Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(٣٩) - بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٦٣)
وبَعَث بهم إلى عُمارة، وسار بهم، فلما قَرُب ابن الأشعث من العراق ألقى
نفسه من قصر خراب أنزلوه فوقه، فهلك، فقيل: ألقى نفسه والحرّ معه الذي
هو مقيّد معه، والقيد في رجلي الاثنين فهَلَكا، وذلك في سنة أربع وثمانين(١).
(فَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا
اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، والأصحّ أنه لا يصحّ سماعه من أبيه، وهو
أحد الأعلام من ثقات الكوفيين، تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ٤٥٢/٨٥. (أَنْ
يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) أي أن يؤمّ أبو عبيدة الناسَ في الصلاة (فَكَانَ) أبو عبيدة
(يُصَلِّي) أي بالناس (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ قَدْرَ مَا أَقُولُ) بنصب ((قدر))
على الظرفيّة متعلّق بـ(قام))، ((وما)) مصدريّة،َ أي قدر قولي ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ
الْحَمْدُ، مِرْءُ السَّمَاوَاتِ) بنصب ((ملء)) على الحال، أي مالىءَ السماوات،
ويجوز رفعه على أنه نعت لـ«الحمد)) (وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ
بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد ما ذُكر (أَهْلَ
الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ) بنصب ((أهل)) على المدح، أو النداء، ويجوز رفعه خبراً
المحذوف، أي أنت أهل الثناء، و(الثناءُ)): الحمد، و((المجد)): العظمة (لَا مَانِعَ
لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ)) بفتح الجيم على
المشهور، ومعناه: الحظّ والغنى، أي لا ينفع صاحب الحظ والغنى غناه،
وقيل: بكسر الجيم، أي لا ينفع صاحب الاجتهاد اجتهاده (مِنْكَ الْجَدُّ)) ((من))
هنا بمعنى البدل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَئِكَةً فِ اَلْأَرْضِ﴾
الآية [الزخرف: ٦٠]، أي بدلكم، والمعنى هنا: أي لا ينفع ذا الغنى غناه بدل
طاعتك، وسيأتي تمام شرح هذه الألفاظ بعد باب - إن شاء الله تعالى - (قَالَ
الْحَكَمُ) بن عتيبة (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي هذا الوصف لصلاة أبي عُبيدة (لِعَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ) أي عبد الرحمن (سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) ﴿
(يَقُولُ: كَانَتْ صَلَةُ رَسُولِ اللهِ وَلِ﴿) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية
السابقة: ((فوجدت قيامه))، والظاهر أنه أراد بالصلاة هنا القيام، حيث عطف
عليه قوله: (وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) قال في ((العمدة)): ((إذا))
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ١٨٣/٤ - ١٨٤ للحافظ الذهبيّ كَّتُهُ.

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
للوقت المجرّد منسلخاً عنه معنى الاستقبال. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ((إذا)) هنا بمعنى (وقت)) معطوف على اسم
((كان))، والتقدير: ووقتُ رفع رأسه، وكون ((إذا)) للوقت المجرد عن معنى
الشرط قول لبعض النحاة، فقد أعربوها مبتدأ، وخبراً، ومفعولاً به، وغير
ذلك، كما ذكر ابن هشام في ((مغنيه))(٢). (وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) ((ما))
موصولة عطف على اسم ((كان)) أيضاً، والمراد: الجلوس بين السجدتين (قَرِيباً
مِنَ السَّوَاءِ) بالنصب على أنه خبر ((كان))، وفيه إشعار بأن في هذه الأفعال
المذكورة تفاوتاً، فبعضها كان أطول من بعض.
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج الراوي عن الحكم (فَذَكَرْتُهُ) أي ما أخبره به
الحكم عن ابن أبي ليلى (لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) الجمليّ المراديّ، تقدّم في الباب
الماضي (فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ هَكَذَا) يعني أنه يخالف
هذا الوصف الذي رواه عن البراء بن عازب عن صلاة رسول الله وَليه، ولعله
رآه في وقت لم يتمكّن من إتمام ذلك؛ لعذر طرأ عليه، أو كان له اجتهاد يراه،
والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله في الحديث الماضي، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٦٤] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، أَنَّ مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى
الْكُوفَةِ، أَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد :
خمسة، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، والحكم في الحديث الماضي.
(١) ((عمدة القاري)) ٦/ ٩٧.
(٢) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ١٧٦/١ - ١٨٧.

٨٣
(٣٩) - بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَامِ - حديث رقم (١٠٦٥)
وقوله: (مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ) هو: الرياحيّ، من بني يربوع، من تميم، وكان
من الشجعان، ظهر في أيام الحجاج بن يوسف الثقفيّ، ومات بعد (٨٢هـ)(١).
[تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها الإمام أحمد تَخَّتُهُ في ((مسنده)) (٢٨٥/٤)
فقال :
(١٨٠٥٠) حدّثنا إسماعيل - يعنى ابن علية - أخبرنا شعبة، عن الحكم بن
عُتيبة، أنّ(٢) مَطَرَ بن ناجية استَعْمَل أبا عبيدة بن عبد الله على الصلاة، أيام ابن
الأشعث، فكان إذا رفع رأسه من الركوع، قام قدرَ ما أقول، أو وَقَدْ قال: قدر
قوله: ((اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت
من شيء بعدُ، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعْطِي لما منعت،
ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ))، قال الحكم: فحدَّثت ذاك عبد الرحمن بن أبي
ليلى، فقال: حدَّثني البراء بن عازب، قال: كان ركوع رسول الله وَّل، وإذا
رَفَع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السجدتين قريباً من السواء. انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٥] (٤٧٢) - (حَدَّثَنَا(٣) خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: إِنِّي لَا أَلُو أَنْ أُصَلِّيَّ بِكُمَّ، كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ لَّى
يُصَلِّي بِنَا، قَالَ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئاً لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ
الرُّكُوعِ انْتَصَبَ قَائِماً، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ(٤): قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ
السَّجْدَةِ مَكَثَ، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة، كلّهم تقدّموا في الباب الماضي.
ومن لطائف الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف كَُّهُ، وهو (٦٢) من
رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ.
(١) راجع: ((معجم الأعلام)) (ص٨٤٦).
(٢) وقع في ((النسخة ((ابن)) بدل ((أنّ))، وهو غلط بلا شكّ.
(٣) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٤) وفي نسخة: ((حتى يقول الناس)).

