Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
اللفظ، فهذا باطلٌ؛ لأن هذا ليس مذهب السلف، وإنما مذهبهم أنهم يعرفون
المعنى اللغوي، ويُثبتون ذلك لله رب على ما يليق بجلاله من غير تكييف، ولا
تشبيه، ولا تعطيل، فتفطّن، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: والثاني: تأويله بما يَلِيق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد
امتحانها، هل هي مُوَحِّدة تُقِرُّ بأن الخالق المدبر الفعال، هو الله وحده، وهو
الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء، كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة،
وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصراً في جهة الكعبة، بل
ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لأن السماء قبلة الداعين)) هذا لا دليل
عليه، فإن الأدلّة الصحيحة تدلّ على أنه وَّير كان إذا دعا استقبل القبلة، وليس
فيها استقبل السماء، فقد وردت أحاديث كثيرة بهذا المعنى، سيأتي ذكرها في
محالّها - إن شاء الله تعالى -.
والحاصل أن الكعبة هي قبلة الصلاة، والدعاء، فتبصّر، ولا تكن أسير
التقليد .
قال: أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم، فلما
قالت: ((في السماء)) عَلِمَ أنها مُؤَخِّدة، وليست عابدة للأوثان.
قال الجامع عفا الله عنه: ما أبعد هذا التأويل عن معنى هذا النصّ، وما
أسمجه، وأسخفه، فهل من عاقل يفهم لغة العرب إذا سمع قول النبيّ وَّر:
((أين الله؟))، وجواب الأمة بقولها: ((في السماء)) يفهم هذا التأويل من هذا
السؤال والجواب، هيهات هيهات.
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَا شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبٍ
وبالجملة فهذا تأويلٌ ما أنزل الله به من سلطان، ولا ذهب إليه المحقّقون
من أولي الهداية والعرفان، فالصواب الذي عليه المعوَّل هو المذهب الأول،
وهو الذي كان عليه السلف رضي الله عنهم أجمعين، وسلك بنا مسلكهم
الأمين آمين آمين آمين.
وقال القاضي عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبةً فقيههم ومحدثهم
ومتكلمهم ونُظّارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء،

٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
كقوله تعالى: ﴿َأَمِثُم مَّنْ فِ السَّمَاءِ أَن يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ الآية [الملك: ١٦]
ونحوه ليست على ظاهرها، بل متأوَّلة عند جميعهم، فمن قال بإثبات جهة فوق
من غير تحديد، ولا تكييف من المحدثين، والفقهاء والمتكلمين تأول ﴿في
السَّمَلِ﴾ أي على السماء، ومن قال من دُهَمَاء النظار والمتكلمين، وأصحاب
التنزيه بنفي الحدّ، واستحالة الجهة في حقه ريك تأوّلوها تأويلات بحسب
مقتضاها، وذكر نحو ما سبق.
قال: ويا ليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحق كلهم على وجوب
الإمساك عن الفكر في الذات، كما أُمِروا، وسكتوا لحيرة العقل، واتفقوا على
تحريم التكييف والتشكيل، وأن ذلك من وقوفهم، وإمساكهم غير شاكّ في
الوجود والموجود، وغير قادح في التوحيد، بل هو حقيقته، ثم تسامح بعضهم
بإثبات الجهة خاشياً من مثل هذا التسامح، وهل بين التكييف وإثبات الجهات
فرق؟، لكن إطلاق ما أطلقه الشرع، من أنه القاهر فوق عباده، وأنه استوى
على العرش، مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكليّ الذي لا يصح في
المعقول غيره، وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ الآية [الشورى: ١١]
عصمة لمن وفقه الله تعالى وهداه. انتهى كلام القاضي عياض ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: كلام القاض عياض الأخير هو الذي نعوِّل
عليه، فنُثبت لله تعالى ما أثبته في الكتاب العزيز، وثبت في السنة الصحيحة،
فلا نُعطّل، وننفي عنه التشبيه، فلا نُمثِّلُ.
وأما قوله: ((ويا ليت شعري)) إلى قوله: ((وهل بين التكييف وإثبات الجهة
فرقٌ؟)) فكلام غير صحيح؛ إذ الفرق بينهما واضح، حيث إن التكييف غير
جائز؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]،
وأما إثبات الجهة بمعنى أنه تعالى فوق العرش، وفوق مخلوقاته فوقيّةً تليق
بجلاله رحمت، فصحيح جائزٌ الإطلاق، كما أطلقته النصوص الكثيرة، كقوله
تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ﴾﴾، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾
[النحل: ٥٠]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ﴾ [فاطر: ١٠]، وكحديث الباب: ((أين
(١) ((إكمال المعلم)) ٢ /٤٦٥ - ٤٦٦.

٢٢٣
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
الله؟ قالت: في السماء))، إلى غير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة التي
تُثبت الفوقيّة لله تعالى.
والحاصل أن الواجب أن نستعمل النصوص على ما دلّت عليه من إثبات
صفات الله وَ إثباتاً بلا تمثيل، وننزّهه عما لا يليق بجلاله تنزيهاً بلا تعطيل،
وسيأتي تمام البحث في هذا بذكر ما كتبه الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ في
المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) وَ لتلك الجارية أيضاً ((مَنْ أَنَا؟)) قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ) وَ-
((أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ))) الفاء للتعليل، فالجملة تعليل للعتق، أي أعتقها؛ لأنها
مؤمنة، فتُجزئ عن الرقبة التي عليك.
قال النوويّ كَّتُهُ: في هذا الحديث أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق
الكافر، وأجمع العلماء على جواز عتق الكافر في غير الكفارات، وأجمعوا
على أنه لا يُجزئ الكافر في كفارة القتل، كما ورد به القرآن، واختلفوا في
كفارة الظهار، واليمين، والجماع في نهار رمضان، فقال الشافعيّ، ومالك،
والجمهور: لا يجزئه إلا مؤمنة؛ حملاً للمطلق على المقيد في كفارة القتل،
وقال أبو حنيفة والكوفيون: يجزئه الكافر؛ للإطلاق، فإنها تُسَمَّى رقبة.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في الموضع
المناسب لها - إن شاء الله تعالى -.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية بن الحكم
هذا من أفراد
عَنَّه
المصنّف نَخَذْتُهُ .
[فائدة]: وقع في ((الموظّأ)) خطأ في اسم هذا الصحابيّ نَظُهُ، ونصّه:
((مالكٌ، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عُمَر بن الحكم أنه قال:
أتيت رسول الله (وَلقيم)) الحديث.

