Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢١٢)
حديثه. وقال الساجي: صدوق، وفيه بعض الضعف، ليس بذاك، ويحتمل
لصدقه. وقال الحاكم: قول ابن معين فيه: ليس بشيء، هذا يقوله ابن معين، إذا
ذُكِر له الشيخ من الرواة يَقِلّ حديثه، ربما قال فيه: ليس بشيء - يعني لم يُسنِد من
الحديث ما يُشتَغل به. وقال البزار: ليس به بأس. وقال ابن حزم: ضعيف جِدّاً.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من هذه الأقوال أن الأكثرين على توثيق
كثير بن شِنظير، فقول ابن حزم هذا مُجَازَفٌ فيه، فأيّ ضعف بعد توثيق هؤلاء
الأئمة له؟ والله تعالى المستعان.
أخرج له الجماعة، سوى النسائيّ، وله في البخاري حديثان فقط، أخرج
مسلم أحدَهما فقط، وهو حديث جابر في السلام على المصلي، وأبو داود،
والترمذي الآخر، وهو حديث جابر: ((خمروا الآنية))، وابن ماجه حديث أنس:
(طلب العلم فريضة))، والله تعالى أعلم.
٤ - (عَطَاء) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ
الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في
(الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
وقوله: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ) وفي بعض النسخ: (كنا مع
النبيّ وَّر يعني في سفر، فبعثني في حاجة))، والمراد بالسفر غزوة بني المصطّلِقِ.
وقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ) وفي رواية زهير السابقة: ((على بعيره))،
ولا تخالف بينهما؛ لأن الراحلة تُطلق على الذكر والأنثى، قال في
((المصباح)): الراحلة: الْمَرْكبُ من الإبل ذكراً كان أو أُنثى، وبعضهم يقول:
الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرحل، وجمعها رواحل. انتهى(١).
وقوله: (وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ) وفي نسخة: ((إلى غير القبلة)).
وقوله: ((إِنَّهُ لَمْ يَمْتَعْنِي) وفي بعض النسخ: ((أما إنه لم يمنعني)).
وقوله: (إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلَّي))) استثناء مفرّغ، فما بعد ((إلا)) في تأويل
المصدر فاعل ((يمنعني))، أي لم يمنعني إلا كوني مصلياً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١ - ٢٢٣.

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢١٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:
بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ فِي حَاجَةٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّاٍ(١)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، مروزيّ
الأصل، صدوقٌ ربّما وَهِمَ، وكان فاضلاً [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٤/١.
٢ - (مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ) الرازيّ، أبو يعلى نزيل بغداد، ثقةٌ سنّيّ فقيةٌ طُلب
للقضاء، فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب [١٠] (ت٢١١) على
الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٣/٦.
وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٤٠) و(١٢٠٣)
و(١٥٣٦) و(٢٨٩٧).
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيد) بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة
التُّّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ) وفي بعض النسخ: ((بمعنى حديث حماد بن
زيد))، يعني أن حديث عبد الوارث عن كثير بن شِنْظِير بمعنى حديث حماد بن
زيد عنه.
[تنبيه]: رواية عبد الوارث بن سعيد هذه، ساقها البخاريّ في ((صحیحه))،
فقال :
(١٢١٧) حدّثنا أبو معمر، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا كثير بن شِنْظِير،
عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن جابر بن عبد الله ظًّا قال: بعثني رسول الله وَل
في حاجة له، فانطلقت، ثم رجعت، وقد قضيتها، فأتيت النبيّ وَّ، فسلمت
(١) وفي نسخة: ((بمعنى حديث حمّاد بن زيد)).

٢٨٣
(٨) - بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّدِمِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (١٢١٤)
عليه، فلم يُرُدّ عليّ، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل
رسول الله وَ﴿ وَجَدَ عليّ أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه، فلم يردّ عليّ،
فوقع في قلبي أشدّ من المرة الأولى، ثم سلمت عليه، فردّ عليّ، فقال: إنما
منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي، وكان على راحلته متوجهاً إلى غير
القبلة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٨) - (بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ،
وَجَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فَي الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٢١٤] (٥٤١) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ،
قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الْجِنِّ، جَعَلَ بَفْتِلكُ
عَلَيَّ الْبَارِحَةَ؛ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ اللهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ، فَذَعَتُهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ(١)
أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى جَنْبٍ سَارِيَةٍ، مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ(٢)
أَجْمَعُونَ، أَوْ كُلُّكُمْ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا
يَلْبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾، فَرَدَّهُ اللهُ خَاسِئاً)). وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
زِیَادٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ حافظ فقيةٌ إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
(١) وفي نسخة: ((وقد هممت)).
(٢) وفي نسخة: ((حتى تصبحوا، فتنظروا إليه)).

٢٨٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور) بن بَهْرَام الكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب
المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان))
١٥٦/١٢.
٣ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٤) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قريباً.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل
البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٠.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتحاد صيغة أدائهما، وفيه التحديث، والإخبار، والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول ما أخرج له
ابن ماجه، والثاني ما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فمروزيّان، وأبي
هريرة رضيته، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضيله رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
عن محمد بن زياد الْجُمَحيّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َبهِ (يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ عِفْرِيتاً) قال القرطبيّ كَُّ: العِفْرِيتُ: المارد من الجنّ
الشديد، ومنه رجلٌ عِفْريتٌ: أي شديد الدَّهَاء، والمكر، والحيلة. انتهى(١).
وقال في ((النهاية)): قال الزمخشريّ: الْعِفْرُ، والْعِفْرِيَةُ، والْعِفْرِيتُ،
والْعُفَارِيَةُ: القويّ المتشيطن الذي يَعْفِرُ قِرْنَهُ، والياء في عِفِرِية، وعُفَارِيَة
(١) ((المفهم)) ١٥١/٢.

٢٨٥
(٨) - بَابُ جَوَازٍ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّدِمِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (١٢١٤)
للإلحاق بشِرْذِمة، وعُذَافِرَةٍ، والهاء فيهما للمبالغة، والتاءُ في عِفْرِيت للإلحاق
بقنديل. انتهى(١).
وقال في ((القاموس)): ورجلٌ عِفْرٌ، وعِفْريةٌ، وعِفْرِيتٌ بكسرهنّ، وعِفِرٍّ،
كِطِمِرٌّ، وعِفِرّيٌّ، وعُفَرْنِيَةٌ، كَقُذَعْمِلَةٍ، وعُفَارِيَةٌ بالضمّ: بَيِّنُ الْعَفَارَة بالفتح،
خَبيثٌ مُنْكَرٌ، والْعِفْرِيتُ، والْعِفْرِينُ، وتشدّد راؤه، مع كسر الفاء: النافذ في
الأمر المبالغ فيه، مع دَهَاء. انتهى(٢).
وقال ابن عبد البرّ: الجنّ على مراتب، فالأصل جنيّ، فإن خالط الإنس
قيل: عامر، ومن تعرض منهم للصبيان قيل: أرواح، ومن زاد في الْخُبْث قيل:
شيطان، فإن زاد على ذلك قيل: مارد، فإن زاد على ذلك قيل: عِفْريت.
وقال الراغب: العفريت من الجنّ هو العارم الخبيث، وإذا بولغ فيه قيل:
عِفْريت نِفْريت.
وقال ابن قتيبة: العِفريت الْمُؤَثَّق الْخَلْق، وأصله من العَفَر، وهو التراب،
ورجل عِفِرٌّ بكسر أوله وثانيه، وتثقيل ثالثه، إذا بولغ فيه قيل: عِفِرِّيت بكسر
أوله وثانیه، وتثقیل ثالثه. انتهى(٣).
وقوله: (مِنَ الْجِنِّ) بكسر الجيم، وتشديد النون، قال ابن سِيدَهْ: الجِنُّ:
نوع من العَالَم، سُمُّوا بذلك لاجتنانهم عن الأبصار، أي استتارهم، ولأنهم
استجنُّوا من الناس، فلا يُرون، والجمع: جِنَان، وهم الجِنّة، والجنيّ: منسوب
إلى الجنّ، والجنّة: طائفة من الجنّ، وأرض مَجِنّة كثيرة الجنّ، والجانّ أبو
الجن، والجانّ الجنّ، وهو اسم جمع.
وقال بعضهم: الجن: خلافُ الإنس، يقال: جَنَّه الليل، وأجنّه، وجنّ
عليه، وغَّاه في معنى واحد: إذا ستره، وكلُّ شيء استتر فقد جَنَّ عنك، وبه
سُمِّيت الجنّ؛ لاستجنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سُمّي الجنين جنيناً.
انتهى من («العمدة» بتصرّف (٤).
(جَعَلَ يَفْتِكُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، وضمه، من الفتك، وهو الأخذ في
(١) ((النهاية)) ٢٦٢/٣.
(٣) ((الفتح)) ٥٣٠/٨.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٢/ ٩٢.
(٤) ((عمدة القاري)) ٤ /٣٤٤.

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
غفلة وخَدِيعة، يقال: فَتَكَ به فَتْكاً، من بابي ضرب، وقتل، وبعضهم يقول:
فِتْكاً مثلّث الفاء: إذا بطش به، أو قتله على غفلة، وأفتك بالألف لغة، أفاده
الفيّوميّ(١).
وفي رواية البخاريّ: ((تَفَلَّتَ عليّ)) بفتح الفاء، وتشديد اللام: أي تعرّض
لي فَلْتَةً، أي بغتةً.
وقال القرطبيّ تَخّْثُ: قوله: ((يفتك)) هكذا صحّ في كتاب مسلم ((يفتك))،
ومعناه: يُغْفِله عن الصلاة ويَشغله، وأصل ((الفتك)) القتل على غفلة وغِرّةٍ، ومنه
قوله {ٌَّ: ((الإيمان قَيْدُ الفتكِ، لا يَفْتِكُ مؤمن))(٢)، وهكذا مجيء الشيطان
للمصلي على غفلة وغِرّة، وذكره البخاريّ، وقال: تَفَلَّتَ عليّ))، وهو أيضاً
صحيحٌ، أي جاءني على غفلة وفَلْتة، وغِرّةٍ، وفَجْأة، ومنه قيل: افتلتت نفسه:
أي مات على فَجْأة، والفلتة: الأمر يُوتى على غير رويّة. انتهى(٣).
(عَلَيَّ) متعلّق بـ((فتك)) (الْبَارِحَةَ) هي أقرب ليلة مَضَت، وفي ((المنتهى)):
كلُّ زائل بارحٌ، ومنه سُمِّيت البارحة، أدنى ليلة زالت عنك، تقول: لقيته
البارحةَ، والبارحةَ الأولى، ومنذ ثلاث ليال، وفي ((المحكم)): البارحةُ هي
الليلة الخاليةُ، ولا تُحَقَّر(٤)، وقال قاسم في ((كتاب الدلائل)): يقال: بارحة
الأولى، يضاف الاسم إلى الصفة، كما يقال: مسجد الجامع، وانتصابها على
الظرفية. انتهى (٥).
وقال في ((الفتح)): البارحة: الليلة الخالية الزائلة، والبارح الزائل، ويقال
من بعد الزوال إلى آخر النهار: البارحة. انتهى(٦).
(لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ) وفي حديث أبي الدرداء ◌َظُه الآتي: ((إن عدوّ الله
إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي ... ))، وفي رواية للبخاريّ:
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦١ - ٤٦٢.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (١٤٢٩ و١٤٣٦ و١٦٣٩٠)، وأبو
داود في ((سننه)) برقم (٢٧٦٩).
(٣) ((المفهم)) ٢/ ١٥٠ - ١٥١.
(٤) أي لا تُصغّر.
(٥) ((عمدة القاري)) ٣٤٤/٤.
(٦) ((الفتح)) ٥٣٠/٨.

٢٨٧
(٨) - بَابُ جَوَازٍ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّذِمِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (١٢١٤)
((عَرَضَ لي، فشَدَّ عليَّ))، ووقع في رواية عبد الرزاق: ((عَرَضَ لي في صورة
هِرِّ)) (وَإِنَّ اللهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ) أي جعلني متمكّناً وقادراً على معاقبته، قال
الفيّوميّ ◌َغْفُ: مَكَنَ فلانٌ عند السلطان مكانةً، وزانُ ضَخُمَ ضَخَامةً: عَظُمَ
عِنْده، وارتفَعَ، فهو مكينٌ، ومَكّنته من الشيء تمكيناً: جعلتُ له عليه سُلطاناً
وقُدرةً، فتمكّن منه، واستمكن: قَدَرَ عليه، وله مَكِنَةٌ: أي قُوَّةً وشِدّةً، وأمكنته
بالألف مثلُ مَكَّنته، وأمكنني الأمر: سَهُلَ وتيسّر. انتهى (١).
(فَذَعَتُّهُ) بالذال المعجمة، وتخفيف العين المهملة: أي خنقته، قال
مسلم: وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: ((فَدَعَتُهُ))، يعني بالدال المهملة، وهو
صحيح أيضاً، ومعناه: دفعته دفعاً شديداً، والدَّعْتُ، والدّعّ: الدفعُ الشديدُ،
وأنكر الخطابيّ المهملة، وقال: لا تصحّ، وصححها غيره، وصَوّبوها، وإن
كانت المعجمة أوضح وأشهر، وفيه دليل على جواز العمل القليل في الصلاة،
قاله النوويّ تَظُّهُ(٢).
وفي رواية النسائيّ من حديث أبي هريرة ظُه عن النبيّ وَلّ قال: ((بينا
أنا قائم أصلي اعترض لي الشيطان، فأخذت بِحَلْقه، فخنقته حتى إني لأجد بَرْدَ
لسانه على إبهامي))، وفي لفظ: ((على كفّي))(٣).
وفي رواية أحمد عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود نظرته قال: قال
رسول الله وَله: ((مَرّ عليّ الشيطان، فأخذته، فخنقته، حتى إني لأجد بَرْد لسانه
في يدي، فقال: أوجعتني، أوجعتني)).
(فَلَقَدْ هَمَمْتُ) وفي بعض النسخ: ((وقد هَمَمت)) (أَنْ) بالفتح مصدريّةٌ
(أَرْبِطَهُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، قال في ((القاموس)): رَبَطَهُ يَرْبِطُهُ، ويَرْبُطُهُ، أي
من بابي ضَرَب ونَصَرَ: شَدّه، فهو مربوطٌ، ورَبِيطٌ (٤).
والمعنى هنا أنه ﴿ قصد أن يشدّ العِفْريت (إِلَى جَنْبٍ سَارِيَةٍ) هي
الأسطوانة، وجمعها سَوَارٍ، كجاريةٍ وجَوَارٍ (مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٧.
(٣) ((سنن النسائي الكبرى)) ١٩٦/١ - ١٩٧.
(٤) ((القاموس المحيط)) ٣٦٠/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٩/٥.

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(حَتَّى تُصْبِحُوا) أي حتى تدخلوا في الصباح، وهي هنا تامّة لا تحتاج إلى خبر،
كقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾﴾، قال في
«الخلاصة)» :
وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وهو منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد ((حتى))، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ ((حَتَّى)) هَكَذَا إِضْمَارُ ((أَنْ)) حَتْمٌ كَـاجُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ))
وقوله: (تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ) جملة حاليّة من الفاعل، وفي نسخة: «فتنظروا
إليه))، فيكون منصوباً بالعطف على ((تصبحوا))، وقوله: (أَجْمَعُونَ) توكيد للضمير
الفاعل (أَوْ) للشكّ من الراوي، أي قال بدل ((أجمعون)) (كُلَّكُمْ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ
أَخِي سُلَيْمَانَ) عِلَّ، قال في ((العمدة)): والأخوة بين سليمان وبين النبيّ صلى الله
عليهما وسلم بحسب أصول الدين، أو بحسب المماثلة في الدين. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله وَله: ((أخي)) إشارة إلى ما أخرجه
الشيخان، واللفظ للبخاريّ عن أبي هريرة ◌َظُه قال: قال رسول الله وَله: «أنا
أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلّات،
أمهاتهم شتی، ودینهم واحد)).
(﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلَكًا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾) قال القرطبيّ ◌َظُّهُ:
هذا يدلّ على أن ملك الجنّ، والتصرّف فيهم بالقهر مما خُصّ به سليمان ظلِّلُّ،
وسبب خُصُوصيّته دعوته التي استُجيبت له حيث قال: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًا
لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، ولَمّا تحقّق النبي
الخصوصيّة امنتع من تعاطي ما همّ به من أخذ الجنيّ وربطه.
[فإن قيل]: كيف يتأتّى ربطه وأخذه واللعب به مع كون الجنّ أجساماً
لطيفةً روحانيّةً؟ .
[قلنا]: كما تأتّى ذلك لسليمانوَلَّا حيث جعل الله تعالى له منهم ﴿كُلَّ
بَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٧َ وَءَاخَرِينَ مُقَرَِّنَ فِ اْأَصْفَادِ ﴾﴾ [ص: ٣٧ - ٣٨]، ولا شكّ أن الله
تعالى أوجدهم على صُوَر تخصّهم، ثم مكنهم من التشكّل في صور مختلفة،
فيتمثّلون في أيّ صورة شاؤوا، وكذلك فعل الله بالملائكة، كما قال تعالى:
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وقال ◌َّرَ: ((وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً،
:

٢٨٩
(٨) - بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّدِ مِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (١٢١٤)
فيكلّمني ... )) الحديث، متّفقٌ عليه، فيجوز أن يُمكّن الله تعالى نبيّه وَليه من هذا
الجنّيّ مع بقاء الجنّيّ على صورته التي خُلق عليها، فيوثّقه كما كان سليمانعلَّلُ
يوثقهم، ويرفع الموانع عن أبصار الناس، فيرونه مُوثَقاً حتى يلعب به الغلمان.
ويجوز أن يشكّله الله تعالى في صورة جسميّة محسوسة، فيربطه، ويُلعَب
به، ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكّل فيها، حتى يفعل الله ما
همّ به النبيّ وَالتّد .
وفي هذا دليل على رؤية بني آدم الجنّ، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ
وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم،
والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّتُهُ.
وقال في ((الفتح)): وفي قوله وَلير: ((فذكرت دعوة أخي ... إلخ)) إشارة
إلى أنه تركه رعايةً لسليمان عظَّارُ.
ويَحْتَمِل أن تكون خصوصية سليمان لعلّ* استخدام الجنّ في جميع ما
يريده، لا في هذا القدر فقط.
واستَدَلّ الخطابيّ بهذا الحديث على أن أصحاب سليمانعلَّلُ كانوا يرون
الجن في أشكالهم وهيئتهم حال تصرفهم، قال: وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ
هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فالمراد الأكثر الأغلب من أحوال بني آدم.
وتُعُقِّب بأن نفي رؤية الإنس للجن على هيئتهم ليس بقاطع من الآية، بل
ظاهرها أنه ممكن، فإن نفي رؤيتنا إياهم مقيدٌ بحال رؤيتهم لنا، ولا ينفي
إمكان رؤيتنا لهم في غير تلك الحالة.
ويَحْتَمِل العموم، وهذا الذي فهمه أكثر العلماء، حتى قال الشافعيّ: من
زعم أنه يرى الجنّ أبطلنا شهادته، واستَدَلّ بهذه الآية. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي فيما نُقل عن الشافعيّ إن صحّ نظرً؛ لأن
حديث الباب يردّه، كيف وقد قال ◌َله: ((حتى تُصبحوا، فتنظروا إليه))، وقال:
(يلعب به ولدان أهل المدينة))، فهل بعد هذا النصّ يمكن إنكار رؤيتهم كلا ثم
كلّا، وأما الآية فقد وجّهها العلماء، كما سبق آنفاً، والحاصل أن النفي
محمول على الأغلبيّة، أو هو مقيّد بحال رؤيتهم لنا .
وعندي يَحْتَمل أن يكون المنفيّ رؤية الناس لهم عند الإغواء، فهم

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
يستطيعون أن يغووا من شاءوا، وهو لا يراهم حتى لا يحاول الدفاع عن نفسه،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: كتب بعضهم ما نصّه:
[فإن قلت]: أما يُشبه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة أن
يستعطي الله ما لا يُعطيه غيره؟ - يعني قول سليمانلعلَّ: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ
مُلْكًا لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىِّ﴾ [ص: ٣٥].
[قلت]: كان سليمان عليّ ناشئاً في بيت الملك والنبوّة ووارثاً لهما،
فأراد أن يطلب من ربّه معجزةً، فطلب على حسب إلفه ملكاً زائداً على
الممالك زيادة خارقةً للعادة بالغةً حدّ الإعجاز؛ ليكون ذلك دليلاً على نبوّته،
قاهراً للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزةً حتى يخرق العادات، فذلك معنى
قوله: ﴿لَّا يَتْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىّ﴾. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أسلوب هذا السؤال والجواب فيه سوء أدب؛ إذ
مثله لا ينبغي أن يوجّه إلى الأنبياء للَّثْلُ وإنما كتبته للتنبيه عليه، فتنبّه أيها
الطالب، ولا تغترّ بمثله، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَرَدَّهُ اللهُ) أي العفريت، حال كونه (خَاسِئاً))) أي ذليلاً صاغراً مطروداً
مُبعَداً، وقال في ((اللسان)): الخاسئ من الكلاب، والخنازير، والشياطين:
البعيد الذي لا يُتْرَكُ أن يدنو من الناس، والخاسئ: المطرود، وخَسَأَ الكلبَ
يَخْسَؤُهُ خَسْأَ وخُسُوءاً، فَخَسَأَ، وانخسأ: طَرَدَهُ، قال الراجز:
كَالْكَلْبِ إِنْ قِيلَ لَهُ اخْسَإِ انْخَسَأُ
أي إن طردته انطرد، وقال الليث: خَسَأْت الكلبَ: أي زجرته، فقلت
له: اخسَأُ، ويقال خَسَأته فَخَسَأَ: أي أبعدته فبَعُدَ، والخاسئ: الْمُبْعَد، ويكون
الخاسئ بمعنى الصاغر الذليل، وخَسَأ الكلبُ بنفسه يَحْسأْ خُسُوءاً يتعدى ولا
یتعدی. انتھی(١).
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ) يعني شيخه الثاني إسحاق بن منصور (شُعْبَةُ
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) المراد أن إسحاق بن منصور قال في روايته: حدَّثنا النضر،
(١) ((لسان العرب)) ٦٥/١.

٢٩١
(٨) - بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (١٢١٤)
قال: أخبرنا شعبة، عن محمد بن زياد، فخالف رواية رفيقه إسحاق بن إبراهيم
السابقة في شيئين:
[أحدهما]: أنه قال: أخبرنا شعبةُ عن محمد بن زياد، فعنعن، وقال
إسحاق بن إبرهيم: ((أخبرنا شعبة، قال: أخبرنا محمد))، فصرّح بالإخبار.
[والثاني]: أنه قال: ((محمد بن زياد))، فنسبه إلى أبيه، وفي رواية
إسحاق بن إبراهيم: ((محمد، وهو ابن زياد))، فلم ينسبه إلى أبيه، بل أتى باسم
أبيه بعد كلمة ((وهو))؛ إشارةً إلى أن شيخه لم ينسبه، فتفطّن لهذه الدقائق
الإسناديّة، فإنها مهمّة جدّاً لطالب علم الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّله هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصّنف) هنا [١٢١٤/٨ و١٢١٥] (٥٤١)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٤٦١) و((كتاب العمل في الصلاة)) (١٢١٠) و((بدء الخلق)) (٣٢٨٤)
و((أحاديث الأنبياء)) (٣٤٢٣) و(التفسير)) (٤٨٠٨)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) من
((الكبرى)) (١٦/١ - ١٨٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٩٨/٢)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (١٧٢٩ ١٧٣٠ و١٧٣١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٩١)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن العمل القليل في الصلاة للحاجة، كدفع الأذى، أو
لما أذن الشرع فيه، كدفع المارّ بين يديه، وإن أدى إلى المضاربة، أو المقاتلة
لا يبطلها .
٢ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ وَغّْتُهُ: فيه دليلٌ على أن رؤية الجنّ للبشر
غير مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم وإن تَطْف فدركه غير ممتنع
أصلاً، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:
٧٢]، فإن ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم الله تعالى

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
بذلك، وابتلاهم؛ لَيَفْزَعُوا إليه، ويستعيذوا به من شرهم، ويطلبون الأمان من
غائلتهم، ولا يُنكَر أن يكون حكم الخاصّ والنادر من المصطفَينَ من عباده
بخلاف ذلك.
وقال الكرمانيّ تَُّ: لا حاجة إلى هذا التأويل؛ إذ ليس في الآية ما
ينفي رؤيتنا إياهم مطلقاً، إذ المستفاد منها أن رؤيته إيانا مُقَيَّدة من هذه الحيثية،
فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا قطّ، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب الكرمانيّ وجيهٌ، وقد تقدّم البحث بأتمّ
من هذا، فتنبه.
٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم
الناريّ؛ لأنه وَ ﴾ قال: ((إن عدوّ الله إبليس جاء بشهاب من نار؛ ليجعله في
وجهي))، وقال: ((رأيت ليلة أُسري بي عفريتاً من الجنّ يطلبني بشُعْلة من نار،
كلما التفتُّ إليه رأيته)»، ولو كانوا باقين على عنصرهم الناريّ، وأنهم نار
محرقة، لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان، أو العفريت منهم بشعلة من نار،
ولكانت يد الشيطان، أو العفريت، أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم
أحرقه، كما تُحْرِق الآدمي النارُ الحقيقية بمجرد اللمس، فدل على أن تلك
النارية انغمرت في سائر العناصر، حتى صار إلى البرد، ويؤيِّد ذلك قوله وَله :
((حتى وجدت بَرْدَ لسانه على يدي))، وفي رواية: ((برد لعابه))، قاله في
((العمدة))(١)
٤ - (ومنها): أنه يدلّ على أن أصحاب سليمان عليّ كانوا يرون الجن،
وهو من دلائل نبوته، ولولا مشاهدتهم إياهم لم تكن تقوم الحجة له لمكانته
علیهم.
٥ - (ومنها): ما قال ابن بطال ◌َّتُهُ: رؤيته وَّ للعفريت هو مما خُصّ به
كما خُصّ برؤية الملائكة، وقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح، ورأى النبي
الشيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه؛ لتجسّمه لأن الأجسام ممكن القدرة
(١) ((عمدة القاري)) ٣٤٥/٤ - ٣٤٦.

٢٩٣
(٨) - بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّذِمِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (١٢١٤)
عليها، ولكنه أُلْقِي في رُوعه ما وُهِب سليمان عَلَّا، فلم يُنَفِّذ ما قَوِي عليه من
حبسه؛ رغبةً عما أراد سليمان الانفراد به، وحرصاً على إجابة الله تعالى
دعوته، وأما غير النبيّ وَلّ من الناس فلا يُمَكَّن منه، ولا يرى أحد الشيطان
على صورته غيره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٧٢]، لكنه يراه
سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين
وَجَده في بيته على صورة حَيّة فقتله، فمات الرجل به، فَبَيَّن النبيّ ◌َّر ذلك
بقوله: ((إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم من هذه الهوامّ شيئاً فآذنوه
ثلاثاً، فإن بدا لكم فاقتلوه))، رواه الترمذيّ، والنسائيّ في ((عمل اليوم والليلة))
من حديث أبي سعيد الخدريّ
[تنبيه]: (اعلم): أن الجن يتصورون في صور شتى، ويتشكلون في صور
الإنسان، والبهائم، والحيات، والعقارب، والإبل، والبقر، والغنم، والخيل،
والبغال، والحمير، وفي صورة الطيور.
وقال القاضي أبو يعلى: ولا قدرة للشيطان على تغيير خلقتهم، والانتقال
في الصور، إنما يجوز أن يُعَلِّمهم الله كلمات وضرباً من ضروب الأفعال، إذا
فعله وتكلم به نقله الله من صورة إلى صورة أخرى، وأما أن يتصور بنفسه
فذلك محالٌ؛ لأن انتقالها من صورة إلى صورة إنما يكون بنقض البنية، وتفريق
الأجزاء، وإذا انتقضت بطلت الحياة، والقول في تشكل الملائكة كذلك.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: كلام أبي يعلى ليس واضحاً، إن أراد نفي قدرة
الجنّ على تصوّرهم بالصور المختلفة دون أن يأذن الله به، فهذا حقّ، وإن أراد
أنهم لا يتشكّلون بإذن الله تعالى بأشكال مختلفة، فهذا ردّ للنصوص الكثيرة،
كقصّة الحيّة المذكورة، وقصّة أسير أبي هريرة حينما كان يحفظ تمرة الصدقة،
وهو في الصحيح، وغير ذلك كثير وكثير، فليُتْأمّل كلامه، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه دليلٌ على إباحة ربط الأسير في المسجد، وعلى هذا
بَّب الإمام البخاريّ في ((الصحيح))، فقال: ((باب الأسير، أو الغريم يُربط في
المسجد))، ومن هذا قال المهلَّب: إن في الحديث جواز ربط مَن خُشِي هُروبه
بحقِّ عليه، أو دينٍ، والتوثَّق منه في المسجد، أو غيره.

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[فإن قلت]: كيف قال: قوله: ((فلقد هممت أن أربطه))، وهو في
الصلاة؟ .
[أجيب]: بأنه يَحْتِمِل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة، أو يربطه بوجه
كان شغلاً يسيراً، فلا تَفْسُد به الصلاة، قاله في ((العمدة)).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو المعتمد، فهو ربط يسير لا
يُنافي الصلاة، فالذي أقدره الله على هذا العفريت القويّ الشديد؛ معجزة له، لا
يُستبعد أن يكون ربطه بأيسر وجه، وأسهل طريق، والله تعالى على كلّ شيء قديرٌ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢١٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ،
قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَاهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، ◌ِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِي
هَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُهُ: ((فَذَعَتُّهُ)، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةً
فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: (فَدَعَتُّهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندار العبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح
الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، ويقال: كان اسمه
مروان، ثقةٌ حافظ رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو ٥ أو٢٠٦) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٤٠/٦.
وقوله: (كِلَاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لمحمد بن جعفر، وشبابة.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٢٩٥
(٨) - بَابُ جَوَازٍ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (١٢١٦)
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) ((في)) بمعنى الباء، أي بإسناد شعبة المتقدّم،
وهو: عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه، ساقها البخاريّ في
((صحيحه))، فقال:
(٣٤٢٣) حدّثني محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة،
عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَله: ((إن عفريتاً من الجنّ تَفَلَّت
البارحة؛ ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه على
سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي
سليمان: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾ [ص: ٣٥]، فرددته
خاسئاً)). انتهى.
وأما رواية شَبابة، فساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (١ /٤٦٧) فقال:
(١٧٢٩) حدّثنا عليّ بن سهل البزاز، قال: ثنا شبابة بن سَوّار، قال: ثنا
شعبة، عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى النبيّ وَليل
صلاةً، فقال: ((إن الشيطان عَرَضَ لي نفسَهُ على أن يقطع عليّ الصلاةَ،
فأمكنني الله منه، فأخذته، فلقد أردت أن أُوثقه إلى سارية، حتى تُصبِحون
فتنظرون إليه، فذكرت قول سليمان بن داود: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ
بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، فردّه الله خائباً)). انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢١٦] (٥٤٢) - (حَدَّثَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ
الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِهِ، فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِاللهِ
مِنْكَ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللهِ) ثَلَاثاً، وَبَسَطَ يَدَهُ(٢)، كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئاً، فَلَمَّا
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).
(٢) وفي نسخة: ((یدیه)).

٢٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئاً، لَمْ
نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاَ بَسَطْتَ بَدََكَ، قَالَ (١): ((إِنَّ عَدُوَّ الهِ إِبْلِيسَ، جَاءَ
بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ؛ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ
قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللهِ
لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ، لَأَصْبَحَ مُوثَقاً، يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١١] (ت٢٤٨) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب) المصريّ الحافظ، تقدّم قريباً.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِح) بن حُدير الْحَضْرميّ، أبو عمرو، أو أبو
عبد الرحمن الحمصيّ، قاضيَّ الأندلس، صدوقٌ، له أوهامٌ [٧] (ت١٥٨) (م
٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) الإياديّ، أبو شعيب الدمشقيّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤]
(ت١ أو١٢٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٥ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) هو: عائذ الله بن عبد الله، وُلد في حياة
النبيّ * يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة ﴿ه، ومات بالشام (٨٠)، وكان
عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء .
(ع) تقدم فى ((الطهارة)) ٥٥٩/٦.
٦ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) هو: عُمير بن زيد بن قيس الأنصاريّ الصحابيّ
الشهير، مات ربه في آخر خلافة عثمان، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في
((الصلاة)) ١٠٩٨/٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَخْدَثُهُ، وفيه التحديث والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
البخاريّ والترمذيّ، ومعاوية بن صالح، فما أخرج له البخاريّ.
(١) وفي نسخة: ((فقال)).

(٨) - بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّدِمِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (١٢١٦)
٢٩٧
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ربيعة، عن أبي إدريس.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد تَّ ◌ُبته، وقيل غير ذلك في اسمه، واسم
أبيه، أنه (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ) إلى الصلاة، ولفظ النسائيّ: ((قام
رسول الله وَّهِ يُصلي)) (فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِاللهِ مِنْك))) أي أعتصم، وأتحصّن
من شرّك بالله الذي بيده ناصية كلّ شيء (ثُمَّ قَالَ: ((أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة الله))) أي أدعو
عليك بأن يَطرُدك الله تعالى من رحمته، ويُبعدك من خيراته (ثَلَاثاً) أي قال ذلك
ثلاث مرّات (وَبَسَطَ يَدَهُ) أي مَدَّ النبيّ وَِّ يده الشريفة، وفي نسخة: ((يديه)) (كَأَنَّهُ
يَتَنَاوَلُ شَيْئاً) أي كأنه يتعاطى شيئاً أمامه (فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ) أي انتهى منها،
وسلّم (قُلْنَا) أي الصحابة الحاضرون تلك الصلاة، والسامعون ما قاله النبيّ وَّ،
والمشاهدون ما فعله من الأمور الغريبة (يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي
الصَّلَاةِ شَيْئاً) من القول الغريب الذي (لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ) الوقت
(وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ بَدَلَّك) الجملة حاليّة من المفعول، إن كانت ((رأى)) بصريّةً؛ لأنها
لا تتعدّى إلا إلى مفعول واحد، أي أبصرناك حال كونك باسطاً يدك كأنك
تتناول شيئاً (قَالَ) وَّه، وفي نسخة: ((فقال)) ((إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ) بالنصب على
البدليّة، وهو بكسر الهمزة: اسم أعجميّ، ولهذا لم يُصرف؛ للعلميّة والعُجمة،
وقيل: عربيّ مشتقّ من الإبلاس، وهو اليأس، ورُدّ بأنه لو كان عربيّاً لانصرف،
كما في نظائره، نحو إجفيل (١)، وإخريط(٢)، قاله الفيّوميّ(٣).
(جَاءَ بِشِهَابٍ) بكسر الشين المعجمة: شُعلة نار ساطعة، والجمع:
شُهُبٌ، ككتاب وَكُتُب، وشِهْبانٌ بالضمّ والكسر، وأَشهُبٌ، أفاده في
«القاموس)».
وفي التنزيل العزيز: ﴿أَوْ ءَاتِيَكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧]، قال الفرّاء: نوّن
(١) ((الإجفيل)) بالكسر: الجبان. ((ق)).
(٢) ((الإخريط)) بالكسر: ((نباتٌ من الْحَمَض)). ((ق)).
(٣) ((المصباح المنير)) ٦٠/١.
٠٠

٢٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عاصم والأعمش فيها، قال: وأضافه أهل المدينة ﴿بِشِهَابٍ قَسٍ﴾، قال: وهذا
من إضافة الشيء إلى نفسه، كما قالوا: حبّة الخضراء، ومسجد الجامع،
يُضاف الشيء إلى نفسه، ويضاف أوائلها إلى ثوانيها، وهي هي في المعنى،
[الواقعة: ٩٥]، وروى الأزهريّ
١٩٥
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَُّّ الْيَقِيْنِ
عن ابن السِّكِّيت، قال: الشهاب: الْعُود الذي فيه نارٌ، قال: وقال أبو الهيثم:
الشهاب: أصل خشبة، أو عُود فيها نارٌ ساطعةٌ، قاله في ((اللسان)).
وقوله: (مِنْ نَارٍ) متعلّق بصفة لـ(شهاب))، كما تقدّم آنفاً في عبارة
((اللسان)).
(لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي) أي ليجعل ذلك الشهاب في وجهه بَّ حتى يُحرقه به
(فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي قلت هذا الدعاء؛ تحصّناً بالله تعالى
الذي قاله حين قال حسداً، وتجبّراً وتكبّراً: ﴿هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ
إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، فقال له: ﴿إِنَّ عِبَادِى
(١٥)﴾ [الإسراء: ٦٥] (ثُمَّ قُلْتُ:
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَرْ بِرَبِّكَ وَكِيلًا
أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ) قال القاضي عياض تَخُّْهُ: يَحْتَمِل تسميتها تامّةً، أي لا
نقص فيها، ويَحْتَمِل الواجبة له المستحقّة عليه، أو الموجبة عليه العذاب
سرمداً .
قال: وفيه دليل على جواز الدعاء لغيره وعلى غيره بصيغة المخاطبة؛
خلافاً لابن شعبان من أصحاب مالك في قوله: إن الصلاة تَبْطُل بذاك.
قال النووي: وكذا قال أصحابنا: تبطل الصلاة بالدعاء لغيره بصيغة
المخاطبة، كقوله للعاطس: رحمك الله، أو يرحمك الله، ولمن سَلَّم عليه:
وعليك السلام، وأشباهه، والأحاديث السابقة في الباب الذي قبله في السلام
على المصلي تؤيد ما قاله أصحابنا، فيُتَأَوّل هذا الحديث، أو يُحْمَل على أنه
كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو غير ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا الدعاء على إبليس بالخطاب
خاصّ، فيُقتَصَر عليه، فيكون مخصوصاً من عموم النهي عن الدعاء بالخطاب،
كالسلام، وتشميت العاطس، وأما حمله على أنه كان قبل تحريم الكلام، ففيه
نظر؛ لعدم معرفة التاريخ، والله تعالى أعلم.

٢٩٩
(٨) - بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ، ... إلخ - حديث رقم (١٢١٦)
(فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ) أي لم يتأخّر إبليس عما أراده من إلحاق الضرر به وَّ، بل
تمادى عليه، وقوله: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظرف لما قبله، ويَحْتَمل أن يكون ظرفاً
لـ((قلت)) من قوله: ((قلت: ألعنك بلعنة الله))، أي قلت هذا الدعاء ثلاث مرّات
(ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ) يعني أنه لَمّا تمادى على غيّه، ولم يتراجع أراد وَّ أن
يمسكه، ويعاقبه، وفيه أن الله تعالى أقدره على ذلك، وأمكنه منه، ويؤيّد ذلك
ما تقدّم في حديث أبي هريرة حظوته: ((وإن الله أمكنني منه، فذعته)) (وَاللهِ) فيه
جواز الحلف من غير استحلاف؛ لتفخيم ما يخبر به الإنسان وتعظيمه،
والمبالغة في صحّته وصدقه، وقد كثرت الأحاديث بمثل هذا، قاله
النوويّ تَخْذَهُ(١) .
(لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ) عَّ بقوله: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَنْبَغِى
لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥].
قال القاضي عياض رَّتُهُ: معناه أنه مُخْتَصّ بهذا، فامتنع نبينا وَّ من
ربطه، إما لأنه لم يَقْدِر عليه لذلك، وإما لكونه لَمّا تذكّر ذلك لم يتعاط ذلك؛
لظنه أنه لم يَقْدِر عليه، أو تواضعاً وتأدباً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كونه تركه تواضعاً وتأدّباً هو الحقّ؛ وأما تركه
لعدم القوة عليه فيردّه قوله بيلي: ((وإن الله أمكنني منه))، فقد أخبر أنه ممكَّنٌ من
أخذه، وعقابه، وقادر عليه؛ إلا أنه لَمّا تذكّر دعوة سليمانعلَّهُ تأدب معه،
فتركه؛ تواضعاً منه وَله، والله تعالى أعلم.
(لَأَصْبَحَ مُوثَقاً) اسم مفعول، من أوثقه: إذا شدّه، وربطه، أي مربوطاً .
والظاهر أن هذه الواقعة كانت بالليل، فلذلك قال: ((لأصبح))، ويَحْتَمل
أن يكون ((أصبح)) بمعنى ((صار))، أي لصار موثقاً.
وأما قصّة حديث أبي هريرة ته الماضية، فقد صُرِّح فيها بأنها كانت
ليلاً، حيث قال ◌َّه: ((إن عفريتاً من الجنّ جعل يَفْتِك عليّ البارحة))، فالبارحة
لا تُطلق إلا على الليلة الماضية، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ))) ((الولدان)»: بكسر الواو جمع وَلِيد بمعنى
(١) ((شرح النوويّ)) ٣١/٥.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الصبيّ، والجملة حال من فاعل ((أصبح))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء به هذا من أفراد المصنّف ◌َُّ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢١٦/٨] (٥٤٢)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (٣/
١٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٧٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٧٣٢)، و(أبو نعيم) في ((مسنده)) (١١٩٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/
٢٦٣ - ٢٦٤)، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أبي
هريرة رضيالله قبله.
[تنبيه]: قد ذكرت في ((شرح النسائيّ)) بحثاً نفيساً فيما يتعلّق بالجنّ،
فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٩) - (بَابُ جَوَازِ حَمْلِ الصِّبْيَانِ فِي الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢١٧] (٥٤٣) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَعْنَبِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ،
قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكَ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْيَى،
قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ: حَدَّثَكَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْم
الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كَانَ يُصَلِّ، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَّ
زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ بَّهِ، وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَّلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ
وَضَعَهَا؟ قَالَ بَحْيَى: قَالَ مَالِكَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن