Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(١٧) - بَابُ نَهْي مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٢)
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد الله، عن نافع.
شرح الحديث :
( (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ) هي البلدة
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ)
المعروفة، في جهة الشام تبعد عن مدينة النبيّ وَّ، نحو ثلاثة أيّام، وغزوتها
كانت في المحرّم سنة سبع من الهجرة، والجارّ والمجرور متعلّق بـ((قال)).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قال في غزوة خيبر)) قال الداوديّ: أي حين
أراد الخروج، أو حين قَدِمَ، وتعقبه ابن التين بأن الصواب أنه قال ذلك، وهو
في الغَزَاة نَفْسِها، قال: ولا ضرورة تمنع أن يُخبرهم بذلك في السفر. انتهى.
فكأن الذي حَمَل الداوديّ على ذلك قوله فى الحديث: ((فلا يقربنّ
مسجدنا))؛ لأن الظاهر أن المراد به مسجد المدينة، فلهذا حَمَل الخبر على
ابتداء التوجه إلى خيبر، أو الرجوع إلى المدينة، لكن حديث أبي سعيد
عند مسلم(١) دال على أن القول المذكور صدر منه وَّل عقب فتح خيبر، فعلى
هذا فقوله: ((مسجدنا)) يريد به المكان الذي أُعِدّ ليصليَ فيه مُدّة إقامته هناك، أو
المراد بالمسجد الجنس، والإضافة إلى المسلمين، أي فلا يقربنّ مسجد
المسلمين، ويؤيِّده رواية أحمد عن يحيى القطان فيه بلفظ: ((فلا يقربنّ
المساجد))، ونحوه لمسلم - يعني هذا الحديث -.
وهذا يَدْفَع قولَ من خص النهي بمسجد النبيّ ◌َّ# كما سيأتي، وقد حكاه
ابن بطال عن بعض أهل العلم، ووهّاه، وفي ((مُصَنَّف عبد الرزاق))، عن ابن
جريج قال: قلت لعطاء: هل النهي للمسجد الحرام خاصّة، أو في المساجد؟
قال: لا، بل في المساجد. انتهى.
(مَنْ) شرطيّة جوابها (فلا يأتينّ)) (أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) قيل: فيه إطلاق
الشجرة على الثوم، وهو مجازٌ؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجرة ما كان لها
ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم، وبهذا فَسَّر ابن عباس وغيره قوله تعالى:
(١) يعني الحديث الآتي في هذا الباب بعد سبعة أحاديث بلفظ: («لم نَعْدُ أن فُتحت
خيبر، فوقعنا أصحابَ رسول الله وَّر في تلك البقلة الثوم ... )) الحديث.

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ج﴾، ومن أهل اللغة من قال: كُلُّ ما ثبتت له
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
أرُومة(١) أي أصلٌ في الأرض يُخْلِف ما قُطِع منه فهو شجرٌ، وإلا فنجمٌ.
وقال الخطابيّ تَخْتُهُ: في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثُّوم، والعامة
لا تعرف الشجر إلا ما كان له ساق. انتهى.
ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوصٌ، فكلُّ نجم شجرٌ،
من غير عكس، كالشجر والنخل، فكل نخل شجرٌ، من غير عكس، قاله في
((الفتح)).
وقال في ((المصباح)): الشَّجَرُ: ما له ساقٌ صُلْبٌ يقوم به، كالنخل
وغيره، الواحدة شجرةٌ، ويُجمع على شجرات، وأشجار. انتهى(٢).
وقال في ((القاموس)): الشَّجَر، والشِّجَرُ، والشَّجْراءُ، كجبَلٍ، وعِنَبٍ،
وصَحْراء، والشِّيَرُ بالياء، كعِنَبٍ من النبات: ما قام على ساقٍ، أو ما سما
بنفسه، دَقَّ أو جلَّ، قاوم الشتاءَ، أو عجز عنه، الواحدة بهاء. انتهى(٣).
وقال الحافظ ابن رجب تَظُّهُ: وفي عامّة هذه الأحاديث تسمية الثُّوم
شجرةً، قال الخطّابيّ: فيه أنه جعل الثُّوم من جملة الشجر، والعامّة إنما تُسمّي
الشجر ما كان له ساقٌ يَحْمِل أغصانه دون غيره، وعند العرب أن كلَّ ما بقيت
له أُرومة في الأرض تَخْلُف ما قُطع فهو شجرٌ، وما لا أُرومة له، فهو نجمٌ،
فالقطن شجر يبقى في كثير من البلدان سنين، وكذلك الباذنجان، فأما اليقطين
والريحان ونحوهما فليس بشجر، فلو حلف رجلٌ على شيء من الأشجار،
فالاعتبار من جهة الاسم والحقيقة على ما ذكرتُ، وفي العرف ما تعارفه
الناس. انتهى.
[الصافّات: ١٤٦] فلا
٠
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيَّهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ
يَرِد على ما ذكره، فإنها شجرة مقيّدة بكونها من يقطين، وكلامه إنما هو في
إطلاق اسم الشجر. انتهى (٤).
(١) ((الأَرومة)) بفتح الهمزة، وتُضمّ: الأصل، أفاده في ((القاموس)).
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٠٥/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٥٦/٢.
(٤) (شرح البخاري)) لابن رجب ٩/٨.