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فقوله: ((عمر بن الحكم)) اتّفقوا على أنه غلط، قال الحافظ أبو عمر بن
عبد البرّ دخّلُهُ: هكذا رواه جماعة رواة ((الموطأ))، عن مالك، كلهم قال فيه:
((عن عمر بن الحكم))، وهو غلط، ووَهَمِّ منه، وليس في الصحابة رجل يقال
له: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم السُّلَميّ.
وكذلك قال فيه كلُّ مَن رَوَى هذا الحديث، عن هلال هذا، وهو هلال بن
عليّ بن أبي ميمونة، وأبو ميمونة اسمه أسامة، فربما قال: هلال بن أسامة،
وربما قال: هلال بن أبي ميمونة، ينسبونه كله (١) إلى ذلك، وربما قالوا:
هلال بن عليّ بن أبي ميمونة، وهو مولى عامر بن لُؤَيّ.
وأما معاوية بن الحكم، فمعروف في الصحابة، والحديث له محفوظ،
وقد يمكن أن يكون الغلط في اسمه جاء من قِبَل هلال شيخ مالك، لا من
مالك، والدليل على ذلك رواية مالك في هذا الحديث، عن ابن شهاب، عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن معاوية بن الحكم، في غير ((الموطأ))، ولم
يقل: عمر بن الحكم، وقال فيه: معاوية بن الحكم، إلا أن مالكاً لم يذكر في
روايته لهذا الحديث عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن معاوية بن الحكم،
عن النبيّ وَّ إلا قصة إتيان الكُهّان والطيرة، لا غير، وكذلك رواه أصحاب
ابن شهاب.
ورواه الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن
عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم، قال: قلت: يا رسول الله، إنا كنا
حديثي عهد بجاهلية، فجاء الله بالإسلام، وإن رجالاً منا يتطيرون، وذكر الخبر
في الطيرة، وفي إتيان الكهان، وفي الخط، وفي كلامهم في الصلاة.
انتھی(٢).
وقال في ((التمهيد)) بعد ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه: قال الطحاويّ: سمعت
المزنيّ يقول: قال الشافعيّ: مالك بن أنس يُسَمِّي هذا الرجلَ عُمَر بن الحكم،
وإنما هو معاوية بن الحكم، قال الطحاويّ: وهو كما قال الشافعيّ، وقال
(١) هكذا نسخة ((الاستذكار))، ولعل الصواب ((كلهم))، فليُحرّر.
(٢) ((الاستذكار)) ٣٣٦/٧ - ٣٣٧.

٢٢٥
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
الطحاويّ: وقال مالك: هلال بن أسامة، وإنما هو هلال بن عليّ، غير أن
قائلاً قال: هو هلال بن عليّ بن أسامة، فإن كان كذلك فإنما نسبه مالك إلى
جدّه. انتهى(١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٠٤/٧ و١٢٠٥] (٥٣٧)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٩٣٠) وفي ((الأيمان والنذور)) (٣٢٨٢)، و(النسائيّ) في ((الصلاة))
(١٢٣١٨) و((الكبرى)) (١١٤٥) و((السير)) من ((الكبرى)) (٨٥٨٩)، و(مالك) في
((الموطأ)) (٥/٣ -٦)، و(الشافعيّ) في ((الرسالة)) (٢٤٢)، و(أبو داود الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (١١٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٩/١١ و٢٠)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٤٤٧/٥ - ٤٤٨)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢١٢)، و(ابن
خزيمة) في ((التوحيد)) (ص١٢١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٥ و٢٢٤٨)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٣٨/١٩)، و(أبو عبيد) في ((الإيمان)) (٨٤)، و(ابن
أبي عاصم) في ((السنة)) (١٠٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٧/١٠) وفي
((الأسماء والصفات)) (ص٤٢١)، و(اللالكائيّ) في ((السنّة)) (٦٥٢)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٧٢٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٨٣ و١١٨٤)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم الكلام في الصلاة، وهو تحريم كلام الناس،
وإنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، ونحوها من الأذكار والدعوات
المشروعة فيها .
قال النوويّ نَخْتُهُ: فيه تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان لحاجة أو
غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه، أو إذن
الداخل ونحوه سَبَّحَ إن كان رجلاً، وصَفَّقَت إن كانت امرأةً.
قال: هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة - رحمهم الله تعالى -
والجمهور من السلف والخلف.
(١) ((التمهيد لابن عبد البر)) ٧٨/٢٢.

