Indexed OCR Text

Pages 1-20

التِ الخَيَُّ التجاري
فِشرح
جَمْعُ الإِمْخَلِ مُسْلِم ◌ُ الحجاج
لَجَامِعِهِ الْفَقِيْرِالحَصَوْلَه الغَنِالْقَدِرُ
مُخَدَابُ السَُّ العُلَّمَ بَلِ ينَ آدَمُ بنُمُوسَى الإِنْيُوُبِالوَلْوِيّ
مُخْوَيَدْمِ العِلْمُ بِمَكّة المُكرَّة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وعَدُ وَالدِبُّه آمين
المَجَلِّ الثَّانِ يَشْرْ
كتَابُ المَسَاجِدُ ومَوَاضِعُ الصَّلاة
رقم الأحاديث (١١٦٦ - ١٢٩٧)
دارابن الجوزي

7
.
3

التحِالخَيُظُ التجاري
في شرح
جَعُ الأمَّ مُلِ مَ الحجاج

حقوق الطّبْع محقوظة لِدارابن الجوزي
الطَّبَعَة الأولى
رَبَيَع الآخر ١٤٣٠هـ
حقوق الطبع محفوظة ١٤٣٠٥هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ارابن
للنشر و التوزيع
دارابن الجوزي
للنّشرٌ والتّوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ -
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - حي الفلاح - مقابل جامعة الإمام - تلفاكس:
٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ -
الخبر - ت: ٨٩٩٩٣٥٦ - فاكس: ٨٩٩٩٣٥٧ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ -
القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠
البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٦)
براسه الرحمن الرحيم
ليلة الاثنين المبارك بعد صلاة المغرب ١٤٢٦/٨/٢٩ هـ أول الجزء
الثاني عشر من شرح ((صحيح الإمام مسلم)) المسمّى ((البحر المحيط
التجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاجِ، رحمه الله تعالى.
(٥) - (كِتَابُ الْمَسَاجِدِ، وَمَوَاضِعِ الصَّلّةِ)
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا معظم النسخ بلفظ ((كتاب المساجد))، ولا
يخفى مناسبة ذكر أحاديث المساجد في أبواب الصلاة؛ لأنها مواضع الصلاة،
ولكن كان الأولى للمصنّف أن يقدّمه في أوائل الصلاة، كما فعل
البخاريّ تْلُ، فقد أورد أحاديث فرض الصلاة، ثم أحاديث ستر العورة، ثم
أحاديث المساجد، وهكذا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تظلُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٦] (٥٢٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ،
حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالًا: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّبْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرُّ، قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُّ؟(١) قَالَ: ((الْمَسْجِدُ
الْحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَّ؟، قَالَ: ((الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى))، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَّ:
((أَرْبَعُونَ سَنَةٌ، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلُّ، فَهُوَ مَسْجِدٌ))، وَفِي حَدِيثٍ أَبِي
كَامِلٍ: (ثُمَّ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلُّهُ (٢) ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ))).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فُضيل بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظ
(١) وفي نسخة: ((أولاً)) منصوباً منوناً.
(٢) وفي نسخة: ((فصلّ)).

٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[١٠] (ت٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقة [٨] (ت١٧٦)
وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) هو: إبراهيم بن يزيد بن شَرِيك، أبو أسماء الكوفيّ، ثقةٌ
عابدٌ، لكنه يُرسل، ويدلّس [٥] (ت٩٢) وله (٤٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٦/٧٨.
٤ - (أَبُوهُ) يزيد بن شَرِيك بن طارق التيميّ الكوفيّ، يقال: إنه أدرك الجاهليّة
[٢] مات في خلافة عبد الملك بن مروان (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٦/٧٨.
٥ - (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جُنادة الصحابيّ الشهير ◌َظُه، تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بين
اثنين منهم؛ لاختلاف صيغ الأداء بسب اختلاف كيفيّة التحمّل، وذلك أن أبا كامل
حدّثه وحده، ولذا قال: ((حدّثني أبا كامل))، وصرّح عبد الواحد بتحديث الأعمش له،
وأما أبو بكر، وأبو كريب، فحدّثاه مع غيره، ولذا قال: ((وحدّثنا أبو بكر إلخ)).
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي كامل، وأبي بكر،
فالأول ما أخرج له ابن ماجه، وعلّق له البخاريّ، والثاني ما أخرج ه الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير أبي كامل، وعبد الواحد،
فبصريّان، والصحابيّ: مدنيّ، ثمّ رَبَذيّ، قرية قريبة من المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض:
الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن شَرِيك (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندب بن
جُنادة رَُّ أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟)
((أَيّ)) - بفتح الهمزة، وتشديد الياء -: اسم استفهام، مرفوع على الابتداء،
وخبره جملة ((وُضع))، وهو بالبناء للمفعول، و((أَوَّلُ)) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه

٧
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٦)
عن الإضافة، ونيّة معناها، كـ((قبلُ))، و((بعد))، قال في ((الخلاصة)):
لَهُ أُضِيفَ نَاوِياً مَا عُدِمَا
وَاضْمُمْ بِنَاءً ((غَيْراً)) انْ عَدِمْتَ مَا
وَ«دُونُ)) وَالْجِهَاتُ أَيْضاً وَعَلُ))
(قَبْلُ)) كَـ(غَيْرُ)) (بَعْدُ)) ((حَسْبُ)) ((أَوَّلُ))
(قَبْلاً)) وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرًا
وَأَعْرَبُوا نَصْباً إِذَا مَا نُكِّرَا
وفي بعض النسخ بلفظ: ((أَوَّلاً)) فيكون منصوباً على الظرفيّة متعلّقاً بـ «وُضِعَ)).
وقال في ((المرعاة)): قوله: ((أوَّلُ)) بضم اللام، وهي ضمة بناء؛ لقطعه
عن الإضافة مثل ((قبل))، و((بعد))، قال أبو البقاء: وهو الوجه، والتقدير: أوّلُ
كلِّ شيءٍ، ويجوز النصب مصروفاً، وغير مصروف؛ لوزن الفعل والوصفيّة،
نحو قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]. انتهى بتصرّف(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظم بعضهم ضابطَ ((أَوّلُ))، فقال (من الطويل]:
فَمَنْعُ انْصِرَافٍ فِيهِ أَمْرٌ مُحَتَّمُ
إِذَا (أَوَّلٌ)) قَدْ جَاءَ مَعْنَاهُ أَسْبَقُ
فَكُنْ حَافِظاً لِلْعِلْمِ تَحْظَى وَتَغْنَمُ
لِوَصْفٍ وَوَزْنِ الْفِعْلِ فِيهِ أَیَا فَتَّى
كَـ«قَبْلُ)) مِنَ الأَخَوَالِ وَاللهُ أَعْلَمُ
وَمَا جَاءَ ظَرْفاً مِثْلُ (قَبْلِ)) فَذَا لَهُ
(قَالَ) وَرِ ((الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ))) بالرفع على أنه مبتدأ حُذف خبره؛ لدلالة
السؤال عليه، أي المسجدُ الحرامُ وُضِع أوّلاً، ويحتمل أن يكون نائب فاعل
لفعل محذوف، دلّ عليه السؤال أيضاً، أي وُضِعَ المسجد الحرام أوّلاً، قال
أبو ذرّ ◌َُّه (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟) يجوز تنوينه؛ لأن التنوين عوض عن المضاف
إليه، وتركه بنيّة المضاف إليه، أي ثمّ أيُّ مسجد وُضع بعده، وقد تقدم البحث
في هذا مستوفَى في شرح حديث ابن مسعود به: ((أي العمل أحبّ إلى الله)).
قال في ((الفتح)): وهذا الحديث يفسّر المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ
وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّكَّةَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٦]، ويدلّ على أن المراد بالبيت بيت
العبادة، لا مطلق البيوت، وقد ورد صريحاً عن عليّ ◌ُبه، أخرجه إسحاق ابن
راهويه، وابن أبي حاتم، وغيرهما بإسناد صحيح عنه، قال: ((كانت البيوت
قبله، ولكنه كان أوّل بيت وُضع لعبادة الله)). انتهى (١)
(١) ((المرعاة)) ٤٦٨/٢.
(٢) ((الفتح)) ٦/ ٤٧٠ (كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٣٦٦).

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(قَالَ) ◌ِ ((الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى))) يعني مسجدَ بيت المقدس، قيل له:
الأقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، وقيل: لأنه لم يكن وراءه موضع
عبادة، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث، والْمُقَدَّسُ: المطهر عن ذلك.
. (قُلْتُ: كَمْ بَيْتَهُمَا؟) أي كم مدّةً بين وضع المسجدين؟
قال أبو ذرّ
(قَالَ) وَ ((أَرْبَعُونَ سَنَةً) قال ابن القيّم تَُّهُ: وقد أشكل هذا الحديث على من
لم يَعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان بن داود هو بنى المسجد
الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، قال: وهذا جهل من هذا
القائل؛ فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده، لا تأسيسه،
والذي أسّسه يعقوب بن إسحاق - صلى الله عليهما وآلهما وسلّم - بعد بناء
إبراهيم علا الكعبة بهذا المقدار. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): قال ابن الجوزيّ تَخّلُهُ: فيه إشكال؛ لأن إبراهيم ظلَّلام
بَنَى الكعبة، وسليمانالظُّل بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة.
انتھی.
قال الحافظ تَّتُهُ: ومُسْتَنَدُه في أن سليمان عَلَّ هو الذي بَنَى المسجد
الأقصى، ما رواه النسائيّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عظيمًا مرفوعاً
بإسناد صحيح: ((أن سليمان علّا لَمّا بنى بيت المقدس، سأل الله تعالى خِلالاً
ثلاثاً ... )) الحديث، وفي الطبرانيّ من حديث رافع بن عميرة: ((أن داود ◌َلَّلهُ
ابتدأ ببناء بيت المقدس، ثم أوحى الله إليه إني لأقضي بناءه على يد سليمان))،
وفي الحديث قصّةٌ. انتهى.
قال: وجوابه أن الإشارة إلى أوّل البناء، ووضع أساس المسجد، وليس
إبراهيم أول من بنى الكعبة، ولا سليمان أول من بَنَى بيت المقدس، فقد رَوَینا
أن أول مَن بَنَى الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم
قد وَضَعَ بيت المقدس، ثم بنى إبراهيم الكعبة بنصّ القرآن، وكذا قال
القرطبيّ: إن الحديث لا يدلّ على أن إبراهيم وسليمان لَمّا بنيا المسجدين
ابتدءا وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لِمَا كان أسسه غيرهما .
(١) ((زاد المعاد)) ٤٩/١.

