Indexed OCR Text

Pages 381-400

(٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ بَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٤)
٣٨١
الفيّوميّ تَخُّْهُ: ((الدَّفْعَة)) بالفتح: المرّة، وبالضمّ: اسمٌ لما يُدفع بمرّة، يقال:
دَفَعتُ من الإِناء دَفْعَةً بالفتح بمعنى المصدر، وجمعُها دَفَعَاتٌ، مثلُ سَجْدة
وسَجَدَات، وبَقِيَ في الإناء دُفْعَةٌ بالضمّ: أي مقدارٌ يُدفع. انتهى (١). (فَمَثَلَ قَائِماً)
أي انتصب الشابّ قائماً، يقال: مَثَلَ بين يديه مُثُولاً: من باب فَعَد: إذا انتصب
قائماً، قاله في ((المصباح))(٢)، وزاد في ((القاموس)): ((مَثُل)) بضمّ المثلّثة، ككُرُم.
فـ ((قائماً)) حال مؤكّد لعامله، وهو (مَثَلَ))، على حدّ قوله تعالى: ﴿وَلَا
نَعْثَوْاْ فِىِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، قال ابن مالك في ((خلاصته)):
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا
فِي نَحْوِ («لَا تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدًا»
(فَنَالَ) الشابّ (مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) ◌َّه أي أصاب من عِرْضه بالشتم، أو
نحوه، وهو من النيل، وهو الإصابة (ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ) أي من المسجد.
قال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: وفيما فعله أبو سعيد رَؤُه دليلٌ على دفع
المارّ بين المصلّي، وبين سترته، وإن ازدحم الناس، ولم يجد المارّ سبيلاً
سوى ذلك، ويدلّ عليه أيضاً قول النبيّ وَّهِ: ((لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي
ماذا عليه، لكان أن يقِفَ أربعين خيرٌ له من أن يمرّ))، فإنه يدلّ على أن وقوفه
أربعين ينتظر مسلكاً يُباح له المرور فيه خيرٌ له من المرور بين يدي المصلّي،
وإن لم يجد طريقاً غيره.
وقد قال بعض الشافعيّة والمالكيّة، والحنابلة: لا يكره المرور حينئذ،
ولا يمنع منه، قال الحنابلة: لكن يضع المارّ شيئاً يمرّ من ورائه، أو يخطّ خطاً
إذا لم يجد.
قال: والرجوع إلى ما فَهِمه الصحابيّ من الحديث الذي رواه، وعمل به
مستدلاً به أولی.
قال: وقول النبيّ وَلّه: ((إذا كان أحدكم يصلّي، فلا يدع أحداً يمُرّ بين
يديه، وليدرأ ما استطاع)) أمرٌ بدفع المارّ، ونهي عن تمكينه من المرور، وظاهره
الوجوب، وقد وقع في كلام ابن عبد البرّ ما يقتضيه، وأنه لا يعلم فيه خلافاً،
(١) ((المصباح)) ١٩٦/١.
(٢) راجع: ((المصباح)) ٢ / ٥٦٤.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ووقع في كلامه أيضاً ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب. انتهى كلام ابن
(١)
رجب (١) .
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الحافظ ابن رجب في تحقيقه هذا.
أما أوّلاً فإن ما فهمه أبو سعيد ◌َهُبه من أن الدفع على إطلاقه، سواء
كان للمارّ مندوحة أم لا؟ هو الحق الذي ينبغي أن لا يُتجاوز إلى غيره إلا
بدليل أوضح منه، من نصّ أو إجماع؛ لأن الصحابي من أهل اللسان يفهم
دقائق اللغة العربيّة، ويفهم حقائق الشريعة، حيث جالس صاحبها وَّر، وفهم
مقاصده، فينبغي أن يُقدّم على فهم غيره، والله تعالى أعلم.
وأما ثانياً فقوله: ((وظاهره الوجوب))، هو الذي سبق لنا ترجيحه، وإن
كان الأكثرون على خلافه؛ لأن الأمر والنهي للوجوب والتحريم، ما لم
يصرفهما صارف، ولم يذكر القائلون بالندبيّة هنا صارفاً معتبراً، فتبصّر، والله
تعالى أعلم.
(فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُميّة
الأمويّ، أبو عبد الملك المدنيّ، يقال: إنه رأى النبيّ وَّر، قاله الواقديّ، ولم
يَحفَظ منه شيئاً، تؤُفّي النبيّ بَّ، وهو ابن ثمان سنين، ولي الخلافة في آخر
سنة (٦٤)، ومات بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة (٦٥هـ) وهو ابن (٦١
أو ٦٣) سنة، وله ذكر عند المصنّف، وأخرج له البخاريّ، والأربعة.
(فَشَكَا إِلَيْهِ) أي إلى مروان (مَا) موصولة، أي الذي (لَقِيَ) بفتح أوله،
وكسر ثانيه، من باب تعب، أي أصابه من أبي سعيد من الدفع على نحره (قَالَ)
أبو صالح (وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ) تَّبُهُ (عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ) ((ما))
استفهاميّة مبتدأ، و((لك)) خبره وقوله: (وَلِابْنِ أَخِيكَ) عطف على ((لك)) بإعادة
الخافض، وهو لازم عند جمهور النحاة، خلافاً لابن مالك، كما أشار إليه في
«الخلاصة» بقوله:
ضَمِيرٍ خَفْضِ لَازِماً قَدْ جُعِلَا
وَعَوْدُ خَافِضِ لَدَى عَطْفٍ عَلَى
فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَثًا
وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِماً إِذْ قَدْ أَتَى
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب كَّتُهُ ٨٠/٤ - ٠٨١