٢٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال طائفة، منهم الأوزاعيّ: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة؛ لحديث
ذي الیدین.
قال: وهذا في كلام العامد العالم، أما الناسي فلا تبطل صلاته بالكلام
القليل عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، والجمهور، وقال أبو حنيفة والكوفيون:
تبطل. دليلنا حديث ذي اليدين، فإن كثر كلام الناس ففيه وجهان، مشهوران
لأصحابنا، أصحهما: تبطل صلاته؛ لأنه نادر، وأما كلام الجاهل، إذا كان
قريب عهد بالإسلام، فهو ككلام الناسي، فلا تبطل الصلاة بقليله؛ لحديث
معاوية بن الحكم هذا الذي نحن فيه؛ لأن النبيّ وَلو لم يأمره بإعادة الصلاة،
لكن علَّمه تحريم الكلام فيما يُستَقبل. انتهى كلام النوويّ تَُّهُ(١). وسيأتي
تمام البحث في هذا في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل من مكارم الأخلاق، والملاطفة
في التعليم، فلا يضرب من يُعلِّمه إذا أساء، ولا يُعَنِّفه، ولا يسُبّه، ولا يُعبِّس
وجهه عليه، بل يُرشده بلطف وحكمة، فكان المثل الأعلى في الخُلق العظيم،
كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤]، وكان ليّن
الجانب، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ اٌلْقَلْبِ
لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، فكان رحمة للعالمين، كما قال
تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ (4)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ولقد أحسن من
قال، وأجاد في المقال [من الخفيف]:
رَحْمَةٌ كُلُّهُ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ
وَعِصْمَةٌ وَوَقَارٌ وَحَيَاءُ
فينبغي لمن كان يرجو الله واليوم الآخر أن يتخلّق بأخلاقه ◌َّ في الرفق
بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه، اللهم
اجعلنا متخلّقين بأخلاقه ولا الكريمة، ومتمسّكين بشيمه العظيمة، إنك سميع
قریب مجیب الدعوات آمين .
٣ - (ومنها): تحريم التطيّر والتشاؤم بالأشياء.
٤ - (ومنها): تحريم الْكِهانة، وتحريم الإتيان إلى الكُهّان.
(١) ((شرح النووي)) ٢١/٥.

٢٢٧
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
٥ - (ومنها): تحريم الخطّ المسمَّى بضرب الرمل، وبيانه أنه كان نبيّ من
الأنبياء ◌ِلَّْ يفعله، فهو علم خاصّ به، لا يجوز لغيره أن يتعاطاه؛ لأنه لا
يعلم هل يُصيب خطّه أم لا؟.
٦ - (ومنها): أن تشميت العاطس من جملة كلام الناس الذي لا يجوز
في الصلاة، فلو شمّت عاطساً في الصلاة، بطلت صلاته، إن كان عالِماً
عامداً.
قال النوويّ كَّلُهُ: قال أصحابنا: إن قال: يرحمك الله بكاف الخطاب
بطلت صلاته، وإن قال: يرحمه الله، أو اللهم ارحمه، أو رَحِم الله فلاناً لم
تبطل صلاته؛ لأنه ليس بخطاب، وأما العاطس في الصلاة، فيستحب له أن
يَحْمَد الله تعالى سرّاً، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وغيره، وعن ابن عمر،
والنخعيّ، وأحمد - رحمهم الله - أنه يجهر به، والأول أظهر؛ لأنه ذكرٌ والسنة
في الأذكار في الصلاة الإسرار، إلا ما استُثْنِي من القراءة في بعضها ونحوها.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي من قول من قال: يجهر به أن
يحمد الله بقدر ما يسمعه من في الصفّ، وهذا هو الحقّ، فإن الرجل الذي
عطس وراء النبيّ ټے قد رفع صوته بالحمد، ولم يُنگر علیه.
فقد أخرج أحمد، وأصحاب السنن عن معاذ بن رفاعة، عن أبيه، قال:
صليت خلف رسول الله وسل*، فعطست، فقلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً
مباركاً فيه، مباركاً عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله وَله
انصرف، فقال: ((من المتكلم في الصلاة؟)) فلم يتكلم أحدٌ، ثم قالها الثانية:
((من المتكلم في الصلاة؟))، فلم يتكلم أحدٌ، ثم قالها الثالثة: ((من المتكلم في
الصلاة؟))، فقال رفاعة بن رافع بن عفراء: أنا يا رسول الله، قال: ((كيف
قلت؟)) قال: قلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، مباركاً عليه، كما
يحب ربنا ويرضى، فقال النبيّ ◌َلّ: ((والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة
وثلاثون ملكاً، أيهم يصعد بها؟))، وأصل الحديث في ((صحيح البخاريّ))، لكنه
لم يذكر العطاس.
فهذا الرجل قد حمد الله بعد العطاس في الصلاة، فرفع به صوته، بحيث

٢٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
سمعه النبيّ بَّ، ومن معه، فذكر له الفضل في ذلك، ولم يعنّفه في رفع صوته،
فدلّ على أن تحميد العاطس لا بأس في الجهر به، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): مشروعيّة تشميت العاطس، وذلك بعد حمده؛ لأنه السنّة،
فقد أخرج البخاريّ، عن أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَّر قال: ((إذا عطس
أحدكم، فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه، أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال
له: يرحمك الله، فليقل: يَهْدِیکم الله، ويصلح بالكم)).
وأخرج المصنّف من حديث أبي موسى الأشعريّ ◌ُبه، قال: سمعت
رسول الله وَلو يقول: ((إذا عطس أحدكم، فحمد الله، فشمِّتوه، فإن لم يحمد الله
فلا تشمتوه)) .
٨ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن من حَلَف لا يتكلم، فسَبَّح، أو كبّر،
أو قرأ القرآن لا يَحْنَث، قال النوويّ تَخُّْ: وهذا هو الصحيح المشهور في
مذهبنا، قال: وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض
من فروض الصلاة، وجزء منها، وقال أبو حنيفة تَخّْثُهُ: ليست منها، بل هي
شرط خارج عنها، متقدِّم عليها . انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ ما قاله الجمهور؛ لأن الأدلّة التي أوجبت
سائر أركان الصلاة، من القراءة، والركوع، والسجود، وغيرها هي التي
أوجبت تكبيرة الإحرام، فلا يُعتبر خارجاً منها، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): جواز استخدام السيد جاريته في الرعي، وإن كانت تنفرد
في المرعى، وإنما حَرَّم الشرع مُسَافَرَة المرأة وحدها؛ لأن السفر مَظِنَّة الطمع
فيها، وانقطاع ناصرها والذاتّ عنها، وبُعْدها منه، بخلاف الراعية، ومع هذا
فإن خيف مفسدة من رَغْيِها لِرِيبة فيها، أو لفساد مَن يكون في الناحية التي
ترعى فيها، أو نحو ذلك لم يسترعها، ولم تُمَكَّن الحرة ولا الأمة من الرعي
حينئذ؛ لأنه حينئذ يصير في معنى السفر الذي حَرَّمه الشرع على المرأة، فإن
كان معها محرم أو نحوه، ممن تَأْمَن معه على نفسها، فلا منع حينئذ، كما لا
يُمنع من المسافرة في هذا الحال، والله تعالى أعلم(١).
(١) ((شرح النووي)) ٢٤/٥.