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ) رَبُه أنه (قَالَ: إِنِّي لَا آلُو) بهمزة ممدودة، بعد حرف النفي،
ولام مضمومة، بعدها واوٌ: أي لا أقصّر (أَنْ) بالفتح مصدريّة (أُصَلِّيَ بِكُمْ، كَمَا
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يُصَلِّي بِنَا) فيه تصريح من أنس ◌َظُه بأنه يصف صلاة
رسول ◌َ﴿ بالفعل (قَالَ) وفي رواية البخاريّ: ((قال ثابت)) (فَكَانَ أَنَسٌ)
(يَصْنَعُ شَيْئاً لَا أَرَاكُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((لم أركم)) (تَصْنَعُونَهُ) فيه إشعارٌ بأن
من خاطبهم كانوا يُخلّون بتطويل الاعتدال، ولا يُطيلون الجلوس بين
السجدتين، ولكن السنّة إذا ثبتت لا يُبالي من تمسّك بها بمخالفة من خالفها،
قاله في ((الفتح)) (١). وقوله: (كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) جملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً،
وهو ما وقع جواباً عن سؤال مقدّر، والتقدير هنا: ما الشيء الذي كان يصنعه
أنس ◌َّته، فأجاب بقوله: كان إذا رفع رأسه (مِنَ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ) أي قام،
فقوله: (قَائِماً) حال مؤكّدة لعاملها، وهو ((انتصب))، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا
تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، قال ابن مالك تََّثُ في ((خلاصته)):
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا فِي نَحْوِ (لَا تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا))
(حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ) وفي بعض النسخ: ((حتى يقول الناس))، وهو بنصب
(يقولَ)) على أن ((حتّى)) بمعنى ((إلى))، و((أن)) مضمرة بعدها وجوباً، أي إلى أن
يقول القائل.
ومعنى الحديث: أنه يُطيل القيام، حتى يقول القائل: إنه قد نسي ما
بعده، ويحتمل أن يكون القول بمعنى الظنّ؛ لأنه قد يأتي بمعناه.
[تنبيه]: قال التوربشتيّ رَّتُهُ: نُصِبَ ((يقول)) بـ((حتى))، وهو الأكثر،
ومنهم من لا يُعْمل ((حتى)) إذا حسن ((فَعَلَ)) موضع ((يفعل))، كما يحسن في هذا
الحديث حتى قالوا: قد نسي، وأكثر الرواة على ما علمنا على النصب، وكان
ترکه من حيث المعنى أتمّ وأبلغ. انتهى.
وقال ابن هشام الأنصاريّ تَُّ: لا ينتصب الفعل بعد ((حتى)) إلا إذا كان
مستقبلاً، ثم إن كان استقباله بالنظر إلى زمن التكلّم، فالنصب واجبٌ، نحو:
(١) ((الفتح)) ٢٨٨/٢.