٣٨٣
(٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَى الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٤)
وأطلق الأُخُوّة باعتبار الإيمان، وهذا يؤيِّد أن المارّ غير الوليد؛ لأن أباه
عُقبة قُتل كافراً، واستَدَلَّ الرافعيّ بهذه القصّة على مشروعية الدفع، ولو لم يكن
هناك مَسْلَكٌ غيره، خلافاً لإمام الحرمين.
وقوله: (جَاءَ يَشْكُوَ؟) أي يُخبر عنك بسوء فعلك به، وفي بعض
النسخ: ((يشتكيك))، وهو بمعناه، قال في ((المختار)): شكاه، من باب عَدَا
وشِكَايَةً بالكسر، وشَكِيّةً، وشكاةً بالفتح: أي أخبر عنه بسوء فعله به، فهو
مَشْكُوٌّ، ومَشْكيٍّ، والاسم: الشَّكْوَى، وأشكاه: فَعَلَ به فعلاً أحوجه إلى أن
يشكوه، وأشكاه أيضاً: أعتبه من شكواه، ونزع عنه شِكايته، وأزاله عمّا
يشكوه، وهو من الأضداد، واشتكاه مثلُ شكاه. انتهى(١). وأفاد في
((القاموس)) أن شَكَيت بالياء لغة في شَكَوت بالواو(٢).
والجملة محلّ نصب على الحال من ((ابن أخيك)).
(فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) رَظُهُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ
إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) قال ابن دقيق العيد تَخْلُهُ: ولو أخذ من هذا جواز
التستّر بالأشياء عموماً، لكان فيه ضعفٌ؛ لأن مقتضى العموم جواز المقاتلة
عند وجود كلّ شيء ساتر، لا جواز الستر بكلّ شيء، إلا أن يُحمل الستر على
الأمر الحسيّ، لا الأمر الشرعيّ، وبعض الفقهاء كَرِهِ التستّر بآدميّ، أو حيوان
غيره؛ لأنه يصير في صورة المصلّي إليه، وكرهه مالك في المرأة. انتهى(٣).
(فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ) أي يمرّ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي بينه وبين الساتر الذي
أمامه، وليس المراد ما يعم ما وراء السترة؛ لأن المرور وراءها جائز، كما
تقدّم في حديث طلحة ◌َظُه حيث قال: ((ولا يبالي مَن مرّ وراء ذلك)). (فَلْيَدْفَعْ
فِي نَحْرِهٍ) أي صدر مريد المرور (فَإِنْ أَبَى) أي امتنع عن الرجوع (فَلْيُقَاتِلْهُ)
بكسر لام الأمر، وسكونها (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)) أي لكونه متمرّداً عن الاستجابة
لترك المنكر، فكلّ من عَتَى، وتَمَرّد عن الحقّ، فهو شيطان، أو المراد أن الذي
حمله على هذا العصيان شيطانه الذي تسلّط عليه، ويؤيّد هذا حديث ابن
(١) ((مختار الصحاح)) (ص١٦٩).
(٢) ((القاموس المحيط)) ٤/ ٣٥٠.
(٣) ((إحكام الأحكام)) ٢/ ٤٥٤ بنسخة الحاشية.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
عمر رضيًّا بلفظ: ((فإن معه القرين))، والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبقت مسائله في
الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٥] (٥٠٦) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكِ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ صِّدَقَةَ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا
يَدَعْ أَحَداً يَمُزُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّالُ، أبو موسى البغداديّ البزّاز،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ
[١١] (ت٢٤٥) (خ م د تُ س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي قُدَيْكِ) الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل
المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في
((الحيض)) ١٦/ ٧٧٥.
٤ - (الضَّحَّاُ بْنُ عُثْمَان) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ
الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤.
٥ - (صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ) الْجَزَريّ، نزيل مكة، ثقة [٤].
رَوَى مالك بن أوس بن الْحَدَثان، وسعيد بن جبير، وطاووس بن كيسان،.
والقاسم بن محمد، والزهريّ، وهو من أقرانه، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، وابن جريج، ومالك، وابن إسحاق، ومعمر،
والسفيانان، والضحاك بن عثمان، وجرير بن عبد الحميد، وجماعة.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة من الثقات، وقال ابن معين: ثقةٌ،
وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، قال: قلت له:
من أهل مكة؟ فقال: من أهل الجزيرة، سكن مكة، وقال له سفيان: بلغني أنك