٢٢٩
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
١٠ - (ومنها): تعظيم ضرب الخادم إذا ضاع عليه شيء مما في يده بغير
تعدّ منه.
١١ - (ومنها): الترغيب في الرأفة والرفق بالخدم، والتنفير من إهانتهم.
١٢ - (ومنها): بيان شأن المؤمن، وإكرامه، والإحسان إليه.
١٣ - (ومنها): أن الكافر لا يصير مؤمناً إلا بالإقرار بالله تعالى، وبرسالة
محمد ◌َد.
١٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن من أقر بالشهادتين، واعتقد ذلك
جزماً كفاه ذلك في صحة إيمانه، وكونه من أهل القبلة والجنة، ولا يُكَلَّف مع
هذا إقامة الدليل والبرهان على ذلك، ولا يلزمه معرفة الدليل، وهذا هو الحقّ
الذي عليه السلف، وجمهور الخلف، فما ابتدع مسألة وجوب النظر إلا متأخرو
المتكلمين وأهل الاعتزال، ومن سار على دربهم، وقد سبق بيان هذه المسألة
في أوائل ((كتاب الإيمان)) مع ما يتعلّق به، فراجعه تجد علماً جمّاً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكلام في الصلاة:
قال النوويّ في كتابه ((المجموع)) ما حاصله: كلام المصلي في صلاته
على ثلاثة أقسام:
[أحدها]: أن يتكلم عامداً لا لمصلحة الصلاة، فتبطل صلاته بالإجماع،
نَقَل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره؛ لحديث معاوية بن الحكم السابق، وحديث
ابن مسعود، وحديث جابر، وحديث زيد بن أرقم، وغيرها من الأحاديث التي
سنذكرها - إن شاء الله تعالى -.
[الثاني]: أن يتكلم لمصلحة الصلاة، بأن يقوم الإمام إلى خامسة،
فيقول: قد صليت أربعاً، أو نحو ذلك، فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه
تبطل الصلاة، وقال الأوزاعيّ: لا تبطل، وهي رواية عن مالك، وأحمد؛
لحديث ذي اليدين، ودليل الجمهور عموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن
الكلام، ولقوله ◌َّل: ((من نابه شيء في صلاته، فليسبّح الرجال، وليصفق
النساء)»، ولو كان الكلام مباحاً لمصلحتها لكان أسهل وأبين، وحديثُ ذي
اليدين جوابه ما سنذكره - إن شاء الله تعالى -.

٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[الثالث]: أن يتكلم ناسياً، ولا يطول كلامه، فمذهبنا أن لا تبطل
صلاته، وبه قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير،
وأنس، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصريّ، والشعبيّ، وقتادة،
وجميع المحدثين، ومالك، والأوزاعيّ، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبو
ثور، وغيرهم
وقال النخعيّ، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية:
تبطل، ووافقنا أبو حنيفة في أن سلام الناسي لا يبطلها .
واحتُجَّ لمن قال: تَبْطُلُ بحديث ابن مسعود رَظُه قال: ((كنا نسلِّم على
رسول الله وَ﴾، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشيّ
سلمت عليه، فلم يُرُدّ عليّ، فقلت: يا رسول الله، كنا نسلِّم عليك في الصلاة،
فترُدّ علينا، فقال: ((إن في الصلاة شغلاً))، متّفقٌ عليه، وفي رواية أبي داود
وغيره زيادة: ((وإن الله يُحْدِث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث أن لا تَكَلَّموا
في الصلاة)).
وعن جابر ظُه قال: بعثني رسول الله وَّ في حاجة، فانطلقتُ، ثم
رجعت، فأتيت النبيّ وَّر، فسلمت عليه، فلم يُرُدّ عليّ، فوقع في قلبي ما الله
أعلم به، ثم سلمت، فلم يردّ عليّ، فوقع في قلبي أشدّ من المرة الأولى، ثم
سلمت عليه، فقال: ((إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي))، وكان على
راحلته متوجهاً إلى غير القبلة. متّفقٌ عليه.
وعن زيد بن أرقم به قال: ((إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد
رسول الله وَلَهِ يُكَلُّم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ
[البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت، ونُهينا
وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ
عن الكلام))، متفق عليه، وليس في رواية البخاريّ: ((ونُهينا عن الكلام))، وفي
رواية الترمذيّ: ((كنا نتكلم خلف رسول الله وَالنت)).
وبحديث معاوية بن الحكم ظه: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء
من كلام الناس))، رواه مسلم، يعني المذكور في هذا الباب.
وبحديث جابر ظبه مرفوعاً: ((الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض
الوضوء))، ولكنه ضعيف.