٤٤٣
(١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٢)
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فلا يرد إلخ)) فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ الآية
فيها إطلاق اسم الشجر على اليقطين، فكيف يستقيم قوله: ((فأما اليقطين فليس
بشجر))، فتأمّله، والله تعالى أعلم.
وقوله: (يَعْنِي الثُّومَ) قال الحافظ تَُّ: لم أعرف القائل: ((يعني))،
ويَحْتَمِل أن يكون عبيد الله بن عمر، فقد رواه السَّرّاج من رواية يزيد بن الهادي،
عن نافع بدونها، ولفظه: ((نَهَى رسول الله ◌َّر عن أكل الثوم يوم خيبر)). انتهى.
وزاد في الرواية التالية من طريق ابن نُمَير، عن عبيد الله: ((حتى يَذْهَب
ريحها)).
[فائدة]: قال في (القاموس المحيط)): ((الثُّوم)) - بالضم - بُسْتَانيّ، وبَرّيّ،
ويُعرَف بثوم الحيَّة، وهو أقوى، وكلاهما مُسَخِّنٌ، مُخرِجٌ للنفخ والدود، مُدِرٌّ
جِدّاً، وهذا أفضل ما فيه، جَيِّدٌ للنسيان، والرَّبْوِ، والسُّعَال الْمُزْمِن، والطِّحَال،
والخاصرة، والْقَوْلَنْجِ، وعِرْقِ النَّسَا، ووجِعِ الْوَرِك، والنِّقْرِسِ، وَسْعِ الْهَوَامّ
والحيّات والعقارب، والكَلْبِ الْكَلِب، والَعطشِ البَلْغَميّ، وتقطيرِ البول،
وتصفيةِ الحلق، باهِيٍّ، جَذّابٌ، ومَشْويّه لوجع الأسنان المتأكِّلة، حافظٌ صِحَّةً
الْمَبْرُودِينَ والمشايخ، رديءٌ للبواسير، والزَّحِير، والخنازير، وأصحاب الدِّقِّ،
والْحَبَالَى، والمرضعات، والصُّداعِ، إصلاحه سَلْقُه بماء ومِلْح، وتطجينه بدُهْن
لَوْز، وإتباعه بِمَصّ رُمّانة مِزَّةٍ، والثُّومَةُ واحدته. انتهى(١).
(فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ») فيه بيان أن النهي عامّ في المساجد كلّها، ففیه ردّ
على من خصّه بالمسجدّ النبويّ، ووقع في بعض النسخ: ((المسجد))، بالإفراد،
وهو بمعناه؛ لأن ((أل)) فيه للاستغراق، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) أي ابن حرب شيخه الثاني (فِي غَزْوَةٍ) مقول القول
(وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ) هذا بيان لاختلاف ألفاظ الشيوخ، وهو من ورع
المصنّف تَخْلَتُهُ، واحتياطه، وتحرّيه في أداء الألفاظ، وإن لم يختلف به
المعنى، وهذا هو الذي امتاز به على غيره، حتى قدّموه على البخاريّ في هذا،
كما أشار إليه بعضهم بقوله [من الطويل]:
(١) ((القاموس المحيط)) ٨٦/٤.

٤٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
لأَيِّهِمَا فِي الْفَضْلِ كَانَ التَّقَدُّمُ
تَنَازَعَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِمٍ
كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ
فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً
وقد تقدّم هذا البحث مستوفّى في ((شرح المقدّمة))، فراجعه تستفد، وبالله
تعالى التوفيق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٥٢/١٧ و١٢٥٣] (٥٦١)، و(البخاريّ) في
((الأذان)) (٨٥٣) و((المغازي)) (٤٢١٥)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٨٢٥)،
و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٠١٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢/
٥١٠ و٣٠٢/٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٩/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢٠٨٨)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٢٢١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٢٢٧)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣٧/٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٧٥/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن دخول المسجد لمن أكل الثوم، وكذا كلّ ما
له رائحة کریهة، حتی یذهب ريحها .
قال النوويّ كَّلُهُ في ((شرحه)): قوله وسلم: ((من أكل من هذه الشجرة، فلا
يقربن المساجد)) هذا تصريح بنهي مَن أَكَل الثوم ونحوه عن دخول كلّ مسجد،
وهذا مذهب العلماء كافّة إلا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن
النهي خاصّ في مسجد النبيّ وَّ﴾؛ لقوله وسير في بعض روايات مسلم: ((فلا
يقرَبَنَّ مسجدنا))، وحجة الجمهور: ((فلا يَقرَبَنَّ المساجد)). انتهى.
: ٢ - (ومنها): أنه وقع في حديث أنس مظ لته الآتي بعد حديث بلفظ: ((من
أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنّا، ولا يُصلّي معنا».
قال في ((الفتح)): وليس في هذا تقييدُ النهي بالمسجد، فيُستَدَلّ بعمومه

