Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
(٤١) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الزُّكُوعِ - حديث رقم (١٠٧٦)
وجبت، فقال: هذا أثنيتم عليه خيراً، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرّاً،
فوجبت له النار ... )) الحديث.
وقد نقل النوعان في واقعتين، تراخت إحداهما عن الأخرى، من العدل
الضابط، عن العدل الضابط، عن العرب الفُصَحاء، عن أفصح العرب، فكان
أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم قد يَكْتَفُون بالنقل عن واحد، ولا يُعْرَف حاله،
فإنه قد يَعْرِض له ما يُخْرِجِه عن حَيِّز الاعتدال، من دَهْش، وسُكْر، وغير ذلك،
فإذا عُرِف حاله لم يحتجّ بقوله، ويَرْجِع قولُ مَن زَعَم أنه لا يُسْتَعمَل في الشرّ
إلى النفي، وكأنه قال: لم يُسْمَع، فلا يقال: والإثبات أولى، ولله در من قال
[من الوافر]:
وَإِنَّ الْحَقَّ سُلْطَانٌ مُطَاعٌ وَمَا لِخِلَافِهِ أَبَداً سَبِيلُ
وقال بعض المتأخرين: إنما استُعْمِل في الشرّ في الحديث للازدواج،
وهذا كلام مَن لا يَعْرِف اصطلاح أهل العلم بهذه اللفظة. انتهى كلام
الفيّومِيّ دَخَُّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد اتّضَح بما حَرَّره الفيّوميّ: أنّ الثناء يُستعمل
للمدح والذمّ، وإنما يُميّز بالقرينة، مثل ما هنا، فإن المقام مقام مدح، فمن
فسّره بأنه الوصف الجميل، كالنوويّ في كلامه السابق، إما قصور عن التحقيق
المذكور، وإما محمول على أنهم فسّروه بما يقتضيه المقام، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(وَالْمَجْدِ) بالجرّ عطفاً على ((الثناء))، وهو بفتح الميم، وسكون الجيم:
العظمة، ونهاية الشرف.
وقال القاضي عياض تَخُّ: قوله: ((أهل الثناء والمجد)) كذا لهم، ولابن
ماهان: ((أهل الثناء والحمد))، والحمد أعم من الثناء والمجد، على ما بيّنّاه في
الفرق بين ((مجّدني عبدي))، و((حمدني عبدي))، و((أثنى عليّ عبدي))، والمجد
نهاية الشرف، وكأن لفظة ((الحمد)) هنا أليق بالكلام؛ لقوله أوّلاً: ((لك
الحمد)). انتهى كلام القاضي تَذّثُ(٢).
(١) ((المصباح المنير)) ٨٥/١ - ٨٦.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣٩١/٢.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وقال النوويّ تَّتُهُ: قوله: ((أهل الثناء والمجد)) هذا هو المشهور في
الرواية في مسلم وغيره، ووقع في رواية ابن ماهان: ((أهلُ الثناء، والحمد))،
وله وجه، ولكن الصحيح المشهور الأول. انتهى(١).
(أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ) ((أحقّ)) مبتدأ خبره جملة: ((لا مانع
لما أعطيتَ))، ((وما)) موصولة، أو موصوفة مضاف إليها ((أحقّ))، وجملة ((قال
العبد)» صلتها بتقدير عائد، أي الذي قاله العبد، ويَحْتَمِل أن تكون مصدريّة،
أي أحقّ قول العبد.
وقوله: ((وكلُّنا لك عبدٌ)) جملة حاليّةٌ وقعت معترضة بين المبتدأ والخبر،
أفاده ابن الملك.
وقال النوويّ كَُّ: قوله: ((أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد)»، هكذا
هو في مسلم وغيره ((أحقُّ)) بالألف، و((كلُّنا)) بالواو، وأما ما وقع في كتب الفقه
((حَق ما قال العبد: كلنا))، بحذف الألف والواو، فغير معروف من حيث
الرواية، وإن كان كلاماً صحيحاً.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أنكره النووي قد ثبت في ((سنن
النسائيّ))، راجع ((شرحي)) عليه(٢).
قال: وعلى الرواية المعروفة تقديره: أحقُّ قول العبد: ((لا مانع لما
٠٠
أعطيت، ولا معطي لما منعت))، إلى آخره، واعتَرَضَ بينهما: ((وكلُّنا لك عبد))،
ومثلُ هذا الاعتراض في القرآن قول الله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ
تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَأَلْأَرْضٍ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (٣)﴾ [الروم: ١٧ -
١٨] اعتَرَض قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومثله قوله تعالى:
﴿قَالَتْ رَبٍّ إِنَّ وَضَعْتُهَا أُنْثَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] على قراءة من
قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بفتح العين وإسكان التاء، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَهُ لَّوْ
(٧٦﴾ [الواقعة: ٧٦] اعتَرَضَ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، ونظائره كثيرة، ومنه
تَعْلَمُونَ عَظِيمُ
قول الشاعر [من الوافر]:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٤/٤.
(٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٢٠٧/١٣ رقم الحديث (١٠٦٨).

١٢٣
(٤١) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الزُّكُوعِ - حديث رقم (١٠٧٦)
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادٍ
فاعتَرَض بقوله: ((والأنباء تنمي))، وقول امرئ القيس [من الطويل]:
أَلَا هَلْ أَتَاهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ بِأَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَا(١)
فاعتَرَضَ قوله: ((وَالْحَوادثُ جَمَّةٌ))، وقال الآخر [من الطويل]:
إِلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ کَلَالُهَا إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْم الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ
فاعتَرَضَ قوله: ((أبيْتَ اللعنَ))، ونظائره كثيرة، وإنماً يعترض ما يعترض
من هذا الباب؛ للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره هنا: أحقُّ قول
العبد: لا مانع لما أعطيت، وكلُّنا لك عبدٌ، فينبغي لنا أن نقوله.
(اللَّهُمَّ) تقدّم أن أصلها ((يا ألله)»، فحُذفت «یا» وعُوِّضَ عنها الميم
المشدّدة في الأخير، ولا يُجمَع بينهما إلا في الضرورة، كقوله:
إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا
وإليه أشار في ((الخلاصة)) حيث قال:
إِلَّا مَعَ ((الله)) وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ ((یا)) و(أَنْ))
وَشَذَّ (يَا اللَّهُمَّ)) فِي قَرِيضٍ
وَالأَكْثَرُ ((اللَّهُمَّ)) بِالتَّعْوِيضِ
(لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) ((ما)) تعمّ العقلاء وغيرهم، فهي موصول اسميّ،
والجملة صلتها بتقدير العائد، أي للذي أعطيته، ويَحْتَمِلُ أن تكون حرفاً
مصدريّاً، أي لإعطائك، وهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ
فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية [فاطر: ٢].
[تنبيه]: من القاعدة النحويّة أن اسم ((لا)) التي لنفي الجنس إذا كان
مضافاً، نحو: لا طالب علم ممقوتٌ، أو شبيهاً بالمضاف، وهو الذي له تعلّقٌ
بما بعده بالعمل، أو غيره، نحو: لا طالعاً جبلاً: أن يُنصب، ولكن هذا
الحديث مرويّ بإسقاط التنوين من اسمها، فما هو الوجه؟.
أُجيب بأنه إما مبنيّ؛ إجراءً له مُجرى المفرد، أو معرب، حُذف تنوينه
تشبيهاً بالمضاف، أو مبنيّ لكونه مفرداً، وقوله: ((لما أعطيتَ)) متعلّق بمحذوف
(١) بيقر الرجلُ: هاجر من أرض إلى أرض، أو خرج إلى حيث لا يَدرِي، وله معان
أُخَر، راجع: ((اللسان) في مادّة ((بقر)).

١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
خبرٍ لـ((لا))، أي لامانعَ مانعٌ لما أعطيتَ، وتمام البحث في هذا فيما كتبته على
النسائيّ(١).
(وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) الكلام فيه كسابقه (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ) ((ذا)) هنا
بمعنى صاحب، مفعول مقدّم على الفاعل، منصوب بالألف، كما قال في
(الخلاصة» :
وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ
وَ(الْفَمُ)) حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
مِنْ ذَاكَ (ذُو)) إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا
و ((الْجَدُّ» بالرفع فاعلٌ مؤخّرٌ.
قال النوويّ تَخْلَتُهُ: المشهور فيه فتحُ الجيم، هكذا ضبطه العلماء
المتقدِّمون والمتأخِّرون، قال ابن عبد البرّ: ومنهم من رواه بالكسر، وقال أبو
جعفر، محمد بن جرير الطبريّ: هو بالفتح، قال: وقاله الشيبانيّ بالكسر،
قال: وهذا خلاف ما عَرَفه أهل النقل، قال: ولا يُعْلَم من قاله غيره، وضَعّفَ
الطبريّ(٢) ومَن بعده الكسر، قالوا: ومعناه على ضعفه الاجتهاد، أي لا ينفع
ذا الاجتهاد منك اجتهاده، إنما ينفعه وينجيه رحمتك.
وقيل: المراد ذا الجِدّ والسعي التامّ في الحرص على الدنيا، وقيل: معناه
الإسراع في الْهَرَب، أي لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هَرَبه، فإنه في
قبضتك وسلطانك، والصحيح المشهور الْجَدّ بالفتح، وهو الحظّ والغنى
والعظمة والسلطان، أي لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة
والسلطان منك حظه، أي لا يُنجيه حظه منك، وإنما ينفعه، وينجيه العمل
الصالح، كقوله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَأُ وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيْرُ
عِندَ رَبِّكَ﴾ الآية [الكهف: ٤٦]، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رَُّهُ(٣).
(١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٢٠٩/١٣ رقم الحديث (١٠٦٨).
(٢) وقال غيره: المعنى الذي أشار إليه الشيبانيّ صحيحٌ، ومراده أن العمل لا يُنجي
صاحبه، وإنما النجاة بفضل الله ورحمته، كما جاء في حديث: ((لن يُنجي أحداً
منكم عمله ... )) الحديث، قاله في ((زهر الربى)) ١٩٩/٢ - ٢٠٠.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٦/٤.