٢٣١
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
وبحديث: ((مَن قاء في الصلاة، أو قَلَسَ فلينصرف، وليتوضأ، ولْيَبْنِ على
صلاته ما لم يتكلم))، وهو أيضاً ضعيف.
قال: واحتج أصحابنا - يعني الشافعيّة - بحديث أبي هريرة ◌َظُبه قال:
((صلى بنا رسول الله وَلي الظهر، أو العصر، فسلّم، فقال له ذو اليدين:
أَقُصِرَت الصلاة أم نَسِيتَ يا رسول الله؟ فقال له رسول الله وَّهِ: ((لم تُقْصَر ولم
أَنْسَ))، فقال: بلى قد نسيت يا رسول الله، فقال لهم رسول الله وَله: ((أحقُّ ما
يقول؟))، قالوا: نعم، فصلى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين))، رواه
الشيخان من طرق كثيرة جدّاً، وهكذا هو في مسلم، وفي مواضع من البخاريّ:
((صلى بنا رسول الله وَلي))، وفي رواية لمسلم: ((صلى لنا)).
وعن عمران بن حصين، أن رسول الله وَ * صلى العصر، فسلّم في
ثلاث، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الْخِرْباق، وكان في يده طولٌ،
فقال: يا رسول الله، فذكر له صنیعه، وخرج غضبان یجُرُّ رداءه، حتى انتهى
إلى الناس، فقال: ((أصدق هذا؟)) قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلَّم، ثم
سجد سجدتين، ثم سلّم، رواه مسلم.
قال أصحابنا: ومن الدليل لنا أيضاً حديث معاوية بن الحكم، فإنه تكلّم
جاهلاً بالحكم، ولم يأمره النبيّ ◌َل بالإعادة، قالوا: وقياساً على السلام
سهواً، وعمدة المذهب حدیث ذي الیدین.
واعتَرَضَ القائلون بالبطلان عليه أن هذا الحديث منسوخ بحديث ابن
مسعود، وزيد بن أرقم، قالوا: لأن ذا اليدين قُتل يوم بدر، ونَقَّلوا عن الزهريّ
أن ذا اليدين قُتل يوم بدر، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، ولا يَمنَع من
هذا كون أبي هريرة رواه، وهو متأخر الإسلام عن بدر؛ لأن الصحابي قد
يروي ما لا يحضره، بأن يسمعه من النبيّ بَّر، أو صحابي.
وأجاب أصحابنا وغيرهم من العلماء عن هذا بأجوبةٍ صحيحةٍ حسنةٍ
مشهورةٍ، أحسنها وأتقنها ما ذكره الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في
((التمهيد)) قال: أما دعواهم أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث ابن مسعود
فغلط؛ لأنه لا خلاف بين أهل الحديث والسير أن حديث ابن مسعود كان بمكة
حين رجع من الحبشة قبل الهجرة، وأن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
كان بالمدينة، وإنما أسلم أبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة بلا خلاف.
وأما حديث زيد بن أرقم، فليس فيه بيان أنه قبل حديث أبي هريرة أو
بعده، والنظر يشهد أنه قبله.
قال: وأما قولهم: إن أبا هريرة لم يشهد ذلك فغلط، بل شهوده له
محفوظ من روايات الثقات الحفاظ، ثم ذكر بأسانيده الروايات الثابتة في
صحيح البخاري ومسلم، وغيرهما، أن أبا هريرة قال: صلى لنا رسول الله وَله،
وفي رواية: ((صلى بنا))، وفي رواية ((صحيح مسلم)) وغيره عن أبي هريرة،
قال: ((بينما أنا أصلي مع رسول الله وَ له صلاة الظهر، سلّم رسول الله وَل بين
الركعتين، فقال رجل من بني سُلَيم ... )) وذكر الحديث.
قال ابن عبد البر: وقد روى قصة ذي اليدين مع أبي هريرة ابنُ عمر،
وعمران بن الحصين، ومعاوية بن حُدَيج - بضم الحاء المهملة - وابن مَسْعَدة،
رجل من الصحابة، وكلهم لم يَحْفَظ عن النبيّ وََّ، ولا صَحِبَه إلا بالمدينة
متأخراً، ثم ذكر أحاديثهم بطرُقها .
قال: وابن مَسْعدة هذا يقال له: صاحب الجيوش، اسمه عبد الله معروف
في الصحابة، له رواية.
قال: وأما قولهم: إن ذا اليدين قُتل يوم بدر فغلط، وإنما المقتول يوم
بدر ذو الشمالين، ولا ننازعهم في أن ذا الشمالين قتل يوم بدر؛ لأن ابن
إسحاق وغيره من أهل المغازي ذكروه فيمن قتل ببدر، قال ابن إسحاق: ذو
الشمالين هو عُمير بن عمرو بن غبشان، من خزاعة، فذو اليدين غير ذي
الشمالين المقتول ببدر؛ لأن ذا اليدين اسمه الْخِرْباق بن عمرو، ذكره مسلم في
رواية، وهو من بني سُلَيم، كما ذكره مسلم في ((صحيحه))، قال غير ابن
عبد البر: وقد عاش ذو اليدين الخرباق بن عمرو بعد وفاة النبيّ وَّ زماناً.
قال ابن عبد البر: فذو اليدين المذكور في حديث السهو، غير المقتول
ببدر.
هذا قول أهل الْحِذْق والفهم من أهل الحديث والفقه.
قال: وأما قول الزهريّ: إن المتكلم في حديث السهو ذو الشمالين، فلم
يُتابع عليه، قال: وقد اضطَرَب الزهريّ في حديث ذي اليدين اضطراباً أوجب

