Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٠) [تنبيه]: اختلف في الحربة التي كان يضعها النبيّ وَلّ أمامه للصلاة، فقيل: هي التي أهداها له النجاشيّ، فقد رَوَى عُمَر بن شَبَّة في ((أخبار المدينة)) من حديث سعد القَرَظ: أن النجاشيّ أهدى إلى النبيّ وَّ حربةً، فأمسكها لنفسه، فهي التي يُمْشَى بها مع الإمام يوم العيد. وقيل: كانت لرجل من المشركين، يدلّ عليه ما رُوي من طريق الليث أنه بلغه أن العنزة التي كانت بين يدي النبيّ وَ ﴿ كانت لرجل من المشركين، فقتله الزبير بن العوّام ◌ُبه يوم أُحُد، فأخذها منه النبيّ ◌َّ، فكان يَنصِبها بین یدیه إذا صلى. ويَحَتَمِل الجمع بأن عَنَزَة الزبير كانت أوّلاً قبل حربة النجاشيّ، أفاده في (١) (الفتح))(١). [تنبيه آخر]: أخرج الإمام ابن ماجه حديث الباب، فجعل قوله: ((فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء)» من قول نافع، ونصّه: (١٣٠٥) حدّثنا سُوَيد بن سعيد، حدّثنا عليّ بن مُسهِر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبيّ ◌َ﴿ إذا صلى يوم عيد، أو غيره، نُصِبت الْحَرْبة بين يديه، فيصلي إليها، والناس من خلفه، قال نافع: فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء. انتهى. قال في ((الفتح)): هذه الجملة الأخيرة - يعني قوله: ((فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء)) - فَصَلَها عليّ بن مُسْهِر من حديث ابن عمر ظًّا، فجعلها من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجه، وأوضحته في ((كتاب المدرج)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر طيها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٢٠/٤٨ و١١٢١] (٥٠١)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٩٤ و٤٩٨ و٩٧٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٦٨٧)، و(النسائيّ) فيها (٦٢/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٣/٢ و١٨ و٩٨ و١٠٦ و١٤٥ و١٥١)، (١) ((الفتح)) ٦٨٣/١. (٢) ((الفتح)) ٦٨٣/١. ٣٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٨/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٩٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٧٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٠٦ و١٤٠٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٠٦ و١١٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة اتّخاذ السترة للصلاة. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الاحتياط، وأخذ آلة دفع الأعداء، ولا سِيَّما في السفر. ٣ - (ومنها): جواز الاستخدام، وأمر الخادم بنصب السترة، ونحو ذلك. ٤ - (ومنها): أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال في ((العمدة)): وادّعى بعضهم فيه الإجماع، نقله ابن بطّال(١)، وقد ترجم عليه الإمام البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: ((بابُ سترة الإمام سترة من خلفه))، فأورد أحاديث ابن عبّاس، وابن عمر، وأبي جحيفة ظّ المذكورة في هذا الباب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٥ - (ومنها): استحباب اتّخاذ الْحَربة في السفر؛ اقتداء بالنبيّ وَّ، كما اتّخذها الأمراء من بعده، لكن قال الحافظ ابن رجب كَُّ ما نصّه: وما ذُكر في حديث ابن عمر طيها من اتّخاذ الأمراء لها، فالأمراء الذين عناهم في زمنه إنما اتّخذوها تعاظماً وكبراً، ولم يتّخذوها لأجل الصلاة، كما كان النبيّ وَلـ (٢) يتّخذها للصلاة. انتھی . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال ابن رجب كَّتُهُ، وهو على إطلاقه محلّ نظر، فإن الأمراء فيهم أهل خير وصلاح، ومن يريد الخير واتّباع السنّة، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): مشروعيّة اتّخاذ السترة لمن يُصلّي في الفضاء، قال ابن قُدامة دَخْتُ: يُسْتَحبّ للمصلي أن يصلي إلى سترة، فإن كان في مسجد، أو بيت صلى إلى الحائط، أو سارية، وإن كان في فضاء صلى إلى شيء شاخص بين (١) ((عمدة القاري)) ٤/ ٤٠٤. (٢) (فتح الباري)) لابن رجب تَذَتُهُ ٢١/٤. ٣٢٣ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٠) يديه، أو نَصَب بين يديه حَرْبةً، أو عصى، أو عَرَض البعير، فصلى إليه، أو جعل رَحْله بين يديه، وسئل أحمد: يصلي الراحل إلى سترة في الحضر والسفر؟ قال: نعم، مثل مؤخرة الرحل، ولا نعلم في استحباب ذلك خلافاً. (١) . انتھی قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ ترجيح القول بوجوب اتّخاذ السترة، لقوّة أدلّته، وقد تقدّم البحث فيه مستوفَى في شرح حديث طلحة بن عبيد الله ـنّه ، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل سترة الإمام سترة لمن خلفه أم لا؟