٨٥
(٣٩) - بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٦٥)
﴿لَنْ تََّرَحَ عَلَيَّهِ عَكِفِينَ حَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ الآية [طه: ٩١]، وإن كان بالنسبة إلى
ما قبلها خاصّةً فالوجهان، نحو: ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]،
فإن قولهم إنما هو مستقبل بالنظر إلى الزلزال، لا بالنظر إلى زمن قصّ ذلك
علينا، وكذلك لا يرتفع الفعل بعد ((حتى)) إلا إذا كان حالاً، ثم إن كانت
حاليّته بالنسبة إلى زمن التكلّم فالرفع واجبٌ، كقولك: سرتُ حتى أدخلُ البلدَ،
إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول، وإن كانت حاليّته ليست حقيقيةً، بل
محكيّةً رُفع، وجاز نصبه إذا لم تقدّر الحكاية، نحو: ﴿ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾
الآية قرأ نافع بالرفع بتقدير: حتى حالتهم حينئذ أن الرسول والذين آمنوا معه
يقولون كذا وكذا .
(واعلم): أنه لا يرتفع الفعل بعد ((حتى)) إلا بثلاثة شروط:
[أحدها]: أن يكون حالاً، أو مؤوّلاً بالحال كما مثّلنا.
[والثاني]: أن يكون مسبَّباً عما قبلها، فلا يجوز: سرتُ حتى تطلعُ
الشمس؛ لأن طلوع الشمس لا يتسبّب عن السير.
[والثالث]: أن يكون فضلةً، فلا يصحّ في نحو: سيري حتى أدخلها؛
لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر. انتهى كلام ابن هشام تظثهُ(١).
وإلى القاعدة المذكورة لـ ((حتى)) أشار ابن مالك تَخّْثُ في ((الخلاصة)) حيث
قال :
وَبَعْدَ ((حَتَّى)) حَالاً اوْ مُؤَوَّلَا
بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
(قَدْ نَسِيَ) أي ترك النزول للسجود، وأهمله، و(نَسِيَ)) - بفتح أوله، وكسر
ثانيه - من باب رَضِيَ نَسْياً - بالفتح - ونِسْياً، ونِسياناً، ونِسَاوَةً بكسرهنّ،
ونَسْوةً: ضدّ حَفِظَهُ، أفاده في ((القاموس))، و((اللسان))(٢)، وفي ((المصباح)):
نَسِيتُ الشيءَ أَنْسَاهُ نِسْياناً مشترك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء على ذُهُول
وغَفْلَة، وذلك خلافُ الذكر له، والثاني: الترك على تعمّد، وعليه قوله تعالى:
﴿وَلَا تَنسَوأْ اُلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي لا تقصدوا الترك والإهمال،
(١) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ١/ ٢٥٠.
(٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ٣٩٥/٤، و((لسان العرب)) ٣٢٢/١٥.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، ونَسِيتُ ركعةً: أهملتها ذُهُولاً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا الترك ذُهُولاً، كما لا يخفى، والله
تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((قد نسي)): أي نسي وجوب الْهُويّ إلى
السجود، قاله الكرمانيّ، ويَحْتَمِلُ أن يكون المراد أنه نسي أنه في صلاة، أو
ظنّ أنه وقت القنوت حيث كان معتدلاً، أو وقت التشهّد حيث كان جالساً،
ووقع عند الإسماعيليّ من طريق غندر، عن شعبة، عن ثابت: ((قلنا: قد نَسِي
من طول القيام))، أي لأجل طول قيامه. انتهى.
(وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مَكَثَ) أي تلبّث، يقال: مَكَثَ مَكْثاً، من
باب نصر: أقام، وتلبّثَ، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثاً، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ
قُرْباً، فهو قَرِيبٌ لغةٌ، وقرأ السبعة قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيّرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢]
باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَلْ فيه،
أفاده الفيّوميّ(٢). (حَتَى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ) أي ترك ما بعده من أجزاء
الصلاة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس عظته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٦٥/٣٩] (٤٧٢)، و(البخاريّ) في ((الأذان)»
(٨٠٠ و٨٢١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده» (٣/
١٦٢ و٢٢٦ و٢٤٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٦٠٩)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (١٨٨٥ و١٩٠٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٤٢)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٠٤٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٨/٢)، و(البغويّ) في
((شرح السنّة)) (٦٢٩)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٦٠٤/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٧.

٨٧
(٣٩) - بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٦٥)
(المسألة الثالثة): قال في ((المرعاة)): هذا الحديث نصّ صريح في تطويل
الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، وقد ترك الشافعيّة والحنفيّة هذه السنّة
الثابتة بالأحاديث الصحيحة من عالم، وفقيه، وإمام، ومنفرد، وصغير، وكبير،
والأعظم من ذلك أنهم إذا رأوا من يُطيل الاعتدال من الركوع، والجلوس من
بين السجدتين شغبوا عليه، وجهّلوه، وسفّهوه، وتركوا الاقتداء به.
قال بعض الحنفيّة معتذراً عن أمثال هذا الحديث: إن فيها مبالغة الراوي.
ء كانوا لا
قال: قال شيخنا ردّاً عليه: كلا ثم كلّا، فإن الصحابة
يبالغون من عند أنفسهم في وصف صلاته وَله، وحكاية أفعاله في الصلاة
وغيرها، ولا يُقصّرون، بل يَحكونها على حسب ما رأوا، فحمله على مبالغة
الراوي باطلٌ مردود علیه.
وحَمَل بعضهم حديث أنس به هذا على ابتداء الأمر حين كان يُطوّل
صلاته، قال: ثم أمر بالتخفيف بعده.
وهذا ادّعاء محضٌ لا دليل على كون ما في هذا الحديث لابتداء الأمر،
فلا يُلتفت إليه.
وقال بعضهم: كانت هذه الإطالة في صلاة النافلة.
وهذا الحمل أيضاً يَحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، بل يردّه إطلاق
ما رُوي عن ثابت، قال: ((كان أنس يَنعتُ لنا صلاة النبيّ وَِّ، فكان يُصلّي،
فإذا رفع رأسه من الركوع قال حتى نقول: قد نسي))، أخرجه البخاريّ.
وقال بعضهم: لم يَذكر هذه الصفة إلا أنس من بين الصحابة ﴿ الذين
رووا صفة صلاته وملاء .
وتُعُقّب بأنه لم ينفرد به أنس ظُه، بل وافقه البراء بن عازب ظها كما
تقدّم، وحُذيفة بن اليمان ﴿هَا، عند المصنّف، ولفظه: ((ثم ركع، فجعل يقول:
سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن
حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى،
فكان سجوده قريباً من قيامه»(١) .
(١) سيأتي للمصنّف رَخْذَّتُهُ برقم (٧٧٢) عن حذيفة ﴿به قال: صلَّت مع النبيّ وَّ ذات =

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ولو سُلّم أنه لم يذكر هذه الصفة غير أنس لا يضرّ من قال بمشروعيّتها،
فكم من صفة من صفات الصلاة تفرّد بذكرها بعض الصحابة، وقد أخذ بها
الأئمة، وعملوا بها، وعدُّوها من سنن الصلاة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن تطويل الاعتدال، والجلوس بين
السجدتين ثابتٌ بهذه الأحاديث، ولكن لا بدّ أن نعلم أن أحوال النبيّ وَل
مختلفة في التطويل، والإيجاز، فكان تارة يُطوّل، وتارة يُوجز، على حسب ما
يراه من أحوال المأمومين، فكذلك يكون الاقتداء به وَالر، فمن يصلّي وحده
يطول كيف شاء، ومن يصلّي بالناس يراعي أحوالهم، فهذا هو الحقّ الأبلج،
والمنهج الأبهج، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٦٦] (٤٧٣) - (وَحَدَّثَنِي (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ(٣)،
حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: مَا صَلَّيْتَُ خَلْفَ أَحَدٍ، أَوْجَزَ صَلَاةً
مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي تَمَامِ، كَانَتْ صَلَةُ رَسُولِ اللهِ وَِّ مُتَقَارِبَةً، وَكَانَتْ
صَلَةُ أَبِي بَكْرٍ مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانٌّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ
رَسُولُ اللهِنَ﴿ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ
يَسْجُدُ، وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ).
= ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في
ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران،
فقرأها يقرأ مترسلاً، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ
بتعوّذ تعوّذ، ثم ركع، فجعل يقول: ((سبحان ربي العظيم))، فكان ركوعه نحواً من
قيامه، ثم قال: ((سمع الله لمن حمده))، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد،
فقال: ((سبحان ربي الأعلى))، فكان سجوده قريباً من قيامه.
(١) ((المرعاة)) ١٨٥/٣.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثنا بهز بن أسد)).
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٨٩
(٣٩) - بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَامِ - حديث رقم (١٠٦٦)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع البصريّ،
مشهور بكنيته، صدوقٌ، منَّ صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في
((الإيمان)) ١٥٨/١٢.
٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٣ - (حَمّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت
الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم
في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو
والترمذيّ، والنسائيّ، وأما حماد بن سلمة، فقد علّق له البخاريّ، بل قيل:
أخرج له حديثاً واحداً في ((كتاب الرقاق)).
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن حمّاداً أثبت من روى عن ثابت، وثابت من أثبت الناس
في أنس رضيته، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
ـُ أنه (قَالَ: مَا) نافية (صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ، أَوْجَزَ صَلَاةً)
(عَنْ أَنَسِ)
منصوب على التمييز (مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِوَ ◌ّهَ فِي تَمَام) أي مع تمامها بأركانها
وسننها، وآدابها، فـ((في)) بمعنى ((مع)) (كَانَتْ صَلَاةُ رَّسُولِ اللهِ وَِّ مُتَقَارِبَةً) أي
في طولها، وقصرها، فإذا طوّل القيام طوّل الركوع والسجود، وغيرهما، وإذا
أوجز في القيام أوجز فيها (وَكَانَتْ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ◌َُّبِهِ (مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا
كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رَبِهِ (مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي طوّل فيها تطويلاً زائداً،
وذلك ليدرك الناس الجماعة؛ لكثرتهم في عهده (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا قَالَ:
((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)»، قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ) بفتح الهمزة، والهاء فعل

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ماض مبنيّ للفاعل، قال ابن الأثير تَخْتُهُ: أوهم في صلاته: أي أسقط منها
شيئاً، يقال: أوهمتُ الشيءَ: إذا تركته، وأوهمت في الكلام والكتابِ: إذا
أسقطت منه شيئاً، ووَهَمَ إلى الشيءِ - بالفتح - يَهِمُ وَهْماً: إذا ذَهَب وَهْمُهُ إليه،
ووَهِمَ - يعني بكسر الهاء - يوْهَم وَهَماً: إذا غَلِطَ. انتهى(١).
والمعنى هنا: أنه يلبث في حال الاستواء من الركوع زماناً نقول فيه أنه
أسقط الركعة التي ركعها، وعاد إلى ما كان عليه من القيام، أو نسي أنه في
صلاة، قال ابن الملك: ويقال: أوهمته: إذا أوقعته في الغلط، وعلى هذا
يكون أُوهِم على صيغة المجهول، أي أُوقِعَ عليه الغلط، ووقَفَ سَهْواً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن الملك يحتاج إلى ثبوته
روايةً، وأيضاً ركيك من حيث المعنى، فتنبّه.
وقال القرطبيّ تَخّْثُ: قوله: ((قد أوهم)) كذا صوابه بفتح الهمزة والهاء، فعلٌ
ماض مبنيّ للفاعل، ومعناه: تَرَكَ، قال ثعلبٌ: يقال: أوهمتُ الشيءَ أُوهِمه: إذا
تركته كلّه، ووَهِمْتُ في الحساب وغيره أَوْهَمُ: إذا غَلِطتَ، ووَهَمْتُ - أي بفتح
الهاء - إلى الشيء أَهِمُ وَهْماً: إذا ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره. انتهى(٢).
(ثُمَّ يَسْجُدُ، وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ) أي أسقط ما
بعد ذلك، وتركه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ره بهذا السياق من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٦٦/٣٩] (٤٧٣)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٨٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٦٣١ و١٣٠٨٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٥٦٩ و١٥٧١ و١٥٧٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٤٥)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) (النهاية)) ٢٣٣/٥ - ٢٣٤.
(٢) ((المفهم)) ٨١/٢.