٢٣٣
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة، ثم ذكر طرقه، وبيَّن اضطرابها في
المتن والإسناد، وذَكَر عن مسلم بن الحجاج تغليطه الزهريّ في هذا الحديث.
قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه
عَوَّل على حديث الزهريّ في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه لاضطرابه، وإن
كان إماماً عظيماً في هذا الشأن، فالغلط لا يَسْلَمُ منه بَشَرٌ، وكل أحد يؤخذ من
قوله ويترك، إلا النبيّ وَ﴾، فقول الزهريّ: إنه قُتل يوم بدر متروك؛ لتحقق
غلطه فيه .
هذا مختصر قول ابن عبد البر، وقد بسط شرح هذا الحديث بسطاً لم
يبسطه غيره، مشتملاً على التحقيق والإتقان، والفوائد الْجَمَّة - رحمه الله،
ورضي عنه.
وذكر البيهقيّ بعض هذا مختصراً، فمما قال: إنه لا يجوز أن يكون
حديث أبي هريرة منسوخاً بحديث ابن مسعود؛ لتقدم حديث ابن مسعود، فإنه
كان حين رجع من الحبشة، ورجوعه منها كان قبل هجرة النبيّ وَّ إلى
المدينة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدراً، فحديثه في التسليم كان قبل
الهجرة .
ثم رَوَى البيهقيّ ذلك بأسانيده، ثم نقل اتفاق أهل المغازي على أن ابن
مسعود قَدِمَ مكة من هجرة الحبشة قبل هجرة النبيّ رَيّ إلى المدينة، وأنه شَهِد
بدراً بعد ذلك.
ثم روى البيهقيّ بإسناده عن الحميديّ، شيخ البخاريّ أنه حَمَل حديث
ابن مسعود على النهي عن الكلام عامداً، قال: لأنه قَدِمَ من الحبشة قبل بدر،
وإسلام أبي هريرة سنة سبع من الهجرة، وإسلام عمران بن الحصين بعد بدر،
وقد حضرا قصة ذي اليدين، وحضرها معاوية بن حُدَيج، وكان إسلامه قبل
وفاة النبيّ ◌َّ بشهرين، وذَكّر حديث ابن عمر أيضاً، ثم قال: فعلمنا أن
حديث ابن مسعود في العمد، ولو كان في العمد والسهو لكانت صلوات
رسول الله وَلفي هذه ناسخة له؛ لأنها بعده.
ثم رَوَى البيهقيّ عن الأوزاعيّ قال: كان إسلام معاوية بن الحكم آخر
الأمر، فلم يأمره النبيّ وَّ بإعادة الصلاة، وقد تكلم جاهلاً.

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وذَكَر الشافعيّ في كتاب ((اختلاف الأحاديث)) نحو ما سبق من كلام
الأئمة، قال: ذو الشمالين المقتول ببدر غير ذي اليدين، قال البيهقيّ: ذو
اليدين بقي حيّاً بعد وفاة رسول الله وَله.
[فإن قيل]: كيف تكلمَّ ذو اليدين والقوم، وهم بعد في الصلاة؟.
[فجوابه]: من وجهين:
أحدهما: أنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في صلاة؛ لأنهم كانوا
مُجَوِّزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال: ((أَقُصِرت الصلاة أم
نسيت؟)).
والثاني: أن هذا خطاب وجواب للنبيّ وَّ، وذلك لا يبطل الصلاة.
وفي رواية لأبي داود وغيره: أن القوم لم يتكلموا، وتحمل رواية ((نعم))
عليها. انتهى كلام النوويّ ◌َُّ في ((شرح المهذّب))، وهو تحقيقُ نفيسٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر المذاهب، وأدلّتها أن
الراجح؛ لقوّة أدلّته، هو ما ذهب إليه الجمهور، من أن من تكلّم ناسياً، أو
جاهلاً لم تبطل صلاته، وأما من تكلّم عامداً، وهو يَعلم بتحريم الكلام في
الصلاة، فقد بطلت صلاته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: (اعلم): أن من سبَّح الله تعالى، أو حَمِده في غير ركوع
وسجود، لا تبطل صلاته، سواءٌ قصد به تنبيه غيره أم لا، قال النوويّ رَّتُهُ:
وهو مذهب الشافعيّ، وبه قال جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر عن
الأوزاعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، قال: وقال أبو حنيفة: إن
قاله ابتداءً فليس بكلام، وإن قاله جواباً فهو كلام.
قال: دليلنا حديث سهل بن سعد، وهو في ((الصحيحين))، وهو قوله وقلت :
((إذا نابكم شيء في الصلاة، فليُسبّح الرجال، وليُصفُّح النساء)). انتهى. وهو
بحثٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الخامسة): في الكلام على قول الجارية: ((في السماء))، ومثله
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى ﴾﴾ [طه: ٥]، وقول النبيّ وَل في
الحديث المتّفق عليه: ((ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا ... ))
الحدیث.

٢٣٥
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
لقد حقّق الحافظ الناقد البصير، أبو عمر بن عبد البرّ: هذا الموضوع في
كتابه ((التمهيد)) أتمّ تحقيق، وبيّنه وأحسن تبيين، فأطال وأعاد، وأسهب وأجاد،
وأجمل وأفاد، أحببت إيراده هنا تتميماً للفوائد، ونشراً للعوائد.
قال عند شرح حديث النزول، وهو حديثٌ عن مالك، عن ابن شهاب،
عن أبي عبد الله الأغر، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَله
قال: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل
الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألني فأعطيَهُ؟، من يستغفرني
فأغفر له؟)).
قال أبو عمر تَخّْتُهُ: وفيه دليل على أن الله وَ في السماء، على العرش،
من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة
والجهمية، في قولهم: إن الله رَّ في كل مكان، وليس على العرش.
قال: والدليل على صحة ما قاله أهل الحقّ في ذلك قول الله رأيك :
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى ﴾﴾ [طه: ٥]، وقوله رَى: ﴿ُّمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا
لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيَّعْ﴾ [السجدة: ٤]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ
دُخَانٌ﴾ [فصّلت: ١١]، وقوله: ﴿إِذَا لَّأَ بْنَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]،
وقوله تبارك اسمه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا
تَجَلَى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال: ﴿وَأَمِنُ مَّن فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمْ
اُلْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، وقال جل ذكره: ﴿سَبِحِ أَسْمَ رَيِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾ [الأعلى: ١]،
وهذا من العلوّ، وكذلك قوله: ﴿اَلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] و﴿اَلْكَبِيرُ
الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] و﴿رَفِيعُ الدَّرَجَتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥] و﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّنْ
فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
والجهمي يزعُم أنه أسفل، وقال جل ذكره: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى
اٌلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾
[المعارج: ٤]، وقال لعيسى: ﴿إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال:
﴿فَلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ
لَا يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقال: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ
[المعارج: ٢ - ٣]، والعروج: هو الصعود.
مِّنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ (ج))