: قال ابن قُدامة تَخْدَثُ ما حاصله: سترة الإمام سترة لمن خلفه، نَصّ على هذا أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، كذلك قال ابن المنذر، وقال الترمذيّ: قال أهل العلم: سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال أبو الزناد: كلُّ من أدركت من فقهاء المدينة الذين يُنْتَهَى إلى قولهم: سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، وغيرهم يقولون: سترة الإمام سترة لمن خلفه . ورُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعيّ، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وغيرهم. وذلك لأن النبيّ وَِّ (صَلَّى إلى سترة))، ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى، وفي حديث ابن عباس ﴿هَا قال: «أقبلت راكباً على حمارٍ أَتَانٍ، والنبيّ وَّه يصلي بالناس بمنى إلى غير جدارٍ، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان تَرْتَع، فدخلت في الصفّ، فلم يُنْكِر عليّ أحدٌ))، متّفقٌ عليه . ومعنى قولهم: سترةُ الإمام سترة لمن خلفه، أنه متى لم يَحُلْ بين الإمام وسترته شيء، يقطع الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة، لا يضرُّها مرور شيء (١) ((المغني)) لابن قُدامة كَثُهُ ٦٦/٢ - ٦٧. ٣٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة بين أيديهم في بعض الصفّ، ولا فيما بينهم وبين الإمام، وإن مَرّ ما يَقطّع الصلاة بين الإمام وسترته، قَطَع صلاته وصلاتهم، وقد دلّ على هذا ما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: هَبَطنا مع النبيّ وََّ من ثَنِيّة أَذَاخِر، فحضرت الصلاة، يعني فصلَّى إلى جدار، فاتخذه قبلةً، ونحن خلفه، فجاءت بَهْمَةٌ تمرّ بين يديه، فما زال يُدارؤها حتى لَصِقَ بطنه بالجدار، ومرّت من ورائه))(١). فلولا أن سترته سترةٌ لهم لم يكن بين مرورها بين يديه وخلفه فرقٌ. انتهى كلام ابن قُدمة كَُّهُ. وقال الإمام ابن رجب تَّتُ ما ملخّصه: قول جمهور العلماء أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال ابن المنذر: رُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعيّ، ومالكٌ، والأوزاعيّ، وأحمد. انتهى. ومنهم من قال: الإمام سترة لمن خلفه، وهو قول طائفة من أصحاب مالك. قال: ومعنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه أن المأمومين لا يُشرع لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترة غير سترة إمامهم، وأنه لا يضرّهم من مرّ بين أيديهم إذا لم يمرّ بين يدي إمامهم، ويدلّ على ذلك أيضاً ما روى هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: هبطنا مع النبيّ وَّر ... فذكر الحديث الماضي، قال: وهذا يدلّ على أن المرور بين الإمام وسترته محذورٌ بخلاف المرور بين يدي من خلفه إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، وأما جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، ففيه قولان: أحدهما: أنه منهيّ عنه أيضاً، نصّ عليه أحمد في رواية الأثرم. والقول الثاني: جوازه من غير كراهة، وأنه غير داخل في النهي، قال: وذكر ابن عبد البرّ في ((التمهيد)) أن المأموم لا يدفع من مرّ بين يديه، وقال: لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافاً، وذكر في ((الاستذكار)) أن مالكاً يرخّص في ذلك لمن لم يجد منه بُدّاً، وأن غيره لا يرى به بأساً، يعني بكلّ حال، سواء (١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (٧٠٨). ٣٢٥ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُبْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٠) اضطرّ إليه أو لا؛ لحديث ابن عبّاس عنهما، قال: وقد قدّمنا أن الإمام سترة لمن خلفه، فالماشي خلفه أمامَ الصفّ كالماشي خلفه دون صفّ. قال: وحكي عن أحمد أن من كان بين يديه فرجة فلا يكره له أن يمشي عَرْضاً بين الصفوف حتى يقوم فيها، قال: وهذا قول ثالث بالرخصة في ذلك لحاجة إليه، وإن لم يكن ضرورةً. وذهبت طائفة من العلماء إلى أن سترة الإمام ليست سترة لمن خلفه من المأمومين، فروى الْجُوزَجانيّ وغيره من طريق ابن سيرين أنه بلغه أن الحكم الغفاريّ أمّ جيشاً، وأنه كان بين يديه رُمٌ، فمرّ به ما يقطع الصلاة، فأعاد بالقوم الصلاة، فلما انصرف ذُكر ذلك له، فقال: أوَ لم تروا إلى ما مرّ بين أيدينا؟ فأنا ومن يليني قد سترنا الرمح، فإنما أعدت الصلاة من أجل العامّة، قال ابن المنذر في كتابه الكبير: ورُوي عن عطاء نحوه. وروى عُمر بن شَبّة في كتاب ((أخبار قضاة البصرة)) بسنده عن يونس، قال: كان موسى بن أنس يصلّي بالناس في صحن المسجد، فكان كلبٌ يمرّ بين أيديهم، فسألوا الحسن؟ فقال: أما الإمام، ومن كان إلى سارية، ومن كان خلف الصفّ، فلا يُعيد، ومن كان بين السواري فليُعد. انتهى مختصر كلام ابن رجب رَّهُ (١) . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من عرض أقوال العلماء، وأدلتهم أن الأرجح أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، كما هو مذهب الجمهور، ومذهب الإمام البخاريّ أيضاً، فقد ترجم عليه في ((صحيحه))، فقال: ((باب سترة الإمام سترة لمن خلفه))؛ وذلك لقوّة حجته، كحديث مرور ابن عبّاس ◌ًُّا بين يدي بعض الصفّ راكباً أتاناً، ولم يُنكر ذلك عليه، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه ◌َظُه المتقدّم. والحاصل أن سترة الإمام سترة لمن خلفه من الصفوف، فلا يضرّهم مَن مرّ بين أيديهم إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((فتح الباري)) لابن رجب ١٢/٤ - ١٨. ٣٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَله كَانَ يَرْكُزُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَغْرِزُ الْعَنَزَّةَ، وَيُصَلِّيَّ إِلَيْهَا، زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَهِيَ الْحَرْبَةُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧. والباقون تقدّموا في الباب، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نمير. وقوله: (كَانَ يَرْكُزُ) بضمّ الكاف، وكسرها، يقال: رَكَز الرمحَ يَرْكُزُهُ وَيَرْكِزُهُ رَكْزاً، من بابي نصر وضرب: غَرزه وأثبته في الأرض، والْمَرْكِز وزانُ مَسْجِدٍ، وتفتح الكاف أيضاً: موضع الثبوت(١). وقوله: (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَغْرِزُ) يعني أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة قال في روايته بدل قول ابن نُمير: ((يركز)): ((يغرز)) مضارع غَرَزَ، يقال: غَرَزَه غَرْزاً، من باب ضرب: أثبته بالأرض، وأغرزته بالألف لغة، قاله الفيّوميّ(٢). وقوله: (الْعَنَزَةَ) بالنصب على المفعوليّة، تنازعه ((يركز))، و((يغرِز))، وهي بفتحتين: عصاً أقصر من الرمح، ولها زُجِّ من أسفلها، والجمع عَنَزٌ، وعَنَزَاتٌ، مثلُ قَصَبة وقَصَبٍ وقَصَبَات(٣). وقوله: (وَهِيَ الْحَرْبَةُ) يعني أن الْعَنَزة هي الحربة، قال في ((القاموس)): الْحَرْبَةُ: الأَلَّةُ، جمعها حِرَابٌ(٤)، وقال في مادّة ((أَلّ)) ما حاصله: الأَلَّةُ: الْحَرْبَةُ الْعَرِيضة النّصْلِ، جمعها أَلّ. انتهى(٥). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) راجع: ((المصباح))، و((القاموس))، و((اللسان)) في مادّة ((ركز)). (٣) ((المصباح)) ٤٣٢/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٥/٢. (٤) ((القاموس المحيط)) ٥٣/١. (٥) راجع: ((القاموس)) ٣٣٠/٣. ٣٢٧ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّ - حديث رقم (١١٢٢) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٢] (٥٠٢) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ((أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يَعْرِضُ(١) رَاحِلَتَهُ، وَهُوَ يُصَلِّي إِلَيْهَا(٢))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل) هو: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة الأعلام، ثقة حافظٌ فقيهٌ حجةٌ مجتهدٌ، رأس [١٠] (ت٢٤١) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٨٠/ ٤٢٧. ٢ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طرخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. والباقون تقدّموا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه أحد الأئمة الأربعة، وإمام السنة، ورأس المحدثين أحمد بن حنبل تَّتُهُ، وروى عنه المصنّف في هذا الكتاب نحو تسعة عشر حديثاً، وقد تقدّم له قبل هذا حديثان، برقم (١٦٦) و(٢١٥). ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد تقدّم قبله، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) مَا ((أَنَّ النَِّيَّ ◌َّهِ كَانَ يَعْرِضُ) بفتح الياء، وكسر الراء، ورُوي بضم الياء، وتشديد الراء، ومعناه: يجعلها معترضةً بينه وبين القبلة، قاله النوويّ كَّتُ(٣). (١) وفي نسخة: ((يُعَرِّض)) بضم أوله، وتشديد الراء. (٢) وفي نسخة: ((ويصلّي إليها)). (٣) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/٤. ٣٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال الحافظ ابن رجب تَّتُ: قوله: (يعرض راحلته)) - بكسر الراء -: أي يُنيخها معترضةً بينه وبين جهة القبلة، وفيه لغة أخرى ((يَعْرُضُ)) بضمّ الراء، ذكرها صاحب ((كشف المشكل)). انتهى كلام ابن رجب تَّقُ(١). وفي بعض النسخ: ((يُعَرِّض)) مضبوطاً بالقلم بضمّ أوله، وكسر رائه المشدّدة، من التعريض، أي يجعلها عَرْضاً، وهذا هو الذي ذكره في ((الفتح)) (٢)، و((العمدة))(٣). وقوله: (رَاحِلَتَهُ) بالنصب على المفعوليّة، قال الفيّوميّ تَّتُهُ: الراحلة: الْمَرْكَبُ من الإبل ذكراً كان أو أُنثى، وبعضهم يقول: الراحلةُ: الناقة التي تصلح أن تُرْحَلَ، وجمعها رَوَاحلُ، ورَحَلْتُ البعيرَ رَحْلاً، من باب نَفَعَ: شددتُ عليه رَحْلَهُ، وأرحلتُ فلاناً بالألف: أعطيته راحلةً. انتهى بتصرّف (٤). وقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي إِلَيْهَا))) يحتمل أنها جملة معطوفة على جملة ((عرض))، ويَحْتَمِل أن تكون في محلّ نصب على الحال، وهي من الحال المقدّرة، كقوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أي مقدّرين الخلود؛ لأن الخلود لا يكون إلا بعد الدخول، والمعنى هنا أنه يعرض راحلته، مُقَدّراً الصلاة إليها . وفي بعض النسخ: ((ويصلي إليها))، بحذف ((هو))، فيكون معطوفاً على (يعرض))، وفي رواية البخاريّ: ((فُيُصلّي إليها)) بالفاء. [تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف، وقد ساقه البخاريّ مطوّلاً، فقال: (٥٠٧) حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدَّميّ، حدّثنا معتمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّ أنه كان يعرض راحلته، فيصلي إليها، قلت: أفرأيت إذا هَبَّت الركاب؟ قال: كان يأخذ هذا الرحل، فَيُعَدِّله، فيصلي إلى آخرته، أو قال: مُؤَخَّره، وكان ابن عمر يفعله. انتهى. وقوله: ((هبّت الركاب)) معناه: قامت الإبل للسير، قاله الهرويّ وغيره، ويقال للنائم إذا قام من النوم: هبّ من منامه. (١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٦٨/٤. (٢) ١ / ٦٩١. (٣) ((عمدة القاري)) ٤١٩/٤. (٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١ - ٢٢٣. ٣٢٩ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٢) والمراد إذا لم يكن عنده إيل باركةٌ يستتر بها. وقال الخطّابيّ: هَبّت: أي هاجت، يقال: هبّ الفحل هَبِيباً: إذا هاج، قال: يريد أن الإبل إذا هاجت لم تهدأ، ولن تقرّ، فتفسد على المصلّي إليها صلاته . قال ابن رجب: وهذا الذي قاله في غاية البعد، وإن كان محتملاً في اللفظ، فليس هو المراد في الحديث. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا بُعد فيما قاله الخطّابيّ، وهو الذي اعتمده الحافظ في ((الفتح))، والعينيّ في ((العمدة))، فتأمّله، والله تعالى أعلم. وقوله: ((يأخذ الرحل)): رحلُ البعير هو ما على ظهره مما يُركب عليه، والراحلة هي ما يرتحله الرجل، أي يركبه في ارتحاله، بعيراً كان، أو ناقةً، قاله الأزهريّ وغيره، ومنه قوله وَّ: ((تجدون الناس كابلِ مائةٍ، لا يجد الرجل فيها راحلةً))، متفقٌ عليه. وقوله: ((فيعدله)) بفتح الياء، وكسر الدال، قال الخطّابيّ: أي يقيمه تلقاء وجهه . و((آخرة الرحل)) بكسر الخاء: هي الخشبة التي يستند إليها الراكب على الرحل، وقد سبق الخلاف في تقديرها، هل هي ذراعٌ تامّ بالذراع الذي يُذرع به، أو ذراع بعظم الإنسان، وهو نحو ثلثي ذراع مما يُذرع به؟ ذكره ابن رجب ركآتُ . وقال الحافظ تَُّ: اعتَبَر الفقهاء مُؤَخَّرة الرحل في مقدارِ أقلِّ السترة، واختلفوا في تقديرها بفعل ذلك، فقيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراع، وهو أشهر، لكن في ((مصنف عبد الرزاق))، عن نافع أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((قلتُ: أفرأيت)) ظاهره أنه كلام نافع، والمسؤول ابن عمر، لكن بَيّن الإسماعيليّ من طريق عَبِيدة بن حُميد، عن (١) ((فتح الباري)) لابن رجب كَثُ ٦٨/٤ - ٧٠، و((فتح الباري)) لابن حجر نَّهُ ٦٩٢/١. ٣٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة عبيد الله بن عمر، أنه كلام عبيد الله، والمسئول نافع، فعلى هذا هو مرسل؛ لأن فاعل ((يأخذ)) هو النبيّ وَّر، ولم يدركه نافع. وقوله: ((هَبّت الركاب)) أي هاجت الإبل، يقال: هَبّ الفحل: إذا هاج، وهَبّ البعير في السير: إذا نَشِطَ، و((الرِّكَاب)): الإبل التي يُسار عليها، ولا واحد لها من لفظها، والمعنى: أن الإبل إذا هاجت شَوَّشت على المصلي؛ لعدم استقرارها، فَيَعْدِل عنها إلى الرحل، فيجعله سُترةً. وقوله: ((فيعدله)) - بفتح أوله، وسكون العين، وكسر الدال ــ أي يقيمه تلقاء وجهه، ويجوز التشديد. وقوله: ((إلى أَخَرَته)) بفتحات، بلا مدّ، ويجوز المدّ، و((مؤخرته)) بضم أوله، ثم همزة ساكنة، وأما الخاء فجزم أبو عبيد بكسرها، وجوَّز الفتح، وأنكر ابن قتيبة الفتحَ، وعَكس ذلك ابن مكيّ، فقال: لا يقال: مُقْدِمٌ، ومُؤْخِرٌ بالكسر إلا في العين خاصّةً، وأما في غيرها فيقال بالفتح فقط، ورواه بعضهم بفتح الهمزة وتشديد الخاء، والمراد بها العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر طه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٢٢/٤٨ و١١٢٣] (٥٠٢)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٥٠٧)، و(أبو داود) فيها (٦٩٢)، و(الترمذيّ) فيها (٣٥٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/٢ و٢٦ و١٠٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٨/١)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٨٠١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٧٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٩/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣٤٠٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤١٤ و١٤١٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٠٨ و١١٠٩)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ١/ ٦٩١ - ٦٩٢. ٣٣١ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٢) (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة اتّخاذ السترة للصلاة إليها . ٢ - (ومنها): جواز الصلاة إلى الحيوان، وجواز الصلاة بقرب البعير، بخلاف الصلاة في أعطان الإبل، فإنها مكروهة؛ الأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك؛ لأنه يُخاف هناك نُفورها، فيذهب الخشوع، بخلاف هذا، قاله النوويّ ◌َّهُ(١) . ٣ - (ومنها): مشروعيّة الاستتار برَحْلِ الراحلة، قال الحافظ ابن رجب نَُّهُ: قد تبيّن بهذا الحديث جواز الاستتار بالراحلة، وبالبعير، سواء كان مرتحلاً، أو غير مرتحل، اللهمّ إلا أن يكون غيرُ المرتحل هائجاً، فيُخشى من هَيَجانه إفساد الصلاة على من يُصلّ إليه، كما ذكره الخطّابيّ. انتهى (٢) . وقال القرطبيّ كَّلهُ: في هذا الحديث دليل على جواز التستر بما يستقر من الحيوان، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء، وكراهة الصلاة حينئذ عندها إما لشدة نتنها، وإما لأنهم كانوا يَتَخَلَّون بینها، مستترین بها. انتهى. وقال غيره: علة النهي عن ذلك كون الإبل خُلِقت من الشياطين، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد الله بن مُغَفَّل ◌َظُه قال: قال رسول الله وَ﴿: ((صَلُّوا في مَرَابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خُلِقت من الشياطين)). قال في ((الفتح)): فيُحْمَل ما وقع منه في السفر من الصلاة إليها على حالة الضرورة، ونظيره صلاته إلى السرير الذي عليه المرأة؛ لكون البيت كان ضَيّقاً، وعلى هذا فقول الشافعيّ في البويطيّ: لا يستتر بامرأة ولا دابة، أي في حال الاختيار. ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبد الله بن دينار، أن ابن عمر ﴿ّا كان يَكْره أن يصلي إلى بعير إلا وعليه رَحْلٌ، وكأن الحكمة في ذلك (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/٤. (٢) ((فتح الباري)) ٤/ ٧٠. ٣٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أنها في حال شَدّ الرحل عليها أقرب إلى السكون من حال تجريدها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الصلاة إلى الراحلة لا يتقيّد بحالة الضرورة؛ لأن قوله: ((كان ◌َّ يعرض راحلته فيصلّي إليها)) يدلّ على تكرّر ذلك منه؛ لأن ((كان)) تدلّ على الاستمرار، ومما يؤيّد ذلك أنه رٍَّ لم يَعْدِل إلى الاستتار بالرحل، إلا إذا هاجت الركاب، فلو كان الاستتار بالراحلة للضرورة، لتركها، واستتر برحلها، فدلّ على أن الاستتار بالراحلة جائز إذا لم تكن هائجة، فعند ذلك يستتر برحلها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٢٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ((أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِل كَانَ يُصَلِّي إِلَى رَاحِلَتِهِ»، وقَالَ ابْنُ ثُمَيْرٍ: ((إِنَّ النَّبِيَّ نَّهِ صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ))). رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدّموا في هذا الباب، غير ((أَبي خَالِدِ الْأَحْمَرِ))، وهو: سليمان بن حيّان، فتقدّم في الباب الماضي. وقوله: (صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ) وفي نسخة: ((إلى بعيره))، وهو بمعنى راحلته؛ لأن الراحل هي المركوب من الإبل، ذكراً كان أو أُنثى، كما تقدّم قريباً، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٤] (٥٠٣) - (حَدَّثَنَا(٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيعِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَذَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي (١) ((الفتح)) ١/ ٦٩٢. (٣) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٣٣٣ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٤) جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيِهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيِّ وَهِ بِمَكَّةَ، وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ، مِنْ أَدَم، قَالَ: فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوئِهِ (١)، فَمِنْ نَائِلِ، وَنَاضِحٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َه عَلَيْهِ خُلَّةٌ حَمْرَاءُ(٢)، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضٍ سَاقَيْهِ، قَلَ: فَتَوَضَّأَ، وَأَذَّنَ بِلَالٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، يَقُولُ يَمِيناً وَشِمَالاً، يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، لَا يُمْتَعُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيع) بن الجراح تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٣ - (عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) السُّوائيّ - بضمّ السين المهملة - الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، ومسلم بن رِيَاح الثقفي، وله صحبة، والمنذر بن جرير البجلي، وعبد الرحمن بن سُمَير، ومِخْتَف بن سُلَيم، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوري، وقيس بن الربيع، ومالك بن مِغْوَل، وحجاج بن أرطاة، وصدقة بن أبي عِمْران، وأبو العُمَيس، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال خليفة: مات في آخر ولاية خالد على العراق. وقال ابن قانع: مات سنة ست عشرة ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٥٠٣) وكرّره ثلاث مرّات، وحديث (١٠١٧) وكرّره مرّتين، و(٢٨٦٩). ٤ - (أَبُوهُ) هو: وَهْب بن عبد الله بن مسلم بن جُنَادة بن حبيب بن سُواءة (١) وفي نسخة: ((بوَضُوء)). (٢) وفي نسخة: ((وعليه حلّة حمراء)). ٣٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة - بضم السين المهملة، وتخفيف الواو، والمدّ ـ ابن عامر بن صَعْصَعة، ويقال: اسم أبيه وهب، أبو جُحَيفة السُّوَائيّ، يقال له: وهب الخير. قَدِم على النبيّ بَّ في أواخر عمره، وحفظ عنه، ثم صَحِب عليّاً بعده، وولّاه شُرْطة الكوفة لَمّا ولي الخلافة. وفي ((الصحيح)) عنه: رأيت النبيّ وَّ، وكان الحسن بن عليّ يُشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قَلُوصاً، فمات قبل أن نقبضها، وكان عليّ يُسمّيه وهب الخير . رَوَى عن النبي ◌ََّ، وعن عليّ، والبراء بن عازب. ورَوَى عنه ابنه عون، وسَلَمة بن كُهيل، والشعبي، والسَّبِيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وزياد الأعسم، وأبو عمر الْمُنَبِّهِيُّ، وعلي بن الأقمر، والحكم بن عتيبة. قال الواقديّ: مات في ولاية بشر بن مروان، وقال غيره: سنة أربع وسبعين، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: مات أبو جحيفة قبل أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وهو قول ابن حبان، وقال أبو نعيم: كان على شُرْطة عليّ، واستعمله على خمس المتاع. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، برقم (٥٠٣) وكرّره ثلاث مرّات، و(١٩٦١) و(٢٣٤٢) و(٢٣٤٣) و(٢٨٦٩). والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بینھما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. ٣٣٥ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّ - حديث رقم (١١٢٤) شرح الحديث: عن عون بن أبي جحيفة (عَنْ أَبِيٍ) أبي جُحَيفة، وهب بن عبد الله السُّوَائِيّ ◌َبه أنه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ بِمَكَّةَ، وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ) قال النوويّ ◌َّهُ: هو الموضع المعروف على باب مكة، ويقال له: البطحاء أيضاً. انتهى (١). ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ ((بالبطحاء))، قال في ((الفتح)): يعني بطحاء مكة، وهو موضع خارج مكة، وهو الذي يقال له الأبطح. انتهى(٢). وقال ابن الأثير تَّتُهُ: البَطْحاء: هي الحصى الصغار، وبطحاء الوادي، وأبطحه حصاه اللَّيِّن في بطن المسيل، ومنه حديث ((صلَّى بالأبطح)) يعني أبطح مكة، وهو مَسِيل واديها، ويُجمع على البِطَاح، والأباطيح. انتهى (٣). وقال الفيّومِيّ ◌َُّ: البَطِيحةُ والأبطحُ: كلُّ مكان مُتَّسِع، والأبطح بمكة هو المحصَّبُ. انتهى (٤). وقال في ((العمدة)): الأبطح: هو المكان المعروف، ويقال له: البطحاء، ويقال: إنه إلى منى أقرب، وهو المحصّب، وهو خيف بني كنانة، وزعم بعضهم أنه ذو طُوَى، وليس كذلك، كما نبّه عليه ابن قرقول، وعند النسائيّ: ((وهو في قبّة حمراء، في نحو من أربعين رجلاً))(٥). (فِي قُبَّةٍ) بضم القاف، وتشديد الموحّدة، قال الفيّوميّ: الْقُبّة من البنيان معروفةٌ، وتُطلق على البيت المدوّر، وهو معروف عند التُّرْكُمَان والأَكْراد، والجمع قِيَاب، مثلُ بُرْمَة وبِرَام. انتهى. وقال في ((العمدة)): قال الجوهريّ: القُبّة من البناء، والجمع قُبَبِّ وقِبَابُ قال: المراد من القبة هنا هي التي تُعْمَل من الجلد، وقد فَسَّر ذلك بكلمة ((من)) البيانية. انتهى. وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ «قُبّة))، أي كائنة له وَلّ (حَمْرَاءَ) صفة بعد صفة، ممنوع من الصرف؛ لألف التأنيث الممدودة (مِنْ أَدَم) قال في (١) ((شرح النووي)) ٢١٨/٤. (٣) ((النهاية)) ١٢٤/١ - ١٢٥. (٥) ((عمدة القاري)) ١٤٨/٤. (٢) ((الفتح)) ٦٨٣/١. (٤) ((المصباح)) ٥١/١. ٣٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ((المختار)): الأدَمُ - بفتحتين -: جمع أَدِيم، وقد يُجمع على آدِمة، كرغيف وأَرْغِفة(١)، وقال في ((المصباح): الأَدِيمَ: الجلد المدبوغ، والجمع أدم بفتحتين، وبضمّتين أيضاً، وهو القياس، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُد(٢) . وفي ((اللسان)»: الأَدِيم الجلدُ ما كان، وقيل: الأحمر، وقيل: هو المدبوغ، وقيل: هو بعد الأَفِيق، وذلك إذا تَمَّ واحْمَرَّ، والأَفِيق هو الجلد الذي لم يَتِمَّ دِباغه، وقيل: هو ما دُبغ بغير القرظ، قاله ابن الأثير، والأَدَمُ - بفتح الدال ـ اسم للجمع عند سيبويه، مثلُ أَفِقٍ وأَفَقٍ، والآدام جمع أَدِیم، کیتیم وأَيتَام، وإن كان هذا في الصفة أكثر، وقد يجوز أن يكون جمع أَدَم. انتهى(٣). (قَالَ) أبو جحيفة ◌َظُه (فَخَرَجَ بِلَالٌ) هو ابن رَبَاحِ، وأمّه حَمامةُ، مولى أبي بكر الصدّيق ﴿ها، الموزّن المعروف، من السابقين الأولين، شهد بدراً، وما بعدها، ومات بالشام سنة (١٧) أو (١٨) وقيل: (٢٠)، تقدّمت ترجمته مستوفاة في (٦٤٨/٢٣). (بِوَضُوئِهِ) وفي نسخة: ((بوضوءٍ)) بلا إضافة، وهو هنا بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضّأ به، وأما بالضم فالفعل، وقد قيل: هما لغتان فيهما، قاله