) فَهَنَّاه ومَنّاه، وذَگَّره من حاجاته ما لم یکن یذکر، حتى لا يدري كم صلّى؟)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((النهاية)) ٢٧٧/٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٤٢/٢. (٣) وقع في النسخة بلفظ: ((الأنساب)) بالباء بدل ((الإنسان))، وهو تصحيف، فتنبّه. ٥٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٧٣] (٥٧٠) - (حَدَّثَنَا(١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهَ رَكْعَتَيْنِ، مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: ابن مالك بن الْقِشْب(٢) الأزديّ، أبو محمد، حليف بني المطّلب المعروف بابن بُحَينة(٣)، وهي أمه، صحابيّ معروفٌ، مات ◌َظُه بعد (٥٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١١٠/٤٦. [تشبيه]: بُحَينة - بالتصغير - أم عبد الله، وهي: بنت الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، فينبغي كتابة ((ابن بُحينة)) بالألف؛ لئلا يلتبس بالأب، وإذا نُسب إليهما، كما في السند الثالث، كتب: عبد الله بن مالكِ ابنُ بُحَينة، بتنوين مالكٍ، وبالألف في ((ابن بُحينة))؛ ليندفع الوهم، ويُعرَف أن ((ابن بُحينة)) نعتٌ لعبد الله، لا لمالك، وهكذا ينبغي أن تُحفظ هذه القاعدة، فيما أشبه هذا، مثل محمد ابن الحنفية، وإسماعيل ابن عُليّة، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم(٤). والباقون تقدّموا أول الباب، والأعرج في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َتُهُ، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة . (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحّدة. (٣) بضمّ الموحّدة، مصغّراً. (٤) راجع: ((المرعاة)) ٤١٩/٣ - ٤٢٠. ٥٥٣ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٣) ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها . ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَج) وفي رواية البخاري: حدثني عبد الرحمن بن هُرمز مولى بني عبد المطلب، وقال مرة: مولى ربيعة بن الحارث. انتهى. قال في ((الفتح)): ولا تنافي بينهما، لأنه مولى ربيعة بن عبد المطلب، فذكره أوّلاً بجدّ مواليه الأعلى، وثانياً بمولاه الحقيقي. انتهى. (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنٍ بُحَيْئَةَ) وفي رواية للبخاري: ((أن عبد الله ابن بحينة، وهو من أَزْدَ شَنُوءة، وهو حليف لبني عبد مناف، وكان من أصحاب النبيّ وَّه (قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ وَلَ) أي دخل في الصلاة (رَكْعَتَيْنِ، مِنْ بَعْضٍ الصَّلَوَاتِ) هي الظهر، لما في الرواية التالية من طريق الليث، عن ابن شهاب: ((قام في صلاة الظهر، وعليه جلوسٌ)) (ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ) أي في الركعة الثانية، وفي رواية يحيى بن سعيد، عن الأعرج الآتية: ((قام في الشفع الذي يُريد أن يَجلِس في صلاته))، وزاد في رواية ابن خزيمة: ((فسبّحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته))، وفي حديث معاوية عند النسائيّ، والبيهقيّ، وعقبة بن عامر عند الحاكم والبيهقيّ جميعاً نحو هذه القصّة بهذه الزيادة، وفيه دليلٌ على أن تارك الجلوس الأول إذا قام لا يرجع له . (فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) أي إلى الثالثة؛ اتّباعاً لفعله وََّ، وفيه دليلٌ على وجوب متابعة الإمام حيث ترك القعود الأول وتشهُّده (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي فرغ منها وأتمّها، وقد استدلّ به لمن زعم أن السلام ليس من الصلاة حتى لو أحدث بعد أن جلس، وقبل أن يُسلِّم تمّت صلاته، وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وبه قال الحنفيّة، كما سيأتي. وتُعُقّب بأن السلام لَمّا كان للتحلّل من الصلاة كان المصلّي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته، ويدلّ على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة ٥٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة من الثقات عن يحيى بن سعيد، عن الأعرج: ((حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يُسلّم))، فدلّ على أن بعض الرواة حذف الاستثناء؛ لوضوحه، والزيادة من الثقات الحفاظ مقبولة، كذا في ((الفتح)). وقيل: معناه: قارب الفراغ من الصلاة، وقال الباجيّ تَخُّْهُ: ويَحْتَمِل أن