٢٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَمِثُم مَّنْ فِىِ السَّمَآءِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمْ﴾، فمعناه: من على
السماء، يعني على العرش، وقد يكون ((في)) بمعنى ((على))، ألا ترى إلى قوله
تعالى: ﴿فَسِيحُوْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: أي على الأرض، وكذلك قوله:
﴿وَلَأَّصَلِنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وهذا كلَّه يعضده قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ
الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا
الباب.
قال: وهذه الآيات كلّها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما
ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى
له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا
يغالبه، ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حقّ الكلام أن يُحْمَل على
حقيقته، حتى تَتَّفِق الأمة أنه أريد به المجاز؛ إذ لا سبيل إلى اتباع ما أُنزل إلينا
من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله رَك إلى الأشهَر والأظهَر من
وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادِّعاء المجاز لكل
مُدَّعِ ما ثبت شيء من العبارات، وجلّ الله رَك عن أن يخاطِب إلا بما تفهمه
العرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم
في اللغة ومفهوم، وهو العلوّ والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه،
قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿أَسْتَوَى﴾: قال: علا، قال: وتقول العرب:
استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى
شبابه واستقرّ، فلم يكن في شبابه مزيدٌ.
قال أبو عمر: الاستواء: الاستقرار في العلوّ، وبهذا خاطبنا الله رَّك،
وقال: ﴿لِتَسْتَوُّأْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]،
وقال: ﴿وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وقال: ﴿فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن ◌َّعَكَ عَلَى
اٌلْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، وقال الشاعر [من الطويل]:
فَأَوْرَدتُّهُمْ مَاءَ بَفَيْفَاءَ(١) قَفْرَةٍ وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ الْيَمَانِيُّ فَاسْتَوَى
وهذا لا يجوز أن يَتَأَوَّل فيه أحدٌ استولى؛ لأن النجم لا يستولي، وقد
(١) الفيفاء: كصحراء وزناً ومعنى.

٢٣٧
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
ذكر النضر بن شُميل، وكان ثقةً مأموناً جليلاً في علم الديانة واللغة، قال:
حدَّثني الخليل، وحسبك بالخليل، قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابيّ، وكان من
أعلم مَن رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا، فردَّ علينا السلام، وقال لنا:
استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال. قال: فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه
أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله رَّ: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ
دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، فصَعِدنا إليه، فقال: هل لكم في خبز فَطِير، ولبن هَجِير،
وماء نَمِير؟(١)، فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلاماً، فلم ندر ما قال، فقال
الأعرابي: إنه سالمكم متاركةً لا خير فيها، ولا شرَّ، قال الخليل: هو من
قول الله وَك: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وأما نَزْعُ مَن نَزَعَ منهم بحديث يرويه عبد الله بن واقد الواسطيّ، عن
إبرهيم بن عبد الصمد، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس
(﴾﴾ [طه: ٥]: على جميع بريته،
في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اُسْتَوَى
فلا يخلو منه مكان.
فالجواب عن هذا أن هذا حديث منكر، عن ابن عباس، ونَقَلَته مجهولون
ضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطيّ، وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان،
وإبرهيم بن عبد الصمد مجهول لا يُعرَف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد
العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا، أو أنصفوا،
أما سَمِعوا الله رَّ حيث يقول: ﴿وَقَالَ فِْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلَّىَّ أَبْلُغُ
اُلْأَسْبَابَ ﴿ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّهُ كَذِبًا﴾ [غافر:
٣٦ - ٣٧]، فدلّ على أن موسى ظلَّا كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه
كاذباً، قال أمية بن أبي الصلت [من الطويل]:
وَمَنْ هُوَ فَوْق الْعَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ قَدْرَهُ
لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ
مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ
ويقول في وصف الملائكة (من الطويل]:
فَمِنْ حَامِلٍ إِحْدَى قَوَائِمِ عَرْشِهِ وَلَوْلَا إلَهُ الْخَلْقِ كَلُوا وَأَبْلَدُوا
(١) ((الهجير)): الخاثر، و((النمير)): العذب.