٤٤٥
(١٧) - بَابُ نَّهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٢)
على إلحاق المجامع بالمساجد، كمُصَلَّى العيد والجنازة، ومكان الوليمة، وقد
ألحقها بعضهم بالقياس، والتمسكُ بهذا العموم أولى، ونظيره قوله: ((وليقعد
في بيته))، لكن قد عُلِّل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى
المسلمين، فإن كان كلٌّ منهما جزءَ علة اختَصَّ النهي بالمساجد، وما في
معناها، وهذا هو الأظهر، وإلا لعمَّ النهيُّ كلَّ مجمع كالأسواق، ويؤيِّد هذا
البحث قوله في حديث أبي سعيد الآتي في الباب: ((من أكل من هذه الشجرة
شيئاً، فلا يقربنا في المسجد))، قال القاضي ابن العربيّ: ذكر الصفة في الحكم
يدلّ على التعليل بها، ومِن ثَمَّ رُدَّ على المازريّ حيث قال: لو أن جماعة
مسجد أكلوا كلهم ما له رائحة كريهة لم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل
بعضهم؛ لأن المنع لم يَختَصّ بهم، بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول
المنعُ من تناول شيئاً من ذلك، ودخل المسجد مطلقاً، ولو كان وحده.
(١) .
انتھی
٣ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ بأحاديث الباب على أن صلاة الجماعة
لیست فرض عين.
قال ابن دقيق العيد تَخَّتُهُ: هذا الحديث صريح في التخلّف عن الجماعة
في المساجد بسبب أكل هذه الأمور؛ لأن اللازم من منعه أحدُ أمرين: إما أن
يكون أكلُ هذه الأمور مباحاً، فتكون صلاة الجماعة ليست فرض عين، أو
حراماً، فتكون صلاة الجماعة فرضاً، وجمهور الأمة على إباحة أكلها، فيلزم
أن لا تكون الجماعة فرض عين.
وتقريرُه أن يقال: أكل هذه الأمور جائز، ومن لوازمه ترك صلاة
الجماعة، وترك الجماعة في حقّ آكلها جائزٌ، ولازم الجائز جائز، وذلك ينافي
الوجوب.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب هذا التقرير العلامة عبد العزيز بن
باز رَّتُ فيما علّقه على ((الفتح))، فقال: ليس هذا التقرير بجيّد، والصواب أن
أكل هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة لا ينافي كون الجماعة فرض عين،
(١) ((الفتح)) ٣٩٩/٢.

٤٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
كما أن حضور الطعام يُسوّغ ترك الجماعة لمن قُدِّم بين يديه مع كون ذلك
مباحاً .
وخلاصة الكلام أن الله رَّ يسّر على عباده، وجعل مثل هذه المباحات
عُذراً في ترك الجماعة لمصلحة شرعيّة، فإذا أراد أحد أن يتخذها حيلةً لترك
الجماعة حرُم عليه ذلك. انتهى كلامه تَخْلُهُ، وهو تعقّب حسنٌ، والله تعالى
أعلم.
٤ - (ومنها): أن ابن دقيق العيد كَّتُهُ قال: ونُقل عن أهل الظاهر، أو
بعضهم تحريم أكل الثّوم؛ بناءً على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان.
وتقرير هذا أن يقال: صلاة الجماعة واجبةٌ على الأعيان، ولا تتمّ إلا
بترك أكل الثُّوم؛ لهذا الحديث، وما لا يتمّ الواجب إلا به، فهو واجبٌ، فترك
أكل الثوم واجب، فيكون حراماً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا النقل عن أهل الظاهر غير صحيح، فقد
صرّح ابن حزم تَُّ بخلافه، قال في ((الفتح)) بعد نقل كلام ابن دقيق العيد هذا
ما نصّه: وكذا نقله غيره عن أهل الظاهر، لكن صَرّح ابن حزم منهم بأن أكلها
حلالٌ، مع قوله بأن الجماعة فرض عين، وانفَصَل عن اللزوم المذكور بأن
المنع من أكلها مُخْتَصُّ بمن عَلِمَ بخروج الوقت قبل زوال الرائحة، ونظيره أن
صلاة الجمعة فرض عين بشروطها، ومع ذلك تسقط بالسفر، وهو في أصله
مباح، لكن يَحْرُم على من أنشأه بعد سماع النداء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن حزم: هو الصواب؛ لموافقته
للنصوص الواردة في هذا الباب.
وحاصله أن صلاة الجماعة فرض، وأن أكل هذه الأشياء مباحٌ، وأنه
يُسقط عمن أكلها فرض صلاة الجماعة حتى تزول رائحتها .
ومنه يتبيَّن أن قول الخطّابِيّ تَّتُهُ: توهّم بعضهم أن أكل الثوم عذر في
التخلّف عن الجماعة، وإنما هو عقوبة لآكله على فعله؛ إذ حُرِم فضل
الجماعة. انتهى. غير سديد، بل الصواب أنه عذرٌ في التخلّف عنها؛ لظاهر
النصّ؛ لأن من فعل ما أُبيح له لا يُعاقب على فعله، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