٣٨٥
(٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٥)
من الخوارج، قال: كنت منهم، فعافاني الله منه، قال أبو داود: كان مُتَوَحِّشاً
يصلي بمكة جمعةً، وبالمدينة جمعةً، وقال ابن سعد: تُؤُفّي في أول خلافة بني
العباس، وكان ثقةً قليل الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكر بعضهم
أنه عَمّ محمد بن إسحاق بن يسار، وهو وَهَمٌ ممن قاله، وقال النسائيّ،
ويعقوب بن سفيان: ثقةٌ .
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿ه، ذُكر في الباب الماضي.
وقوله: (فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ) أي مصاحبه من الشياطين، قال ابن الأثير ◌َُّهُ:
القرين يكون في الخير والشرّ، قال: ومنه الحديث: ((ما من أحد إلا وُكل به
قرينه))، أي مصاحبه من الملائكة والشياطين، وكلّ إنسان فإن معه قريناً منهما،
فقرينه من الملائكة يأمره بالخير، ويحثّه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشرّ،
ويَحثّه عليه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أشار ابن الأثير بهذا إلى ما أخرجه
المصنّف تَخْتُ عن عبد الله بن مسعود ظ به قال: قال رسول الله وَالفقير: ((ما منكم
من أحد إلا وقد وُكِل به قَرينه من الجنّ))، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال:
((وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلمُ، فلا يأمرني إلا بخير))(٢).
وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده))، عن ابن عباس رضيؤًّا قال: قال
رسول الله وَلجر: (ليس منكم من أحد، إلا وقد وُكِل به قرينه من الشياطين))،
قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: ((نعم، ولكن الله أعانني عليه، فأسلم)) (٣).
وأخرج الدارميّ في ((سننه)) عن عبد الله - يعني ابن مسعود حظرُبه - قال:
قال رسول الله وَلجر: ((ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الجنّ، وقرينه من
الملائكة»، قالوا: وإياك؟ قال: ((نعم وإياي، ولكن الله أعانني عليه، فأسلم)).
(١) ((النهاية)) ٥٤/٤.
(٢) سيأتي للمصنّف في ((صفة القيامة)) برقم (٢٨١٤).
(٣) ((المسند)) برقم (٢٣١٩).

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قال أبو محمد: من الناس من يقول: أسلمَ استسلم، يقول: ذَلَّ.
(١)
انتھی
وتمام شرح الحديث، وفوائده، تقدّمت في شرح الأحاديث الماضية.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ◌ًا هذا من أفراد
المصنّف تَخْذَلَهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٣٥/٤٩ و١١٣٦] (٥٠٦)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٨٦/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨٠٠)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٣٦٢ و٢٣٧٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣٥٧٣)، و(الطحاويّ)
في ((معاني الآثار)) (٤٦١/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٨٧)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١١٢٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٨/٢)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٣٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (٢) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ،
حَدَّثَنَا الضَّحَُّ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ نِ قَالَ، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله بن
شريك بن زهير بن سارية أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن أفلح بن حميد، وأسامة بن زيد الليثيّ، وخُثَيم بن عِراك،
(١) ((سنن الدارميّ)) برقم (٢٦١٨).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنيه إسحاق))، وفي أخرى: ((حدّثني)).

٣٨٧
(٤٩) - بَابُ الأَمْرِ بِمَنْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٦)
وسعيد بن أبي عروبة، والثوريّ، ومالك، وكثير بن زيد، والهيثم بن رافع،
وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ ابن المدينيّ، وأبو موسى، وبُندار،
وعمرو بن عليّ، وإسحاق بن منصور، وعباس بن عبد العظيم، وهارون
الحمّال، ومحمد بن رافع، وبکر بن خلف، وأبو خيثمة، ومحمد بن یحیی
الذُّهْليّ، وغيرهم.
قال الأثرم، عن أحمد: ثقةٌ، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: أنا
أحدث عنه، وقال أبو زرعة: هم ثلاثة إخوة، وهم ثقات، وقال العجليّ:
بصريّ ثقةٌ، وقال العُقَيليّ: عبد الكبير ثقةٌ، وأخوه أبو عليّ ثقةٌ، والأخ الثالث
ضعيف، يعني عُميراً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: هم إخوة أربعة:
أبو بكر، وأبو عليّ، وأبو المغيرة، واسمه عُمير، وشَرِيكٌ، وقال الدار قطنيّ:
هم أربعة إخوة، لا يُعْتَمَد منهم إلا على أبي بكر، وأبي عليّ.
وقال محمد بن سعد: كان ثقةً، وتُؤُفّي بالبصرة سنة أربع ومائتين، وفيها
أرّخه أبو داود.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ، بِمِثْلِهِ) الضمير لأبي بكر الحنفيّ، أي قال أبو بكر، عن
الضحّاك بن عثمان بمثل رواية محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك، عنه.
[تنبيه]: رواية أبي بكر الحنفيّ هذه ساقها الإمام ابن خزيمة في
((صحيحه)) (٩/٢) فقال :
(٨٠٠) أنا أبو طاهر(١)، نا أبو بكر(٢)، ثنا بُندار، ثنا أبو بكر - يعني
الحنفيّ - ثنا الضحاك بن عثمان، حدثني صدقة بن يسار، قال: سمعت ابن
عمر يقول: قال رسول الله وَله: ((لا تُصَلِّ إلا إلى سُتْرة، ولا تَدَعْ أحداً يَمُرُّ بين
(١) هو حفيد ابن خزيمة: محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة الراوي عن
جدّه، المتوفّى سنة (٣٨٧هـ).
(٢) هو محمد بن إسحاق بن خزيمة، صاحب الصحيح.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
يديك، فإن أبى فلتقاتله، فإن معه القرين)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٥٠) - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١١٣٧] (٥٠٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ، أَرْسَلَهُ إِلَى
أَبِي جُهَيْمِ، يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَى الْمُصَلِّي؟
قَالَ أَبُو ◌َجَّهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ الهِ لَّهِ: (لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَى الْمُصَلِّي، مَاذَا
عَلَيْهِ؟ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْراً لَهُ(١) مِنْ أَنْ يَمُزَّ بَيْنَ يَدَيْهِ))، قَالَ أَبُو
النَّضْرِ: لَا أَدْرِي، قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْماً، أَوْ شَهْراً، أَوْ سَنَةً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عبيد الله التيميّ
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان يُرسل [٥] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥١/٤.
٢ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٢]
(ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١.
٣ - (أَبُو جُهَيْم) - بالتصغير - ابن الحارث بن الصِّمّة ابن عَمرو
الأنصاريّ، قيل: اسَمِّه عبد الله، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو عبد الله بن
◌ُهيم بن الحارث بن الصِّمّة، وقيل: اسمه الحارث بن الصّمّة، وقيل: هو آخر
غيره، صحابيّ معروفٌ، وهو ابن أخت أُبَيّ بن كعب، بقي إلى خلافة
معاوية ها، تقدّم في ((الحيض)) ٨٢٨/٢٧.
(١) وفي نسخة: ((خيرٌ له)).

٣٨٩
(٥٠) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٧)
والباقيان تقدّما قبل باب.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل
المدينة .
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبي النضر، عن بسر.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُّه من المقلّين من الرواية، فليس له في
الكتب الستّة سوى حديثين، هذا عند جميعهم، وحديث التيمّم: ((أقبل النبيّ وَل
من نحو بئر جمل، فلقيه رجلٌ، فسلّم عليه ... )) الحديث عندهم إلا الترمذيّ،
وابن ماجه، راجع: ((تحفة الأشراف))(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد (أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ) الصحابيّ
المشهور، مات بالكوفة سنة (٦٠) وقيل: (٧٠)، وله (٨٥) سنةً، تقدّمت
ترجمته في ((الإيمان)) (٢٣٨/٣٤). (أَرْسَلَهُ) أي أرسل بسر بن سعيد (إِلَى أَبِي
جُهَيْم) ظَه، قال في ((الفتح)): هكذا رَوَى مالك هذا الحديث في
(الموَّطأ)) لم يُخْتَلف عليه فيه، أن المرسِلَ هو زيد، وأن المرسَل إليه هو أبو
جهيم، وتابعه سفيان الثوريّ، عن أبي النضر، عند مسلم، وابن ماجه،
وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة، عن أبي النضر، فقال: ((عن بسر بن سعيد،
قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله ... ))، فذكر هذا الحديث.
قال ابن عبد البرّ: هكذا رواه ابن عيينة مقلوباً، أخرجه ابن أبي خيثمة،
عن أبيه، عن ابن عيينة، ثم قال ابن أبي خيثمة: سئل عنه يحيى بن معين؟
فقال: هو خطأ، إنما هو: ((أرسلني زيد إلى أبي جهيم))، كما قال مالك.
(١) ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) ٣٩٧/٨ - ٣٩٨.

٣٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وتَعَقَّب ذلك ابن القطان، فقال: ليس خطأُ ابن عيينة فيه بمتعين؛
لاحتمال أن يكون أبو جهيم بَعَثَ بُسراً إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جھیم،
يَستثبِت كلُّ واحد منهما ما عند الآخر.
قال الحافظ: تعليل الأئمة للأحاديث مبنيّ على غلبة الظنّ، فإذا قالوا:
أخطأ فلان في كذا، لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال،
فَيُعْتَمَدُ، ولولا ذلك لما اشتَرَطوا انتفاء الشذوذ، وهو ما يخالف الثقة فيه مَن
هو أرجح منه في حدّ الصحيح. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في شرح المقدّمة أن اشتراط انتفاء
الشذوذ في حدّ الصحيح بمعنى المخالفة المذكورة فيه نظر؛ لأنه ينافي قبول
زيادة الثقة، وإنما الصحيح انتفاء العلّة، فراجع ما كتبته هناك، تجد تحقيقاً
نفيساً، وبالله تعالى التوفيق.
وحاصل الاختلاف هنا أن يرجّح ما قاله ابن معين: من أن ابن عيينة
أخطأ في هذا، وأما ما جمع به ابن القطّان، فلا يخفى ما فيه من التكلّف،
والله تعالى أعلم.
ثم رأيت كلاماً للحافظ ابن رجب يؤيّد هذا، حيث قال في ((شرح
البخاريّ)): ورواه ابن عيينة، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، قال:
أرسلني أبو الجهيم أسأل زيد بن خالد الجهنيّ: ما سمعتَ من النبيّ وَّه يقول؟
فذكره من رواية زيد بن خالد، عن النبيّ وَل9، كذا رويناه في ((مسند الحميديّ))
عن سفيان، وكذا خرّجه ابن ماجه عن هشام بن عمّار، عن ابن عيينة، إلا أنه
قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله، ولم يذكر من أرسله، وذكر أن الشكّ
في تمييز الأربعين من ابن عيينة، وهذا كلُّه وَهَمّ.
وممن نصّ على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد، عن النبيّ وَلـ
وَهَمٌّ من ابن عُيينة وخطأً؛ ابنُ معين في رواية ابن أبي خيثمة، وأشار إليه الإمام
أحمد في رواية حنبل.
وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده، ولم يحفظه جيّداً .
(١) ((الفتح)) ٦٩٦/١.

٣٩١
(٥٠) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٧)
وقد روي عنه كقول مالك وسفيان(١) على الصواب، خرّجه ابن خزيمة
عن عليّ بن خَشْرَم عنه.
ومن تكلّف الجمع بين القولين من المتأخرين، فقوله ليس بشيء، ولم
يأت بأمر يُقْبل منه.
وقد رواه الضحّاك بن عثمان، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد،
عن زيد بن خالد، قال: قال رسول الله وَّ: (لو يعلم المارّ بين يدي المصليّ،
والمصلّي ما عليهما ... ))، وذكر الحديث، خرّجه أبو العبّاس السّرّاج في
((مسنده))، وهذا يوافق رواية ابن عيينة، وهو أيضاً وَهَمّ، وزيادته ((والمصلّي))
غير محفوظة أيضاً. انتهى كلام ابن رجب(٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(يَسْأَلُهُ) جملة حاليّة من المفعول، وهي من الأحوال المقدّرة، أي حال
كون بسر مقدّراً سؤاله أبا جُهيم (مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ بِّهِ) ((ما)) استفهامية
مبتدأ، و((ذا)) خبره، وهو اسم موصول بمعنى الذي، كما قال في ((الخلاصة)):
وَمِثْلُ ((مَا)) ((ذَا)) بَعْدَ ((ما)) اسْتِفْهَامٍ أَوْ (مَنْ)) إِذا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ
والعائد محذوف، والجملة في موضع المفعول الثاني لـ((يسأل))، وهو
معلّق عنها للاستفهام، والتقدير: يسأله أيّ الشي الذي سمعه من رسول الله وَلاه،
ويَحتَمِل أن يكون ((ماذا)) اسماً مركّباً بمنزلة اسم واحد للاستفهام، وهو معنى
قول ابن مالك: ((إذا لم تُلْغَ))، فيكون مفعولاً مقدّماً لـ(سَمِعَ))(٣).
(فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي؟) أي أمامه بالقرب منه، وعَبَّر باليدين؛
لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختُلِف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مَرّ بينه وبين
مقدار سجوده، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رَمْيَةٍ
بحجر، قاله في ((الفتح))(٤).
(١) أي الثوريّ.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب تَقُ ٨٩/٤ - ٩١.
(٣) راجع: ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) للسمين الحلبيّ ٣٨٤/٢ عند قوله
تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾.
(٤) ١ / ٦٩٦.

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَى
(قَالَ أَبُو جُهَيْم)
الْمُصَلِّي، مَاذَا عَلَيْهِ؟) تقدم الكلام عليه آنفاً، وقال في ((العمدة)): كلمة ((ما))
استفهام، ومحلّه الرفع على الابتداء، وكلمة ((ذا)) إشارة، والأولى أن تكون
((ذا)) موصولةً بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأن تقديره: ماذا عليه من الإثم، ثم
إن ((ماذا عليه)) في محلّ النصب على أنه سدّ مسدّ المفعولين لقوله: (يعلم))،
وقد عُلّق عمله بالاستفهام. انتهى(١).
وقال الكرمانيّ كَُّهُ: أبهم الأمر؛ ليدلّ على فخامته، وأنه مما لا يُقَدَّرُ
قدرُهُ، ولا يدخل تحت العبارة. انتهى (٢).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): قوله: ((ماذا عليه)) زاد الكشميهنيّ: ((من
الإثم))، وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في
((الموطأ)) بدونها، وقال ابن عبد البرّ: لم يُخْتَلَف على مالك في شيء منه،
وكذا رواه باقي الستة، وأصحاب المسانيد، والمستخرجات بدونها، ولم أرها
في شيء من الروايات مطلقاً، لكن في ((مصنف ابن أبي شيبة)): ((يعني من
الإثم))، فَيَحْتَمِل أن تكون ذُكِرت في أصل البخاريّ حاشيةً، فظنها الكشميهنيّ
أصلاً؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، ولا من الحفّاظ، بل كان راويةً، وقد
عزاها المحبّ الطبريّ في ((الأحكام)) للبخاري، وأطلق، فعيب ذلك عليه،
وعلى صاحب ((العمدة)) في إيهامه أنها في ((الصحيحين))، وأنكر ابن الصلاح في
((مشكل الوسيط)) على من أثبتها في الخبر، فقال: لفظ ((الإثم)) ليس في
الحديث صريحاً، ولما ذَكَره النووي في ((شرح المهذب)) دونها، قال: وفي
رواية رَوَيناها في ((الأربعين)) لعبد القادر الرُّهاويّ: ((ماذا عليه من الإثم)). انتهى
ما في ((الفتح))(٣).
وعبارة الحافظ ابن رجب تَخُّْ: وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاريّ
ومسلم أيضاً بعد ((ماذا عليه)) ((من الإثم))، وهي غير محفوظة، وذكر ابن عبد البرّ
(١) ((عمدة القاري)) ٤٣٠/٤.
(٢) ((شرح البخاري)) للكرمانيّ كَذْتُ ١٦٣/٤.
(٣) ٦٩٦/١ - ٦٩٧.

(٥٠) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٧)
٣٩٣
أن هذه اللفظة في رواية الثوريّ، عن سالم أبي النضر، وقد وقعت في كتاب ابن
أبي شيبة من رواية الثوريّ مدرجةً بلفظ ((يعني من الإثم))، فدلّ على أنها مدرجة من
قول بعض الرواة، وتفسير للمعنى؛ فإن هذا يُفهَم من قوله: ((ماذا عليه))، فإن ابن
آدم له عمله الصالح، وعليه عمله السيئ، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ،
وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ الآية [فصلت: ٤٦]، وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّْ﴾
[البقرة: ٢٨٦]، وإذا كان هذا عليه، فهو من سيّئاته. انتهى (١).
وقوله: (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ) جواب ((لو)»، وكلمة ((أن)) مصدريّة،
والتقدير: لو يعلم المارُّ مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلّي
لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم.
وقال الكرمانيّ كَُّ: جواب (لو)) ليس هو المذكور، بل التقدير: لو يعلم
ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيراً له. انتهى (٢).
وتعقّبه العينيّ، فقال: لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرّف فيه
تعسّفٌ، وحقّ التركيب ما تقدّم. انتهى (٣).
قال الكرمانيّ تَّقُ: وأبهم العدد تفخيماً للأمر، وتعظيماً. انتهى.
قال الحافظ تَّلُ: قلت: ظاهر السياق أنه عيّن المعدود، ولكن شكّ
الراوي فيه. انتهى.
وقال الكرمانيّ: فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمةٌ معلومةٌ؟.
قلت: أسرار أمثالها لا يعلمها إلَّا الشارع.
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك؛ لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل
طور بأربعين كأطوار النطفة، فإن كل طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان
في أربعين سنةً، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد؛ لأن أجزاءه وهي عشرة، ومن
العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أُريد التكثير ضوعف كل إلى عشرة
(٤)
٠
أمثاله. انتهى
(١) (فتح الباري)) لابن رجب تَذَهُ ٩١/٤.
(٢) ((شرح الكرمانيّ)) ١٦٣/٤.
(٤) (شرح الكرمانيّ)) ١٦٣/٤.
(٣) ((عمدة القاري)) ٤/ ٤٣٠.

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الذي ذكره الكرمانيّ أوّلاً هو المعتمد،
فهذا العدد ونحوه مما لا ينبغي أن يوكل وجه حكمته إلى الشارع الحكيم، وأما
الوجه الثاني، فإنه تكلّف ظاهر، تردّه رواية المائة، ففي رواية ابن ماجه، وابن
حبّان في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة ◌َظُله: ((لكان أن يقف مائة عام خيراً
له من الخطوة التي خطاها)).
وأما ما ذكره العينيّ في وجه الحكمة للمائة أيضاً فمن التكلّف الظاهر،
ومثل هذا من فضول الكلام، فينبغي عدم الخوض فيه، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ بعد ذكر رواية المائة ما نصّه: وهذا يشعر بأن إطلاق
الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معيَّن.
وَجَنح الطحاويّ إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد التقييد بالأربعين؛ زيادةً
في تعظيم الأمر على المار؛ لأنهما لم يقعا معاً؛ إذ المائة أكثر من الأربعين،
والمقام مقام زجر وتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل
المناسب أن يتأخر، ومميز الأربعين إن كان هو السنة ثَبَتَ الْمُذَّعَى، وأما دونها
فمن باب أولى.
وقد وقع في ((مسند البزار)) من طريق ابن عيينة التي ذكرها ابن القطان:
((لكان أن يقف أربعين خريفاً))، أخرجه عن أحمد بن عَبْدة الضبيّ، عن ابن
عيينة .
وقد جعل ابن القطان الجزم في طريق ابن عيينة، والشك في طريق غيره
دالاً على التعدد.
لكن رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وغيرهم من
الحفاظ، عن ابن عيينة، عن أبي النضر على الشك أيضاً، وزاد فيه: ((أو
ساعةً))، فيبعد أن يكون الجزم والشك وقعًا معاً من راو واحد في حالة واحدة،
إلا أن يقال: لعله تذكر في الحال، فجزم، وفيه ما فيه. انتهى(١).
وقوله: (خَيْراً لَهُ) خبر ((كان))، واسمها قوله: ((أن يقف)) في تأويل
المصدر، أي لكان وقوفه أربعين خيراً له، ووقع في بعض النسخ ((خيرٌ له))
(١) ((الفتح)) ١/ ٦٩٧.

٣٩٥
(٥٠) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٧)
بالرفع، قال في ((الفتح)): في روايتنا بالنصب على أنه خبر ((كان))، ولبعضهم
((خير)) بالرفع وهي رواية الترمذيّ، وأعربها ابن العربي على أنها اسم ((كان))،
وأشار إلى تسويغ الابتداء بالنكرة؛ لكونها موصوفةً، ويَحْتَمِل أن يقال: اسمها
ضمير الشأن، والجملة خبرها. انتهى.
واعترض السنديّ تَخْتُ إعراب ابن العربيّ بأن القواعد تأبى ذلك؛ لأن
قوله: ((أن يقف)) بمنزلة الاسم المعرفة، فلا يصلح أن يكون خبراً لـ((كان))،
وتكون النكرة اسماً لها، بل ((أن)) مع الفعل يكون اسماً لـ((كان)) مع كون الخبر
معرفةً متقدّمةً، مثلُ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ﴾ الآية [آل عمران:
١٤٧]، ولهذا نظائر في القرآن، وكذلك المعنى يأبى ذلك عند التأمّل، فالوجه
أن اسم كان ضمير الشأن، والجملة مفسّرة للشأن، أو أن ((خير)) منصوب على
أنه خبر ((كان))، وترك الألف بعده من تسامح أهل الحديث، فإنهم كثيراً ما
يتركون كتابة الألف بعد الاسم المنصوب، كما صرّح به النوويّ، والسيوطيّ،
وغيرهما في مواضع. انتهى كلام السنديّ كَّلُهُ، وهو بحث نفيسٌ، وإن وقع
في كلام العينيّ ما يُفيد تعقّبه، لكنه هو الوجه، فتأمله بالإنصاف.
والحاصل أن ((خير)) في حالة الرفع خبر لـ((أن يقف))، والجملة خبر
((كان))، واسمها ضمير الشأن، أو ((أن يقف)) اسمها، و((خيراً)) خبرها منصوب
بالفتحة، لكنه مكتوب بصورة المرفوع والمجرور على عادة قدماء المحدّثين،
وهو أيضاً لغة ربيعة، فإنهم يقفون على المنصوب المنوّن بالسكون، كرأيت
زيد، والله تعالى أعلم.
(مِنْ أَنْ يَمُرَّ) متعلّقٌ بـ((خير)) (بَيْنَ يَدَيْهِ)) ظرف لـ((يُمُرّ))، أي من مروره
أمام المصلي.
(قَالَ أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة الراوي عن بُسر بن سعيد، قال في
((الفتح)): هو كلام مالك، وليس من تعليق البخاريّ؛ لأنه ثابت في ((الموطأ))
من جميع الطرق، وكذا ثبت في رواية الثوريّ، وابن عيينة، كما ذكرنا.
(١)
انتھی(١).
(١) ((الفتح)) ١ / ٦٩٧.

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(لَا أَدْرِي) ((لا)) نافية، ولذا رفع الفعل بعدها، أي لا أعلم (قَالَ) وفي
رواية البخاريّ: ((أقال)) بهمزة الاستفهام، وتقدّر هنا، والظاهر أن فاعل ((قال))
ضمير بسر، وقال الكرمانيّ تَّتُهُ: فاعله بسرٌ، أو رسول اللهِ وَ له. انتهى(١).
(أَرْبَعِينَ يَوْماً، أَوْ شَهْراً، أَوْ سَنَةً) لأنه ذكر العدد، أعني أربعين، ولا بدّ من
مميّز، وهو لا يخلو عن هذه الأشياء، وقد أُبهم هنا، وقد سبق آنفاً أن الحكمة
في إبهامه التفخيم والتعظيم على ما قيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي جُهيم ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٣٧/٥٠ و١١٣٨] (٥٠٧)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٥١٠)، و(أبو داود) فيها (٧٠١)، و(الترمذيّ) فيها (٣٣٦)،
و(النسائيّ) في ((القبلة)) (٦٦/٢) وفي ((الكبرى)) (٢٧٢/١ - ٢٧٣)، و(ابن ماجه)
في ((الصلاة)) (٩٤٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٥٤/١ - ١٥٥)، و(عبد الرزّاق)
في («مصنّفه)) (٢٣٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٨٢/١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (١٦٩/٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٩/١)، و(الطحاويّ) في ((مشكل
الآثار)) (٨٤ و٨٥ و٨٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨١٣)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٣٦٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٩١ و١٣٩٢ و١٣٩٣ و١٣٩٤
و١٣٩٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٢١)، و(البيهقيّ) في («الكبرى» (٢/
٢٦٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن المرور بين يدي المصلّي ممنوع، قال النوويّ كَّلُهُ:
فيه دليل على تحريم المرور، فإن معنى الحديث النهي الأكيد، والوعيد الشديد
على ذلك. انتهى. ومقتضى ذلك أن يُعَدَّ في الكبائر.
(١) (شرح الكرمانيّ)) ١٦٣/٤.

٣٩٧
(٥٠) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٧)
٢ - (ومنها): جواز أخذِ القرين عن قرينه ما فاته، أو استثباته فيما سَمِع
معه .
٣ - (ومنها): الاعتمادُ على خبر الواحد؛ لأن زيداً اقتصر على النزول مع
القدرة على العلوّ اكتفاء برسوله المذكور.
٤ - (ومنها): جواز استعمال ((لو)) في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في
النهي الوارد فيما أخرجه المصنّف في ((القدر)) عن أبي هريرة ظُه قال: قال
رسول الله وَله: ((المؤمن القويّ خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي
كلِّ خير، احرِصْ على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تَعْجَزْ، وإن أصابك شيء
فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّرَ اللهُ، وما شاء فَعَل،
فإن (لو)) تفتح عمل الشيطان))(١)؛ لأن محل النهي أن يُشْعِر بما يُعانِد المقدور،
كما سيأتي في ((كتاب القدر)) - إن شاء الله تعالى.
٥ - (ومنها): أن ابن بطال: استنبط من قوله: ((لو يَعْلَم)) أن الإثم يختصّ
بمن يعلم بالنهي، وارتكبه.
قال الحافظ: وأخذه من ذلك فيه بُعْدٌ، لكن هو معروف من أدلة أخرى.
انتھی.
٦ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يَختَصّ بمن مَرّ، لا
بمن وقف عامداً مثلاً بين يدي المصلي، أو قعد، أو رَقَدَ، لكن إن كانت العلة
فيه التشويش على المصلي، فهو في معنى المارّ، قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما دلّ عليه ظاهر الحديث هو الحقّ؛
لأن التشويش ليس خاصّاً بهذه الأشياء، بل قد يحصل ممن كان وراء ظهر
المصلّي، أو عن يمينه، أو يساره، فالحديث لا يدلّ على هذا كلّه، بل دليل
النهي عن التشويش معلوم من أدلّة الشرع الأخرى، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن ظاهرهُ عموم النهي في كل مُصَلِّ، وخصه بعض المالكية
بالإمام والمنفرد؛ لأن المأموم لا يضرّه مَن مَرّ بين يديه؛ لأن سترة إمامه سترة
له، أو إمامه سترة له.
(١) سيأتي للمصنّف في ((كتاب القدر)) برقم (٢٦٦٤).

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قال الحافظ: والتعليل المذكور لا يطابق المدَّعَى؛ لأن السترة تفيد رفع
الحرج عن المصلي، لا عن المارّ فاستوى الإمام والمأموم والمنفرد في ذلك.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ فيه نظرٌ؛ لأن التعليل
بالتشويش ليس منصوصاً عليه حتى يُعتمد، بل الأقرب تعليله بأنه يقطع المناجاة
بين المصلي وبين ربّه، فما قاله بعض المالكيّة هو الأرجح، كما لا يخفى على
من تأمله.
وأيضاً فقد تقدّم مرور ابن عبّاس ◌َّا بين يدي بعض المأمومين، ولم
يُنكر ذلك عليه، فدلّ على كون حكم المأموم غير حكم الإمام والمنفرد،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن العلامة ابن دقيق العيد: ذكر أن بعض الفقهاء المالكية
قَسَمَ أحوال المارّ والمصلي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام: يأثم المارّ دون
المصلي، وعكسه، ويأثمان جميعاً، وعكسه.
فالصورة الأولى: أن يصلي إلى سُترة في غير مَشْرَع، وللمارّ مندوحة،
فيأثم المارّ دون المصلي.
الثانية: أن يصلي في مَشْرَع مسلوك بغير سترة، أو متباعداً عن السترة،
ولا يجد المارّ مندوحة، فيأثم المصلي دون المارّ.
الثالثة: مثل الثانية، لكن يجد المارّ مندوحةً فيأثمان جميعاً.
الرابعة: مثل الأولى، لكن لم يجد المارّ مندوحةً، فلا يأثمان جميعاً. انتهى.
قال الحافظ تَُّ: وظاهر الحديث يدلّ على منع المرور مطلقاً، ولو لم
يجد مسلكاً، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته، ويؤيِّده قصة أبي
سعيد نظراته السابقة، فإن فيها: ((فنظر الشابّ، فلم يجد مَسَاغاً)).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ من أن ما دلّ عليه
الحديث من عموم النهي لجميع الصور هو الحقّ؛ لظهور حجّته، لكن إذا كانت
هناك ضرورة لا بدّ منها، فيكون من باب الاضطرار، وقد قال الله تعالى:
﴿َوَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا آَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] الآية، فليُتنبّه
لذلك، والله تعالى أعلم.

(٥٠) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٣٨)
٣٩٩
قال: وقد تقدّمت الإشارة إلى قول إمام الحرمين: إن الدفع لا يُشْرَع
للمصلي في هذه الصور، وتبعه الغزاليّ، ونازعه الرافعيّ، وتعقبه ابن الرفعة بما
حاصله أن الشابّ إنما استوجب من أبي سعيد الدفع؛ لكونه قَصّر في التأخر
عن الحضور إلى الصلاة، حتى وقع الزحام. انتهى.
وما قاله مُحْتَمِلٌ، لكن لا يدفع الاستدلال؛ لأن أبا سعيد لم يَعْتَذر
بذلك، ولأنه متوقف على أن ذلك وقع قبل صلاة الجمعة، أو فيها، مع
احتمال أن يكون ذلك وقع بعدها، فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير،
بل كثرة الزحام حينئذ أوجه، والله أعلم. انتهى.
[تنبيه]: وقع في رواية أبي العباس السّرّاج من طريق الضحاك بن عثمان،
عن أبي النضر: ((لو يعلم المارّ بين يدي المصلِّي والمصلَّى))، فحمله بعضهم
على ما إذا قَصّر المصلي في دفع المارّ، أو بأن صلى في الشارع، ويَحْتَمِل أن
يكون قوله: ((والمصلَّى)) بفتح اللام، أي بين يدي المصلي، من داخل سترته،
وهذا أظهر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الحافظ ابن رجب قال: زيادة
((والمصلّي)) غير محفوظة. انتهى. وهو أولى مما قاله الحافظ، فتأمل، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٣٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا
وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ
الْجُهَنِيَّ، أَرْسَلَ إِلَى أَبِي جُهَّيْم الْأَنْصَارِيِّ: مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ؟، فَذَكَرَ
بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِك).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم بْنِ حَيَّنَ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن المصريّ،
سكن نيسابور، ثقةٌ، صاحبَ حديث، من صغار [١٠] (ت سنة بضع ٢٥٠)،
تفرّد به المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدم قبل باب أيضاً.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ؟) ((ما)) استفهامية مبتدأ خبره جملة
((سمعتَ))، والجملة معلّق عنها العامل المقدّر، بدليل الرواية السابقة، أي يسأل
ما سمعت؟ ... إلخ، و((يقول)) في محلّ نصب على الحال من ((النبيّ))، أي
حال كونه قائلاً.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكِ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير
سفيان، يعني أن سفيان ذكر الحديث عن سالم أبي النضر بمعنى حديث مالك،
عنه .
[تنبيه]: رواية سفيان الثوري هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (٣٨٤/١)
فقال :
(١٣٩٥) حدّثنا بكار بن قتيبة، قال: ثنا أبو عامر الْعَقَديّ، قال: ثنا
سفيان الثوريّ، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، عن أبي الجهيم
الأنصاريّ، سمعت النبيّ وَ ﴿ يقول: ((لأن يقوم أربعين في مقامه، خير له من
أن يمر بين يديه))، قال: لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين
سنة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٥١) - (بَابُ دُنُوِّ الْمُصَلِّي مِنَ السُّتْرَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٣٩] (٥٠٨) - (حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
حَازِم، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: ((كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى
رَسُولَّ اللهِ وَّهِ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ)).