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قِيَامٌ عَلَى الأَقْدَامِ عَانُونَ تَحْتَهُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ تَرْعَدُ
قال أبو عمر: فإن احتجُّوا بقول الله وَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ
الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وبقوله: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِى السَّمَوَتِ وَفِىِ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:
٣]، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]،
وزعموا أن الله تبارك وتعالى في كل مكان بنفسه وذاته، تبارك وتعالى.
قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض
دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع
عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود
من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير، فظاهر التنزيل يَشهَد أنه
على العرش، والاختلاف في ذلك بيننا فقط، وأسعد الناس به من ساعده
الظاهر.
وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فالإجماع والاتفاق قد
بَيَّن المراد بأنه معبود من أهل الأرض فتدبر هذا، فإنه قاطع إن شاء الله.
ومن الحجة أيضاً في أنه رَّك على العرش فوق السموات السبع، أن
الموحّدين أجمعين من العرب والعجم إذا كَرَبَهم أمر، أو نزلت بهم شدّة رفعوا
وجوههم إلى السماء، يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند
الخاصة والعامة، من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار، لم
يُؤْنِّبهم عليه أحدٌ، ولا أنكره عليهم مسلم.
وقد قال وَّ للأمَة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنةً، فاختبرها
رسول الله صل بأن قال لها: ((أين الله؟))، فأشارت إلى السماء، ثم قال لها:
((من أنا؟))، قالت: رسول الله، قال: ((أعتقها؛ فإنها مؤمنة))، فاكتفى
رسول الله وَ﴾ منها برفعها رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه.
وأما احتجاجهم لو كان في مكان لأشبه المخلوقات؛ لأن ما أحاطت به
الأمكنة واحتوته مخلوق، فشيء لا يلزم، ولا معنى له؛ لأنه رَّ ليس كمثله
شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بَرِيَّته، لا يدرك بقياس، ولا يقاس
بالناس، لا إله إلا هو، كان قبل كل شيء، ثم خلق الأمكنة والسموات
والأرض وما بينهما، وهو الباقي بعد كل شيء، وخالق كل شيء، لا شريك

٢٣٩
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
له، وقد قال المسلمون، وكل ذي عقل: إنه لا يُعْقَل كائن لا في مكان منا،
وما ليس في مكان فهو عَدم، وقد صحّ في المعقول، وثبت بالواضح من
الدليل، أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على
شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه؟ تعالى الله عما يقول
الظالمون علواً كبيراً، الذي لا يَبْلُغ مَن وصفه إلا إلى ما وَصَفَ به نفسه، أو
وصفه به نبيّه ورسوله ◌َله، أو اجتمعت عليه الأمة الحنيفية عنه.
[فإن قال قائل منهم]: إنا وصفنا ربنا أنه كان لا في مكان، ثم خلق
الأماكن فصار في مكان، وفي ذلك إقرار منا بالتغيير والانتقال؛ إذ زال عن
صفته في الأزل، وصار في مكان دون مكان.
[قيل له]: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان، وانتقل إلى صفة
هي الكون في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك، وانتقل من لا مكان إلى كل
مكان، وهذا لا ينفك منه؛ لأنه إن زعم أنه في الأزل في كل مكان كما هو
الآن، فقد أوجب الأماكن والأشياء موجودة معه في أزله، وهذا فاسد.
[فإن قيل]: فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى
مکان؟ .
[قيل له]: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه؛ لأن
كونه في الأزل لا يوجب مكاناً، وكذلك نَقْلُهُ لا يوجب مكاناً، وليس في ذلك
كالخلق؛ لأن كَوْنَ ما كَوَّنه يوجب مكاناً من الخلق، ونقلته توجب مكاناً،
ويصير منتقلاً من مكان إلى مكان، والله ريك ليس كذلك؛ لأنه في الأزل غير
كائن في مكان، وكذلك نقلته لا توجب مكاناً، وهذا ما لا تقدر العقول على
دفعه، ولكنا نقول استوى مِن لا مكان إلى مكان، ولا نقول انتقل، وإن كان
المعنى في ذلك واحداً ألا ترى أنا نقول: له العرش، ولا نقول: له سرير،
ومعناهما واحد، ونقول: هو الحكيم، ولا نقول: هو العاقل، ونقول: خليل
إبراهيم، ولا نقول: صديق إبراهيم، وإن كان المعنى في ذلك كله واحداً، لا
نُسَمِّيه ولا نَصِفُهُ، ولا نُطلِق عليه إلا ما سَمَّى به نفسه على ما تقدم ذكرنا له من
وصفه لنفسه، لا شريك له، ولا نَدْفَع ما وَصَف به نفسه؛ لأنه دفع للقرآن، وقد
قال الله رَّ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا (٣)﴾ [الفجر: ٢٢]، وليس مجيئه

٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
حَرَكة ولا زوالاً ولا انتقالاً؛ لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسماً أو
جوهراً، فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حَرَكَة
ولا نُقْلَة، ولو اعْتَبَرت ذلك بقولهم: جاءت فلاناً قيامته، وجاءه الموت، وجاءه
المرض، وشبه ذلك مما هو موجود نازل به، ولا مجيء لبان لك، وبالله
العصمة والتوفيق.
قال الجامع عفا الله عنه: لم يرد نصّ بإطلاق الجسم والجوهر على الله
تعالی لا إثباتاً، ولا نفياً، فالأولی عدم الخوض في ذلك، حتی یثبت لدینا نصّ
نَعتمِد عليه، والله تعالى أعلم.
قال أبو عمر: فإن قال: إنه لا يكون مستوياً على مكان إلا مقروناً
بالتكييف.
قيل: قد يكون الاستواء واجباً، والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف
يوجب رفع الاستواء، ولو لَزِم هذا لزم التكييف في الأزل؛ لأنه لا يكون كائن
في لا مكان إلا مقروناً بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحاً في
أبداننا، ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح، يوجب أن ليس لنا
أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية استوائه على عرشه يوجب أنه ليس على
عرشه .
ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن نافع، قال: قال مالك بن أنس: الله رَمات
في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان، قال: وقيل لمالك:
﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال مالك نَخْذَ لَهُ:
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى
استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجلَ سَوْء.
قال: وقد رَوَينا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه قال في قول الله رأيك:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى ﴾﴾ مثل قول مالك هذا سواءً.
وأما احتجاجهم بقوله رَّت: ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَاِعُهُمْ وَلَا
خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ الآية
[المجادلة: ٧]، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين
الذين حُمِلت عنهم التأويل في القرآن، قالوا في تأويل هذه الآية: هو على
العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحدٌ يُحْتَجّ بقوله.