Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
(٣) - بَابُ الَّهْىٍ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٠)
أَخْبَرَنِ يُونُسُ وَمَالِكَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
والباقون تقدّموا قبل بابين، غير مالك وهو: ابن أنس إمام دار الهجرة،
فتقدّم في الباب الماضي، و((ابن وهب)): هو عبد الله، و((يونس)): هو ابن يزيد
الأيليّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف وَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن
المسئِّب.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة من المكثرين السبعة، وسعيداً من الفقهاء السبعة.
٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة وظلبه على ما قاله
بعضهم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ
الْمُسَيِّبٍ) تقدّم أن الأَولى فيه كسر الياء المشدّدة؛ لأنه المنقول عن أهل
المدينة، وهم أعلم به، وإنما فتحها أهل الكوفة، وكان هو يكره الفتح، فتنبّه.
(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ) قيل: معناه:
لعنهم، كما في الرواية التالية، وقيل: معناه: قَتَلهم وأهلكهم(١)، وقال في
(١) (شرح النوويّ)) ١٢/٥.

١٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
((العمدة)): قوله: ((قاتل الله اليهود)) أي قتلهم الله؛ فاعل يجيء بمعنى فعل
أيضاً، كقولهم: سافر، وسارع بمعنى سَفَر وسَرَع، ويقال: معناه: لعنهم الله،
ويقال: عاداهم الله، ويقال: القتال ههنا عبارة عن الطرد والإبعاد عن الرحمة،
فمؤدّاه ومؤدّي اللعنة واحد.
وإنما خَصَّص اليهود ههنا بالذكر، بخلاف ما تقدّم؛ لأنهم أسسوا هذا
الاتخاذ، وابتدؤوا به فهم أظلم، أو لأنهم أشدّ غلوّاً فيه.
وقد استَشْكَلَ بعضهم ذكر النصارى في الحديث الأول؛ لأنهم ليس لهم
نبيّ بين عيسى وبين نبينا نَّر غير عيسى - عليه الصلاة والسلام - وليس له قبر؛
لأنه في السماء.
وأجيب عنه بأنه كان فيهم أنبياء أيضاً، لكنهم غير مرسلين، كالحواريين
ومريم في قول.
قال العينيّ لَّهُ: هذا الجواب فيه نظر؛ لأنه جاء في رواية عن عكرمة
وقتادة والزهري أن الثلاثة الذين أَتَّوْا إلى أنطاكية المذكورين في قوله تعالى:
﴿إِذْ أَرْسَلْنَآَ إِلَتِهِمُ أَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّْنَا بِثَالِثٍ﴾ الآية [يس: ١٤] كانوا رسلاً من الله
تعالى، وهم: صادق وصدوق وشلوم، وعن قتادة: إنهم كانوا رسلاً من
عيسى ظلّا، فعلى هذا لم يكونوا أنبياء فضلاً عن أن يكونوا رسلاً من الله
تعالى .
وأما مريم - عَل ـ فزعم ابن حزم وآخرون أنها نبية، وكذلك سارة أم
إسحاق، وأم موسى - ◌َّهِ - وعند الجمهور كما حكاه أبو الحسن الأشعري
وغيره من أهل السنة والجماعة أن النبوة مختصة بالرجال، وليست في النساء
(١)
نبية. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) في ((كتاب أحاديث الأنبياء)): واستُدِلّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
اَللَّهَ اصْطَفَكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] على أن مريم
كانت نبيةً، ويؤيِّده ذكرها في ((سورة مريم)) بمثل ما ذُكِر به الأنبياء، ولا يمنع
وصفها بأنها صِدِّيقة، فإن يوسف وُصِف بذلك مع كونه نبيّاً.
(١) ((عمدة القاري)) ٢٨٦/٤ - ٢٨٧.

١٤٣
(٣) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٠)
وقد نُقِل عن الأشعريّ أن في النساء نبيات، وجزم ابن حزم بست:
حواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى، وآسية، ومريم، ولم يذكر القرطبيّ سارة،
ولا هاجر.
ونقله السهيليّ في آخر ((الروض)) عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبيّ:
الصحيح أن مریم نبیةٌ.
وقال عياض: الجمهور على خلافه، وذكر النووي في ((الأذكار)) عن إمام
الحرمين أنه نَقَل الإجماع على أن مريم ليست نبيةً، ونسبه في ((شرح المهذَّب))
الجماعة، وجاء عن الحسن البصريّ: ليس في النساء نبيةٌ، ولا في الجنّ، وقال
السبكيّ: اختُلِف في هذه المسألة، ولم يصحّ عندي في ذلك شيء. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن التوقّف في هذه المسألة كما قال
السبكيّ هو الحقّ؛ ليس عندنا دليلٌ قاطع لأحد القولين، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
(اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))) هذه الجملة تقدّم أنها جملة مستأنفة
استئنافاً بيانياً، وهو ما وقع جواباً لسؤال مقدّر، فكأنه قيل: ما سبب قتال الله
تعالى اليهود؟، فأجاب بأنهم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ربه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٩٠/٣ و١١٩١] (٥٣٠)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٤٣٧)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣٢٢٧)، و(النسائيّ) فيها (٩٥/٤
- ٩٦)، وفي ((الكبرى)) (٢٥٧/٤) رقم (٧٠٩٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٣٢١)
برواية محمد بن الحسن، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٤/٢ و ٢٨٥ و٣٦٦ و٣٩٦
و٤٥٣ و٤٥٤ و٥١٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٢٦)، و(البيهقيّ) في
(١) ((الفتح)) ٥٤٦/٧.