٩
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٦)
قال الحافظ: وقد مَشَى ابن حبان في ((صحيحه)) على ظاهر هذا
الحديث، فقال: في هذا الخبر ردٌّ على من زعم أن بين إسماعيل وداود ألف
سنة، ولو كان كما قال: لكان بينهما أربعون سنةً، وهذا عين المحال؛ لطول
الزمان بالاتفاق بين بناء إبراهيم علي ◌ّ* البيت، وبين موسى عليّلا، ثم إن في نصّ
القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة.
وقد تعقب الحافظ الضياء بنحو ما أجاب به ابن الجوزيّ.
وقال الخطابيّ: يُشبه أن يكون المسجد الأقصى أوّلُ ما وَضَع بناءه بعض
أولیاء الله قبل داود وسليمان، ثم داود وسليمان، فزادا فيه ووسعاه، فأضيف
إليهما بناؤه، قال: وقد يُنسب هذا المسجد إلى إيلياء، فَيَحْتَمِل أن يكون هو
بانيه أو غيره، ولست أُحَقِّق لِمَ أضيف إليه.
قال الحافظ: الاحتمال الذي ذكره أوّلاً مُوَجَّهٌ، وقد رأيت لغيره أن أول
من أسس المسجد الأقصى آدم علّ*، وقيل: الملائكة، وقيل: سام بن
نوح علُّل، وقيل: يعقوب لعلّ*، فعلى الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما
تجديداً، كما وقع في الكعبة، وعلى الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم أو
يعقوب أصلاً وتأسيساً، ومن داود تجديداً لذلك، وابتداءً بناء، فلم يَكْمُل على
يده حتى أكمله سليمان ليلا.
لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزيّ أوجه.
قال: وقد وجدت ما يَشْهَد له، ويؤيد قولَ مَن قال: إن آدم هو الذي
أسس كلّاً من المسجدين، فذكر ابن هشام في ((كتاب التيجان)) أن آدم لما بني
الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه فبناه، ونسك فيه، وبناء آدم
للبيت مشهور.
وروى ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((لَمّا
كان زمن الطوفان رُفِع البيتُ، وكان الأنبياءُ يحجّونه، ولا يعلمون مكانه، حتى
بوّأه الله لإبراهيم، وأعلمه مكانه)).
وروى البيهقيّ في ((الدلائل)) من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو
مرفوعاً: ((بَعَثَ الله جبريل إلى آدم، فأمره ببناء البيت، فبناه آدم، ثم أمره
بالطواف به، وقيل له: أنت أوّل الناس، وهذا أولُ بيت وُضع للناس)).

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: ((أن آدم أول من بنى
البيت))، وقيل: بنته الملائكة قبله، وعن وهب بن منبه: أول من بناه شيث بن
آدم، والأول أثبت.
ورَوَى ابن أبي حاتم، من طريق معمر، عن قتادة، قال: وضع الله البيت
مع آدم لَمّا هَبَطَ، ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فقال الله له: يا آدم إني
قد أهبطت بيتاً يطاف به، كما يطاف حول عرشي، فانطلِق إليه، فخرج آدم إلى
مكة، وكان قد هبط بالهند، ومُدَّ له في خطوه، فأتى البيت، فطاف به، وقيل:
إنه لما صلى إلى الكعبة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس، فاتخذ فيه مسجداً،
وصلی فیه؛ ليكون قبلةً لبعض ذريته.
وأما ظَنُّ الخطابيّ أن إيليا اسم رجل، ففيه نظر، بل هو اسم البلد،
فأضيف إليه المسجد، كما يقال: مسجد المدينة، ومسجد مكة.
وقال أبو عبيد البكريّ في ((معجم البلدان)): إيليا مدينة بيت المقدس، فيه
ثلاث لغات: مَدّ آخره، وقصره، وحذف الياء الأولى، قال الفرزدق [من
الطويل]:
لَوَى ابْنُ أَبِي الرَّفْرَاقِ عَيْنَيْهِ بَعْدَ مَا دَنَا مِنْ أَعَالِي إِيلِيَاءَ وَغَوَّرَا
وعلى ما قاله الخطابيّ يمكن الجمع بأن يقال: إنها سُمِّيت باسم بانيها
کغیرها. انتھی(١).
(وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ) أي في أيِّ مكان أدركك وقت الصلاة، فـ((أينما))
اسم شرط جازم لفعلي الشرط والجزاء، وهما: ((أدركتك))، و((فصلِّ))، وهو
ظرف متعلّق بـ((أدركتك))، وكذا ((حيثما)) الآتي، وهما من أدوات الجزم التي
ذكرها ابن مالك: في ((الخلاصة)) بقوله:
فِي الْفِعْلِ هَكَذَا بَـالَمْ)) وَالَمَّا))
بـ(لَا)) وَلَام طَالِباً ضَعْ جَزْمًا
((أَيِّ) ((مَتَى)) ((أَيَّانَ)) ((أَيْنَ)) ((إِذْ مَا))
وَاجْزِمْ بِـ((إِنْ)) وَ((مَنْ)) وَ((مَا)) وَ((مَهْمًا))
كَـ«إِنْ)» وَبَاقِي الأَدَوَاتِ جَزْمَا
وَ((حَيْثُمَا)) ((أَنَّى)) وَحَرْفٌ ((إِذْ مَا))
(فَصَلُّ) في ذلك المكان، ولا تأخّر الصلاة، وقوله: (فَهُوَ مَسْجِدٌ))) الفاء
(١) ((الفتح)) ٤٦٣/٦ و٤٧٠ - ٤٧١ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٣٦٦).

١١
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٦)
للتعليل؛ أي لأن ذلك المكان مسجد للصلاة، فلا ينبغي تأخيرها عنه، وفيه
إشارة إلى المحافظة على الصلوات في أول أوقاتها، ويتضمّن ذلك الندب إلى
معرفة الأوقات.
(وَفِي حَدِيثٍ أَبِي كَامِلٍ) فُضيل بن حسين الْجَحدريّ، شيخه الأول،
فالجارّ والمجرور خبرٍ مقدّم، لقوله: ((ثمّ حيثما إلخ))؛ لقصد لفظه ((ثُمَّ حَيْثُمَا
أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلُّهْ) بالهاء الساكنة، وهي هاء السكت، كما قال في
(الخلاصة)) :
بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ«أَعْطِ مَنْ سَأَلْ)»
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ
كَـايَعِ)) مَجْزُوماً فَرَاعِ مَا رَعَوْا
وَلَيْسَ حَتْماً فِي سِوَى مَا گەع)) أَوْ
وفي بعض النسخ: ((فصلِّ) بلا هاء.
وفي رواية البخاريّ: ((ثمّ أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصلِّهْ)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((فصَلّة)) بهاء ساكنة، وهي هاء السكت،
وللكشميهني بحذفها، وقوله: ((فإن الفضل فيه)) أي في فعل الصلاة إذا حضر
وقتها، زاد من وجه آخر، عن الأعمش في آخره: ((والأرضُ لك مسجد))، أي
للصلاة فيه، وفي ((جامع سفيان بن عيينة))، عن الأعمش: ((فإن الأرض كلَّها
مسجدٌ))، أي صالحة للصلاة فيها، ويُخَصُّ هذا العموم بما ورد فيه النهي.
(١)
انتھی(١).
وقوله: (فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ))) تعليلٌ للأمر بالصلاة حيثما أدركته، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٦٦، ١١٦٧] (٥٢٠)، و(البخاريّ) في
((أحاديث الأنبياء)) (٣٣٦٦ و٣٤٢٥)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٣٢/٢)،
(١) ((الفتح)) ٦/ ٤٧١.

١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
و(ابن ماجه) فيها (٧٥٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥٧٨)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في («مسنده)) (٤٦٢)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (١٣٤)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٠٢/٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٥٠/٥ و١٥٦ و١٥٧
و١٦٠ و١٦٦ و١٦٧)، و(ابن خزيمة) في («صحيحه)) (١٢٩٠)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (١٥٩٨)، و(الطحاويّ) في ((شرح مشكل الآثار)) (٣٢/١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١١٥٨ و١١٥٩ و١١٦٠ و١١٦١)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١١٤٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣٣/٢) وفي ((دلائل النبوة))
(٤٣/٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان أول مسجد بُني للعبادة في الأرض، وهو
المسجد الحرام، ثم بُني بعده المسجد الأقصى، وهو أفضل المساجد على
الإطلاق، ثم يليه الأقصى.
٢ - (ومنها): بيان المدّة التي بين بناء المسجدين، وهو أربعون عاماً،
وهذا بالنسبة للوضع الأوّليّ، فلا ينافي ما ثبت من كون الخليل ظلَّلا بنى
الكعبة، وسليمان، أو أبوه - ◌َلَّه - بنى بيت المقدس؛ لأن هذا ثانويّ، ثم إنه
لم يصحّ تحديد ما بين بناءيهما من المدّة.
٣ - (ومنها): بيان جواز الصلاة في جميع المواضع، إلا ما استثناه
الشرع، من الصلاة في المقابر وغيرها، من المواضع التي فيها النجاسة،
كالْمَزْبلة، والْمَجْزَرة، وكذا ما نُهِي عنه لمعنى آخر، فمن ذلك أعطان الإبل،
وسيأتي بيانها قريباً - إن شاء الله تعالى - ومنه قارعة الطريق، والْحَمّام وغيرها؛
لحديث ورد فيها، قاله النوويّ تَقْذَثُمُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أشار النوويّ بقوله: ((لحديث ورد فيها)) إلى
الحديث الذي أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وعبد بن حُميد في ((مسنده)) عن
ابن عمر رضي أن النبيّ وَّلـ «نَهَى أن يصلى في سبعة مواطن: المزبلة،
والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمّام، وفي معاطن الإبل، وفوق
(١) ((شرح النووي)) ٢/٥ -٣.

١٣
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٦)
ظهر بيت الله))، وهذا الحديث ضعيفٌ جدّاً؛ لأن في سنده زيدَ بنَ جَبِير
متروك، فتنبّه.
٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى المحافظة على الصلاة في أول وقتها،
ويتضمن ذلك الندبَ إلى معرفة الأوقات.
٥ - (ومنها): أن فيه إشارةً أيضاً إلى أن المكان الأفضل للعبادة إذا لم
يحصل، لا يترك المأمور به لفواته، بل يُفْعَل المأمور في المفضول؛ لأنه وَله
كأنه فَهِمَ عن أبي ذرّ ◌َظُه من تخصيصه السؤال عن أوّل مسجد وُضِع أنه يريد
تخصيص صلاته فيه، فَنَبَّهه على أن إيقاع الصلاة إذا حضرت لا يَتَوَقَّف على
المكان الأفضل.
٦ - (ومنها): بيان فضيلة الأمة المحمدية؛ لما ذُكِر أن الأمم السابقة
كانوا لا يصلون إلا في مكان مخصوص، فقد أخرج الإمام أحمد في ((مسنده))
بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو ثًا، في حديثه الطويل، وفيه: ((وجُعِلت
لي الأرض مساجد وطهوراً، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان مَن
قبلي يُعَظِّمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبِيَعِهِم ... )) الحديث.
٧ - (ومنها): حُسْن الزيادة على السؤال في الجواب، لا سيّما إذا كان
للسائل في ذلك مزيدُ فائدة.
٨ - (ومنها): أن الحديث دليل فضيلة من فضائل الكعبة الشريفة، حيث
كانت أول بيت وُضع لعبادة الله تعالى، وقد خصّها الله بخصائص كثيرة، فمنها
هذا .
[ومنها]: كونها قبلة لأهل الأرض كلّهم، فليس على وجه الأرض قبلة
غيرها .
[ومنها]: أنه يحرُم استقبالها، واستدبارها عند قضاء الحاجة، دون سائر
البقاع، وقد تقدّم تفصيل مذاهب العلماء في ذلك، مع ترجيح القول باستثناء ما
كان في البيان في ((كتاب الطهارة))، فراجعه تستفد.
[ومنها]: أن الله تعالى سمّاها أم القرى، فالقرى كلّها تَبَعِ لها، وفرعٌ عليها،
وهي أصل القرى، فيجب أن لا يكون لها في القرى عَدِيلٌ، فهي كما أخبر
النبيّ وَّو عن ((الفاتحة)) أنها أم القرآن، ولهذا لم يكن لها في الكتب الإلهية عَدِيل.

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[ومنها]: أنه لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا
بإحرام، عند بعض أهل العلم، ويُروى عن ابن عباس ﴿ه، والراجح أنه لا
يجب ذلك إلا لمريد الحجّ أو العمرة، وسيأتي تمام البحث في ذلك في ((كتاب
الحجّ)) - إن شاء الله تعالى -.
[ومنها]: أنه يعاقب فيه على الهمّ بالسيئات، وإن لم يفعلها، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
قال الإمام ابن القيّم ◌َّتُهُ: فتأمل كيف عَدَّى فعل الإرادة هنا بالباء، ولا
يقال: أردت بكذا إلا لما ضُمِّن معنى فِعْلِ هَمّ، فإنه يقال: هممت بكذا،
فتوعد مَن هَمَّ بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم. انتهى.
[ومنها]: تضاعف مقادير السيئات فيه، لا كمياتها، فإن السيئة جزاؤها
سيئة، لكن السيئة كبيرةٌ، وجزاؤها مثلها، والصغيرة جزاؤها مثلها، فالسيئة في
حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد وأعظم منها في طَرَف من أطراف الأرض،
ولهذا ليس مَن عَصَى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من
داره وبساطه، فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات، قاله ابن القيّم تَخْشُهُ.
[ومنها]: أنه قد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة،
وهَوَى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من
جذب المغناطيس للحديد، فهو الأولى بقول القائل (من الوافر]:
مَحَاسِنُهُ هَيُولَى كُلِّ حُسْنِ وَمَغْنَاطِيسُ أَفْئِدَةِ الرِّجَالِ
ولهذا أخبر الله مك أنه مثابة للناس، أي يثوبون إليه على تعاقب
الأعوام، من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وَطَراً، بل كلما ازدادوا له زيارة
ازدادوا له اشتياقاً، كما قال [من البسيط]:
لَا يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْهَا حِينَ يَنْظُرُهَا حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهَا الظَّرْفُ مُشْتَاقًا
فلله كم لها من قتيل، وسَليب، وجريح، وكم أُنفق في حبها من
الأموال، والأرواح، ورَضِي المحبّ بمفارقة فِلَذِ الأكباد (١)، والأهل،
والأحباب، والأوطان، مقدِّماً بين يديه أنواع المخاوف، والمتالف،
(١) ((الْفِلْذة، بكسر، فسكون: القطعة، وجمعها فِلَذ، كسِدْرة وسِدَرٍ. اهـ. ((المصباح)).

١٥
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٦)
والمعاطف، والمشاقُّ، وهو يستلذّ ذلك كله، ويستطيبه، ويراه لو ظهر سلطان
المحبة في قلبه أطيب من نِعَم المتحلية وتَرَفِهم ولذّاتهم، كما قال [من الطويل]:
عَذَاباً إِذَا مَا كَانَ يَرْضَى حَبِيبُهُ
وَلَيْسَ مُحِبّاً مَنْ يَعُدُّ شَقَاءَهُ.
قال الإمام ابن القيّم ◌َّتُهُ: وهذا كلَّه سر إضافته إليه رَ بقوله: ﴿وَطَهِّرْ
بَيْتِىَ﴾ الآية [الحج: ٢٦]، فاقتضت هذه الإضافة الخاصّة من هذا الإجلال
والتعظيم والمحبة ما اقتضته، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله وجَّه إلى نفسه
ما اقتضته من ذلك، وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كَسَتهم من الجلال
والمحبة والوقار ما كستهم، فكلُّ ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه، فله من
المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاجتباء، ثم يكسوه
بهذه الإضافة تفضيلاً آخر، وتخصيصاً وجلالةً زائداً على ما كان له قبل
الإضافة. انتهى المقصود من كلام ابن القيّم تَّثهُ، فإن أردت الزيادة من
الفائدة، فارجع إلى كتابه النافع ((زاد المعاد)) تر كلاماً يسرّ الفواد(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(المسألة الرابعة): في بيان فائدة مهمة، تتعلّق بإعراب أَسْماء الشرط
والاستفهام:
(اعلم): أن أسماء الشرط والاستفهام إذا وقعت على زمان، أو مكان،
فهي في محلّ نصب على الظرفيّة لفعل الشرط، إن كان تامّاً، نحو قوله [من
الطويل]:
تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدٍ
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ
وقوله [من البسيط]:
لَمْ تُدْرِكِ الأَمْنَ مِنَّا لَمْ تَزَلْ حَذِرَا
أَيَّانَ نُؤْمِنْكَ تَأْمَنْ غَيْرَنَا وَإِذَا
وقوله [من الخفيف]:
ـهُ نَجَاحاً فِي غَابِرِ الأَزْمَانِ
حَيْثُمَا تَسْتَقِم يُقَدِّرْ لَكَ اللَّـ
وظرفاً لخبره إن كان ناقصاً، كـ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [النساء:
٧٨]، فـ((أينما)) ظرف متعلّق بمحذوف خبر ﴿تَكُونُواْ﴾ الذي هو فعل الشرط،
(١) راجع: ((زاد المعاد في هدي خير العباد وَلات)) ٤٩/١ - ٥٢ وما بعده.

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
و﴿يُدْرِكِكُمُ﴾ جوابه، وإن وقعت على حَدَث، فمفعول مطلقٌ لفعل الشرط،
كـ((أيَّ ضَرْبٍ تَضْرِبْ أَضْرِبْ)»، أو على ذات، فإن كان فعل الشرط لازماً، نحو
((من يقم اضربه)) فهي مبتدأ، وكذا إن كان متعدّياً واقعاً على أجنبيّ منها، نحو
﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، وخبره إما جملة الشرط، أو
الجواب، أو هما معاً، أقوال، فإن كان متعدّياً، وسُلِّط على الأداة، فهي
مفعوله، نحو ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، و((من يضرب
زيداً أضربه))، وإن سُلّط على ضميرها، أو على ملابسه، فاشتغال، نحو من
يضربه، أو من يضرب أخا زيد أضربه، فيجوز في ((من)) كونها مفعولاً لمحذوف
يُفسّره فعل الشرط، أو مبتدأ، وفي خبره ما مرّ.
وإنما كان العامل في الأداة هو فعل الشرط لا الجواب عكس ((إذا))؛ لأن
رتبة الجواب مع متعلّقاته التأخير عن الشرط، فلا يعمل في متقدّم عليه، ولأنه
قد يقترن بالفاء، أو ((إذا)) الفجائيّة، وما بعدهما لا يعمل فيما قبلهما، واغتُفِرَ
ذلك في ((إذا))؛ لأنها مضافة لشرطها، فلا يصلح للعمل فيها، ذكر هذا التحقيق
الخضريّ في ((حاشيته))(١) .
وقد نظمت هذه القاعدة، فقلت:
يَا أَيُّهَا النِّحْرِيرُ يَا لَبِيبُ إِنْ
إِنِ الأَدَاةُ وَقَعَتْ زَمَاناً اوْ
لِفِعْلٍ شَرْطِهَا إِذَا تَمَّ وَإِنْ
وَإِنْ عَلَى الْحَدَثِ دَلَّتْ تُعْرَبُ
وَإِنْ عَلَى ذَاتٍ تَقَعْ وَالشَّرْطُ قَدْ
لأَجْنَبِيِّ قَدْ تَعَدَّى وَالْخَبَرْ
وَإِنْ عَلَى الأَدَاةِ قَدْ تَسَلَّطًا
وَإِنْ عَلَى الضَّمِيرِ أَوْ مُلَابِسِهْ
وَهَكَذَا أَدَاةُ الاسْتِفْهَامِ
أَرَدْتَ إِعْرَابَ الشُّرُوطِ فَاسْتَبِنْ
مَكَاناً النَّصْبَ لَهَا ظَرْفاً رَأَوْا
نَقَصَ بِالْخَبَرِ نَصْبَهَا أَبِنْ
مَفْعُولَ مُظْلَقٍ لِشَرْطِ يَصْحَبُ
لَزِمَ قُلْ مُبْتَدَأُ أَوْ إِنْ وَرَدْ
الشَّرْطُ أَوْ جَوَابُهُ أَوْ ذَانٍ قَرْ
تُعْرَبُ مَفْعُولاً لَهُ فَلْتَصْبِطَا
فَبَابُ الاشْتِغَالِ جَاءَ يَكْتَسِهْ
مِثْلُ أَدَاةِ الشَّرْطِ بِالثَّمَامِ
(١) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ١٨٦/٢ ((باب
عوامل الجزم)).

١٧
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٧)
وإِنَّمَا أُعْمِلَ فِعْلُ الشَّرْطِ فِي
لِكَوْنِهِ مُؤَخَّراً عَنْهُ فَلَا
وَقَدْ يَجِي مُقْتَرِناً بِالْفَاءِ أَوْ
عَمَلَهُ فِيمَا مَضَى وَاغْتُفِرَا
مِنَ الإِضَافَةِ لِشَرْطِهَا فَلَا
فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّهْ
أَدَاتِهِ دُونَ الْجَوابِ فَاعْرِفٍ
يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ فَلْتَعْقِلَا
((إِذَا)) وَمَا يَلِي لِذَيْنٍ قَدْ أَبَوْا
ذَلِكَ فِي ((إِذَا)) لأَجْلِ مَا عَرَا
يَعْمَلُ فِيهَا عِنْدَ كُلِّ النُّبَلَا
قَرَّبْتُهَا لِرَاغِبٍ ذِي هِمَّهْ
قال الجامع عفا الله عنه: وإنما طوّلت في بيان هذه القاعدة؛ لكونها
تتكرّر في الأحاديث، كما ذكرت في هذا الحديث، فأحببت أن تتضح لطلاب
العلم في موضع واحد حتى يعملوا بمقتضاها كما جاءت في الأحاديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٦٧] (.) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي الْقُرْآنَ (٢)
فِي السُّدَّةِ، فَإِذَا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ سَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ؟
قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي
الْأَرْضِ؟ قَالَ: ((الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ))، قُلْتُ: ثُمَّ أَبِّ؟ قَالَ: ((الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى))،
قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: ((أَرْبَعُونَ عَاماً، ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ
الصَّلَاةُ فَصَلِّ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
(١) وفي نسخة: ((أقرأ القرآن على أبي)).

١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقوله: (قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي الْقُرْآنَ) وفي نسخة: ((كنت أقرأ القرآن
على أبي))، وفي رواية ابن خزيمة: ((كنت أنا وأبي نجلس في الطريق، فَيَعْرِض
عليّ القرآن، وأَعْرِض عليه، فقرأ السجدة، فسجد، فقلت: تسجد في الطريق؟
قال: نعم، سمعت أبا ذرّ ... ))، فذكره.
وقوله: (فِي السُّدَّةِ) متعلّق بـ((أقرأ))، وهي بضم السين، وتشديد الدال
المهملتين، قال النوويّ نَّثُهُ: هكذا هو في ((صحيح مسلم))، ووقع في كتاب
النسائيّ: ((في السِّكَّة))، وفي رواية غيره: ((في بعض السِّكَك))، وهذا مطابق
لقوله: ((يا أبت أتسجد في الطريق؟))، وهو مقارب لرواية مسلم؛ لأن السُّدّة
واحدة السُّدَدِ، وهي المواضع التي تُطِلُّ حول المسجد، وليست منه، ومنه قيل
الإسماعيل السُّدّيّ؛ لأنه كان يبيع في سُدَّة الجامع، وليس للُّدَّة حكم
المسجد، إذا كانت خارجة عنه.
وقوله: (فَإِذَا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ سَجَدَ) قال القاضي عياض نَظّتُهُ: واختَلَفَ
العلماء في المعلُّم والمتعلُّم إذا قرآ السجدة، فقيل: عليهما السجود لأول مرّة،
وقيل: لا سجود. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق البحث في هذا في موضعه - إن
شاء الله تعالى -.
وقوله: (فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ) بكسر التاء، وهو الأكثر، وفتحها، قال في
«الخلاصة» :
وَفِي النِّدَا ((أَبَتِ)) ((أُمَّتِ)) عَرَضْ وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ الْيَا التَّا عِوَضْ
وحُكي ضمّها، وهو قليل، وقد ذكر النحاة في نداء الأبوين تسع لغات،
وقيل: عشر، فإذا أردت بيان ذلك، فراجع شروح ((الخلاصة))، وغيرها.
وقوله: (أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ؟) قال النوويّ ◌َخْذِفُهُ: أما سجوده في السُّدَّة،
وقوله: ((أتسجد في الطريق))، فمحمول على سجوده على طاهر. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((شرح النوويّ)) ٣/٥.

١٩
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٨] (٥٢١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ
يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «أُعْطِيتُ
خَمْساً، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى
كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ
طَيِّبَةً طَهُوراً وَمَسْجِداً، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ
بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةٍ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (سَيَّار) بن أبي سيّار وَرْدان، أبو الحكم الْعَنَزيّ الواسطيّ، ويقال:
البصريّ، ثقةٌ [٦] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٤ - (يَزِيدُ الْفَقِيرُ) هو: يزيد بن صُهيب، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٤٧٩/٩٠.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ) الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، تقدّم في
الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين نيسابوريّ، وواسطيين، وكوفيّ، ومدنيّ.
٤ - (ومنها): أن يزيد لُقّب بالفقير؛ لأنه كان يَشكو فَقَار ظهره، وليس
من الفقر ضدّ الغنى، قال في ((المحكم)): رجلٌ فقيرٌ: مكسور فَقَار الظهر،
ويقال له: فُقَيِّرٌ بالتشديد أيضاً. انتهى.

٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﴿ها، وهو أحد المكثرين السبعة،
روى (١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم.
[فائدة]: قال الحافظ تَخُّ: ((سَيّار)» - بمهملة، بعدها تحتانية مشدّدة،
وآخره راء - هو أبو الْحَكْم الْعَنَزيّ الواسطيّ البصريّ، واسم أبيه وردان على
الأشهر، ويكنى أبا سيَّار، واتَّفقوا على توثيق سيّار، وأخرج له الأئمة الستة
وغيرهم، وقد أدرك بعض الصحابة، لكن لم يَلْقَ أحداً منهم، فهو من كبار
أتباع التابعين، ولهم شيخ آخر يقال له: ((سيّار))، لكنه تابعيّ شاميّ، أخرج له
الترمذيّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال: وإنما ذكرته؛ لأنه رَوَى معنى
حديث الباب عن أبي أمامة، ولم يُنْسَب في الرواية، كما لم يُنْسَب سيار في
حديث الباب، فربما ظنهما بعض من لا تمييز له واحداً، فيظن أنّ في الإسناد
اختلافاً، وليس كذلك. انتهى(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً.
[فائدة أخرى]: قال الحافظ أيضاً: مدار حديث جابر ظه هذا على
هُشيم بهذا الإسناد، وله شواهد من حديث ابن عباس، وأبي موسى، وأبي ذرّ،
ومن رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رواها كلها أحمد بأسانيد
حسان. انتهى، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَيَّارٍ) سيأتي في الرواية التالية التصريح بالسماع في كلّ السند،
حيث قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا هُشيم، أخبرنا سيّار، حدّثنا
يزيد الفقير، أخبرنا جابر بن عبد الله ... ، فاتّصل بالسماع من أوله إلى آخره،
فزالت تهمة تدليس هُشيم، وكذا وقع في رواية البخاريّ نحو هذا، قال الحافظ
ابن رجب في ((شرح البخاريّ)): هُشيم مدلّسٌ، وقد صرّح هنا بالسماع من
سيّار، وصرّح سيّار بالسماع من يزيد، وصرّح يزيد بالسماع من جابر
فهذا الإسناد جليل متّصل. انتهى (٢).
(١) ((الفتح)) ٥٢٠/١.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب كتلهم ٢٠٦/٢.