القرطبيّ تَخْذِفُ(٤). وقوله: (فَمِنْ نَائِل) أي آخذ من ذلك الوضوء (وَنَاضِح) أي متمسّح بما أصابه من يد صاحبه، كما فُشِّر في الرواية الآتية، وقال النوويّ تْلُهُ: معناه: فمنهم من ينال منه شيئاً، ومنهم من يَنْضَح عليه غيره شيئاً مما ناله، ويَرُشُّ عليه بَلَلاً مما حَصَلَ له، وهو معنى ما جاء في الحديث الآخر: ((فمن لم يُصب أخذ من يد صاحبه)). (قَالَ) أبو جُحيفة رَظُهُ (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َهِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ) وفي نسخة: ((وعليه حلّة حمراء))، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. و ((الْحُلّة)) - بضمّ الحاء المهملة، وتشديد اللام - جمعه: حُلَلٌ، كغُرْفة وغُرَف، قال الفيّوميّ تَخْذُ: ((الْحُلّة)) - بالضمّ - لا تكون إلا ثوبين من جنس واحد. انتهى (٥). (١) ((مختار الصحاح)) (ص٢٨). (٣) «لسان العرب)) ١٢/ ١٠. (٥) ((المصباح المنير)) ١٤٨/١. (٢) ((المصباح)) ٩/١. (٤) («المفهم)) ١٠٢/٢. ٣٣٧ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٤) وقال في ((النهاية)): ((الحُلّة)): واحدة الْحُلَل، وهي برود اليمن، ولا تُسمّى حُلّةً إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد. انتهى(١). وقال في ((الدرّ النثير)): قال الخطابيّ: الحلّة ثوبان: إزار ورداء، ولا تكون حلّة إلا وهي جديدة تُحَلُّ من طَيِّها، فتُلبس. انتهى. وقال في ((اللسان)): وقال اليماميّ: الحلّة: كلُّ ثوب جيّد جديد تلبسه، غليظٍ، أو دقيقٍ، ولا يكون إلا ثوبين، وقال ابن شُمَيل: الحلّة: القميص والإزار والرداء، لا تكون أقلّ من هذه الثلاث، وقال شَمِر: الحلّة عند الأعراب: ثلاثة أثواب، وقال ابن الأعرابيّ: يقال للإزار والرداء حُلّة، ولكلّ منهما على انفراده حُلّة، قال الأزهريّ: وأما أبو عبيد، فإنه جعل الحلّة ثوبين، والجمع حُلُل، وحِلالُ، وأنشد ابن الأعرابي [من الرجز]: وَلَا الَّذِي يَرْفُلُ فِي الْحِلَالِ لَيْسَ الْفَتَى بِالْمُسْمِنِ الْمُخْتَالِ انتهى من ((اللسان)» باختصار(٢). وقال في ((القاموس)): ((الْحُلّةُ)) بالضمّ: إزار ورداءٌ، بُرْدٌ أو غيره، ولا تكون حُلّةً إلا من ثوبين، أو ثوب له بِطَانة. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: المشهور أن الحلّة لا تُطلق إلا على ثوبين، كإزار ورداء، أو ما كان في حكمهما، كالمبطّن، والله تعالى أعلم. وفي رواية أبي داود: ((وعليه حُلّة حمراء، برودٌ، يمانيةٌ قِطْريّ)). قوله: ((برود)) جمع بُرْد مرفوعٌ؛ لأنه صفة لـ((حلّة))، وقوله: ((يمانية)) صفة لـ((برود))، أي منسوبة إلى اليمن، وقوله: ((قِطْريّ)) بكسر القاف، وسكون الطاء، والأصل قَطَريّ بفتح القاف والطاء؛ لأنه نسبة إلى قَطَر بلد بين عُمان وسِيف البحر، ففي النسبة خَفَّفوها، وكسروا القاف، وسكنوا الطاء، ويقال: القِطْريّ: ضرب من البرود، فيها حمرة، ويقال: ثياب حُمْرٌ لها أعلام، فيها بعض الخشونة، وقيل: حُلَلٌ جِيادٌ، تُحْمل من قِبَل البحرين، وإنما لم يقل: ((قِطْرية)) مع أن التطابق بين الصفة والموصوف شرط؛ لأنه بكثرة الاستعمال صار (١) ((النهاية)) ٤٣٢/١. (٣) ((القاموس المحيط)) ٣٥٩/٣. (٢) ((لسان العرب)) ١١/ ١٧٢. ٣٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة كالاسم لذلك النوع من الحلل، ووَصَف الحلة بثلاث صفات: الأولى صفة الذات، وهي قوله: ((حمراء))، والثانية صفة الجنس، وهي قوله: ((برود))، بَيَّن به أن جنس هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية، والثالثة صفة النوع، وهي قوله: ((قِطْريّ))؛ لأن البرود اليمانية أنواع، نوعٌ منها قَطْريّ، بيّنه بقوله: قَطْري. وقيل: إنما لبس النبيّ ◌َّ الحلة الحمراء في السفر؛ ليتأهب للعدوّ، ويجوز أن يلبس في الغزو ما لا يلبس في غيره. وتُعُقّب بأنه لم يكن في هذا السفر للغزو؛ لأنه كان عقب حجة الوداع، ولم يَبْقَ له غزو إذ ذاك، قاله في ((العمدة))(١) . [تنبيه]: ظاهر قوله: ((حمراء)» يدلّ على أنها كانت حمراء خالصةً، لكن فسرها بعضهم بأنها إنما كانت بُرد مخططاً فيه خُطَظٌ حمر، ولم يكن كلّه أحمر، وإلى هذا ميل الحافظ ابن رجب تَُّ في ((شرح البخاريّ))(٢). وقوله: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضٍ سَاقَيْهِ) وََّ، ذكره تأكيداً لكلامه، وأنه لم ينس الواقعة حتى إنه الآن ليستحضر نظره إلى بياض ساقه بش * (قَالَ) أبو جحيفة (فَتَوَضَّأَ) بَّهِ، قال النوويّ كَثْذُ: فيه تقديم وتأخير، تقديره: ((فتوضّأ، فمن نائل بعد ذلك، وناضح))؛ تبرّكاً بآثاره وَ له، وقد جاء مبيّناً في الحديث الآخر: ((فرأیت الناس يأخذون من فضل وَضُوئه)). انتهى. (وَأَذَّنَ بِلَالٌ) ◌َّهِ، أي شرع في الأذان (قَالَ) أبو جحيفة (فَجَعَلْتُ) أي شرعتُ وأخذت (أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا) وقوله: (يَقُولُ يَمِيناً وَشِمَالاً) بيان للمعنى المشار إليه بقوله: ((ها هنا وها هنا)) على اللفّ والنشر، فقوله: ((يميناً)) يعود إلى ((ها هنا)) الأول، وقوله: ((وشمالاً)) يعود إلى ((ها هنا)) الثاني، ثم أوضح وقت التفاته يميناً وشمالاً بقوله: (يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) فالتفاته يميناً عند قوله: ((حيّ على الصلاة))، والتفاته شمالاً عند قوله: ((حيّ على الفلاح))، وسيأتي تمام البحث في هذا الفوائد - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ) أبو جحيفة (ثُمَّ رُكِزَتْ) بالبناء للمفعول، والذي ركزها هو (١) ((عمدة القاري)) ١٤٨/٤ - ١٤٩. (٢) راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب كَذَمُ ٤٣٦/٢ - ٤٤١. ٣٣٩ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٤) بلال ظُه، ففي الرواية التالية من طريق عمر بن أبي زائدة، عن عون: ((ثم رأيت بلالاً أخرج عَنَزَةً، فركزها)) (لَهُ) وَرِ (عَنَزَةٌ) - بفتحات - هي: عصاً في أسفلها حديدة (فَتَقَدَّمَ) وَّرِ أمام الناس (فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنٍ) أي لكونه مسافراً (يَمُرُّ) بالبناء للفاعل (بَيْنَ يَدَيْهِ) بََّ، والمراد وراء تلك العنزة، لا بينه وبينها، كما بيّن في الروايات الآتية، وقوله: (الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ) مرفوع على الفاعليّة، وجملة ((يمرّ إلخ)) حال من الفاعل، والرابط الضمير في (يديه)). وفي رواية عمر بن أبي زائدة: «ورأيت الناس، والدوابّ يمرّون بين يدي الْعَنَزة))، وفي رواية الحكم عن أبي جحيفة: ((وكان يمرّ من ورائها المرأة، والحمار))، وفي حديث طلحة ظُه المتقدّم: ((ولا يبالي من مرّ وراء ذلك))، وفي لفظ: ((ثم لا يضرّه من مَرّ بین یدیه)). قال النوويّ كَّتُهُ: معناه: يمرّ الحمار والكلب وراء السُّترة، وقُدّامها إلى القبلة، كما بُيّن في الروايات الآخرى. (لَا يُمْنَعُ) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى المذكور، أي لا يُمنع كلّ من الحمار والكلب عن المرور بين يدي تلك العنزة، والجملة حال من الفاعل. (ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنٍ) الظاهر أنه صلّى العصر في وقته؛ لأن ((ثُمّ)) تقتضي المهلة، ويَحْتَمِل أنه جمع بين الظهر والعصر (ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ) ظاهر قوله: ((ثم لم يزل إلخ)) يشعر بأن ما قصّة أبي جحيفة ربه هذه كانت بعد خروجه ود ليل من مكّة(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي جُحيفة هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٢٤/٤٨ و١١٢٥ و١١٢٦ و١١٢٧ و١١٢٨] (١) راجع: ((الفتح)) ٦٨٤/١. ٣٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (٥٠٣)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٨٧) و((الصلاة)) (٣٧٦ و٤٩٥ و٤٩٩ و٥٠١) و((الأذان)) (٦٣٣ و٦٣٤) و((المناقب)) (٣٥٥٣ و٣٥٦٦) و((اللباس)) (٥٧٨٦ و٥٨٥٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٦٨٨)، و(النسائيّ) في ((القبلة)) (٧٣/٢)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (١٩٧)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٦٦/١ - ٦٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٨٨/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٣١٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٧٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ٣٠٧ و٣٠٨ و٣٠٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٧/١ -٣٢٨)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٨٤١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٢٦٨ و٢٣٩٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٤٩/٢٢ و٢٥٠ و٢٥١ و٢٥٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/ ٢٧٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٣٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٠٨ و١٤٠٩ و١٤١٠ و١٤١١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١١٠ و١١١١ و١١١٢ و١١١٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٠٢/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة وضع السترة للمصلّي بين يديه، والاكتفاء فيها بمثل غلظ العنزة. ٢ - (ومنها): استحباب حمل العنزة في السفر؛ لهذا الغرض، ونحوه. ٣ - (ومنها): جواز لبس الحلّة الحمراء، وفيه اختلاف بين العلماء، والراجح جوازه، وسيأتي البحث فيه مستوفَى في ((كتاب اللباس والزينة)) برقم (٢٠٧٧) - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): جواز الصلاة في الثوب الأحمر، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك الحنفية، فإنهم قالوا: يكره، وتأوّلوا حديث الباب بأنها كانت حُلّة من بُرُود فيها خطوط حُمْرٌ، ومن أدلتهم ما أخرجه أبو داود، من حديث عبد الله بن عمرو ﴿ها قال: مَرّ بالنبيِنَّهَ رجلٌ، وعليه ثوبان أحمران، فسلّم عليه، فلم يُرُدّ عليه، وهو حديثٌ ضعيفُ الإسناد، وإن وقع في بعض نسخ الترمذيّ أنه قال: حديث حسنٌ لأن في سنده أبا يحيى القّات، وهو ضعيف، وعلى تقدير أن يكون مما يُحتجّ به فقد عارضه ما هو أقوى منه، كحديث