١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
((الكبرى)) (٨٠/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٨٤ و١١٨٥ و١١٨٦
و١١٨٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٧٠ و١١٧١)، وفوائد الحديث
تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ(١)، حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَنَا (٢) يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اَنَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْفَزَارِيُّ) مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله
الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨]
(ت١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْأَصَمِّ) هو: عبيد الله بن عبد الله بن الأصمّ العامريّ،
نُسب لجدّه، مقبول [٦] تقدم في ((الصلاة)) ١١١٢/٤٦.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) واسم الأصمّ عمرو بن عُبيد بن معاوية البكّائِيّ،
أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرّقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين ◌َثنا، ثقة
[٣] (ت١٠٣) تقدم في «الإيمان)) ٣٥٧/٦٣.
وشرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّفُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١١٩٢] (٥٣١) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى،
قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
(١) وفي نسخة بحذف ((بن سعيد)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثني)).

١٤٥
(٣) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، .. إلخ - حديث رقم (١١٩٢)
شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا
نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ وَلِ طَفِقَ بَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ
وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: (لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ
مَسَاجِدَ))، يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْتَى) التجيبيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ظَهَا، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٤/٦.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْلَثُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما، ثم فصّل كيفيّة أدائهما على ما تقدّم بيانه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن صحابيين.
٤ - (ومنها): أن عائشة، وابن عبّاس ﴿ّ من المكثرين السبعة، وعبيد الله
من الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة
(قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ الهِ وَّ) بالبناء
(أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ)
للمفعول، ونائب فاعله الجارّ والمجرور، والأصل: لَمّا نَزَل الموت
برسول الله وَد.
وقال النوويّ ◌َُّهُ: قوله: ((لَمّا نُزِلَ)) هكذا ضبطناه ((نُزِلَ)) بضمّ النون،
وكسر الزاي، وفي أكثر الأصول: ((نَزَلَتْ)) بفتح الحروف الثلاثة، وبتاء التأنيث

١٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الساكنة، أي حضرت المنيّة والوفاة، وأما الأول فمعناه: نزل ملك الموت،
والملائكة الكرام. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((لَمّا نَزَلَ)) على صيغة المعلوم في رواية أبي
ذرّ، وفاعله محذوف، أي لما نَزَل الموت، وفي رواية غيره بضم النون، وكسر
الزاي، على صيغة المجهول. انتهى (٢).
وقوله: (طَفِقَ) جواب ((لَمّا))، يقال: طَفَق بكسر الفاء وفتحها، أي جعل،
والكسر أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن، وممن حَكَى الفتح الأخفش
والجوهريّ، قاله النوويّ.
وقال في ((العمدة)): قوله ((طَفَقَ)) من أفعال المقاربة، وهي ثلاثة أنواع:
منها ما وُضع للدلالة على الشروع في الخبر، وأفعاله: أنشأ، وطفق، وجعل،
وعَلِقٍ، وأخذ، وتعمل هذه الأفعال عمل ((كان))، إلا أن خبرهن يجب كونه
جملةً. حَكَى الأخفش: طَفَقَ يَطْفِقُ، مثل ضَرَب يَضْرِب، وطَفِقَ يَطْفَقُ، مثلُ
عَلِم يَعْلَم، ولم يستعمل له اسم فاعل، واستعمل له مصدرٌ، حَكَى الأخفش:
◌ُفُوقاً عمن قال: طَفَقَ بالفتح، وطَفَقاً عمن قال: طَفِقَ بالكسر، ومعناه ههنا
(٣)
جَعَلَ. انتهى(٣).
وأفعال الشروع هي التي ذكرها ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال:
كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ
(يَطْرَحُ) بفتح أوله، وثالثه، قال الفيّوميّ: طَرَحتُهُ طَرْحاً، من باب نَفَعَ:
رَمَيْتُ به، ومن هنا قيل: يجوز أن يُعَدّى بالباء، فيقال: طَرَحتُ به؛ لأن الفعل
إذا تضمّن معنى فعل جاز أن يَعْمَل عمله، وطَرَحتُ الرداء على عاتقي: ألقيتُهُ.
انتهى (٤). والجملة خبر ((طفق)).
(خَمِيصَةً) بالنصب على أنه مفعول ((يطرح))، وهي بفتح الخاء المعجمة،
وكسر الميم: كِسَاءٌ أسودُ مربعٌ له عَلَمان، فإن لم يكن مُعْلَماً، فليس بخميصة،
وتكون من خزّ، أو صوف، وجمعها خَمَائص، وقيل: الخمائص: ثيابٌ من خزّ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢/٥ - ١٣.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٨٥/٤ - ٢٨٦.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٨٥/٤.
(٤) ((المصباح المنير)) ٣٧٠/٢.