يُراد بالصلاة الدعاء، والصلاة على النبيّ وَّ، فيكون لفظ ((قَضَى)) على حقيقته. انتهى. (وَنَظَرْنَا) أي انتظرنا (تَسْلِيمَهُ) لظنّهم أنه لا يسجد للسهو؛ لعدم تقدّم علمهم بذلك (كَبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ) أي للسهو بعد التشهّد، وفي رواية الليث التالية: ((فلما أتمّ صلاته سجد سجدتين، يُكبّر في كلّ سجدة))، وفي رواية لأحمد: ((فكبّر فسجد، ثم كبّر فسجد، ثمّ سلّم))، قال في ((الفتح)): وفي رواية الأوزاعيّ: ((فكبّر ثم سجد، ثم كبّر فرفع رأسه، ثم كبّر فسجد، ثم كبّر فرفع رأسه، ثم سلّم))، أخرجه ابن ماجه، واستُدلّ به على مشروعيّة التكبير في سجدتي السهو والجهر به، كما في غيرهما من سجود الصلاة، وأن بينهما جلسة فاصلةً. انتهى . (وَهُوَ جَالِسٌ) جملة حاليّة (قَبْلَ التَّسْلِيم) زادٍ في رواية الليث: ((وسجدهما الناس معه مكان ما نَسِيَ من الجلوس)) (ثِّمَّ سَلَّمَ) وفي رواية البخاريّ: (ثم سلّم بعد ذلك))، أي سلّم للانصراف من الصلاة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله ابن بُحينة ◌َتِهِ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٧٣/١٩ و١٢٧٤ و١٢٧٥] (٥٧٠)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٨٢٩) و((السهو)) (١٢٢٤ و١٢٣٠) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٧٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٠٣٤ و١٠٣٥)، و(الترمذيّ) فيها (٣٩١)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٢٠٦)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١١٧٧ و١١٧٨ و١٢٢٢ و١٢٢٣ و١٢٦١) وفي ((الكبرى)) (٧٦٥ و٧٦٦ ٥٥٥ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٣) و١١٤٥ و١١٤٦ و١١٨٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٨١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٤٤٩ و٣٤٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٠/٢)، و(الحميدي) في ((مسنده)) (٩٠٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٩/١) و(٣٤٥/٥ و٣٤٦)، و(الدارميّ) في («سننه» (١٥٠٧ و١٥٠٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٠٢٩ و١٠٣٠ و١٠٣١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٣٨ و١٩٣٩ و١٩٤١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤٣٨/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٠٨ و١٩٠٩ و١٩١٠ و١٩١١ و١٩١٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٥٠ و١٢٥١ و١٢٥٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٣/٢ و٣٣٤ و٣٤٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧٥٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة سجود السهو في الصلاة. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن القيّم تَخْتُ: كان سهوه ◌َّ في الصلاة من تمام نعمة الله على أمته، وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو، وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في ((الموظّأ)): ((إنما أَنْسَى، أو أُنَسَّى لِأَسُنَّ))(١)، وكان ◌َّهِ ينسى، فيترتّب على سهوه أحكام شرعيّةٌ تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة. انتهى. ٣ - (ومنها): بيان أن ترك التشهّد الأول لا يبطل الصلاة، قال الإمام ابن حبّان تَخُْ في ((صحيحه)) بعد إخراج الحديث ما نصّه: في قيام الناس خلف المصطفى و 18 عند قيامه من موضع جلسته الأولى، وتركه الإنكار عليه ذلك أبينُ البيان على أن القعدة الأولى في الصلاة غير فرض. انتهى (٢). وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن سجود السهو قبل السلام، قال في ((الفتح)): ولا حجة فيه في كون جميعه كذلك، نعم يُرَدُّ به على من زعم أن (١) هذا أحد الأحاديث الأربعة المنقطعة التي لا توجد موصولة لا في ((الموطأ))، ولا في غيره، كما قاله الحافظ ابن عبد البرّ تَخَشُهُ . (٢) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٢٦٦/٥. ٥٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة جميعه بعد السلام، كالحنفيّة، وقد تقدّم تحقيق ذلك، فلا تكن من الغافلين. ٥ - (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: ((مَكَان ما نَسِيَ من الجلوس)) على أن السجود خاص بالسهو، فلو تَعَمَّد ترك شيء مما يُجْبَر بسجود السهو لا يسجد، وهو قول الجمهور، ورجّحه الغزالي، وناس من الشافعية. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يَسْهُ المأموم، ونقل ابن حزم فيه الإجماع، لكن استثنَى غيره ما إذا ظن الإمام أنه سها، فسجد، وتحقَّقَ المأموم أن الإمام لم يَسْهُ فيما سجد له، وفي تصويرها عُسْرٌ، وما إذا تبين أن الإمام مُحْدِث، ونقل أبو الطيب الطبري أن ابن سيرين استثنى المأموم أيضاً، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الاستثناءات محل نظر، لمن تأمل، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن سجود السهو لا تشهُّد بعده إذا كان قبل السلام. ٨ - (ومنها): أن من سها عن التشهّد الأول حتى قام إلى الثالثة، ثم ذكر لا يرجع، فقد سَبَّحُوا بِهِ بَّهِ، فلم يرجع، فلو تعمَّد المصلِّي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي، خلافاً للجمهور. ٩ - (ومنها): أن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فيما طريقه التشريع. ١٠ - (ومنها): أن محلّ سجود السهو آخر الصلاة، فلو سجد للسهو قبل أن يتشهّد ساهياً أعاد عند من يوجب التشهُّد الأخير، وهم الجمهور، وهو الحقّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التشهُّد الأول: قال الإمام البخاريّ ◌َّتُهُ: ((باب من لم يَرَ التشهُّد الأول واجباً، لأن النبيّ ◌َ﴾ قام من الركعتين، ولم يرجع)). انتهى. قال الزين ابن المُنَيِّرِ تَخْتُهُ: ذَكَرَ في هذه الترجمة الحكم ودليله، ولم يَبْتَّ الحكم مع ذلك، كأن يقول: باب لا يجب التشهُّد الأول، وسببه ما يَطْرُق الدليلَ المذكور من الاحتمال. انتهى. ٥٥٧ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٣) وقال الحافظ تَخْلُ: ووجه الدلالة من حديث الباب أنه لو كان واجباً لرجع إليه لَمّا سَبَّجُوا به بعد أن قام. وقال ابن بطال تَُّ: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب أنه لو نَسِي تكبيرة الإحرام لم تُجْبَر، فكذلك التشهُّد، ولأنه ذِكْرٌ لا يُجْهَر به بحال، فلم يجب كدعاء الافتتاح. واحتَجَّ غيره بتقريره وَّ الناس على متابعته بعد أن عَلِمَ أنهم تعمدوا تركه، وفيه نظر. وممن قال بوجوبه الليث، وإسحاق، وأحمد في المشهور، وهو قول للشافعيّ، وفي رواية عند الحنفية. واحتَجَّ الطبري لوجوبه بأن الصلاة فُرِضت أوّلاً ركعتين، وكان التشهّد فيها واجباً، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلةً لذلك الواجب. وأجيب بأن الزيادة لم تتعين في الأخيرتين، بل يَحْتَمِل أن يكونا هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأولتان بتشهدهما، ويؤيِّده استمرار السلام بعد التشهّد الأخير كما كان. واحتَجَّ أيضاً بأن من تعمَّد ترك الجلوس الأول بطلت صلاته، وهذا لا يَرِدُ؛ لأن من لا يوجبه لا يبطل الصلاة بتركه. انتهى ما في ((الفتح)) ملخصاً. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجَّح عندي ما ذهب إليه من قال بوجوب التشهد الأول؛ للأمر به في حديث رفاعة بن رافع ظ اته أن النبيّ وَّة قال للمسيء صلاته: ((فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهّد))، رواه أبو داود، والأمر للوجوب، ولمواظبته وَّه عليه، ولحديث ابن مسعود ربه: ((كنا نقول في الصلاة قبل أن يُفرض التشهّد ... )) الحديث، متّفقٌ عليه. والحاصل أن التشهُّد الأول واجب كالأخير؛ للأدلّة المذكورة، فتبطل الصلاة بتركه عمداً، ويسجد للسهو إن تركه سهواً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيمن نَسِيَ التشهد الأول: قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَّتُهُ في كتابه ((الأوسط)): ٥٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الذي عليه أكثر أهل العلم اتَّبَاع ظاهر خبر ابن بُحَينة، يقولون: إذا قام المصلِّي من الركعتين الأوليين، فإن ذكر بعد أن يستوي قائماً لم يرجع إلى الجلوس، ومضى في صلاته، وسجد سجدتي السهو. وممن روينا عنه أنه فعل ذلك عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وابن الزبير، والضحّاك بن قيس، والنعمان بن بشير، وابن مسعود وقد اختلف أهل العلم فيمن فعل ذلك: فقالت طائفة: إذا ذَكَرَ، ولم يستتمّ قائماً جلس، هذا قول علقمة، والضحّاك، وقتادة، والأوزاعي، والشافعيّ، ورُوي ذلك عن مكحول، وعمر بن عبد العزيز، غير أن الشافعيّ يرى إذا رجع إلى الجلوس أن يسجد سجدتي