١٢٥
(٤١) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ - حديث رقم (١٠٧٦)
(مِنْكَ الْجَدُّ) اختُلِف في ((من)) هذه، فقال الزمخشريّ في ((الفائق)): بمعنى
(بدل))، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ ◌َجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَئِكَةً فِىِ الْأَرْضِ﴾ الآية
[الزخرف: ٦٠] أي بدلكم، والمعنى: أن المحظوظ لا ينفعه حظّه بَدَلَك، أي
بدل طاعتك وعبادتك.
وقال التوربشتيّ: أي لا ينفع ذا الغنى غناه عندك، وإنما ينفعه العمل
بطاعتك، وعلى هذا فمعنى ((منك)) عندك.
ويَحْتَمِلُ وجهاً آخر، أي لا يُسلّمه من عذابك غناه.
وقال المظهر: أي لا ينفعه غناه من عذابك، إن شئت به عذاباً.
انتھی(١).
[تنبيه]: رُوي سبب قوله وَلجر: ((ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ) فيما
أخرجه ابن ماجه تَخْتُ في ((سننه)) عن أبي جحيفة ظُه قال: ذُكرت الجدود عند
رسول الله وَّله، وهو في الصلاة، فقال رجلٌ: جدّ فلان في الخيل، وقال آخر:
جدّ فلان في الإبل، وقال آخر: جدّ فلان في الغنم، وقال آخر: جدّ فلان في
الرقيق، فلما قَضَى رسول الله وَ ل﴿ صلاته، ورفع رأسه من آخر الركعة قال:
((اللهمّ ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من
شيء بعدُ، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما مَنَعت، ولا ينفع ذا الجدّ
منك الجدّ))، وطوّل رسول الله وَّ﴿ل صوته ((بـ((الجدّ))؛ ليعلموا أنه ليس كما
يقولون. انتهى(٢).
لكن الحديث في سنده أبو عمر مجهول، لا يُعرف حاله، كما قال
البوصيريّ تَخْلُهُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف رَحْذَلُهُ .
(١) ((عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد)) ١٧٨/٢ - ١٧٩.
(٢) حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه برقم (٨٧٩).

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٧٦/٤١] (٤٧٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٨٤٧)، و(النسائيّ) فيها (١٩٨/٢ - ١٩٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٧/٣)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠١/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٦١٣)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٠٥)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٢٣٩/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٤/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٤٣)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٥٤ و١٠٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الذكر المشروع إذا رفع المصلي رأسه من الركوع في
حالة الاعتدال.
٢ - (ومنها): الحثّ على أن يتواضع العبد لله، ويخضع له، ويتضرّع إليه
دائماً، ويرغب فيما عنده، ويسأله خيري الدنيا والآخرة؛ لأنه المتفرّد بذلك،
وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
اللهم زِدْنا، ولا تنقصنا، وأكرمنا، ولا تُهِنّا، وأعطنا، ولا تَحْرِمنا،
وآثرنا، ولا تؤثر علينا، وارَضَ عنا وأَرْضِنا.
٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً ظاهرةً على فضيلة هذا القول، فقد أخبر
النبيّ ◌َّ الذي لا ينطق عن الهوى أن هذا أحقُّ ما قاله العبد، فينبغي أن
نُحافظ عليه؛ لأن كلنا عبد، ولا نُهْمِله، وإنما كان أحقّ ما قاله العبد؛ لما فيه
من التفويض إلى الله تعالى، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه
لا حول ولا قوة إلا به، وأن الخير والشرّ منه، والحثّ على الزهادة في الدنيا،
والإقبال على الأعمال الصالحة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧٧] (٤٧٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ،
أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٥/٤ - ١٩٦.

١٢٧
(٤١) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ - حديث رقم (١٠٧٧)
النَّبِيَّ وَهِ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ
السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا (١)، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ
الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ
مِنْكَ الْجَدُّ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم أول الباب.
٢ - (هُشَيْمُ بْنُ بَشِير) بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم
الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد قارب
(٨٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ
من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة))
٢٦/٥.
٤ - (قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) المكيُّ أبو عبد الملك، ويقال: أبو عبد الله
الحبشيّ، مولى نافع بن علقمة، ويقال: مولى أم علقمة، ثقةٌ [٦] (ت٧ أو
١١٩) علق عنه البخاري وأخرج له المصنف، وأبو داود، والنسائي، وابن
ماجه، تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٥ - (عَطَاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) على المشهور (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
٦ - (ابْنُ عَبَّاس) عبد الله الحبر البحر ضه، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٤/٦.
(١) وفي نسخة: ((وملء ما بينهما)).

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وقيس علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، من قيس، وهشام بصريّ، وهُشيم
واسطيّ، وأبو بكر كوفيّ، وابن عبّاس مدنيّ، ثم بصريّ، ثمّ مكيّ، ثمّ
طائفيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى
(١٦٩٦)، ومن المشهورين بالفتوى.
وأما شرح الحديث فواضح مما سبق، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب
بإعادته.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ـ
المصنّف رَخَذَتْهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٧٧/٤١ و١٠٧٨] (٤٧٨)، و(النسائيّ) في
((الصلاة)) (١٩٨/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٩٠٨)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٢٤٦/١ - ٢٤٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٠/١ و٢٧٦ و٢٧٧
و٣٣٣)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٢٧٠/١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (١٩٠٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١١٣٤٧ و١٢٥٠٣)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٨٤٤ و١٨٤٥ و١٨٤٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٠٥٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٤/٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

١٢٩
(٤٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ... إلخ - حديث رقم (١٠٧٩)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٧٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (١)، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَهَ إِلَى
قَوْلِهِ: ((وَمِلْءُ مَا شِئْتَ (٢) مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير الْهَمدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (حَفْص) بن غياث بن طلق النخعيّ، أبو عُمَر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ،
تغيّر حفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير حفص بن
غياث.
[تنبيه]: رواية حفص التي أحالها المصنّف تَُّ على رواية هُشيم لم أجد
من ساقها بتمامها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿ إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ .
(٤٢) - (بَابُ النَّهْي عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ،
وَالأَمْرٍ بِتَعْظِيمِ الرَّبُّ بِأَنَوَاعِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ فِي الرُّكُوعِ،
وَالاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧٩] (٤٧٩) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ، عَنْ
(١) وفي نسخة: ((وحدّثناه ابن نمير)).
(٢) وفي نسخة: ((إلى قوله: ملء ما شئت)).