١٤٧
(٣) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٢)
ثِخَانِ سُودٌ وحُمْرٌ، ولها أعلام ثِخَان أيضاً، أفاده في ((اللسان))(١).
وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ(خَمِيصة))، أي كائنةً له رَِّ (عَلَى وَجْهِهِ) متعلّق
بـ(يطرح))، أي يُلقي تلك الخميصة على وجهه الشريف بَّ﴿ ﴿فَإِذَا اغْتَمَّ) بالغين
المعجمة: أي احتَبَس نفسه عن الخروج، وقيل: إذا تَسَخّن بالخميصة، وحَمِي
بها (كَشَفَهَا) أي أزال تلك الخميصة (عَنْ وَجْهِهِ) الشريف ◌َّ هِ؛ ليزول اغتمامه
(فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهي معترضة بين القول
ومقوله، أي قال رَّر، والحال أنه في تلك الحال من الطرح والكشف، وقوله:
(لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) مقول ((فقال))، واللعنة: الطرد والإبعاد عن
الرحمة، أي أبعدهم الله تعالى عن رحمته.
(اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)) تقدّم أنها جملة استئنافية كأنها جواب عن
سؤال سائل بقوله: ما سبب لعنهم هذا؟.
وقوله: (يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا) مقول الراوي، وليس مقول الرسول ◌َّچ،
وهي أيضاً جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأنه سئل عن حكمة ذكره ويقو ذلك في
ذلك الوقت، فأجاب به.
و((يُحذّر)) بتشديد الذال المعجمة، مبنيّاً للفاعل، من التحذير، أي يحذر
أمته أن تصنع بقبره كما صنعت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها؛ لأن ذلك يصير
بالتدريج شَبِيهاً بعبادة الأصنام.
قال الحافظ ابن رجب بعد ذكر هذا الحديث: أخرج الإمام أحمد من
حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَّر:
((اللهم لا تجعل قبري وَثَناً، لَعَنَ اللهُ قوماً اتَّخَذوا قبور أنبيائهم مساجد)).
وروى مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله وعَ ل
قال: ((اللهم لا تجعل قبري وَثَناً يُعْبَد، اشتَدَّ غضبُ الله على قوم اتّخذوا قبور
أنبيائهم مساجد».
قال ابن عبد البرّ رَغْتُهُ: الوَثَنُ: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو
من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يُعْبَد من دون الله فهو وثن، صَنَماً
(١) (لسان العرب)) ٣١/٧.

١٤٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
كان، أو غير صنم، وكانت العرب تُصَلِّي إلى الأصنام، وتعبدها، فخَشِي
رسول الله ـ على أمته أن تصنع كما صنع بعض مَن مضى من الأمم، كانوا
إذا مات لهم نبيّ عَكِفُوا حول قبره، كما يُصْنَعُ بالصنم، فقال ◌َّ: ((اللهم لا
تجعل قبري وَثَناً يُصَلَّى إليه، ويُسْجَد نحوه، ويُعْبَدُ، فقد اشتدّ غضب الله على
من فعل ذلك، وكان رسول الله وَل﴿ يُحَذِّر أصحابه، وسائر أمته من سوء صنيع
الأمم قبله الذين صَلَّوا إلى قبور أنبيائهم، واتخذوها قبلةً ومسجداً، كما صنعت
الوثنية بالأوثان التي كانوا يَسجُدون إليها، ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر،
فكان النبيّ وَّ ر يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا
يرضاه؛ خشيةً عليهم امتثالَ طرقهم، وكان ◌ِّرِ يُحِبُّ مخالفة أهل الكتاب،
وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا تَرَى إلى قولهِ نَّ على جهة
التعبير والتوبيخ: ((لتتبعُنَّ سَنَنَ الذين كانوا قبلكم حَذْوَ النعل بالنعل، حتى إنّ
أحدهم لو دَخَل جُحْرَ ضَبِّ لدخلتموه)). انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َُّهُ(١). وهو
نفیس .
قال ابن رجبّ تَخُّْ: ويؤيّده ما ذكره أن النبيّ وََّ كان يُحذّر من ذلك في
مرض موته، کما في حديث عائشة، وابن عباس ◌ًا، وفي حديث جندب
عنه
e
أن النبيّ وَّ قال ذلك قبل موته بخمس.
وفي ((مسند الإمام أحمد)) بسند صحيح، من حديث أبي عبيدة بن
الجرّاحِ بَالُبه قال: آخر ما تكلم به النبيّ وَله: ((أخرجوا يهود أهل الحجاز،
وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد)».
وأخرج الإمام أحمد حديث عن أسامة بن زيد حظه قال: قال لي
رسول الله وَر: ((أدخل علي أصحابي))، فدخلوا عليه، فكشف القناع، ثم قال:
((لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).
وأخرج أيضاً حديث عائشة ﴿ّا من رواية ابن إسحاق، عن صالح بن
كيسان، عن الزهريّ، وقال في آخر حديثه: ((يُحرّم ذلك على أمته)).
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البر ٤٥/٥.