السهو، وفي قول علقمة، والأوزاعيّ: لا يسجد. وقالت طائفة: إن ذَكَر ساعةَ يقومُ جلس، كذلك قال حمّاد بن أبي سليمان، وقال النخعي: يقعد ما لم يستفتح بالقراءة. وقالت طائفة: إن المصلِّي إذا فارقت أَلْيَتُهُ الأرضَ، وناء(١) للقيام مَضَى كما هو، ولا يرجع حتى يجلس في الرابع، ثمّ يسجد سجدتي السهو قبل السلام، كذلك قال مالك بن أنس، وقال حسّان بن عطيّة: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مَضَى. وقالت طائفة: يقعد، وإن قرأ ما لم يركع، قال الحسن البصري: يقعد، وإن قرأ ثمانین آیة، ما لم یرکع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن من قام من الركعتين الأوليين، وعليه جلوس لا يرجع إلى الجلوس، بل يمضي في صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام، ثم يسلم؛ لصحة حديث عبد الله ابن بحينة يته المذكور في الباب في ذلك، والله تعالى أعلم. قال ابن المنذر تَّتُهُ: وقد اختلف فيمن ذَكَرَ، وقد نهض للقيام قبل أن يستوي قائما، فجلس: فرأت طائفة أن يسجد سجود السهو، رُوي ذلك عن النعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وبه قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. (١) يقال: ناء ينوء، كقال يقول: إذا نهض، قاله من ((المصباح)) ٦٣٢/٢. ٥٥٩ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٤) وأسقطت طائفة عنه سجود السهو، كان علقمة، والنخعي، والأوزاعي لا يرون عليه سجود السهو. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الراجح المذهب الأول، وهو أنه يسجد للسهو، لحديث معاوية نظبه مرفوعاً: ((من نسي من صلاته شيئاً، فليسجد مثل هاتين السجدتين))، رواه أحمد في ((مسنده)) ٤/ ١٠٠ بإسناد حسن. فقوله: ((شيئاً)) نكرة في سياق الشرط، فيعمّ قليل السهو وكثيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٧٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَسْدِِّ، حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِهِ قَّامَ فِي صَلَةِ الظُّهْرِ، وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، يُكَبِّرُ(١) فِي كُلِّ سَجْدَةٍ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ، وكلهم تقدّموا في الباب. وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَسْدِيِّ) بسكون السين المهملة، ويقال فيه: الأزديّ، كما ذكره في الرواية الأخرى، والأَزْدُ والأَسْدُ بإسكان السين: قبيلة واحدةٌ، وهما اسمان مترادفان لها، وهم أَزْدَ شَنُوءَةَ، قاله النوويّ تَخْذَتُهُ(٢) . وقوله: (حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) قال النوويّ تَخْتُهُ: كذا هو في نسخ صحيح البخاريّ ومسلم، والذي ذكره ابن سعد وغيره من أهل السِّيَر والتواريخ أنه حَلِيف بني المطَّلِب، وكان جدّه حالف المطلب بن عبد مناف. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) وفي نسخة: ((ويكبر)). (٢) ((شرح النووي)) ٥٩/٥. ٥٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٥] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَزْدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَامَ فِي الشَّفْعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَلَاِهِ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣. ٢ - (حَمَّاد) بن زيد بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) عن (٨١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْأَزْدِيِّ) قال النوويّ ◌َُّهُ: الصواب في هذا أن يُنَوَّن مالكٌ، ويُكْتَب ((ابن بُحينة)) بالألف؛ لأن عبد الله هو ابن مالك، وابنُ بُحينة، فمالك أبوه، وبُحينة أمه، وهي زوجة مالك، فمالك أبو عبد الله، وبُحينةُ أم عبد الله، فإذا قُرئ كما ذكرناه انتظم على الصواب، ولو قرئ بإضافة مالك إلى ((ابن)) فَسَدَ المعنى، واقتضى أن يكون مالك ابناً لبحينة، وهذا غلطٌ، وإنما هو زوجها. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ، وهو حسنٌ، وقد أسلفت البحث عنه قريباً، فلا تنس نصيبك، وبالله تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، ومسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٧٦] (٥٧١) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((إِذَا شََكَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاِهِ،