Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٨)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٠٨] (٥٣٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ
زَيْدٍ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ إِلَى
جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا
عَنِ الْكَلَامِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زکریّا
النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩.
٤ - (الْحَارِثُ بْنُ شُبَيْلٍ) - بالشين المعجمة، والموحّدة مصغّراً - ويقال:
ابن شِبْل بن عَوْف الْبَجَليّ، أَبو الظُّفيل الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أبي عمرو الشيباني، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وطارق بن
شهاب.
وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق، والأعمش.
قال إسحاق بن منصور: لا يسأل عن مثله - يعني لجلالته - وقال
النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: حديثه - يعني الحارث بن شُبيل - عن عليّ
مرسل لم یدرکه. انتھی.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس
له في هذا الكتاب سوى هذا الحديث.
[تنبيه]: قال الحافظ تَخْلَتُهُ: فرّق جماعة بين الحارث بن شُبيل، وبين

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الحارث بن شِبْل، منهم أبو حاتم، وابن معين، ويعقوب بن سفيان،
والبخاريّ، وابن حبّان في ((الثقات))، ولكن المزيّ - يعني في تهذيب الكمال)) -
تَبِعَ الكلاباذيّ، وقد رَدّ ذلك أبو الوليد الباجيّ على الكلاباذي في ((رجال
البخاريّ تَخّْتُهُ، وقال: الحارث بن شِبْل بصريّ ضعيف، والحارث بن شُبيل
كوفيّ ثقةٌ، وكذا ضَعَّف ابنَ شبل ابنُ معين، والبخاريّ، ويعقوب بن سفيان،
والدار قطنيّ، والله أعلم. انتهى(١) .
٥ - (أَبُو عَمْرِو الشَّيْبَانِيُّ) هو: سَعْد بن إياس الكوفيّ، ثقةٌ مخضرَمٌ [٢]
(ت ٥ أو٩٦) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٦٩.
٦ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن
ثعلبة بن كعب بن الخزرج، مختلف في كنيته، قيل: أبو عمر، وقيل: أبو
عامر، وقيل: أبو عُمارة، وقيل: أبو أُنيسة، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو
سعد، ويقال: أبو سعيد.
واستُضْغِر يومٍ أُحُد، وأول مشاهده الخندق، وقيل: الْمُرَيسيع، وغزا مع
النبيّ وَّر سبع عشرة غزوة، ثبت ذلك في ((الصحيح))، وله حديث كثير، ورواية
أيضاً عن عليّ.
رَوَى عنه أنس مكاتبةً، وأبو الطفيل، وأبو عثمان النَّهْدي، وعبد الرحمن بن
أبي ليلى، وعبد خير، وطاوس. وله قصة في نزول ((سورة المنافقين)) في
((الصحيح))، وشهد صِفّين مع علي، وكان من خواصّه، ومات بالكوفة أيام
المختار سنة ست وستين، وقيل: سنة ثمان وستين.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض قومه، عن زيد بن
أرقم، قال: كنت يتيماً لعبد الله بن رواحة، فخرج بي معه مُرْدِفي يعني إلى
مؤتة، فذكر الحديث، وهو الذي سمع عبد الله بن أَبَيّ يقول: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ
مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فأخبر رسول الله بَّهَ، فسأل عبدَ الله، فأنكر،
فأنزل الله تصديق زيد، ثبت ذلك في (الصحيحين))، وفيه: فقال: ((إن الله قد
صدّقك یا زید)).
(١) ((تهذيب التهذيب)) ١٢٤/٢.

٢٦٣
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٨)
وقال أبو المنهال: سألت البراء عن الصرف؟ فقال: سل زيد بن أرقم،
فإنه خير مني، وأعلم(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً(٢).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ، وفيه التحديث، والإخبار،
والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فنیسابوريّ، وهُشیم،
فواسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض:
إسماعيل، عن الحارث، عن أبي عمرو الشيبانيّ.
٥ - (ومنها): أن زيد بن أرقم ﴿به هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب،
وقد عرفت آنفاً عدد أحاديثه فيه، وكذا الحارث بن شُبيل، وليس له في هذا
الكتاب، ولا في ((صحيح البخاريّ)) إلا هذا الحديث، وقال في ((الفتح)): وليس
لأبي عمرو الشيبانيّ عن زيد بن أرقم ﴿به غير هذا الحديث. انتهى(٣).
٦ - (ومنها): أن صحابيّه به من أفاضل الصحابة ﴿ه، أنزل الله تعالى
في تصديقه سورة كاملة، ((سورة المنافقون))، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) ◌َُبه، وفي رواية البخاريّ: ((عن أبي عمرو الشيبانيّ،
قال: قال لي زيد بن أرقم))، فصرّح بالسماع من زيد نظُه، أنه (قَالَ: كُنَّا
(١) راجع: ((الإصابة)) ٤٨٧/٢ - ٤٨٨، و((تهذيب التهذيب)) ٦٥٨/١.
(٢) ولا ينافي هذا ما ذكرته في ((قرّة العين)) من أنه رَوَى من الأحاديث (٩٠) حديثاً،
اتفق الشيخان منها على أربعة، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بستّة أحاديث؛
لأن ما هنا مع المكرّرات، فتنبّه.
(٣) ((الفتح)) ٨٩/٣.

٢٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ) زاد في رواية البخاريّ: ((على عهد النبيّ ◌َّ).
قال في ((الفتح)): وهذا حكمه الرفع، وكذا قوله: ((أُمِرنا))؛ لقوله فيه:
((على عهد النبيّ وَّ))، حتى ولو لم يقيد بذلك لكان ذِكْرُ نزول الآية كافياً في
کونه مرفوعاً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر ما قاله صاحب ((الفتح)) أنه لا يكون له
حكم الرفع إذا لم يُقيّد بعهده، أو يذكر معه نزول الآية، وهذا ما رجّحوه في
((مصطلح الحديث))، فإن المرجّح هنا أنه يُعطى حكم الرفع مطلقاً، كما بيّن
ذلك السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث))، بقوله:
نَحْوُ ((مِنَ السُّنَّةِ)) مِنْ صَحَابِي
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
((فِي عَهْدِهِ)) أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
كَذَا ((أُمِرْنَا)) وَكَذَا (كُنَّا نَرَى))
تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي
وقال أيضاً:
وَهَكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَوْ رَأْياً أَبَى
وقوله: (يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ) تفسير وتوضيح لقوله: ((كنّا نتكلّم)) (وَهُوَ
إِلَى جَنْبِهِ) جملة حاليّة من «صاحبه)»، وقوله: (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ«يُكَلِّم))، أو
بحال مقدّر، وفي رواية البخاريّ زيادة ((بحاجته))، قال في ((الفتح)»: والذي
يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من
رد السلام ونحوه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التقييد يحتاج إلى دليل؛ إذ الظاهر أنه على
عمومه في كلّ حاجة، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى نَزَلَتْ) وفي رواية البخاريّ: ((حتى نزلت هذه الآية))، فاسم الإشارة
فاعل (نزلت))، ويكون قوله: (﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾) بدلاً من ((هذه الآية))، وعلى
رواية المصنّف يكون قوله: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ مرفوعاً على الفعليّة، وهو
محکيّ؛ لقصد لفظه.
[تنبيه]: اختُلِف في معنى ((قانتين)) على أقوال:
(١) (الفتح)) ٨٩/٣.

٢٦٥
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٨)
الأول: أن معناه ساكتين، وبه قال السديّ.
الثاني: طائعين، وبه قال الشعبي، وجابرُ بنُ زيد، وعطاء، وسعيد بن
جبير، وقال الضحاك: كل قنوت في القرآن، فإنما يُعْنَى به الطاعة.
الثالث: خاشعين، وبه قال مجاهد، قال: والقنوت طول الركوع،
والخشوع، وغضّ البصر، وخفض الجَنَاح.
الرابع: القنوت طولُ القيام، وبه قال ابن عمر ﴿هَا، وقرأ: ((أمَّن هو
قانت آناء الليل ساجداً وقائماً))، وأخرج مسلم في ((صحيح مسلم)): ((أفضلُ
الصلاةِ طولُ القنوت)).
وقال الشاعر [من الرَّمَل]:
قَانِتاً للهِ يَدْعُو رَبَّهُ وَعَلَى عَمْدٍ مِنَ النَّاسِ اعْتَزَل
الخامس: معناه: داعين، لما في ((الصحيحين)) من حديث أنس ◌ّ ◌ُته:
((قَنَتَ رسولُ اللهِ وَّهِ شهراً ... )) الحديث، أي دعا، وقال قوم: معناه طَوَّلَ
قیامه.
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح هذه الأقوال عندي أولها؛ لحديث زيد بن
أرقم رَظُه المذكور هنا، قال: ((حتى نزلت ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلْنِتِينَ﴾، فأمرنا
بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام)).
فهذا نص ظاهر في كون معنى القنوت في الآية السكوتَ. فتبصر، والله
تعالى أعلم.
وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء، ومن حيث كان
أصل القنوت في اللغة الدوَام على الشيء جاز أن يُسَمَّى مديمُ الطاعة قانتاً،
وكذلك من أطَالَ القيامَ، والقراءةَ والدعاءَ في الصلاة، أو أطال الخشوع
والسكوت كل هؤلاء فاعلون للقنوت(١).
وقال ابن دقيق العيد نَّتُهُ: القنوت يُستَعْمَل في معنى الطاعة، وفي معنى
الإقرار بالعبودية، والخضوع، والدعاء، وطول القيام، والسكوت، وفي كلام
بعضهم ما يُفْهَم منه أنه موضوع للمشترك.
(١) راجع: ((تفسير القرطبي)) في تفاصيل هذه الأقوال ٢١٣/٣ - ٢١٤.
-

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال القاضي عياض تَظّتُهُ: وقيل: أصله الدوام على الشيء، فإذا كان هذا
أصله، فمديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي، والقائم في الصلاة، والمخلص
فيها، والساكت فيها، كلهم فاعلون للقنوت.
قال ابن دقيق العيد: وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من استعماله بمعنى
مشترك، وهذه طريقة المتأخرين من أهل العصر وما قاربه، يقصدون بها دفع
الاشتراك والمجاز عن موضوع اللفظ، ولا بأس بها إن لم يَقُم دليل على أن
اللفظ حقيقةٌ في معنى مُعَيَّنٍ أو معاني، ويُستعمل حيث لا يقوم دليل على ذلك.
(١)
انتھی(١).
(فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ) بالبناء للمفعول، أي أمرنا الله تعالى على لسان نبيّه
بأن نسكت عن كلام الناس في الصلاة، فالمراد السكوت عن كلام الناس، لا
مطلق السكوت عن الكلام المشروع في الصلاة، كقراءة القرآن، والذكر،
والدعاء، فإن الصلاة ليست محلّ سكوت، كما سبق في حديث ابن
مسعود ظُه، مرفوعاً: ((إن في الصلاة شُغْلاً))، فهي محلّ قراءة، وتسبيح،
وتکبیر، وتهلیل، وتحمید، ودعاء، ونحو ذلك.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فأمرنا بالسكوت))، أي عن الكلام المتقدِّم
ذكره، لا مطلقاً؛ فإن الصلاة ليس فيها حال سكوت حقيقةً.
قال ابن دقيق العيد تَخُّْ: ويترجح بما دَلّ عليه لفظ ((حتى)) التي للغاية،
والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها. انتهى (٢).
وقوله: (وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَام) قال في ((الفتح)): هذا يقتضي أن كلّ شيء
يُسمّى كلاماً فهو منهيّ عنه؛ حمَلاً للفظ على عمومه، ويحتمل أن تكون اللام
للعهد الراجع إلى قوله: ((يكلّم الرجل منا صاحبه بحاجته))، وقوله: ((فأمرنا
بالسكوت)) أي عما كانوا يفعلونه من ذلك. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((إحكام الأحكام)) ٢/ ٥٢.
(٣) ((الفتح)) ٩٠/٣.
(٢) ((الفتح)) ٩٠/٣.

٢٦٧
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٨)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم ربه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٠٨/٧ و١٢٠٩] (٥٣٩)، و(البخاريّ) في
(كتاب العمل في الصلاة)) (١٢٠٠)، و((التفسير)) (٤٥٣٤)، و(أبو داود) في
(الصلاة)) (٩٤٩)، و(الترمذيّ) فيها (٤٠٥)، و((التفسير)) (٢٩٨٦)، و(النسائيّ)
في ((السهو)) (١٨/٣)، (وأحمد) في ((مسنده)) (٣٦٨/٤)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٨٥٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٢٤٥ و٢٢٤٦)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (١٧١٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٨٦)، و(الطبريّ) في
((تفسيره)) (٥٥٢٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٠٦٣ و٥٠٦٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٤٨/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧٢٢)، و(الخطابيّ) في
((غريب الحديث)) (١/ ٦٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه دليلٌ على تحريم جميع أنواع كلام الآدميين في الصلاة،
وأجمع العلماء على أن الكلام فيها عامداً عالِماً بتحريمه بغير مصلحتها، وبغير
إنقاذها، وشبهه مبطل للصلاة، وأما الكلام لمصلحتها فقال الشافعيّ، ومالك،
وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور: يبطل الصلاة، وجَوَّزه الأوزاعيّ، وبعض
أصحاب مالك، وطائفة قليلة، وكلام الناسي لا يبطلها عند الجمهور ما لم
يَطْل، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يُبطلها، وقد تقدم تحقيق ذلك.
[فائدة]: قال ابن الْمُنَيِّر ◌َخُّ: الفرق بين قليل الفعل للعامد، فلا يُبطل،
وبين قليل الكلام، أن الفعل لا تخلو منه الصلاة غالباً لمصلحتها، وتخلو من
الكلام الأجنبي غالباً مُطَرِداً، والله تعالى أعلم(١).
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وأنها نزلت في النهي عن
الكلام في الصلاة.
٣ - (ومنها): بيان أن الكلام في الصلاة كان مباحاً، ثم نُسخ.
(١) ((الفتح)) ٩١/٣.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ معنى القنوت، وهو السكوت، وهذا أرجح
الأقوال كما قدّمناه.
٥ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد تَخْذُ: أن هذا اللفظ أحد ما يُسْتَدلّ
به على الناسخ والمنسوخ، وهو ذكر الراوي لتقدم أحد الحكمين على الآخر،
وهذا لا شكّ فيه، وليس كقوله: هذا منسوخ من غير بيان التاريخ، فإن ذلك قد
ذُكر فيه أنه لا يكون دليلاً؛ لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق
اجتهاديّ. انتهى(١).
وقيل: ليس في هذه القصة نسخ؛ لأن إباحة الكلام في الصلاة كان
بالبراءة الأصلية، والحكم المزيل لها ليس نسخاً.
وأجيب: بأن الذي يقع في الصلاة ونحوها مما يُمنَع أو يباح إذا قَرَّره
الشارع كان حكماً شرعياً، فإذا ورد ما يُخالفه كان ناسخاً، وهو كذلك هنا،
قاله في ((الفتح))(٢).
٦ - (ومنها): لفظة الراوي تُشعر بأن المراد بالقنوت في الآية السكوت؛
لما دلّت عليه لفظة ((حتى)) التي للغاية، والفاء التي تُشعِر بتعليل ما سبق عليها
لما يأتي بعدها، وقد قيل: إن القنوت في الآية الطاعة، وفي كلام بعضهم ما
يُشعر بحمله على الدعاء المعروف، حتى جَعل ذلك دليلاً على أن الصلاة
الوسطى هي الصبح، من حيث قرانها بالقنوت، والأرجح في هذا كلِّه حمله
على ما أشعر به كلام الراوي، فإن المشاهدين للوحي والتنزيل يعلمون بسبب
النزول والقرائن المحتفَّة به ما يُرشدهم إلى تعيين المحتمِلات، وبيان
المجملات، فهم في ذلك كله كالناقلين للفظ يدل على التعيين والتسبب، وقد
قالوا: إن قول الصحابيّ في الآية: نزلت في كذا يتنزل منزلة المسنَد، قاله ابن
دقيق العيد أيضاً.
٧ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد أيضاً: قوله: «فنُهينا عن الكلام،
وأمرنا بالسكوت)) يقتضي أن كلَّ ما يسمى كلاماً فهو مَنْهِيّ عنه، وما لا يسمى
كلاماً فدلالة الحديث قاصرة عن النهي عنه، وقد اختلف الفقهاء في أشياء، هل
(١) «إحكام الأحكام)) ٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨.
(٢) ((الفتح)) ٩٠/٣.

٢٦٩
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٨)
تبطل الصلاة أم لا؟ كالنفخ، والتنحنح بغير علة وحاجة، وكالبكاء، والذي
يقتضيه القياس أن ما يُسَمَّى كلاماً فهو داخل تحت اللفظ، وما لا يسمى
كلاماً، فمن أراد إلحاقه به كان ذلك بطريق القياس، فَلْيُرَاعَ شرطه في مساواة
الفرع للأصل، أو زيادته عليه.
واعتَبَر أصحاب الشافعيّ ظهور حرفين، وإن لم يكونا مفهمين، فإن أقل
الكلام حرفان، ولقائل أن يقول: ليس يلزم من كون الحرفين يتألف منهما
الكلام أن يكون كل حرفين كلاماً، وإذا لم يكن كلاماً فالإبطال به لا يكون
بالنصّ، بل بالقياس على ما ذكرنا، فَلْيُراعَ شرطه.
اللهم إلا أن يريد بالكلام كل مركب مُفْهِماً كان أو غير مفهم، فحينئذ
يندرج المتنازع فيه تحت اللفظ، إلا أن فيه بحثاً، والأقرب أن يُنْظَر إلى مواقع
الإجماع والخلاف، حيث لا يسمى الملفوظ به كلاماً، فما أجمع على إلحاقه
بالكلام ألحقناه به، وما لم يُجمَع عليه مع كونه لا يسمى كلاماً، فيقوى فيه
عدم الإبطال.
ومن هذا استُضْعِف القول بإلحاق النفخ بالكلام، ومن ضعيف التعليل فيه
قول مَن عَلَّل البطلان به بأنه يشبه الكلام، وهذا ركيك، مع ثبوت السنة
الصحيحة أن النبيّ و18َّ نفخ في صلاة الكسوف في سجوده. انتهى كلامه نَخَذْتُهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح أن المراد بالكلام هو التخاطب
الذي يجري بين الناس؛ إذ قول الراوي ((يُخاطب بعضنا بعضاً))، وكذا الحديث
المتقدّم: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)) ظاهر في كون
المراد مخاطبة بعضهم بعضاً، فلا يدخل فيه التنحنح، والأنين، والتأوّه،
والنفخ، والبكاء، ونحو ذلك؛ لأنها ليست من جنس الكلام الممنوع في
الصلاة، فتبصّر بالإنصاف.
٨ - (ومنها): أن قوله: ((ونُهينا عن الكلام)) هذه الزيادة لم تقع عند
البخاريّ، واستُدلّ بها على أن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضدّه؛ إذ لو كان
كذلك لم يُحتَج إلى قوله: ((ونُهينا عن الكلام)).
وأجيب بأن دلالته على ضدّه دلالة التزام، ومن ثَمَّ وقع الخلاف، فلعلّه

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ذُكر لكونه أصرح، قاله في ((الفتح)»(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح في أن الأمر بالشيء، وكذا النهي عنه
لا يستلزم ضدّه لفظاً، وإنما يستلزمه معنًى؛ إذ لا يتأتّى ما طلبه إلا بضدّه، وقد
أوضحت هذا في ((التحفة المرضيّة)) حيث قلت:
يَسْتَلْزِمَ النَّهْيَ عَنِ الصِّدِّ اعْقِلَا
الْحَقُّ أَنَّ الأَمْرَ بِالشَّيْءِ فَلَا
إِذْ دُونَهُ لَمْ يَأْتِ مَا عَنَاهُ
لَفْظَاً وَيَسْتَلْزِمُ فِي مَعْنَاهُ
الضِّدُّ وَالنَّذْبُ كَإِیجَابٍ بَدَا
وَهَكَذَا الْعَكْسُ وَلَوْ تَعَدَّدَا
وانظر تفاصيل المسألة في شرحها ((المنحة الرضيّة))، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت تحريم الكلام في
الصلاة :
(اعلم): أنهم اختلفوا متى حُرِّم؟ فقال قوم: بمكة، واستدلوا بحديث ابن
مسعود ظُته ورجوعه من عند النجاشيّ إلى مكة.
وقال آخرون: حُرِّم بالمدينة، بدليل حديث زيد بن أرقم ظُله، فإنه من
الأنصار، أسلم بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، وقالوا: ابن مسعود لَمّا عاد إلى
مكة من الحبشة، رجع إلى النجاشيّ إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم ورد
على رسول الله وَ له بالمدينة، وهو يتجهز لبدر.
وقال الخطابيّ تَخْتُهُ: إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة يسيرة.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((حتى نزلت هذه الآية)) ظاهرٌ في أن نسخ
الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة؛ لأن الآية
مدنية باتفاق، فيُشكل ذلك على قول ابن مسعود ظُه: إن ذلك وقع لَمّا رجعوا
من عند النجاشيّ، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين
هاجر إلى الحبشة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا
الأمر بخلاف ذلك، واشتدّ الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضاً، فكانوا في المرة
الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود رظه مع الفريقين.
(١) ((الفتح)) ٩٠/٣.

٢٧١
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٨)
واختُلِفَ في مراده بقوله: ((فلما رجعنا)) هل أراد الرجوع الأول، أو
الثاني؟، فَجَنَح القاضي أبو الطيب الطبريّ، وآخرون إلى الأول، وقالوا: كان
تحريم الكلام بمكة، وحَمَلوا حديث زيد بن أرقم ◌ُه على أنه وقومه لم
يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه.
وجَنَح آخرون إلى الترجيح، فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود نظراته بأنه
حَكَى لفظ النبيّ ◌َّه بخلاف زيد بن أرقم، فلم يَحْكِه.
وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رَظُه رجوعه الثاني، وقد وَرَد أنه قَدِمَ
المدينة، والنبيّ ◌َ﴾ يتجهز إلى بدر.
وفي ((مستدرك الحاكم)) من طريق أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة بن
مسعود، عن ابن مسعود رضيبه قال: بعثنا رسول الله ◌َو إلى النجاشي ثمانين
رجلاً ... فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: ((فتعجل عبد الله بن مسعود، فشَهِد
بدراً».
وفي ((السير)) لابن إسحاق: أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبيّ ◌َّلـ
هاجر إلى المدينة، رَجَع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلاً، فمات منهم
رجلان بمكة، وحُبِس منهم سبعةٌ، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلاً،
فشَهِدوا بدراً، فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه
بالنبيّ ◌َ* بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطابيّ.
قال الحافظ: ولم يَقِفْ مَن تعقب كلامه على مُستَنَده، قال: ويُقَوِّي هذا
الجمع رواية كُلْتُوم المتقدمة، فإنها ظاهرة في أن كلّاً من ابن مسعود وزيد بن
أرقم حَكَى أن الناسخ قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وأما قول ابن حبان: كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين،
قال: ومعنى قول زيد بن أرقم: ((كنا نتكلم)) أي كان قومي يتكلمون؛ لأن قومه
كانوا يُصلون قبل الهجرة، مع مُصعب بن عُمير الذي كان يُعَلِّمهم القرآن، فلما
نُسخ تحريم الكلام بمكة بلغ ذلك أهل المدينة، فتركوه.
فهو متعَقَّب بأن الآية مدنية باتفاق، وبأن إسلام الأنصار، وتوجه
مصعب بن عمير إليهم إنما كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن في حديث
زيد بن أرقم: ((كنا نتكلم خلف رسول الله (وَ )) كذا أخرجه الترمذيّ، فانتفى أن

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة، قبل هجرة النبيّ وَّ إليهم.
وأجاب ابن حبان في موضع آخر: بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: ((كنا
نتكلم)) مَن كان يصلي خلف النبيّ ◌َّ بمكة من المسلمين.
وهو متعقّب أيضاً بأنهم ما كانوا بمكة يَجتمعون إلا نادراً، وبما رَوَى
الطبرانيّ من حديث أبي أمامة قال: ((كان الرجل إذا دخل المسجد، فوجدهم
يصلون، سأل الذي إلى جنبه، فيخبره بما فاته، فيقضي، ثم يَدخُل معهم، حتى
جاء معاذ يوماً، فدخل في الصلاة ... )) فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة
قطعاً؛ لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما أسلما بها. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الراجح أن نسخ الكلام في
الصلاة كان بالمدينة، لا بمكة؛ لوضوح حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٠٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ نُمَيْرٍ،
وَوَكِيعٌ قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث،
سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) وله (٨٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) أي كلّ الثلاثة: عبد الله بن
نُمير، ووكيعٌ، وعيسى بن يونس، رووا عن إسماعيل بن أبي خالد.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي بإسناد إسماعيل المتقدّم، وهو: عن
الحارث بن شُبيل، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن زيد بن أرقم
(١) ((الفتح)) ٨٩/٣ - ٩٠.

٢٧٣
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢١٠)
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، ساقها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال:
(١٢٠٠) حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى - هو ابن يونس - عن
إسماعيل، عن الحارث بن شُبيل، عن أبي عمرو الشيبانيّ، قال: قال لي زيد بن
أرقم: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبيّ وَّه يكلم أحدنا صاحبه
بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى القَلَوَتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَانِتِينَ
[البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت. انتهى.
وأما رواية عبد الله بن نُمير، ووكيع، فساقها الطبريّ في ((تفسيره)) (٢/
٥٧٠) مقرونين بابن أبي زائدة، ويعلى بن عُبيد، فقال:
حدّثنا عبد الحميد بن بيان السكريّ، قال: أخبرنا محمد بن يزيد،
وحدّثنا أبو كريب، قال ثنا ابن أبي زائدة، وابن نُمَير، ووكيع، ويعلى بن
عبيد، جميعاً عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شِبْلُ(١)، عن أبي
عمرو الشيبانيّ، عن زيد بن أرقم، قال: ((كنا نتكلم في الصلاة على عهد
رسول الله ◌َ، يكلم أحدنا صاحبه في الحاجة، حتى نزلت هذه الآية:
﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ (49)﴾، فأمرنا
بالسكوت)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢١٠] (٥٤٠) - (حَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، وَهُوَ يَسِيرُ - قَالَ قُتَيْبَةُ: يُصَلِّي -،
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: ((إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفاً، وَأَنَّا
أُصَلِّي))، وَهُوَ مُوَجِّهُ حِينَئِذٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ).
(١) تقدّم أن الصحيح أنه ابن شُبيل مصغّراً، وأما ابن شِبْل، فراو آخر ضعيف، فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٢٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام السَّلَميّ الأنصاريّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤)
سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وهو (٧٠) من رباعيّات
الكتاب، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخه محمد بن رُمح،
فانفرد به هو، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيّ، وهو جابر نَظُه، ومكيّ، وهو أبو
الزبير، وبغلانيّ، وهو قتيبة، والباقيان مصريّان.
٤ - (ومنها): أن جابراً ظله أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ◌َُْهُ (أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ) أي لقضائها .
قال الجامع عفا الله عنه: لم أر من بينّ عين تلك الحاجة، غير أنها تتعلّق
بيني الْمُصطلِقِ، والله تعالى أعلم.

٢٧٥
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢١٠)
وفي رواية زهير التالية: ((أرسلني رسول الله وَّ﴾، وهو منطلقٌ إلى بني
المُصطَلِقِ، فأتيته، وهو يصلي ... ))، ولأبي داود: ((أرسلني رسول الله وَّل إلى
بني المصطلق))، وفي رواية للبخاريّ من رواية عطاء بن أبي رباح، عن
جابر رَُّه: ((بعثني رسول الله وَّ﴾ في حاجة له، فانطلقتُ، ثم رجعتُ، وقد
قضيتها، فأتيت النبيّ وَّر، فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فوقع في قلبي ما الله
أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله وَّهُ وَجَدَ(١) عليّ أني أبطأت عليه،
ثم سلمت عليه، فلم يرد عليّ، فوقع في قلبي أشدّ من المرة الأولى، ثم
سلمت عليه فردّ عليّ، فقال: إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي، وكان
على راحلته متوجهاً إلى غير القبلة)).
وقوله: ((فردّ عليّ)) أي بعد الفراغ من الصلاة، قاله في (الفتح))(٢).
(ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، وَهُوَ يَسِيرُ) جملة حاليّة من المفعول (قَالَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد،
شيخه الأول في روايته (يُصَلِّ) بدل قول محمد بن رُمح: ((وهو يسير))، وفي
رواية زُهير التالية: ((وهو يصلي على بعيره))، وفي رواية عطاء الآتية: ((وهو
يصلّي على راحلته على غير القبلة)) (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) فيه جواز السلام على من
يُصلّي، وسيأتي بيان الخلاف فيه قريباً - إن شاء الله تعالى - (فَأَشَارَ إِلَيَّ) أي
أشار ◌َّ بردّ السلام عليّ، وفي رواية زُهير: ((فكلّمته، فقال لي بيده هكذا،
وأومأ زهير بيده، ثم كلّمته، فقال لي هكذا، فأومأ زُهير أيضاً بيده نحو
الأرض، وأنا أسمعه يقرأ، يومئ برأسه)).
(فَلَمَّا فَرَغَ) أي انتهى من صلاته، وسلّم منها (دَعَانِي) أي طلبني لأحضر
عنده، ويستفسرني هل قضيت حاجته أم لا؟، وفي رواية النسائيّ: ((فانصرفت،
فناداني: يا جابر، فناداني الناس: يا جابر، فأتيته)). (فَقَالَ: ((إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفاً)
أي الآن، قال في ((القاموس)): وقال آنفاً، كصاحب، وكَتِفٍ، وقرئ بهما، أي
مذ ساعة، أي في أول وقت يقرُبُ منّا. انتهى (٣).
(وَأَنَا أُصَلِّ))) جملة حاليّة من الفاعل، فقوله وَّ: ((إنك سلّمت عليّ ...
(١) أي غضب.
(٣) ((القاموس المحيط)) ١١٩/٣.
(٢) ١٠٥/٣.

٢٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إلخ)) ذكره اعتذاراً إلى جابر ربه في عدم ردّه سلامه، وفي رواية النسائيّ:
((فقلت: يا رسول الله سلّمت عليك، فلم تردّ عليّ؟ قال: إني كنت أصلّي))،
وفي رواية زهير التالية: ((فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم
يمنعني أن أكلّمك إلا أني كنت أصلّي)).
وقوله: (وَهُوَ مُوَجِّهٌ) بصيغة اسم الفاعل، من وجّه بمعنى توجّه، فهو
لازم، يقال: وجّهتُ إليه توجيهاً: بمعنى توجّهتُ، أفاده في ((القاموس)).
وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((موجّه)) بكسر الجيم: أي مُوَجّه وجهَهُ
وراحلته. انتهى. وعلى ما قاله فهو متعدّ، ولذا قدّر له المفعول.
ويَحتَمِل أن يكون بصيغة اسم المفعول، بمعنى أن الله تعالى وجّهه، أي
أمره بالتوجّه في صلاته إلى تلك الجهة.
(حِينَئِذٍ) أي وقت كونه يُصلي عند مجيء جابر، وسلامه عليه (قِبَلَ
الْمَشْرِقِ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي جهة مطلع الشمس، وإنما توجّه
نحو المشرق؛ لكون بني الْمُصطَلِقِ الذين يريد غزوهم كانوا في جهة الشرق
لأهل المدينة.
والمقصود أنه وَلقر لم يكن في صلاته تلك متوجّهاً إلى الكعبة، وذلك لأن
الصلاة نافلة، ففي حديث جابر مظله عند البخاريّ: ((فكان رسول الله عَليه
يصلّي على راحلته حيث توجّهت، فإذا أراد الفريضة نزل، فاستقبل القبلة))،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢١٠/٧ و١٢١١ و١٢١٢ و١٢١٣] (٥٤٠)،
و(البخاريّ) في ((كتاب العمل في الصلاة)) (١٢١٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٩٢٦ و١٢٢٧)، و(الترمذيّ) فيها (٣٥١)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (٦/٣)،
و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٠١٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٤/٣)،

٢٧٧
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢١٠)
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٧٠)، و(ابن حبّان) (٢٥١٦)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (١٧٢١ و١٧٢٢ و١٧٢٣ و١٧٢٤ و١٧٢٥ و١٧٢٦)، وأبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١١٨٧ و١١٨٨ و١١٨٩ و١١٩٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٢٥٨/٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الكلام في الصلاة مطلقاً فرضاً كانت أو نفلاً.
٢ - (ومنها): بيان أن ردّ السلام بالقول في الصلاة يُعتبر من كلام
الناس، فيُبطل الصلاة.
٣ - (ومنها): استحباب ردّ السلام بالإشارة في الصلاة، وأنه لا تبطل
الصلاة بالإشارة ونحوها من الحركات اليسيرة.
٤ - (ومنها): استحباب الاعتذار لمن سَلَّم في الصلاة، ومنعه من ردّ
السلام مانع، ويذكر له ذلك المانع، وإن ردّ عليه بالإشارة؛ لاحتمال عدم علمه
بذلك، فيتغيّر خاطره بعدم الردّ.
٥ - (ومنها): كراهة ابتداء السلام على المصلّي؛ لكونه ربّما شغل بذلك
فكره، واستدعى منه الردّ، وهو ممنوع منه، وبذلك قال جابر ظُبه، وهو راوي
الحديث، وكرهه عطاءٌ، والشعبيّ، ومالك في رواية ابن وهب، وقال في
((المدوّنة)): لا يُكره، وبه قال أحمد والجمهور.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح قول من قال بعدم الكراهة؛ لأن
النبيّ وَّ سُلّم عليه غير مرّة، فلم يُنكر ذلك، بل ردّ بالإشارة، وردّ بعدما سلّم،
فدلّ على أنه غير مكروه؛ إذ لو كره لنهى عنه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): استحباب الردّ بالإشارة لمن سُلّم عليه وهو يصليّ.
٧ - (ومنها): استحباب الرد أيضاً بعدما سلّم من صلاته؛ لأنه ◌َ* ردّ
أيضاً بعد السلام.
٨ - (ومنها): جواز النافلة على الدابّة إلى أيّ جهة توجّهت به دابته، وهو
مجمع عليه، كما قال النوويّ رَّتُهُ، وأما الفريضة فلا تصحّ إلا على الأرض،
متوجِّهاً إلى القبلة، وقد تقدّم بيان ذلك في محلّه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢١١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنِي أَبُو
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى بَنِي الْمُصْطَّلِقِ،
فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّ عَلَى بَعِيرِهِ، فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ بِيَدِهِ، ثُمَّ
كَلَّمْتُهُ، فَقَالَ لِي هَكَذَا، فَأَوْمَاً(٢) زُهَيْرٌ أَيْضاً بِيَدِهِ نَحْوَ الْأَرْضِ، وَأَنَا أَسْمَعُهُ (٣)
يَقْرَأُ، يُومِنُ بِرَأْسِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: ((مَا فَعَلْتَ فِي الَّذِي أَرْسَلْتُكَ لَهُ؟ فَإِنَّهُ لَمْ
يَمْتَعْنِي أَنْ أُكَلِّمَكَ، إِلَّا أَنّي كُنْتُ أُصَلِّي))، قَالَ زُهَيْرٌ: وَأَبُو الزُّبَيْرِ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ
الْكَعْبَةِ، فَقَالَ بِيَدِهِ أَبُو الزُّبَيْرِ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَقَالَ بِيَدِهِ إِلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن
قيس التميميّ الْيَرْبوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، من كبار [١٠]
(ت٢٢٧) عن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
ومن لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَذَتُهُ، كسابقه، وهو
(٧١) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ) بكسر اللام، بصيغة اسم
الفاعل، قال في ((القاموس)): و((الْمُصْطَلِقِ)): لقب جَذِيمة بن سعد بن عمرو،
سُمّي لحسن صوته، وكان أول من غَنّى في خُزَاعة. انتهى (٤).
وقال في ((اللباب)): اسمه جَذِيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن
عمرو بن عامر، بطن من خُزاعة. انتهى(٥).
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٣) وفى نسخة: ((وأنا سمعته)).
(٥) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٣٦/٢.
(٢) وفي نسخة: (وأومأ)).
(٤) ((القاموس المحيط)) ٢٥٥/٣.

٢٧٩
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢١٢)
وقوله: (فَكَلَّمْتُهُ) الظاهر أنه أراد السلام عليه، كما بيّنته الروايات
الأخرى.
وقوله: (فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا) يعني أشار بيده، ففيه استعمال القول
للإشارة، وهو شائع، كما تقدّم.
وقوله: (وَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ بِيَدِهِ) أي أشار زهير بن معاوية في روايته بياناً لمعنى
قوله: ((فقال لي بيده)).
وقوله: (نَحْوَ الْأَرْضِ) أي أشار بيده إلى جهة الأرض، والظاهر أنه يأمره
بأن يجلس في الأرض حتى ينتهي من الصلاة.
وقوله: (وَأَنَا أَسْمَعُهُ يَقْرَأ) وفي بعض النسخ: ((وأنا سمعته يقرأ)).
وقوله: (يُومِىُّ بِرَأْسِهِ) أيٍ بالركوع والسجود.
وقوله: (مَا فَعَلْتَ فِي الَّذِي أَرْسَلْتُكَ لَهُ؟) ((ما)) استفهاميّة مفعول مقدّم
لـ((فعلت)) أي أيَّ فعل فعلت في الحاجة التي أرسلتك لقضائها، فهل قضيتها
أم لا؟ .
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ: وَأَبُو الزُّبَيْرِ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ) فيه إشارة إلى أن
زهيراً سمع هذا الحديث من أبي الزبير، وهو جالسٌ أمام الكعبة.
وقوله: (فَقَالَ بِيَدِهِ) أي أشار بيده بياناً لجهة الحاجة التي أرسل لها
جابر نظُه، وهي إلى جهة بني المصطلِقِ.
وقوله: (فَقَالَ بِيَدِهِ إِلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ) أي أشار أبو الزبير إلى الجهة التي
استقبلها الرسول 0 أنها كانت في غير جهة القبلة، وفيه دليلٌ على جواز النافلة
على الدابّة في السفر حيث توجّهت به دابّته، وهذا مجمع عليه، قاله
النوويّ كَّقُ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
[١٢١٢] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
قال :
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٧/٥ - ٢٨.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
كَثِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِّ وَّهِ، فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ (١)، فَرَجَعْتُ،
وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ(٢)، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ،
فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي(٣) أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن درهم الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ حافظ عابد فقيه، من كبار [٨] (ت١٧٩) عن (٨١) سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٢٦/٥.
٣ - (كَثِير) بن شِنْظير - بكسر المعجمتين، وسكون النون - المازنيّ،
ويقال: الأزديّ، أبو قرّة البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [٦].
رَوَى عن عطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والحسن، ومحمد، وأنس،
وابن سيرين، ويوسف بن أبي الحكم، وغيرهم.
ورَوَى عنه سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد،
وأبان بن يزيد العطار، وحفص بن سليمان الغاضري، وأبو عامر الخزاز،
وعباد بن عباد، وبشر بن المفضل، وجماعة.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: صالح، ثم قال: قد روى
عنه الناس، واحتملوه، وقال مرة: صالح الحديث. وقال إسحاق بن منصور عن
ابن معين: صالح. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عمرو بن
علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكان ابن مهدي يحدث عنه. وقال أبو
زرعة: ليّن. وقال النسائيّ: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: أرجو أن تكون
أحاديثه مستقيمة، وقال أيضاً: ليس في حديثه شيء من المنكر. وقال ابن سعد:
كان ثقة - إن شاء الله -. وقال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن كثير بن شِنِظِير، هو
صحيح الحديث - أو قيل: ثبت الحديث؟ قال: لا، ثم قال كلاماً، معناه: يُكتب
(١) وفي نسخة: (كنا مع النبيّ وَ ل يعني في سفر، فبعثني في حاجة)).
(٢) وفي نسخة: ((ووجهه إلى غير القبلة)).
(٣) وفي نسخة: ((أما إنه لم يمنعني)).