١٤٩
(٣) - بَابُ النَّهْيٍ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٢)
وقد اتّفق أئمة الإسلام على هذا المعنى، قال الشافعيّ تَخَّتُهُ: وأكره أن
يُعظّم مخلوقٌ حتى يتّخذ قبره مسجداً خشيةً الفتنة عليه، وعلى من بعده.
وقال صاحب ((التنبيه)) من أصحابه: أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله وَليه
متوجّهاً إليه فحرام.
قال القرطبيّ تَخْشُهُ: بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبره النبيّ ◌َّ،
فأعلموا حِيطان تربته، وسُّوا الداخل إليها، وجعلوها مُحدقةً بقبره وَّهِ، ثم
خافوا أن يُتخّذ موضع قبره قبلةً إذا كان مستقبل المصلّين، فتُتصوّر الصلاة إليه
بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليّين، وحرّفوهما حتى التقيا
على زاوية مُثلّثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكّن أحدٌ من استقبال قبره، ولهذا
المعنى قالت عائشة : ولولا ذلك أبرز قبره. انتهى كلام ابن رجب نَّهُ(١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة وابن عبّاس
رطـ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٩٢/٣] (٥٣١)، (والبخاريّ) في ((الصلاة))
(٤٣٥ و٤٣٦ و٣٤٥٣ و٣٤٥٤ و٤٤٤٣ و٤٤٤٤ و٥٨١٥ و٥٨١٦)، و(النسائيّ)
(٤٠/٢ - ٤١)، وفي ((الكبرى)) (٢٥٩/١ - ٢٦٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/
٣٠٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٧٧/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٨٣
و١١٨٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٧٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن اتّخاذ القبور مساجد؛ لما يترتّب عليه من
الفساد بتعظيمها المؤدّي إلى عبادتها .
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبي ◌َّل من شدّة العناية في تحذير أمته
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب تخذتُ ٢٤٥/٣ - ٢٤٨.

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
من الوقوع في الشرك، حتى في آخر لحظة من حياته، وفي الوقت الذي اشتدّ
به النزع.
٣ - (ومنها): بيان اشتداد مرضه وَ ل﴾، وذلك لتضعيف درجاته، فعن
عائشة ؤها قالت: ((ما رأيت الوجع على أحد أشدّ منه على رسول الله (وَ لَ).
متفقٌ عليه.
وعن عائشة ◌ُها أيضاً، قالت: ((إن رسول الله وَّ كان بين يديه رَكْوة،
أو عُلْبة فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، ويقول: لا
إله إلا الله، إن للموت سكرات، ثم نَصَب يده، فجعل يقول: في الرفيق
الأعلى، حتى قُبِض، ومالت يده))، متّفقٌ عليه.
٤ - (ومنها): مشروعيّة لعن اليهود والنصارى؛ لانحرافهم عن دينهم،
وعما أنزل الله تعالى عليهم، حتى عَبَدُوا قبور الأنبياء، والصالحين من
دون الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿أَتَّخَذُوَاْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن
دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَاحِدًّاً﴾
الآية [التوبة: ٣١].
٥ - (ومنها): أن من فعل مثل ما فعلته اليهود والنصارى استحقّ اللعن
والطرد من رحمة الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١١٩٣] (٥٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ
عَدِيٌّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ
قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: ((إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ
خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً، كَمَا أَنَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَلَوْ كُنْتُ
مُتَّخِذَاً مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً، لَأَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، أَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا
يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِبِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي
أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ))).

١٥١
(٣) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٣)
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيّ) بن الصلت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ جليلٌ حافظ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو٢١٢) (بخ م مدت
س ق) تقدّم في ((المقدّمة)) ٨٨/٦.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو) بن أبي الوليد الرقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ
فقيه ربّما وَهِمَ [٨] (ت١٨٠) عن (٧٩) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٩٦/٢.
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) الْجزريّ، أبو أسامة، أصله من الكوفة، ثم
سكن الرُّهَا، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت١١٩ أو ١٢٤) (ع) تقدّم في ((المقدّمة))
٦ /٩٦.
٦ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ، أبو عبد الله الكوفيّ
الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في
«الإیمان)) ٤٥٢/٨٥.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيُّ) الزُبيديّ الكوفيّ المعروف بالمكتب،
ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن مسعود، وجندب بن عبد الله البجليّ، وطَلِيق بن قيس،
وأبي كثير الزُبيديّ، وغيرهم.
ورَوى عنه عمرو بن مُرّة، وحميد بن عطاء الأعرج، وأبو سنان ضِرَار بن
مرة، والمغيرة بن عبد الله اليشكريّ.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبتٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان
في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والأربعة، وليس له
في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٨ - (جُنْدَب) بن عبد الله بن سُفيان الْبَجَليّ، ثُمّ الْعَلَقيّ، أبو عبد الله،
وربّما نُسب لجدّه، صحابيّ، مات بعد الستين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣.

١٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف نَخْذَلُ، وله فيه شيخان قرن بينهما،
ثم فصّل ببيان صيغتي الأداء؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل، كما سبق بيانه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ له)) وقد سبق بيانه غير مرّة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عبد الله بن
الحارث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيّ) بفتح النون، وسكون الجيم: نسبة
إلى نَجْران: ناحية بين اليمن وهَجَر، قاله في ((اللباب))(١)، وقال في
((المصباح)): نَجْرانُ: بلدة من بلاد هَمْدَان من اليمن، قال البكريّ: سُمّيت
باسم بانيها نَجْران بن زيد بن يَشْجُبَ بن يَعْرُبَ بن قَحْطان. انتهى (٢).
(قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ) - بضم الجيم، وسكون النون، وفتح الدال
المهملة، وتُضمّ - ابن عبد الله بن سفيان ظُهُ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌ََِّ قَبْلَ
أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ) أي خمس ليال، وهذا فيه بيان أن هذا الكلام من أواخر ما
تكلّم به النبيّ وَِّ، فكأنه وَّ عَلِمَ أنه مرتحل عن الدنيا بذلك المرض، فخاف
على أمته أن تُعظّم قبره، وتقع فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، فحذّرها عن
ذلك (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حالية من المفعول ((إِنِّي أَبْرَأ) بفتح أوله وثالثه، مضارع
بَرِئَ، من باب تَعِبَ، ونَدَر كونه من باب نصَرَ، قال في ((القاموس»: وبَرِئَ من
الأمر يَبْرَأُ، ويَبْرُؤُ - نادرٌ - بَرَاءً وبراءةً، وبُرُوءاً: تبرّأ. انتهى (٣).
قال النوويّ كَّلُهُ: معنى ((أبرأ)): أي أمتنع من هذا، وأنكره، وقال
القاضي عياض كثّثُ: أي أبعد عن هذا، وأنقطع عنه، ولا أتّصل به. انتهى (٤).
وقوله: (إِلَى اللهِ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كوني منقطعاً إلى الله تعالى
من غيره.
(١) ((اللباب)) ٣٩٠/٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٨/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٩٤.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٤٥٢.

١٥٣
(٣) - بَابُ النَّهْيٍ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٣)
(أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ) الخليل: هو المنقَطَعُ إليه، وقيل: المختص
بشيء دون غيره، قيل: هو مشتقّ من الْخَلَّة - بفتح الخاء -: وهي الحاجة،
وقيل: من الْخُلّة - بضم الخاء -: وهي تخلل المودّة في القلب، فنفى وَالّ أن
تكون حاجته، وانقطاعه إلى غير الله تعالى، وقيل: الخليل من لا يَتَّسِع القلب
لغيره، قاله النوويّ تَظُّهُ(١).
وقال ابن الأثير تَُّهُ: الْخُلّة بالضم: الصداقة، والمحبة التي تخلَّلت
القلب، فصارت خلاله، أي في باطنه، والخليل: الصديق، فَعِيلٌ بمعنى
مُفَاعِل، وقد يكون بمعنى مفعول، وإنما قال ◌َ لّ ذلك؛ لأن خُلّته كانت
مقصورة على حبّ الله تعالى، فليس فيها لغيره مُتَّسَعٌ، ولا شَرِكة من مَحابّ
الدنيا والآخرة، وهذه حالٌ شريفةٌ، لا ينالها أحدٌ بكسب واجتهاد، فإن الطباع
غالبةٌ، وإنما يَخُصّ الله بها من يشاء من عباده، مثل سيد المرسلين - صلوات الله
وسلامه عليه -.
ومن جَعَل الخليل مشتقّاً من الْخَلَّة، وهي الحاجة والفقر، أراد: إني أبرأ
من الاعتماد والافتقار إلى أحد غير الله تعالى، وفي رواية تَخْذَتُهُ: ((أبرأ إلى كُلّ
خِلِّ من خَلَّته)) بفتح الخاء، وبكسرها، وهما بمعنى الْخُلَّة والخليل. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((إني أبرأ إلى الله ... إلخ)): أي أَبْعُدُ عن
هذا، وأنقطع عنه، وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه وَ لّه قد امتلأ بما تخلّله من
محبّة الله تعالى وتعظيمه، فلا يَتَّسِعُ لمخاللة غيره، أو لأنه يَّ قد انقطع بحاجته
كلّها إلى الله تعالى، ولجأ إليه في سدّ خلّاته، فكفاه ووقاه، فلا يَحتاج إلى
أحد من المخلوقين. انتهى(٣).
ثم علّل براءته عن المخلوقين بقوله:
(فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ نَّهُ خَلِيلاً) حيث
قال الله رَّت: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: وقوله: ﴿وَأَتَّخَذَ اْللَّهُ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣/٥.
(٣) ((المفهم)) ١٢٩/٢.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٧٢/٢.

١٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وهذا من باب الترغيب في اتّباعه؛ لأنه إمامِ يُقْتَدى
به حيث وصل إلى غاية ما يَتَقَرَّب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الْخُلَّة التي
هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في
[النجم: ٣٧].
قوله: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَقَ
قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أُمر به، وفي كل مقام من
مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليلٌ عن حقير، ولا كبيرٌ عن صغير،
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَبْتَّ إِرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٢٤]، وقال
(9)) الآية
تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةُ فَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[النحل: ١٢٠] والآية بعدها.
وقال البخاريّ: حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن حبيب بن أبي
ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: ((إن معاذاً لَمّا قَدِمَ
اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل من
القوم: لقد قَرَّت عين أم إبراهيم)).
وقد ذكر ابن جرير في ((تفسيره)) عن بعضهم أنه إنما سماه الله خليلاً من
أجل أنه أصاب أهل ناحيته جَدْبٌ، فارتحل إلى خليل له من أهل الْمَوْصِل،
وقال بعضهم: من أهل مصر؛ ليمتار طعاماً لأهله من قِبَله، فلم يُصِب عنده
حاجته، فلما قَرُب من أهله بمفازة ذات رَمْل، فقال: لو ملأت غرائري من هذا
الرمل؛ لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير مِيرة، وليظنوا أني أتيتهم بما
يحبون، ففعل ذلك، فتحوَّل ما في الغرائر من الرمل دقيقاً، فلما صار إلى منزله
نام، وقام أهله، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقاً، فعَجَنوا منه، وخَبَزوا، فاستيقظ،
فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند
خليلك، فقال: نعم هو من عند خليلي الله، فسماه الله بذلك خليلاً .
قال ابن كثير كَثُ: وفي صحة هذا ووقوعه نظرٌ، وغايته أن يكون خبراً
إسرائيلّاً لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب.
وإنما سُمِّي خليل الله؛ لشدّة محبته لربه رَكْ لِمَا قام له به من الطاعة التي
يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في ((الصحيحين)) من رواية أبي سعيد الخدريّ أن
رسول الله ◌َ﴿ لَمّا خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: ((أما بعدُ أيها الناس، فلو

١٥٥
(٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٣)
كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلاً،
ولكن صاحبكم خليل الله)).
وجاء من طريق جندب بن عبد الله البجليّ، وعبد الله بن عمرو بن
العاص، وعبد الله بن مسعود رضيه، عن النبيّ وَّ﴾ قال: ((إن الله اتّخذني خليلاً
كما اتّخذ إبراهيم خليلاً)».
وقال أبو بكر بن مردويه: حدّثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدّثنا
إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدّثنا إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجانيّ بمكة، حدّثنا
عبد الله الحنفيّ، حدّثنا زَمْعَة أبو صالح، عن سَلَمَة بن وَهْرَام، عن عكرمة، عن
ابن عباس، قال: ((جلس ناس من أصحاب رسول الله ◌َ﴾ ينتظرونه، فخرج
حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عَجَبٌ
إن الله اتّخذ من خلقه خليلاً، فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من
أن الله كلم موسى تكليماً؟، وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته، وقال آخر:
آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم، فسلّم، وقال: قد سمعت كلامكم، وتعجبكم
أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم
اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا وإني حبيب الله، ولا فخر، وأنا أول شافع وأول
مشفَّع ولا فخر، وأنا أول من يُحَرِّك حلقة الجنة فيفتح الله ويدخلنيها، ومعي
فقراء المؤمنين، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة، ولا
فخر))(١).
قال ابن كثير كَتُهُ: وهذا حديث غريبٌ، من هذا الوجه، ولبعضه شواهد
في الصحاح وغيرها .
وقال قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون من أن تكون
الْخُلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟ - صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين - (٢).
(١) ضعيفٌ؛ لأن في سنده زمعة بن صالح الْجَنَديّ: ضعيف.
(٢) صححه الشيخ الألباني كََّفُ في ((ظلال الجنّة)) (٤٤٢).