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
السِّتَارَةَ(١)، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ
مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ
أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعاً، أَوْ سَاجِداً، فَأَمَّا الزُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ رَتْ، وَأَمَّا السُّجُودُ
فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنْ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ)).
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بِهَذَا (٢)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور) بن شعبة، أبو عثمان الخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ
مصنّفٌ [١٠] (ت٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْم) أبو أيوب المدنيّ، مولى خُزَاعة، ويقال: مولى
آل حُنَين، صدوقٌ [٣](٣).
رَوَى عن أمه آمنة بنت الحكم الغِفَارية، وسعيد بن المسيِّب، وإبراهيم بن
عبد الله بن معبد بن عباس، وطلحة بن عبد الله بن كُرَيز، وغيرهم.
وروى عنه محمد بن إسحاق، وابن جريج، والدراورديّ، وزياد بن
سعد، وابن عيينة، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأسٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ،
ونقل ابن خَلْفُون، عن ابن نُمَير توثيقه، وقال الْبَرْقيّ، عن ابن معين: سليمان بن
سُحيم، أبو أيوب الهاشميّ ثقةٌ، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أحمد بن
صالح: له شأنٌ ثَبْتُ.
وقال ابن سعد: تُؤُفّي في خلافة أبي جعفر المنصور، وكان ثقةً، له
(١) وفي نسخة: ((عن الستارة)).
(٢) ووقع في نسخة النوويّ وغيره إسقاط قوله: (بهذا)).
(٣) هكذا جعله في ((التقريب)) من الثالثة، والظاهر أنه من السادسة أو نحوها، فإنه لا
يروي إلا عن التابعين، فهو من أتباع التابعين، كما قال ابن حبّان، فتأمل.

١٣١
(٤٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ... إلخ - حديث رقم (١٠٧٩)
أحاديث، وكذا قال ابن حبان في ((الثقات))، لكن قال: في أول خلافة أبي
جعفر، وفَرَّق بين مولى خُزاعة، وبين مولى آل حنين، قال الحافظ دخّتُهُ:
والظاهر أنه وَهِمَ في ذلك(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا تعقّب الحافظ تفريق ابن حبّان، ولم يذكُر
له حجة على ذلك، فهو محلّ نظر.
ودونك عبارة ابن حبّان ◌َّهُ في ((الثقات))، قال في طبقة التابعين:
سليمان بن سُحيم، كنيته أبو أيوب مولى لخزاعة، يروي عن جماعة من
الصحابة، وروى عنه أهل المدينة، مات في أول ولاية أبي جعفر، ثم قال في
أتباع التابعين: سليمان بن سُحيم، مولى عباس بن عبد المطلب، ويقال: مولى
آل حُنين، عِداده في أهل الحجاز، يروي عن طاوس، وإبراهيم بن عبد الله بن
معبد، روى عنه ابن عيينة، وابن إسحاق، والماجشون، وليس هذا مولى
لخزاعة، ذاك تابعيّ. انتهى كلامه(٢).
وتعقّب هذا الكلام يحتاج إلى بينّة واضحة، فليُتْأمّل.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ) بن عباس بن عبد المطلب الهاشميّ
المدنيّ، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وعن عمّ أبيه، عبد الله بن عباس، وروى عن ميمونة.
ورَوَى عنه نافع، وأخوه عباس بن عبد الله، وابن جريج، وسليمان بن
و
سحیم .
ذكره ابن حبان في ((الثقات)) في طبقة أتباع التابعين، وقال: قيل: إنه
سمع من میمونة، ولیس ذلك بصحیح عندنا. انتهى.
وقد أخرج البخاريّ في ((التاريخ)) بعد أن رَوَى حديثه عن ميمونة: حدّث
نافع عنه، عن ابن عباس، عن ميمونة، قال البخاريّ: ولا يصحّ فيه ابن
(١) ((تهذيب التهذيب)) ١٩٤/٤.
(٢) راجع: ((كتاب الثقات)) ٣١٠/٤ و٣٨٣/٦.

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
عباس، فهذا مشعرٌ لصحة روايته عن ميمونة عند البخاريّ، وقد عُلِم مذهبه في
التشديد في هذه المواطن، وقد نَبّه المزيّ في ((الأطراف)) على أن روايته عن
ميمونة بإسقاط ابن عباس ليس في ((صحيح مسلم)).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٧٩)، وحديث (١٣٩٦).
٥ - (أَبُوهُ) عبد الله بن مَعْبَد بن العباس بن عبد المطلب الهاشميّ
المدنيّ، ثقةٌ قليلُ الحديث، [٣].
رَوَى عن عمه عبد الله بن عباس، وروى عنه ابنه إبراهيم، ومحمد بن
جعفر، وابن أبي مليكة، ومحمد بن عليّ بن رَبِيعة.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، له عندهم حديث
الباب فقط .
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بینهم .
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول خُراسانيّ، ثم
مكيّ، والثاني كوفيّ، والثالث نسائيّ، ثم بغداديّ، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وهو أيضاً من رواية
الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال النوويّ كَّلُهُ: قوله: قال أبو بكر: حدثنا سفيان، عن
سليمان، هذا من وَرَع مسلم، وباهر علمه؛ لأن في رواية اثنين - يعني سعيد بن
منصور، وزهير بن حرب - عن سفيان بن عيينة أنه قال: أخبرني سليمان بن
سُحَيم، وسفيان معروف بالتدليس، وفي رواية أبي بكر، عن سفيان، عن
سليمان، فنّه مسلم على اختلاف الرُّواة في عبارة سفيان. انتهى.

١٣٣
(٤٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِ الزُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ... إلخ - حديث رقم (١٠٧٩)
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وسفيان معروف بالتدليس))، فيه نظر لا
يخفى؛ لأن ابن عيينة ليس مشهوراً بالتدليس، وإن وُصف به، إلا أنه قليل،
وأيضاً فقد قالوا: إنه لا يُدلّس إلا عن ثقة، حتى ادّعى ابن حبّان أنه لا نظير له
في ذلك.
والحاصل أن تدليس ابن عيينة قليلٌ، وإذا دلّس لا يضرّه؛ لأنه لا يدلّس
إلا عن ثقة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: وقع للمصنّف كَذَتُهُ في هذا الإسناد غريبةٌ، وذلك أن عادته
عند اختلاف شيوخه في صيغ الأداء أن يبيّنه في أول السند، فيقول مثلاً: حدّثنا
سعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزُهير بن حرب، قال أبو بكر:
حدّثنا سفيان، عن سليمان، وقال الآخران: حدّثنا سفيان بن عيينة، أخبرني
سليمان بن سُحَيم، وهكذا عادته المستمرّة، إلا أنه خالف هذا هنا، فأخّر كلام
أبي بكر عن سياق المتن، فأوقع بعضَهم في الغلط، حيث ظنّ أن قوله: ((قال
أبو بكر إلخ)) أولُ السند التالي، فجعلوا قوله: ((حدّثنا يحيى بن أيوب إلخ)) من
كلام سليمان بن سحيم، وممن وقع له ذلك صاحب ((تحفة الأشراف))، حيث
قال: (م) في ((الصلاة)) عن سعيد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، وزُهير بن
حرب، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، وقال أبو بكر: حدّثنا سفيان، عن
سلیمان، عن یحیی بن أیوب إلخ.
فجعل يحيى بن أيوب شيخاً لسليمان، وهذا غلطٌ صريحٌ، والصواب أن
قوله: ((قال أبو بكر، حدثنا سفيان، عن سليمان)) من تَتِمّة السند الماضي.
وأما قوله: ((حدّثنا يحيى بن أيوب))، فهو من مقول المصنّف، فيحيى بن
أيوب شيخه، لا شيخ سليمان، وهو المقابريّ البغداديّ، وهو من الطبقة
العاشرة، كما سنوضّحه في السند التالي، لا الغافقي المصريّ الذي هو من
الطبقة السابعة.
ومما يؤكّد ما قلناه أنه وقع في النسخة التي شرح عليها الأبيّ والسنوسي
بزيادة توضّح ما ذُكر، ولفظها: ((حدّثنا سفيان، عن سليمان بهذا))، وسقطت
لفظة (بهذا)) عن كثير من النسخ، كشرح النووي وغيره.
فقوله: ((بهذا)) إشارة إلى الحديث الذي قبله، فتأمله تجده حقّاً.

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وبالجملة فما وقع في هذا الغلط من وقع فيه إلا من تغيير المصنّف
أسلوبه المعتاد الذي ذكرناه آنفاً .
ويَحْتَمل أن يكون هذا من تصرّف النسّاخِ، لا من المصنّف، والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َّ أنه (قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ السِّتَارَةَ) بكسر
السين المهملة: اسم لما يُسْتَرُ به، قال في ((المصباح)): السِّتْر - أي بكسر،
فسكون -: ما يُسْتَرُ به، وجمعه: سُتُورٌ، والسُّتْرة بالضمّ مثله، قال ابن فارس:
السُّتْرة: ما استترتَ به كائناً ما كان، والسِّتَارة بالكسر مثله، والسِّتَار بحذف
الهاء لغةٌ، وسترتُ الشيءَ سَتْراً، من باب نصر. انتهى(١).
والمراد هنا السِّتْرُ الذي يكون على باب البيت، أو الدار، يعني أنه وَّـ
كشف الحجاب الذي بينه وبين أصحابه ﴿ه؛ ليكلّمهم بما يأتي.
(وَالنَّاسُ صُفُوفٌ) بالضمّ: جمع صَفّ، كفلس وفُلُوس، وهو على حذف
مضاف: أي ذوو صُفُوف، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل،
والرابط الواو؛ لأن الجملة اسميّة، وهي تربط بالواو، وبالمضمر، كما قال في
(الخلاصة)» :
بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا
(خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ) ظرف متعلّق بـ((صُفُوفٌ))، والحال أن الناس مصطفّون
وراء أبي بكر الصدّيقِ ظُه، يُصلّي بهم؛ لكون النبيّ ◌َّ مريضاً، كما بُيِّن في
رواية إسماعيل بن جعفر، عن سليمان بن سُحيم التالية بلفظ: ((كشف
رسول الله ﴿ السِّتْرَ، ورأسه معصوبٌ، في مرضه الذي مات فيه ... ))
(فَقَالَ) بَِّ («أَيُّهَا النَّاسُ) بحذف حرف النداء، على حدّ قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ
أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، قال الحريريّ في ((الْمُلْحَة)):
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي)»
(١) ((المصباح المنير)) ٢٦٦/١.

١٣٥
(٤٢) - بَابُ النَّهْىِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ... إلخ - حديث رقم (١٠٧٩)
أي يا أيها الناس (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره جملة
بعده، أي إن الأمر والشأن (لَمْ يَبْقَ) بفتح أوله، وثالثه، مضارع بَقِيَ، يقال:
بَقِيَ الشيءُ يَبْقَى، من باب تَعِبَ بَقَاءً، وبَاقِيَةً: دام، وثَبَتَ، ويتعدّى بالألف،
فيقال: أبقيتُهُ، والاسمُ الْبَقْوَى، بالفتح مع الواو، والْبُقْيَا بالضمّ مع الياء، ومثله
الْفَتْوَى، والْفُتْيَا، والثَّنْوَى، والثُّنْيَا، وهي الاسم من الاستثناء، والرَّغْوَى،
والرُّعْيَا، من أرعيتُ عليه، وطَيِّىءٌ تُبْدل الكسرة فتحةً، فتنقلب الياء ألفاً، فيصير
بَقَا، وكذلك كلُّ فِعْل ثلاثيّ، سواءٌ كانت الكسرة والياء أصليّتين، نحوُ بَقِيَ،
ونَسِيَ، وفَنِيَ، أو كان ذلك عارضاً، كما لو بُنِي الفعلُ للمفعول، فيقولون في
هُدِيَ زيدٌ، وبُنِيَ البيتُ: هُدَا زيدٌ، وبُنَا البيتُ، قاله الفيّوميّ تَخْذُهُ(١).
(مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ) بصيغة اسم الفاعل: هو ما اشتمل على الخبر
السارّ، من وحي، أو إلهام، أو رؤيا، أو نحوها، أي مما يَظهَر للنبيّ من
المبشّرات بعد نبوَّته، وفيه إشارة إلى قرب أجله بَّة، وانقطاع الوحي.
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: ((مبشِّرات النبوّة)): أولُ ما يبدو منها، مأخوذ من
تباشير الصبح وبشائره، وهو أوّل ما يبدو منه، وهذا كما تقدّم من قول
عائشة رضيثًا: ((أوّلُ ما بُدئ به رسول الله وَ له من الوحي الرؤيا الصالحة في
النوم))(٢). انتهى(٣).
وقال في ((الفتح)) - عند شرح قول البخاريّ تَخْلُ في ((كتاب التعبير)):
(باب المبشِّرات)) - ما نصّه: ((المبشِّرات)) بكسر الشين المعجمة، جمع مُبَشِّرة،
وهي البُشْرَى، وقد ورد في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:
٦٤] هي الرؤيا الصالحة، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وصححه الحاكم، من
رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت، ورواته ثقات، إلا أن
أبا سلمة لم يسمعه من عبادة، وأخرجه الترمذيّ أيضاً من وجه آخر، عن أبي
سلمة، قال: نُبِّئتُ عن عبادة، وأخرجه أيضاً هو وأحمد، وإسحاق، وأبو
يعلى، من طريق عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن عبادة، وذكر
(١) (المصباح المنير)) ٥٨/١.
(٣) ((المفهم)) ٨٦/٢.
(٢) متّفقٌ عليه.

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ابن أبي حاتم، عن أبيه، أن هذا الرجل ليس بمعروف، وأخرجه ابن مردويه،
من حديث ابن مسعود، قال: سألت رسول الله وس38، فذكر مثله، وفي الباب
عن جابر، عند البزار، وعن أبي هريرة، عند الطبريّ، وعن عبد الله بن عمرو،
عند أبي يعلى. انتهى.
وقال في شرح حديث أبي هريرة ◌َظُه: ((لم يَبْقَ من النبوة إلا المبشرات))
ما نصّه: كذا ذكره باللفظ الدالّ على المضِيّ تحقيقاً لوقوعه، والمراد
الاستقبال، أي لا يبقى، وقيل: هو على ظاهره؛ لأنه قال ذلك في زمانه،
واللام في النبوة للعهد، والمراد نبوته، والمعنى: لم يبق بعد النبوة المختصّة
بي إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا، وصَرَّح به في حديث عائشة ◌ّا عند
أحمد، بلفظ: ((لم يبق بعدي))، وقد جاء في حديث ابن عباس أنه وَلّ قال
ذلك في مرض موته، أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، من طريق إبراهيم بن
عبد الله بن مَعْبد، عن أبيه، عن ابن عباس ظًَّا أن النبيّ وَّ كَشَفَ السِّتَارة،
ورأسُهُ معصوب، في مرضه الذي مات فيه، والناسُ صفوفٌ خلفَ أبي بكر،
فقال: ((يا أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها
المسلم، أو ترى له ... )) الحديث، وللنسائيّ من رواية زُفَر بن صَعْصَعَة، عن
أبي هريرة، رفعه: ((إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة))(١)، وهذا
يؤيِّد التأويل الأول.
وظاهر الاستثناء مع ما تقدّم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، أن
الرؤيا نبوّة، وليس كذلك؛ لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة؛ أو لأن
جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعاً
صوته، لا يسمى مؤذِّناً، ولا يقال: إنه أذّن، وإن كانت جزءاً من الأذان، وكذا
لو قرأ شيئاً من القرآن، وهو قائم، لا يسمى مصلياً، وإن كانت القراءة جزءاً
من الصلاة.
ويؤيِّده حديث أم كرز - بضم الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي -
الكعبية ﴿ّا، قالت: سمعت النبيّ وَ﴾ يقول: ((ذَهَبَت النبوة، وبقيت
(١) راجع: ((السنن الكبرى)) للنسائيّ في ((كتاب التعبير)) (٣٨٢/٤).

١٣٧
(٤٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ... إلخ - حديث رقم (١٠٧٩)
المبشِّرات))، أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان،
ولأحمد عن عائشة ظّ مرفوعاً: ((لم يبق بعدي من المبشِّرات إلا الرؤيا))،
وله، وللطبرانيّ، من حديث حُذيفة بن أَسِيد ◌َظُه مرفوعاً: ((ذهبت النبوة،
وبقيت المبشِّرات))، ولأبي يعلى، من حديث أنس تظله، رفعه: ((إن الرسالة
والنبوة قد انقطعت، ولا نبيّ، ولا رسول بعدي، ولكن بقيت المبشرات))،
قالوا: وما المبشرات؟ قال: ((رؤيا المسلمين، جزء من أجزاء النبوة)).
قال الْمُهَلَّب ◌َّثُ ما حاصله: التعبير بالمبشرات خرج للأغلب، فإن من
الرؤيا ما تكون منذرةً، وهي صادقة، يريها الله للمؤمن؛ رفقاً به؛ لِيَستعِدَّ لما
يقع قبل وقوعه.
وقال ابن التين تَّهُ معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما
يُعْلَم منه ما سيكون إلا الرؤيا.
ويَرِدُ عليه الإلهام، فإن فيه إخباراً بما سيكون، وهو للأنبياء بالنسبة
للوحي كالرؤيا، ويقع لغير الأنبياء، كما في حديث مناقب عمر عظاته: ((قد كان
فيمن مَضَى من الأمم مُحَدَّثون))، وفُسِّر المحدَّث - بفتح الدال ـ بالملهم -
بالفتح - أيضاً، وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور مغيبة، فكانت كما
أَخْبَروا .
والجواب أن الحصر في المنام؛ لكونه يشمل آحاد المؤمنين، بخلاف
الإلهام، فإنه مُخْتَصّ بالبعض، ومع كونه مختصّاً، فإنه نادر، فإنما ذكر المنام
لشموله، وكثرة وقوعه.
ويشير إلى ذلك قوله وَ ر: ((فإن يكن))، وكأن السّر في ندور الإلهام في
زمنه، وكثرته من بعده غلبة الوحي إليه وير في اليقظة، وإرادة إظهار المعجزات
منه، فكان المناسب أن لا يقع لغيره منه في زمانه شيء، فلما انقطع الوحي
بموته، وقع الإلهام لمن اختَصَّه الله به؛ للأمن من اللبس في ذلك.
وفي إنكار وقوع ذلك مع كثرته، واشتهاره، مكابرةٌ ممن أنكره. انتهى ما
في ((الفتح))(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(١) ((الفتح)) ٣٩٢/١٢ - ٣٩٣.

١٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(إِلَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) الاستثناء مفرّغ؛ لأن ما قبل إلّا)) تفرّغ للعمل فيما
بعدها، فالرؤيا فاعل (يَبْقَ))، وقوله: (يَرَاهَا الْمُسْلِمُ) في محلّ نصب على الحال
من ((الرؤيا))، أي يراها الشخص المسلم، ومثله المسلمة، فليس هذا خاصّاً
بالرجال، وفي الرواية التالية: ((يراها العبد الصالح)) (أَوْ تُرَى لَهُ) ببناء الفعل
للمفعول، أي رآها غيره له.
(أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، يلقى بها للمخاطب؛ تنبيهاً له، وإزالةً لغفلته
(وَإِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد ((ألا)) الاستفتاحيّة، وفي رواية النسائيّ: ((ألا
إني)) بحذف الواو (نُهِيتُ) بالبناء للمفعول، أي نهاني الله تعالى، ونهيه ◌َلّ نھيٌّ
لأمته؛ إذ ليس مختصّاً به، بدليل قوله وَ له: ((فأما الركوع، فعظّموا فيه
الربّ ... )) الحديث؛ إذ معناه: لا تقرءوا فيه القرآن، بل عظّموا الله تعالى
بالتسبيح، والتحميد، والتمجيد (أَنْ) بالفتح مصدريّة (أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعاً، أَوْ
سَاجِداً) والمصدر المؤوّل مجرور بـ(عن)) مقدّرةً قياساً، كما قال في
(الخلاصة» :
حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِ
وَعَدِّ لَازِماً بِحَرْفِ جَرِّ وَإِنْ
مَعْ أَمْنٍ لَبْسٍ كَـ«عَجِبْتُ أَنْ يَدُو)»
نَقْلاً وَفِي ((أَنَّ) وَ((أَنْ)) يَظَرِدُ
وانتصاب ((راكعاً، أو ساجداً)) على الحال، أي نهاني الله تعالى عن قراءة
القرآن في حال ركوعي، أو سجودي.
قال بعضهم: وكأنّ حكمة النهي عن ذلك أن أفضل أركان الصلاة القيام،
وأفضل الأذكار القرآن، فجُعل الأفضل للأفضل، ونُهِيَ عن جعله في غيره؛
لئلا يوهم استواءه مع بقيّة الأذكار. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يؤيّد هذا القول ما أخرجه المصنّف تَّتُهُ وغيره
من حديث جابر ظُه قال: سئل رسول الله وَ أيُّ الصلاة أفضل؟ قال: ((طول
القنوت))(١)، أي القيام، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ كَخَُّهُ: لَمّا كان الركوع والسجود، وهما غاية الذلّ والخضوع
مخصوصين بالذكر والتسبيح نهى له عن القراءة فيهما، كأنه كرِهَ أن يُجمع بين
(١) سيأتي للمصنّف تَظْلُهُ برقم (٧٥٦).

١٣٩
(٤٢) - بَابُ النَّهْىِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ... إلخ - حديث رقم (١٠٧٩)
كلام الله تعالى وبين كلام الخلق في موضع واحد، فيكونا على السواء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الطيبيّ مخدوشٌ؛ فإن القيام فيه
دعاء الاستفتاح، وقد جُمع مع قراءة الفاتحة وغيرها من القرآن، فتبصّر.
(فَأَمَّا الزُّكُوعُ فَعَظُّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ◌َنْ) أي سبّحُوه، ونَزِّهوه، ومَجِّدوه،
والفاء الأولى فاء الفصيحة، أي إذا عرفتم أن قراءة القرآن منهيّ عنها في حال
الركوع والسجود، وأردتم معرفة الأذكار المشروعة فيهما، فأقول لكم: ((فأما
الركوع، فعظّموا فيه الربّ إلخ))، وأما الفاء الثانية، فهي رابطة لجواب ((أما))،
وهي حرف تفصيل، وفصل، وتوكيد، بمعنى ((مهما يكن من شيء))، كما قال
في ((الخلاصة)):
(أَمَّا)) كَـ((مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيءٍ)) وَفَا لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوباً أُلِفَا
والمعنى: أن المشروع في الركوع هو تعظيم الربّ مك بأنواع التسبيح،
والتحميد، والتقديس المذكورة في أحاديث هذا الباب، وغيرها، فإنه اللائق
به، فهو أولی من الدعاء، فیه.
[فإن قيل]: هذا يعارضه ما سيأتي من حديث عائشة ظثا: كان
رسول الله وَل﴿ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم ربنا،
وبحمدك، اللهم اغفر لي))، يتأول القرآن، متّفقٌ عليه، فإنه يدلّ على أنه وَلهل
کان يدعو في الركوع.
[أجيب]: بأنه لا معارضة بينهما؛ لأن ذلك قليلٌ بالنسبة إلى التسبيح،
وغيره من أنواع التعظيم المشروع في حال الركوع، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ) أي فيه، يعني أن الأولى في حال
السجود الاجتهاد في الدعاء.
[فإن قلت]: هذا يعارضه ثبوت التسبيح في السجود، فقد أخرج أبو
داود، وغيره، عن عقبة بن عامر ظُه قال: لمَآ نزلت: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ
(1) قال رسول الله وَ يقول: ((اجعلوها في ركوعكم))، فلما نزلت: ﴿سَيِّج
اَلْعَظِيمِ
أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾، قال: ((اجعلوها في سجودكم))، صححه ابن خزيمة(١).
(١) في سنده إياس بن عامر الغافقيّ، صحح حديثه ابن خزيمة، وقال العجليّ: لا بأس =.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
[قلت]: الجواب هو ما سبق في الركوع، وهو أن التسبيح فيه قليلٌ
بالنسبة للدعاء المأمور بالاجتهاد فيه، والله تعالى أعلم.
ثمّ بيّن سبب الحثّ على الاجتهاد في الدعاء، فقال:
(فَقَمِنٌ) بفتح القاف، وكسر الميم، وفتحها، ويقال أيضاً: قمين بالياء،
ومعناه: جدير، وخَلِيقٌ
قال الأزهريّ كَّتُهُ: يقال: هو قَمَنٌ أن يفعل ذلك - بالتحريك - وقَمِن -
بكسر الميم - أن يفعل ذلك، فمن قال: قَمَن - بفتح الميم - أراد المصدر، فلم
يُثَنِّ، ولم يَجْمَع، ولم يؤنث، يقال: هما قَمَنٌ أن يفعلا ذلك، وهم قَمَنٌ أن يفعلوا
ذلك، وهُنَّ قَمَنٌ أن يفعلن ذلك، ومن قال: فَمِنٌ - بكسر الميم - أراد النعت،
فَثَّنَّى، وجَمَعَ، فقال: هما قَمِنان، وهم قَمِنون، ويؤنث على ذلك، وفيه لغتان: هو
قَمِن أن يفعل ذلك، وقَمِين أن يفعل ذلك بالياء، قال قيس بن الْخَطِيم [من الطويل]:
إذَا جَاوَزَ الإِثْنَيْنِ سِرِّ فَإِنَّهُ بِنَثٌ وَتَكْثِيرِ الْوُشَاةِ قَمِينُ
وقال ابن كيسان: قَمِينٌ بمعنى حَرِيٌّ، مأخوذ من تَقَمَّنتُ الشيءَ: إذا
أشرفتَ عليه أن تأخذه، وقال غيره: هو مأخوذ من الْقَمِين، بمعنى السريع
والقريب، ذكره في ((اللسان))(١).
وقوله: (أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ))) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل مبتدأ
مؤخّر، وخبره قوله: ((قمنٌ)) مقدّماً عليه، أو هو فاعل بـ(قَمِنٌ)) على مذهب
الكوفيين الذين لا يشترطون الاعتماد.
وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بِهَذَا) أي بالحديث
السابق، وقد تقدّم آنفاً أن الأولى للمصنّف أن يقدّم هذا الكلام قبل المتن في
أول السند، كعادته عند اختلاف شيوخه في صيغ الأداء، وقد وقع بعضهم في
غلط شنيع بسبب هذا التأخير، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
- به، ووثّقه ابن حبّان، انظر: ((تهذيب التهذيب)) ١٩٦/١، وقال في («التقريب)):
صدوقٌ من الثالثة.
(١) ((لسان العرب)) ٣٤٧/١٣.