٩١
(٤٠) - بَابُ مُتَابَعَةِ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، والْعَمَلِ بَعْدَهُ - حديث رقم (١٠٦٧)
(٤٠) - (بَابُ مُتَابَعَةِ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، والْعَمَلِ بَعْدَهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٦٧] (٤٧٤) - (حَدَّثَنَا(١) أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو
إِسْحَاقَ، قَالَ: (ح)(٢) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا(٣) أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ، وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا
يُصَلُّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ نََّ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، لَمْ أَرَ أَحَداً يَحْنِي
ظَهْرَهُ، حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَخِرُّ مَنْ وَرَاءَهُ سُجَّداً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن
قيس، نُسب لجدّه التميميّ الْيَرْبوعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، من كبار [١٠]
(ت٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
٢ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُديج، وهو أبو خيثمة المذكور بعد التحويل
الْجُعفيّ الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأَخَرَة
[٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦٢/٦.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ
عابدٌ، اختلط في آخره [٣] (ت١٢٩) أو قبلها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
٤ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) بن زيد بن حُصين الأنصاريّ الْخَطْميّ، صحابيّ
صغير، ولي الكوفة لابن الزبير (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٦.
٦ - (الْبَرَاءُ) بن عازب ◌ًّا، تقدّم في الباب الماضي.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: تأخير ((قال)) عن الحاء.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٩٢
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَُّ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما
بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج
له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ ابن صحابيّ، عن صحابيّ ابن
صحابيّ، كلاهما من الأنصار، ثم من الأوس، وكلاهما سكن الكوفة، قاله في
((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعيّ.
[فإن قلت]: قد سبق آنفاً أن سماع زهير عن أبي إسحاق بعدما اختلط،
فلماذا أخرجه المصنّف من طريقه؟ .
[قلت]: لم ينفرد به زهير عنه، بل تابعه سفيان الثوريّ، فرواه عنه، كما
في السند التالي، وشعبة عند النسائيّ (٨٢٩)، وهما ممن أخذ عنه قبل
اختلاطه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) الْخَطميّ، منسوب إلى خَطْمَة - بفتح المعجمة،
وإسكان الطاء - بطنٌ من الأوس، وكان عبد الله المذكور أميراً على الكوفة في
زمن ابن الزبير، ووقع في رواية للبخاريّ أن أبا إسحاق قال: سمعت عبد الله بن
يزيد يخطب، وأبو إسحاق معروف بالرواية عن البراء بن عازب ظًا، لكنه
سمع هذا عنه بواسطة، قاله في ((الفتح)).
(وَهُوَ غَيْرُ
(قَالَ) أي عبد الله بن يزيد (حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ) بن عازب
كَذُوبٍ) الظاهر أنه من كلام عبد الله بن يزيد، وعلى ذلك جَرَى الحميديّ في
((جمعه))، وصاحب ((العمدة))، لكن رَوَى عبّاس الدُّوريّ في ((تاريخه)) عن
يحيى بن معين أنه قال: قوله: هو غير كذوب إنما يريد عبدَ الله بن يزيد الراويَ
(١) ٢١٣/٢.

٩٣
(٤٠) - بَابُ مُتَابَعَةِ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، والْعَمَلِ بَعْدَهُ - حديث رقم (١٠٦٧)
عن البراء، لا البراء، ولا يقال لرجل من أصحاب رسول الله وَله: غير
كذوب، يعني أن هذه العبارة إنما تَحْسُنُ في مشكوك في عدالته، والصحابة
كلُّهم عدول، لا يحتاجون إلى تزكية.
وقد تعقبه الخطابيّ، فقال: هذا القول لا يوجب تُهْمَةً في الراوي، إنما
يوجب حقيقة الصدق له، قال: وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي،
والعمل بما رَوَى، كان أبو هريرة ◌ُه يقول: سمعت خليلي الصادق
المصدوق وَّلة، وقال ابن مسعود ◌ُه: حدَّثني الصادق المصدوق وَّه .
وقال القاضي عياض، وتبعه النوويّ: لا وَصْمَ في هذا على الصحابة؛
لأنه لم يُرِد به التعديل، وإنما أراد به تقوية الحديث؛ إذ حدَّث به البراء، وهو
غير مُتَّهَم، ومثل هذا قول أبي مسلم الخولانيّ: حدَّثني الحبيب الأمين، وقد
قال ابن مسعود، وأبو هريرة ﴿ه، فذكرهما، قال: وهذا قالوه تنبيهاً على صحة
الحديث، لا أنّ قائله قَصَد به تعديل راويه، وأيضاً فتنزيه ابن معين للبراء عن
التعديل لأجل صحبته، ولم يُنَزِّه عن ذلك عبد الله بن يزيد، لا وجه له، فإن
عبد الله بن يزيد معدود في الصحابة. انتهى كلامه.
وقد علمتَ أنه أخذ كلام الخطابيّ، فبسطه، واستَدْرَك عليه الإلزام
الأخير، وليس بوارد؛ لأن يحيى بن معين لا يُثْبِت صحبة عبد الله بن يزيد،
وقد نفاها أيضاً مصعب الزبيريّ، وتوقف فيها أحمد بن حنبل، وأبو حاتم،
وأبو داود، وأثبتها ابن الْبَرْقيّ، والدار قطنيّ، وآخرون.
وقال النوويّ تَُّهُ: معنى الكلام: حدثني البراء، وهو غير مُتَّهَم كما
علمتم، فَتِقُوا بما أخبركم به عنه.
وقد اعتَرَض بعض المتأخرين على التنظير المذكور، فقال: كأنه لم يُلِمّ
بشيء من علم البيان؛ للفرق الواضح بين قولنا: فلان صدوقٌ، وفلان غير
كذوب؛ لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدّها عنه،
فهما مفترقان، قال: والسرّ فيه أن نفي الضدّ كأنه يقع جواباً لمن أثبته يخالف
إثبات الصفة. انتهى.
والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة، وفي
النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى المراد باللفظين؛ لأن

٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
كلَّ منهما يَرِد عليه أنه تزكية في حقّ مقطوع بتزكيته، فيكون من تحصيل
الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدّم، من أن المراد بكلّ منهما
تفخيم الأمر، وتقويته في نفس السامع.
وذكر ابن دقيق العيد: أن بعضهم استَدَلّ على أنه كلام عبد الله بن يزيد
بقول أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد، وهو يخطب،
يقول: حدثنا البراء، وكان غير كذوب، قال: وهو مُحْتَمِلٌ أيضاً.
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: لكنه أبعد من الأول، وقد وجدت الحديث من غير
طريق أبي إسحاق، عن عبد الله بن يزيد، وفيه قوله أيضاً: حدثنا البراء، وهو
غير كذوب، أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) من طريق محارب بن دثار، قال:
سمعت عبد الله بن يزيد على المنبر، يقول، فذكره، وأصله في مسلم - يعني
الرواية الآتية بعد حديث - لكن ليس فيه قوله: وكان غير كذوب، وهذا يُقَوِّي
أن الكلام لعبد الله بن يزيد، والله أعلم. انتهى(١).
وقال الحافظ ابن رجب رَّتُهُ: ظاهر السياق يقتضي أنه من كلام
عبد الله بن يزيد في حقّ البراء، ورجّح ذلك الخطّابيّ وغيره، وقال ابن معين
وغيره: إنما هو من قول أبي إسحاق في حقّ عبد الله بن يزيد، وقالوا: إن
الصحابة أجلّ من أن يوصفوا بنفي الكذب.
قال: وهذا ليس بشيء، ونفيُّ الكذب صفة مدح لا ذمّ، وكذلك نفي
سائر النقائص، وقد كان عليّ بن أبي طالب يقول: والله ما كَذَبْتُ، ولا
كُذِبْتُ، فنَفَى الكذب عن نفسه، وأشار إلى نفيه عمن أخبره، وهو
رسول الله ◌َ﴿، وقالت عائشة ﴿ّا في حقّ عمر، وابن عمر: إنكم لتُحدِّثون عن
غير كاذبين، ولا مكذَّبين، ولكنّ السمعَ يُخطئ.
وأبلغ من هذا أن الله رَك ينفي عن نفسه النقائص والعيوب، كالظلم،
وإرادته، والغفلة، والنسيان، وكذلك نفيه للشريك، والصاحبة، والولد، وليس
في شيء من ذلك نقص بوجهٍ ما .
وأيضاً فعبد الله بن يزيد هو الْخَطميّ، وهو معدود من الصحابة، وله
(١) ((الفتح)) ٢١٣/٢.

٩٥
(٤٠) - بَابُ مُتَابَعَةِ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، والْعَمَلِ بَعْدَهُ - حديث رقم (١٠٦٧)
رواية عن النبيّ وََّ، فكيف حَسُنَ نفي الكذب عنه دون البراء، وكلاهما
صحابيّ، وإن كان البراء أشهر منه، وأكثر روايةً، والله أعلم. انتهى كلام ابن
رجب ◌َظّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصّل من مجموع ما قالوا: أن الأرجح
كون قوله: ((وهو غير كذوب)) من قول عبد الله بن يزيد، والمراد به مجرّد تأكيد
الرواية، لا تزكية الصحابيّ، ويُقَوّي ذلك ما جاء من طريق محارب بن دثار،
عند أبي عوانة، كما سبق آنفاً .
لكن بقي أن يقال: إن نفي الكذوبيّة لا يستلزم نفي الكاذبيّة، أي إن نفي
المبالغة في الكذب لا يستلزم نفي أصل الكذب وقليله، والمطلوب نفي مطلق
الكذب، لا نفي المبالغة فيه.
وأجيب بأن المعنى أنه غير كاذب، فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ
بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصّلت: ٤٦]، والله تعالى أعلم.
[فائدة]: رَوَى الطبرانيّ في مسند عبد الله بن يزيد هذا شيئاً، يدُلُّ على
سبب روايته لهذا الحديث، فإنه أخرج من طريقه أنه كان يصلي بالناس
بالكوفة، فكان الناس يَضَعُون رؤوسهم قبل أن يَضَع رأسه، ويرفعون قبل أن
يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم، قاله في ((الفتح))(٢).
(أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلَّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَإِذَا رَفَعَ) وَ (رَأْسَهُ مِنَ
الرُّكُوعِ) وفي الرواية التالية: ((كان رسول الله وَّ﴿ إذا قال: سمع الله لمن
حمده، لم يَحْنِ أحدٌ منَّا))، وفي الرواية الآتية من طريق محارب بن دثار، عن
عبد الله بن يزيد: ((فإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: سمع الله لمن حمده، لم
نزل قياماً)) (لَمْ أَرَ أَحَداً) أي من الصحابة الذين يصلّون وراءه ◌َّ (يَحْنِي ظَهْرَهُ)
بفتح حرف المضارعة، وسكون الحاء المهملة، وكسر النون، أي يَغْنِي
ويَعْطِفُ، يقال: حَنَيتُ الْعُودَ: إذا ثَنَيته، وفي رواية ابن أبي ليلى الآتية: ((لا
يحنو أحد منا ظهره)) بالواو، وهو لغة صحيحة، يقال: حنيت، وحَنَوتُ بمعنى
واحد .
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب رَخْذَتُهُ ١٦٣/٦. (٢) ٢١٣/٢ - ٢١٤.

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وجملة ((يحني)) في محلّ نصب حال من ((أحداً))؛ لأن رأى هنا بصريّة،
لا علميّة، فتتعدّى لمفعول واحد، وهو ((أحداً)).
[فإن قلت]: صاحب الحال لا يكون غالباً إلا معرفة، فكيف جاء الحال
من ((أحداً))، وهو نكرة؟.
[قلت]: جاز ذلك؛ لوقوعه بعد النفي، كما قال في ((الخلاصة)):
لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِباً ذُو الْحَالِ إِنْ
يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِىءٍ مُسْتَسْهِلَا))
مِنْ بَعْدِ نَفْي أَوْ مُضَاهِيهِ كَـ«لَا
(حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ جَبْهَتَهُ) قال الْفيّوميّ: الْجَبْهة من الإنسان تُجمَعُ
على جباه، مثلُ كلْبَة وكِلابٍ، قال الخليل: هي مُسْتَوَى ما بين الحاجبين إلى
الناصية، وقال الأصمعيّ: هي موضع السجود. انتهى (١). (عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ
يَخُرُّ) من بابي ضرب، ونصر، قال في ((القاموس)): الْخَرُّ: السقوط، كالْخُرور،
أو من عُلْوٍ إلى سُفْل، يَخِرُّ - أي بكسر الخاء - ويَخُرُّ - أي بضمها - انتهى (٢)،
ولم يذكر في ((المصباح)) إلا الكسر فقط (مَنْ وَرَاءَهُ) ((من)) بفتح الميم موصولة
في محلّ رفع فاعلُ (يخرّ))، والظرف صلتها، وقوله: (سُجَّداً) حال من ((مَن
وراءه))، وهو: جمع ساجد، كما قال في ((الخلاصة)):
وَفُعَلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَصْفَيْنٍ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بنظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠ /١٠٦٧ و ١٠٦٨ و١٠٦٩ و١٠٧٠] (٤٧٤)،
و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٩٠ و٧٤٧ و٨١١)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٦٢٠ و٦٢١ و٦٢٢)، و(الترمذيّ) فيها (٢٨١)، و(النسائيّ) فيها (٩٦/٢)،
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٩١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١٩/٢.

٩٧
(٤٠) - بَابُ مُتَابَعَةِ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، والْعَمَلِ بَعْدَهُ - حديث رقم (١٠٦٧)
و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧١٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٢٥)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٢٨٤/٤ و٢٨٥ و٢٨٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٨٥٠ و١٨٥١ و١٨٥٢ و١٨٥٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٤٦
و١٠٤٧ و١٠٤٨ و١٠٤٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٢٢٦ و٢٢٢٧)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٢/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨٤٧)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أدب من آداب الصلاة، وهو أن السنّة أن لا ينحني
المأموم للسجود حتى يضع الإمام جبهته على الأرض، قال النوويّ ◌َّتُهُ: إلا
أن يَعْلَم من حاله أنه لو أَخَّر إلى هذا الحدّ لرفع الإمام من السجود قبل
سجوده، قال أصحابنا - يعني الشافعيّة - رحمهم الله تعالى: في هذا الحديث
وغيره ما يقتضي مجموعه أن السنّة للمأموم التأخر عن الإمام قليلاً، بحيث
يَشْرَع في الركن بعد شروعه، وقبل فراغه منه. انتهى(١)، وهو تحقيق حسنٌ،
والله تعالى أعلم.
ـة من الحرص على تطبيق
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة
السنّة، وامتثال أمر النبيّ وَّة، حيث قال لهم: ((أيها الناس، إني إمامكم، فلا
تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف ... )) الحديث،
أخرجه مسلم، وقد تقدّم برقم [٩٦٦] (٤٢٦).
٣ - (ومنها): أنّ ابن الجوزيّ: استدلّ به على أن المأموم لا يَشْرَع في
الركن حتى يُتِمّه الإمام.
وتُعُقّب بأنه ليس فيه إلا التأخر، حتى يتلَبَّس الإمام بالركن الذي ينتقل
إليه، بحيث يَشْرَع المأموم بعد شروعه، وقبل الفراغ منه.
ووقع في حديث عمرو بن حريث وبه الآتي آخر الباب: ((فكان لا يَحْنِي
أحدٌ منّا ظهره حتى يستتم ساجداً))، ولأبي يعلى من حديث أنس
ځڅئە حتى
يتمكن النبيّ 18َّ من السجود، وهو أوضح في انتفاء المقارنة.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩١/٤.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٤ - (ومنها): ما قيل: إنه يُستدلّ به على طول الطمأنينة، وفيه نظرٌ؛ لا
دلالة له على ذلك، لكن الطمأنينة لها أدلّة كثيرة تدّل على وجوبها، قد تقدّم
بيانها فيما مضى من الأبواب.
٥ - (ومنها): أنه يستدلّ به على جواز النظر إلى الإمام؛ لاتباعه في
انتقالاته.
٦ - (ومنها): ما كتبه الحافظ ابن رجب تَّتُ على هذا الحديث، وإن
كان قد تقدّم حاصله، إلا أن فيه تفصيلاً لأقوال العلماء؛ لذا أحببت إيراده
هنا، قال رَخْتُهُ :
وفي الحديث دليلٌ على أن المأموم يُتابع الإمام، وتكون أفعاله بعد أفعال
الإمام، فإن البراء ظُه أخبر أنهم كانوا إذا رفعوا من الركوع لم يَحْنِ أحدٌ
منهم ظهره حتى يقع النبيّ وَّر ساجداً، ثم يسجدون بعده.
وفي رواية لمسلم في هذا الحديث: أنهم كانوا يُصلّون مع رسول الله وَّهَ،
فإذا رفع رأسه من الركوع لم أر أحداً يحني ظهره حتى يضع رسول الله وقلقه
جبهته على الأرض، ثم يخرّ مَن وراءه سُجّداً.
وهذه صريحة في أنهم كانوا لا يُسرعون في السجود حتى يُنهيه النبيّ وَّ،
وقوله وَلهو: ((إذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا)) يدلّ على
أن تكبير المأمومين من ركوعهم وسجودهم يكون عقب تكبيرة الإمام، ورکوعه،
وسجوده، لا معه، ولا قبله.
وفي حديث أبي موسى ظُه، عن النبيّ وَّ: ((فإن الإمام يركع قبلكم،
ويرفع قبلكم، فتلك بتلك))، رواه مسلم(١).
وأكثر العلماء على أن الأفضل للمأموم أن يُتابع الإمام، فيركع، ويرفع،
ويسجد، ويجلس بعد الإمام في ذلك، وكذلك كان يفعل أبو قلابة وغيره من
السلف، وروَى وكيع بإسناده عن ابن مسعود ظربه قال: ((لا تبادروا أئمتكم،
فإنما جُعل الإمام ليؤتمّ به، فيكون أولّ من يركع، وأول من يسجد، وأول من
يرفع))، وهو مذهب الشافعيّ، وأحمد، ورواية عن مالك.
(١) وقد سبق برقم (٤٠٤).