١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رواه الحاكم في ((المستدرك)) رقم (١٦٥)، وقال: صحيح على شرط
البخاريّ، ولم يخرِّجاه.
وكذا رُوِي عن أنس بن مالك، وغير واحد من الصحابة والتابعين،
والأئمة من السلف والخلف. انتهى كلام ابن كثير كَّهُ(١).
(وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً مِنْ أُمَّنِي خَلِيلاً، لَأَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً) قال
القرطبيّ تَخَّتُهُ: هذا يدلّ على أن أبا بكر ظُله أفضل الناس بعد رسول الله وَّهه
وأنه مخصوص من مِنَح الله تعالى، ومن كريم مواهبه، ومن محبّة الله
ورسول الله ◌َو له بما ليس لأحد من بعده، وهذا مذهب أهل السنّة أجمعين
من السلف الماضي، والخلف اللاحقين. انتهى(٢).
[تنبيه]: كتب بعضهم في معنى قوله: ((لو كنت متّخذاً ... إلخ)) ما نصّه:
يعني لو جاز لي أن أتّخذ صديقاً من الخلق يَقِف على سرّي لاتّخذت أبا بكر
خليلاً، ولكن لا يطّلع على سرّي إلا الله، ووجه تخصيصه بذلك أن أبا بكر
كان أقرب سرّاً من سرّ رسول اللهِ وَّ؛ لما رُوي أنه وَلو قال: ((إن أبا بكر لم
يفضُل عليكم بصوم، ولا صلاة، ولكن بشيء كُتِب في قلبه)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث لا أصل له(٣)، فلا يصلح لأخذ
معنى الحديث منه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (وَإِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد ((ألا))
الاستفتاحيّة (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَّا
فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) وقوله: (إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) تأكيد لقوله: ((فلا
تتخذوا ... إلخ)).
قال النوويّ تَخْتُ: قال العلماء: إنما نهى النبيّ وَلّ عن اتخاذ قبره وقبر
غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به، فربما أَدَّى ذلك إلى
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٧٦٩/١ - ٧٧٠.
(٢) (المفهم)) ١٣٠/٢.
(٣) راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ تَتَّقُ ٣٧٨/٢ أورده بلفظ: ((ما فضلكم
أبو بكر بكثرة صيام، ولا صلاة، ولكن بشيء وَقَرَ في صدره))، وقال: لا أصل له
مرفوعاً .

١٥٧
(٣) - بَابُ النَّهْىِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٣)
الكفر، كما جرى لكثير من الامم الخالية، ولما احتاجت الصحابة - رضوان الله
عليهم أجمعين - والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله وَل حين كثر
المسلمون، وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها
حُجْرة عائشة لمَدْفَن رسول الله وَّهُ وصاحبيه: أبي بكر وعمر ظه بنوا على
القبر حيطاناً مرتفعةً مستديرةً حوله؛ لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوامٌ،
ويؤدي المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرّفوهما حتى
التقيا، حتى لا يتمكن أحدٌ من استقبال القبر، ولهذا قال في الحديث: ((ولولا
ذلك لأُبرز قبره، غير أنه خُشِي أن يُتَّخَذ مسجداً)). انتهى(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله البجليّ ظُه هذا من أفراد
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٩٣/٣] (٥٣٢)، و(النسائيّ) في ((التفسير)) من
(الكبرى)) (١١١٢٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٩٢)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١١٧٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦٨/٢ رقم ١٦٨٦)، وفوائد
الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال القاضي عياض كَّلُهُ: وفي سند هذا الحديث: ((ثنا
زكرياء بن عديّ، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن
مرّة، عن عبد الله بن الحارث النجراني، قال: حدّثني جندبٌ)).
هذا مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وقال: خالف عبيد الله فيه أبو
عبد الرحيم(٢)، فقال: عن جميل النجرانيّ، عن جندب، وجمیل مجهول،
والحديث محفوظ عن أبي سعيد وابن مسعود، وقال غيره: وقد ذكر النسائيّ
(١) (شرح النووي)) ١٣/٥ - ١٤.
(٢) هو خالد بن أبي يزيد بن سماك الحرّاني، ثقة من السادسة، مات سنة (١٤٤).