٤٤٧
(١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٢)
٥ - (ومنها): أنه استَدَلَّ المهلَّب بقوله وَّر: ((فإني أناجي من لا تناجي))
على أن الملائكة أفضل من الآدميين.
وتُعُقِّب بأنه لا يلزم من تفضيل بعض الأفراد على بعض تفضيل الجنس
على الجنس، وهذه المسألة قد تقدّم البحث فيها مستوفَّى، وبالله تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): أنه اختُلِف هل كان أكل الثوم ونحوه حراماً على النبيّ وَليه
أم لا؟ والراجح الحلّ؛ لعموم قوله وَّهِ: ((وليس بمحرَّم))، فقد أخرج ابن
خزيمة: عن أبي أيوب الأنصاريّ ◌َظُبه أن رسول الله وَلّ أرسل إليه بطعام من
خُضْرة، فيه بصل، أو كُرّاث، فلم ير فيه أثر رسول الله وَلتر، فأبى أن يأكله،
فقال له رسول الله وسلم: ((ما منعك أن تأكل؟))، فقال: لم أر أثرك فيه يا
رسول الله، فقال رسول الله وَله: ((أستحي من ملائكة الله، وليس بِمُحَرَّم)).
٧ - (ومنها): أن ابن التين عن مالك قال: الفُجْل إن كان يَظهَر ريحه فهو
كالثوم، وقيَّده عياض بالْجُشَاء.
قال الحافظ: وفي الطبراني الصغير من حديث أبي الزبير، عن جابر رضي
نه
الله
التنصيص على ذكر الفُجْل في الحديث، لكن في إسناده يحيى بن راشد، وهو
ضعيف.
قال: وألحق بعضهم بذلك مَن بفيه بَخَرٌ، أو به جُرْعٌ له رائحة، وزاد
بعضهم، فألحق أصحاب الصنائع، كالسمّاك، والعاهات، كالمجذوم، ومَن
يؤذي الناس بلسانه.
وأشار ابن دقيق العيد: إلى أن ذلك كلَّهُ توسع غير مرضيّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد تَخْلَتُهُ هو الحقّ،
فلا ينبغي إلحاق هذه الأشياء بالمنصوص؛ لأنها كانت موجودة في ذلك
الوقت، ومع ذلك لم يَرِد النصّ بنهي أصحابها عن دخول المسجد مع وجود
الحاجة إلى بيان حكمها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): حُكم رَحْبة المسجد وما قَرُب منها حكمه،
ولذلك كان ◌َّ﴿ إذا وَجَد ريحها في المسجد أمر بإخراج مَن وُجدت منه إلى
البقيع، کما سيأتي في حديث عمر څه. انتهى.
[تنبيه آخر]: وقع في حديث حذيفة ظبه عند ابن خزيمة: ((من أكل من

٤٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
هذه البقلة الخبيثة، فلا يقْرَبَنَّ مسجدنا ثلاثاً))، وبَوَّب عليه: ((توقيتُ النهي عن
إتيان الجماعة لآكل الثوم)).
وتعقّبه الحافظ تَّتُهُ، فقال: وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون قوله: ((ثلاثاً))
يتعلَّق بالقول، أي قال ذلك ثلاثاً، بل هذا هو الظاهر؛ لأن علة المنع وجودُ
الرائحة، وهي لا تستمرّ هذه المدة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحافظ تَذَتُ حسنٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌ََّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢٥٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ:
(ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ
الْبَقْلَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا(١)، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا))، يَعْنِي الثُّومَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا، فالثلاثة الأولون تقدّموا في الباب الماضي، و((ابن نمير))
هو: محمد بن عبد الله بن نمير المذكور بعد التحويل، والثلاثة الباقون في
السند الماضي.
وقوله: (مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ) بفتح الموحّدة، وسكون القاف: واحد البَقْل،
وهو: كلُّ نبات اخضرّت به الأرض، قاله ابن فارس، وأبقلت الأرض: أنبتت
البَقْلَ، فهي مُبْقلةٌ على القياس، وجاء باقةٌ على غير قياس، أفاده الفيّميّ(٢).
وقوله: (فَلَا يَقْرَبَنَّ) بفتح أوله، وثالثه، ويُضمّ أيضاً، قال الفيّوميّ: قَرِبتُ
الأمرَ أقرَبه، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قَتَلَ قِرْبَاناً بالكسر: فَعَلته، أو
دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّفْ﴾، ومن الثاني: ((لا تقرَبِ
الْحِمَى)) تَخْذَُّهُ، أي لا تدنُ منه، وقال أيضاً: قَرُب الشيءُ منَّا قُرباً، وقَرَابَةً،
(١) وفي نسخة: ((مسجدنا).
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٨/١.

٤٤٩
(١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٤)
وقُربةً، وقُرْبَى: إذا دنا. انتهى بتصرّف(١).
وقال في ((القاموس)): قَرُبَ منه، ككرُمَ، وقَرِبَهُ، كسَمِعَ قُرْباً، وقُرباناً -
بالضمّ - وقِرْبَاناً - بالكسر -: دنا، فهو قريبٌ للواحد والجمع. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يُستفاد مما سبق عن ((المصباح))، و((القاموس))
أن قوله هنا: ((فلا يقرُبنّ)) يجوز فيه فتح رائه، وضمّها، وهو متعدّ، ولذا نصب
قوله: ((مساجدنا))، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (مَسَاجِدَنَا) وفي نسخة: ((مسجدنا)) بالإفراد، وهو مفرد مضاف،
فیعمّ .
قال ابن دقيق العيد ◌َّتُهُ: تعلّق بعضهم برواية: ((مسجدنا)) بالإفراد في أن
النهي مخصوص بمسجد الرسول وَله، وربّما يتأكّد ذلك بأنه مهبط الملك
بالوحي، والصحيح المشهور خلاف ذلك، وأنه عامّ؛ لما جاء في الروايات
الآخرى: ((مساجدنا))، ويكون قوله ((مسجدنا)) للجنس، أو لضرب المثال، فإن
هذا النهي مُعلَّلٌ إما بتأذّي الآدميين، أو بتأذِّي الملائكة الحاضرين، وذلك
يوجد في المساجد كلّها. انتهى (٢).
وقوله: (يَعْنِي الثُّومَ) لم يُعرف قائل (يعني)) كما تقدّم قريباً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٤] (٥٦٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي ابْنَ
عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنِ الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّا، وَلَا يُصَلِّ(٣) مَعَنَا))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل حديث.
(١) ((المصباح المنير)) ٤٩٥/٢.
(٢) راجع: ((إحكام الأحكام)) ٢/ ٥١٤ بنسخة الحاشية.
(٣) وفي نسخة: ((ولا يصلّ)) بإثبات الياء.