٩٩
(٤٠) - بَابُ مُتَابَعَةِ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، والْعَمَلِ بَعْدَهُ - حديث رقم (١٠٦٧)
وإن وافقه في فعله معه كُره، وصَحّت صلاته عند أكثر أصحابنا - يعني
الحنبليّة - والشافعيّة، ومن أصحابنا من أبطل الصلاة بذلك، ويُستثنى من ذلك
صورتان :
إحداهما: تكبيرة الإحرام في ابتداء الصلاة، فإذا كبّر معه لم تنعقد صلاة
المأموم عند ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وهو قول مالك، وأبي يوسف،
وقال أبو حنيفة، والثوريّ، والعنبريّ، ومحمد بن الحسن، وزُفرُ: تنعقد صلاته
بذلك، وزاد الثوريّ عليهم، فقال: لو كبّر مع إمامه، وفرغ من تكبيره قبل فراغ
إمامه جاز.
ومن الحنفيّة من جعل تكبيرة الإحرام شرطاً للصلاة، كالطهارة،
والسِّتَارة(١)، ولم يجعلها منها.
والصورة الثانية: إذا سلّم مع إمامه، فإنه يجوز مع الكراهة عند أكثر
أصحابنا، والشافعيّة، ولهم وجهٌ آخر أنه لا يجوز، وحُكي عن مالك، قال
بعض أصحابنا: وهذا قويّ على قول من يعتبر النيّة للخروج.
وعن مالك في أصل متابعة المأموم لإمامه ثلاث روايات:
إحداهنّ: أنه يُستحبّ أن يكون عمله بعد عمل إمامه معاقباً له، كقول
الشافعيّ، وأحمد.
والثانية: أن عمل المأموم كلّه مع عمل الإمام، ركوعه، وسجوده،
ورفعه، ما خلا الإحرام، والتسليم، فإنه يأتي المأموم بهما إلا بعد تكبيرة
الإمام وسلامه، وقيل: إنها أصحّ الروايات عنه.
والثالثة: أنه يكون عمله مع الإمام، ما خلا ثلاثة أشياء: التحريم،
والتسليم، والقيام من اثنتين، فإنه يكون بعده. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال معظمها مخالفة للنصوص، وإنما
ذكرتها؛ لتُعلم، لا ليُعمل بها، فإن القول الذي يكون مخالفاً للنص لا يُلتفت
إليه، فالواجب العمل بما دلّت عليه النصوص.
(١) أي ستر العورة.
(٢) ((فتح الباري)) للحافظ ابن رجب تَخْذَتُهُ ١٦٣/٦ - ١٦٥.

١٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
والحاصل أنه لا يَشْرَع المأموم في أيّ جزء من أجزاء الصلاة مطلقاً إلا
بعد تأكّده من تلبّس الإمام بذلك الجزء، فعند ذلك يتبعه ويشاركه في أدائه مع
تأخّره قليلاً في الابتداء.
وكذا لا يقارنه في الشروع فيه، كما يفعله جهلة المقلّدين للآراء الضعيفة
المخالفة للنصوص، فضلاً أن يسابقه، كما يفعله الجهّال المغفّلون الذين
نواصيهم بيد الشيطان، يتلاعب بهم كيف شاء، يرفعهم، ويضعهم، ويحرّضهم
على الاستعجال والمسابقة.
وكذا لا يتأخّر عن الإمام أيضاً حتى يكمل الركن الذي انتقل إليه، وينتقل
إلى الذي يليه، كما قاله ابن الجوزيّ في كلامه السابق، فإنه أيضاً مخالف
للسنّة، فتبصر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه متمسّك البليد، وملجأ العنيد، اللهم
أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، يَعْنِي
ابْنَ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي
الْبَرَاءُ، وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِهِ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))،
لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللهِ وَ سَاجِداً، ثُمَّ نَقَعُ سُجُوداً بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في ((المقدمة))
٣١/٥.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ، متقرٌّ، حافظ،
إمامٌ، قدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمام حجة، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة))
١/١.