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الحديث من رواية عبيد الله بن عمرو، ثم ذكر رواية أبي عبد الرحيم، عن زيد،
عن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن جميل النجرانيّ، عن جندب.
انتھی(١).
وقال الحافظ في ((النكت الظراف)): ذكر الْبَرْقانيّ أن أبا عبد الرحيم رواه
عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، فقال: عن عمرو بن مرّة، عن
جميل النجرانيّ، عن جندب، قال الْبَرْقانيّ: وذكرت ذلك للدارقطنيّ، فقال:
رواية عبيد الله بن عمرو، عن زيد أشبه بالصواب.
وقال ابن أبي حاتم تَّقُ: (٢٦٧٤) سألت أبي عن حديث رواه
إسماعيل بن عُبيد بن أبي كريمة، قال: قرأت في كتاب أبي عبد الرحيم بخطه،
وأخبرني محمد بن سلمة أنه خط أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن
عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، قال: حدثني جميل النجرانيّ، قال:
سمعت جندب بن عبد الله البجليّ، قال: ((سمعت رسول الله وَله يقول قبل موته
بخمس ... )) فذكر الحديث، قال أبي: رواه عبيد الله بن عمرو، عن زيد، عن
عمرو، عن عبد الله بن الحارث النجرانيّ، قال: حدّثنا جندب، وهو أشبه،
وهو عندي عبد الله بن الحارث المكتب الكوفيّ، وقد أدرك جندباً نظُّه.
انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الدارقطنيّ، وأبو حاتم أن
الحديث صحيحٌ، وأنه محفوظ من رواية عبيد الله بن عمرو، عن زيد، عن
عبد الله بن الحارث، عن جندب، كما هو رأي المصنّف تَخْلُهُ، حيث أخرجه
في ((صحيحه)) من هذا الطريق.
والحاصل أن للدار قطني في هذا الإسناد رأيين:
أحدهما: إعلاله بمخالفة أبي عبد الرحيم لعبيد الله بن عمرو، وهو الذي
ذكره في كتابه ((التتبع والإلزامات)) (ص١٣٣) بنسخة تحقيق الشيخ ربيع بن
هادي، وهو الذي نقله عياض في كلامه السابق.
والثاني: ترجيح رواية عبيد الله على رواية أبي عبد الرحيم، كما نقله
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٥٣/٢.
(٢) ((علل الحديث)) ٣٨٨/٢.

١٥٩
(٤) - بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا - حديث رقم (١١٩٤)
الحافظ في ((النكت الظراف))، كما أسلفته آنفاً، وهذا الرأي منه هو المقدّم
والمرجح؛ لموافقته لرأي الإمامين: مسلم، وأبي حاتم الرازي، فقد اتّفق
الثلاثة على صحّته من هذا الوجه.
والحاصل أن الحديث صحيحٌ من هذا الطريق؛ فتفطّن، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤) - (بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْدَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٩٤] (٥٣٣) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى،
قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ، أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ
قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ الْخَوْلَانِيَّ، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، عِنْدَ
قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ، حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ وَل﴾(١): إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي
سَمِعْتُ (٢) رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً للّهِ تَعَالَى - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ
أَنَّهُ قَالَ - يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ))، ابْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ:
(مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، بُعرف بابن التستريّ، صدوقٌ
تكلّم في بعض سماعه، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ مس ق)
تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
٢ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٦٩.
(١) وفى نسخة: ((مسجد رسول الله وَله)).
(٢) وفى نسخة: ((قد سمعتُ)).

١٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٣ - (بُكَيْر) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو
يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤.
٤ - (عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) بن النعمان بن زيد بن عامر بن سَوّاد بن
كعب، وهو ظَفَر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الظفريّ،
أبو عمرو، ويقال: أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ عالم بالمغازي [٤].
رَوَى عن أبيه، وجابر بن عبد الله، ومحمود بن لبيد، وجدته رُمَيثة، ولها
صحبة، وأنس، والحسن بن محمد بن الحنفية، وعبيد الله الخولانيّ، وعلي بن
الحسين بن عليّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه الفضل، وبُكير بن عبد الله بن الأشج، وعبد الرحمن بن
سليمان بن الْغَسِيل، وزيد بن أسلم، وعُمارة بن غَزِيّة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان راويةً
للعلم، وله علم بالمغازي والسيرة، أَمَره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في
مسجد دمشق، فيحدّث الناس بالمغازي، ومناقب الصحابة، ففعل، وكان ثقةً
كثير الحديث، عالِماً، وكَنَاه ابن حبان أبا محمد، وقال البزار: ثقةٌ مشهورٌ،
وقال عبد الحق في ((الأحكام)): هو ثقةٌ عند أبي زرعة، وابن معين، وقد ضعَّفه
غيرهما، وقد رَدّ ذلك عليه ابن القطان، وقال: بل هو ثقة عندهما وعند
غيرهما، ولا أعرف أحداً ضعّفه، ولا ذكره في الضعفاء. انتهى.
تُؤُفّي سنة عشرين ومائة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: توفي سنة
(١٩)، وقيل: مات سنة (٦) وقيل: سنة (٢٧)، وقيل: سنة (٢٩).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٥٣٣)
وأعاده بعده، وحديث (٢٢٠٥): ((إن فيه شفاء))، وأعاده بعده.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ الْخَوْلَانِيُّ) هو: عبيد الله بن الأسود، ويقال: ابن الأسد
الْخَوْلانيّ، ربيب ميمونة أم المؤمنين ضدًّا، ثقةٌ [٣].
رَوَى عنها، وعن زيد بن خالد الجهنيّ، وابن عباس
وروى عنه بُسْر بن سعيد، وعاصم بن عمر بن قتادة، ومحمد بن طلحة بن
یزید بن رُكَانة.
ذكره ابن حبان في ((الثقات)).