٤٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ
مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) عن (٨٣) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٠) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير ظبه، تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وهو (٨١) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه أيضاً، فنسائيّ، ثم
بغداديّ، وفيه أنس، وقد تقدّم الكلام فيه قریباً.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ) لم يقل: ((عبد العزيز بن صُهيب)) بدون
لفظة ((وهو)) إشارةً إلى أن شيخه لم ينسبه إلى أبيه، فلما أراد أن ينسبه أتى بما
يفصل بين ما زاده وبين ما سمعه من شيخه، وقد تقدّم هذا غير مرّة (قَالَ) أي
(عَنِ الثُّوم؟) بالضّمّ، أي عن حكم أكله (فَقَالَ)
عبد العزيز (سُئِلَ أَنَسٌْ) ◌َـ
أنس ◌َُّه (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ( مَنْ أَكَلَّ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّا) بتشديد
النون، أصله ((فلا يقرب))، ثم أدخلت عليه نون التوكيد، فصار ((يقربنَّ)) ثم أدغم
في نون ((نا))، وهو ضمير المتكلم ومعه غيره، في محلّ نصب مفعول به لـ((يقرب)).
(وَلَا يُصَلِّ مَعَنَا))) قال النوويّ تَخْذُهُ: هكذا ضبطناه: (ولا يُصَلِّ)) على
النهي، ووقع في أكثر الأصول: ((ولا يصلي)) بإثبات الياء على الخبر الذي يراد
به النھيُ، وکلاهما صحیحٌ.
وفيه نَهْيُ مَن أكل الثُّوم ونحوه عن حضور مَجْمَع المصلين، وإن كانوا في
غير مسجد، ويؤخذ منه النهي عن سائر مجامع العبادات ونحوها. انتهى(١).
(١) ((شرح النووي)) ٤٩/٥.

٤٥١
(١٧) - بَابُ نَّهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٥)
وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((فلا يقربنا، ولا يصلّي معنا)) يدلّ على أن مُجتمَع
الناس حيث كان لصلاة، أو غيرها، كمجالس العلم والولائم، وما أشبهها لا
يقربها مَن أكل الثوم وما في معناه، مما له رائحة كريهة، تؤذي الناس، ولذلك
جَمَعَ بين الثوم والبصل والكرّاث في حديث جابر نَُّه. انتهى(١). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس
(المسألة الثانية): في تخريجه:
تَظُبه هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٥٤/١٧] (٥٦٢)، و(البخاريّ) في ((الأذان))
(٨٥٦) و((المغازي)) (٥٤٥١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٩٣/٢)،
و(أحمد) في («مسنده)) (١٨٦/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٩٧ و١٣١٠)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٢٨)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (٣٥/٢)،
و(الطحاويّ) (٢٣٧/٤ - ٢٣٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٧/٣)، وفوائده
تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٥] (٥٦٣) - (وَحَدَّثَنِي(٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ
عَبْدُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَّرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلَا يُؤْذِينًا(٣) بِرِيحِ الثُّومِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ
حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
(١) ((المفهم)) ١٦٦/٢.
(٣) وفي نسخة: ((ولا يؤذنا)).
(٢) وفى نسخة: ((حدثني)).

٤٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت
م ت) تقدم في ((الإيمان)» ١٣١/٧.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ
حافظ مصنّف، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [١٠] (ت٢١١) عن (٨٥)
سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ
ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) عن (٥٨) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ،
أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٧١/٦.
تقدم فى ((المقدمة)) ٤/٢.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ)
وقوله: (وَلَا يُؤْذِيَنًا) قال النوويّ كَُّهُ: هو بتشديد نون ((يُؤْذِيَّنًا))، وإنما
نبهت عليه؛ لأني رأيت من خَفّفه، ثم استَشْكُل عليه إثبات الياء، مع أن إثبات
الياء المخففة جائز على إرادة الخبر. انتهى (١). وتمام شرح الحديث سبق قريباً.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َقَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧ /١٢٥٥] (٥٦٣)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (١/
١٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٧٣٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٢٦٤ و٢٦٦
و٤٢٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٢٥ و١٢٢٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٢٢٩)، و(الطحاويّ) (٢٣٨/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٤٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٦/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٨٦/٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((شرح النووي)) ٤٩/٥.

٤٥٣
(١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٦)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢٥٦] (٥٦٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ
هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنَّ أَكْلِ
الْبَصَلِ، وَالْكُرَّاثِ، فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا، فَقَالَ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ
الْمُنْتِنَةِ، فَلَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى(١) مِنْهُ الْإِنْسُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب.
٢ - (كَثِيرُ بْنُ هِشَام) الكلابيّ، أبو سهل الرّقّيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٧] (ت
٧ أو ٢٠٨) (عخ م ٤) تقَّدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
٣ - (هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر كجَعْفَر،
أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) عن (٧٨) سنة
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في الإيمان ١١٩/٤.
٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ◌َّ، مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان))
٤ /٠١١٧
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َُّ، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وكثير، فما أخرج له البخاريّ في ((الصحيح)).
٥ - (ومنها): أن جابراً صحابيّ ابن صحابيّ ﴿ه، وهو أحد المكثرين
السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
(١) وفي نسخة: ((مما تأذّى)).

٤٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) رظُهُ هكذا رواية المصنّف بالعنعنة، وأبو الزبير مدلّسٌ، لكن
وقع تصريحه بالسماع عن جابر تظ له عند أبو عوانة تَخْذُ في ((مسنده)) (٣٤٢/١)
قال:
(١٢٢٣) حدّثنا يوسف بن مسلم، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج،
قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نَهَى رسول الله وَله
أن يأكلوا البصَلَ والكُرّاث، فلم ينتهوا، ولم يجدوا من أكلها بُدّاً، فوجد
ريحها، فقال: ((ألم يُنْهَوْا عن أكل هذه البَقْلَة الخبيثة، أو المنتنة؟ من أكلها فلا
يَغْشَنَا في مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى، مما يتأذى به الإنسان))، فقيل لجابر:
والثُّوم؟ قال: لم یکن عندنا يومئذ ثومٌ. انتهى.
وقال الحميديّ لَّهُ في ((مسنده)) رقم (١٢٧٨) قال: حدّثنا سفيان(١)،
قال: حدّثنا أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله، سُئل عن الثوم؟ فقال:
((ما كان بأرضنا يومئذ ثومٌ، إنما الذي نُهي عنه البصل، والكرّاث))، وبهذا ثبت
تصريح أبي الزبير بالسماع، فزالت تُهمة التدليس عنه، فتنبّه.
(قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ) بفتحتين، واحده بصَلَة،
كقصب وقَصَبة: نبتّ معروف (وَالْكُرَّاثِ) بضمّ الكاف، كرُمّان، وبفتحها،
ككَثَّانٍ، قاله في ((القاموس))(٢)، وفي ((المصباح)): ((الْكُرَّاثُ: بقلةٌ معروفة،
والكُرّائة أخصّ منه، وهي خبيثة الريح)). انتهى (٣). (فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ) أي
الاحتياج إلى أكل البصل والكرّاث، ففي رواية الإمام أحمد من طريق حماد بن
سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر ظُه أن النبيّ وَّ نَهَى زمنَ خيبر عن البصل
والكُرّاث، فأكلهما قوم، ثم جاءوا إلى المسجد، فقال النبيّ ◌َّ: ((ألم أَنْهَ عن
هاتين الشجرتين الْمُنْتِنَتَيْنِ؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، ولكن أجهدنا الجوع،
فقال رسول الله ويمثل: ((من أكلهما فلا يحضر مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما
يتأذى منه بنو آدم)».
(١) هو: ابن عيينة.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٣٠/٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١/ ١٧٢.

٤٥٥
(١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٦)
(فَأَكَلْنَا مِنْهَا) هكذا النسخ بالإفراد، وفي رواية أحمد المذكورة: ((فأكلهما
قوم))، ولما هنا أيضاً وجه، وهو أن يؤوّل بالمذكورة، أو بجنس البَقْلَة
(فَقَالَ) بَّهِ (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ) اسم فاعل من أنتن الرباعيّ، قال
في ((القاموس)): ((النَّتْنُ)): ضِدُّ الْفَوْحِ، نَتْنَ، كَكَرُمَ، وضَرَبَ نَتَانَةً، وأَنْتَنَ، فهو
مُنْتِنٌ، ومِنْتِنٌ بكسرتين، وبضمّتين، وكقِنْدِيل. انتهى(١).
وقال في (المصباح)): نَتْنَ الشيءُ بالضمّ نُونَةً، ونَتَانَةً، فهو نَتِيْنٌّ، مثلُ
قريبٍ، ونَتَنَ نَتْناً، من باب ضَرَبَ، ونَتِنَ يَنْتَنُ، فهو نَتِنٌّ، من باب تَعِبَ، وأنتنَ
إنتاناً، فهو مُنْتِنٌ، وقد تُكْسر الميم للإتباع، فيقال: مِنْتِنٌ، وضمُّ التاء إتباعاً
للمیم قليلٌ. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من عبارة ((القاموس))، و((المصباح))
أن ((الْمُنْتِنة)) هنا يجوز ضم ميمها، وهو الأشهر، وكسرها؛ إتباعاً لكسر التاء
بعدها، وضمّ التاء إتباعاً لضمّ الميم قبلها، وهو قليلٌ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَلَا) ناهية، أو نافية، فعلى الأول يكون قوله: (يَقْرَبَنَّ) في محلّ جزم؛
لكونه مبنيّاً؛ لأجل نون التوكيد، وعلى الثاني، فهو في محل رفع خبر بمعنى
النهي المؤكّد، وقد تقدّم أنه من بابي تعب، ونصر، وهو متعدّ، ولذا نصب
قوله: (مَسْجِدَنَا) تقدّم أن المراد جنس المسجد، فلا يختصّ بالمسجد النبويّ،
كما زعمه بعضهم، ويؤيّد ذلك ما تقدّم في حديث ابن عمر طه بلفظ: ((فلا
يأتينّ المساجد))، وفي رواية: ((فلا يقربنّ مساجدنا))، ثم عّل النهي بقوله: (فَإِنَّ
الْمَلَائِكَةَ) الفاء للتعليل؛ أي لأن الملائكة (تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَى(٣) مِنْهُ الْإِنْسُ))) قال
النوويّ تَخْتُ: هكذا ضبطناه بتشديد الذال فيهما، وهو ظاهر، ووقع في أكثر
الأصول: ((تَأْذَى مِمَّا يَأْذَى منه الإنس)) بتخفيف الذال فيهما، وهي لغةٌ، يقال:
أَذِيَ يَأْذَى، مثلُ عَمِيَ يَعْمَى، ومعناه: تَأَذَّى. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ تَُّ بإيضاح أنه
رُوي بوجھین :
(١) ((القاموس المحيط)) ٢٧٣/٤.
(٣) وفي نسخة: ((مما تأذّى)).
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٩٢/٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٤٩/٥.

٤٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[أحدهما]: ((تَأَذَّى مما يَتَأذى منه الإنس))، بتشديد الذال فيهما، من
التأذِّي، وأصل ((تَأَذَّى)) تتأذَّى بتاءين، فحُذفت إحداهما تخفيفاً، كما في
◌ِتَصَدَّى﴾، و﴿فَزَُّ الْمَلَئِكَةُ﴾، و﴿نَارًا تَفَّى﴾، قال في ((الخلاصة)):
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ
[والثاني]: («تَأْذَى مما يَأْذَى منه الإنس))، مضارع أَذِيَ، من باب تَعِبَ،
وهو بمعنى الأول، قال في ((المصباح)): أَذِيَ الشيءُ أَذِّى، من باب تَعِبَ:
بمعنى قَذِرَ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذَى﴾: أي مستقذرٌ، وأَذِيَ الرجلُ أَذِّى:
وَصَلَ إليه المكروه، فهو أَذٍ، مثلُ عَم، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آذيته إيذاءً،
والأذّةُ اسمُ منه، فتأَذَّى هو. انتهى(١).
والمعنى المناسب هنا وصول المكروه إلى الملائكة، والله تعالى أعلم.
قال العلماء: وفي هذا الحديث دليلٌ على منع آكل الثوم ونحوه، من
دخول المسجد، وإن كان خالياً؛ لأنه محلّ الملائكة، ولعموم الأحاديث، قاله
النوويّ ◌َُّ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٥٦/١٧] (٥٦٤)، (وابن ماجه) في («إقامة
الصلاة)) (٣٣٦٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٧٨)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٧٤/٣ و٣٨٧ و٣٩٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٦٦٨)، و(أبو يعلى)
في ((مسنده)) (٢٢٢٦)، و(الطحاويّ) في معاني الآثار)) (٢٤٠/٤)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (١٢٢٣ و١٦٤٦ و٢٠٨٦ و٢٠٨٧ و٢٠٩٠)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (١٢٣٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((المصباح المنير)) ١٠/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٩/٥.

٤٥٧
(١٧) - بَابُ نَهْي مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٧)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَلُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٥٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي (١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ(٢)، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ، قَالَ، وَفِي رِوَايَةٍ حَرْمَلَةَ: زَعَمَ (٣) أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((مَنَّ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ
بَصَلاً، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ))، وَإِنَّهُ أُنِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خُضَرَاتٌ
مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحاً، فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: ((قَرِّبُوهَا)) إِلَى
بَعْضٍ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: ((كُلْ، فَإِنِّي أَنَاجِي مَنْ لَا تُتَاجِي)»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى بن حَرْملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص
المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في
((المقدمة)) ١٤/٣.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أو يزيد الأمويّ مولاهم،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور قبل حديث.
٦ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح) أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسالَّ [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بذكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَّلُهُ، وله فيه شيخان قرَنَ
بينهما؛ لاتّحاد صيغة أدائهما، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: ((وزعم)) بالواو.
(٢) وفي نسخة: ((وحرملة بن يحيى)).

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس أيليّ، نزل
مصر، والثاني بالمدنيين، سوى عطاء، فمكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عطاء،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح) بفتح
الراء، وتخفيف الموحّدة، واسمه أسلم، كما مرّ آنفاً (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ أَللهِ) ضَّا
(قَالَ) وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ حَرْمَلَةَ: زَعَمَ) أشار به إلى الاختلاف الواقع بين
شيخيه: أبي الطاهر، وحرملة، فقال أبو الطاهر في روايته: ((أن جابر بن
عبد الله قال: إن رسول الله (وَل قال: من أكل ... إلخ))، وقال حرملة: ((أن
جابر بن عبد الله زعم أن رسول الله وَل ﴿ قال ... إلخ))، وفي رواية البخاريّ:
((عن ابن شهاب، زعم عطاء، أن جابر بن عبد الله زعم أن النبيّ وَلقول قال ... ))
الحدیث.
قال الخطابيّ كَُّ: لم يقل: زَعَمَ على وجه الُّهْمَة، لكنه لَمّا كان أمراً
مُختلَفاً فيه، أَتَى بلفظ الزعم؛ لأن هذا اللفظ لا يكاد يُستَعمَل إلا في أمر
◌ُرتاب به، أو يُختلف فيه.
قال الحافظ كَّلُ: وقد يُستَعمَل في القول المحقَّق أيضاً، وكلام الخطابيّ
لا ينفي ذلك. انتهى(١).
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ
مَسْجِدَنَا) شكٍّ من الراوي، وهو الزهريّ، ولم تَختَلف الرواة عنه في ذلك، قاله
في ((الفتح)) (وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ))) هكذا رواية المصنّف بالواو، وكذا عند البخاريّ
إلا في رواية أبي ذرّ، فإنه بلفظ: ((أو ليقعد في بيته)) بـ((أو)) التي للشكّ أيضاً،
(١) ((الفتح)) ٣٩٧/٢.

(١٧) - بَابُ نَهْي مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُزَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٧)
٤٥٩
وهذا أخصّ من الاعتزال؛ لأنه أعمّ من أن يكون في البيت أو غيره.
وقوله: (وَإِنَّهُ) أي النبيّ ◌ََِّ، وهو بكسر ((إنّ) معطوف على ((إِنّ
رسول الله (َ﴿ قال ... إلخ))، فهو مقول قال، أو بفتح الهمزة عطفاً ((أنّ
رسول الله وَالر قال ... إلخ)) مفعول به لـ((زَعَمَ)).
ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((وأن النبيّ وَ ◌ّ أَتي بقدر ... إلخ)) فقال في
((الفتح)): هذا حديث آخر، وهو معطوف على الإسناد المذكور، والتقدير:
وحدّثنا سعيد بن عُفير - يعني شيخ البخاريّ هنا - بإسناده ((أن النبيّ وَّ أُتِي))،
قال: وهذا الحديث الثاني كان مُتَقَدِّماً على الحديث الأول بستّ سنين؛ لأن
الأول تقدَّم في حديث ابن عمر وغيره أنه وقع منه ◌َّ في غزوة خيبر، وكانت
في سنة سبع، وهذا وقع في السنة الأولى عند قدومه وَ طله إلى المدينة، ونزوله
في بيت أبي أيوب الأنصاريّ ﴿به، كما سأبيّنه. انتهى(١).
(أُنِيَ) بالبناء للمفعول (بِقِدْرٍ) بكسر القاف، وهو: ما يُطْبَخ فيه، ويجوز
فيه التأنيث والتذكير، والتأنيث أشهر، لكن الضمير في قوله: ((فيه خَضِرَات))
يعود على الطعام الذي في القِدْر، فالتقدير: أُتِي بقدر من طعام، فيه خَضِراتٌ،
ولهذا لما أعاد الضمير على القدر أعاده بالتأنيث، حيث قال: ((فأُخبِر بما
فيها))، وحيث قال: ((قرِّبوها))، قاله في ((الفتح))(٢).
وتعقّبه العينيّ، فقال: هذا تصرّف فيه تعسّفٌ، فلا يُحتاج إلى تطويل
الكلام، ولَمّا جاز في ((القدر)) التذكير والتأنيث أعاد الضمير إليه تارةً بالتذكير،
وتارةً بالتأنيث؛ نظراً إلى جواز الوجهين. انتهى(٣). وهو تعقّبٌ وجيهٌ، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: ((بقدر)) قال النوويّ تَخَُّ: هكذا هو في نسخ ((صحيح
مسلم)) كلِّها: ((بقدر))، ووقع في ((صحيح البخاريّ))، و((سنن أبي داود)) وغيرهما
من الكتب المعتمدة: (أتي ببدر)) بباءين موحّدتين، قال العلماء: هذا هو
الصواب، وفسّر الرواةُ، وأهلُ اللغة والغريب البدر بالطبق، قالوا: سُمّي بدراً؛
(١) ((الفتح)) ٣٩٨/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢١٢/٦.
(٢) ((الفتح)) ٣٩٨/٢.

٤٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
لاستدارته كاستدارة البدر، وهو القمر عند كماله. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخْذَثُهُ: وقعت هذه اللفظة ((ببدر)) بالباء الموحّدة، وهو
الطَّبَقُ، سُمّي بذلك لاستدارته، وقد وقع لبعض الرواة ((بقدر)) بالقاف، واستُدلّ
به على كراهة ما له ريحٌ من البقول، وإن طبخ، وهذا ليس بصحيح، قالوا:
وهو تصحيفٌ، وصوابه: ((ببدر))، وقد ورد في كتاب أبي داود: ((أَتِي ببدر))،
ولو سُلِّم أنه ((بقدر))، فيكون معناه أنها لم تَمُتْ بالطبخ تلك الرائحة منها، فبقي
المعنى المكروه، فكأنها نيئة. انتهى (٢).
وقال البخاريّ تَظْتُ بعد روايته عن سعيد بن عُفير بلفظ: ((أُتي بقدر))
بالقاف ما نصّه: وقال أحمد بن صالح، عن ابن وهب: ((أُتِيَ بِبَدْر)).
قال في ((الفتح)): مراده أن أحمد بن صالح خالف سعيد بن عُفير في هذه
اللفظة فقط، وشاركه في سائر الحديث، عن ابن وهب بإسناده المذكور.
وقد أخرجه البخاريّ في ((الاعتصام))، قال: حدّثنا أحمد بن صالح،
فذكره بلفظ: ((أَتِي بَبَدْر))، وفيه قول ابن وهب: ((يعني طَبَقاً فيه خضرات)).
وكذا أخرجه أبو داود، عن أحمد بن صالح، لكن أَخَّرَ تفسير ابن وهب،
فذكره بعد فراغ الحديث.
وأخرجه مسلم عن أبي الطاهر وحرملة كلاهما عن ابن وهب، فقال:
(بِقِدر)) بالقاف.
ورَجَّح جماعة من الشُّرّاح رواية أحمد بن صالح؛ لكون ابن وهب فَسَّر
البَدْر بالطَّبَق، فدَلَّ على أنه حدَّث به كذلك.
وزَعَم بعضهم أن لفظة ((بقدر)» تصحيفٌ؛ لأنها تُشْعِر بالطبخ، وقد ورد
الإذن بأكل البقول مطبوخةً بخلاف الطَّبَق، فظاهره أن البقول كانت فيه نِئةً.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن رواية القدر أصحّ؛ لِمَا يأتي من حديث
أبي أيوب وأم أيوب ﴿ه جميعاً، فإن فيه التصريح بالطعام، ولا تعارض بين
امتناعه ◌َّل من أكل الثوم وغيره مطبوخاً وبين إذنه لهم في أكل ذلك مطبوخاً،
فقد عَلَّل ذلك بقوله: ((إني لست كأحد منكم))، وترجم ابن خزيمة على حديث
(١) ((شرح النوويّ)) ٥٠/٥.
(٢) ((المفهم)) ١٦٧/٢.