Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٣٥) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - حديث رقم (١٠١٩)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وله فيه شيخان قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، والوليد بن
مسلم، كما أسلفته.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين كوفيّ، وهو أبو بكر، ونيسابوريّ، وهو يحيى،
وواسطيين، وهما: هشيم، ومنصور، وبصريين، وهما: الوليد وأبو الصدّيق،
ومدنيّ، وهو الصحابيّ
نضِمِنْه .
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((قال يحيى: أخبرنا هشيم)) إشارة إلى اختلاف
شيخيه في الأداء، فيحيى بن يحيى صرّح بإخبار هُشيم له، بخلاف أبي بكر.
٥ - (ومنها): أن هشيماً معروف بالتدليس، وقد عنعن هنا، لكنه صرّح
بالإخبار عند أبي داود، في «سننه» (٢١٣/١) رقم (٨٠٤) وبالإنباء عن النسائيّ
في ((سننه)) برقم (٤٧٥)، وصرّح بالتحديث عند الدارقطنيّ في ((سننه)) (٣٣٧/١)
فزال عنه تهمة التدليس، ولله الحمد.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الوليد، عن أبي الصدّيق.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه به أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َبُ أنه (قَالَ: كُنَّا) فيه أن الذين حَزَرُوا كانوا
جماعةً، وقد أخرج ابن ماجه في ((سننه)) بسند ضعيف، عن أبي نَضْرَة، عن أبي
سعيد الخدريّ، قال: ((اجتمع ثلاثون بدريّاً، من أصحاب رسول الله وَ اليه،
فقالوا: تَعَالَوا حتى نَقِيس قراءة رسول الله بَّ فيما لم يَجهَر فيه من الصلاة،
فما اختَلَف منهم رجلان، فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر بقدر
ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وقاسوا ذلك في صلاة
العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر))(١).
(١) حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه برقم (٨٢٨)، وفي سنده زيد العميّ، وهو ضعيفٌ، =

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(نَحْزُرُ) أي نقدّر، يقال: حَزَرت الشيءَ حَزْراً، من بابي ضرب، ونصر:
قدّرته، ومنه حَزَرْتُ النخلَ: إذا خَرَصته، قاله الفيّوميّ (١). (قِيَامَ رَسُولِ اللهِ وَلَّ)
بنصب ((قيامَ)) على المفعوليّة لـ((نحزر) (فِي الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ) متعلّق بـ «قيام))، أي
في كلّ من صلاة الظهر، وصلاة العصر (فَحَزَرْنَا) أي قدّرنا (قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ
الأَولَيَيْنِ) بضم الهمزة تثنية الأولى، كما تقدّم قريباً، أي في كلّ من الركعتين
الأوليين، وليس المراد أنه يقرأ في كليهما مقدار ذلك، ويوضّح هذا المعنى
الرواية التالية بلفظ: ((كان يقرأ في صلاة الظهر، في الركعتين الأوليين، في كلّ
ركعة قدر ثلاثين آية)) (مِنَ) صلاة (الظَّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةٍ) بنصب ((قدر)) على الظرفيّة،
أي مقدار ما يقرأ القارئ ثلاثين آيةً، وقوله: ((قراءة)) مضاف إلى (﴿الّ
لقصد لفظه، وقوله: (﴿نَزِيلٌ﴾) بالرفع على الحكاية، ويجوز جره على البدل،
ونصبه بتقدير ((أعني))، وقوله: (السَّجْدَةِ) قال النوويّ: يجوز جرّها على البدل،
ونصبها بـ((أعني))، ورفعها خبراً لمبتدأ محذوف، قال القاري: ولا يخفى أن
هذه الوجوه الثلاثة كلّها مبنيّة على رفع ﴿تَنزِيلُ﴾ حكايةً، وأما على إعرابه،
فيتعيّن جرّ ((السجدة)) على الإضافة. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: إضافةُ ﴿تَزِيلُ﴾ إلى ((السجدة)) من إضافة العام
للخاصّ، كشجر أراك (وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ) بضم الهمزة أيضاً تثنية
الأُخرى (قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) أي قدر خمس عشرة آيةً.
وهذا دليلٌ على أنه وس﴿ كان يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر غير
الفاتحة، ويوضّح ذلك قوله: (وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِن) صلاة
(الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأَخْرَبَيْنِ) ووقع في شرح النوويّ: ((على قدر قيامه
من الأخريين))، قال النووي: كذا هو في معظم الأصول ((من الأخريين))، وفي
بعضها: ((في الأخريين))، وهو معنى رواية ((من)). انتهى(٣). (مِن) صلاة
والمسعوديّ عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، اختلط بآخره،
=
والراوي عنه أبو داود الطيالسيّ روى عنه بعد اختلاطه.
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ١٣٣/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٧٥/٤.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ١٣٤/٣.

٤٢٣
(٣٥) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - حديث رقم (١٠١٩)
(الظُّهْرِ) إذ من المعلوم أنه وه * كان يقرأ في الأوليين من العصر غير الفاتحة،
وبهذا يتبيّن أن ما ذهب إليه الشافعيّ تَخْتُ من جواز قراءة غير الفاتحة معها في
الأخريين مذهب قويّ، لا كما ادّعاه القرطبيّ في كلامه الماضي، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
(وَفِي الْأُخْرَبَيْنِ) أي وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين (مِن) صلاة
(الْعَصْرِ عَلَى النَّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) أي من قيامه في الأوليين، فيكون بقدر سبع
آيات، أو نحوها؛ لأنه يأتي في الرواية التالية: ((أنه كان يقرأ في العصر في
الركعتين الأوليين في كلّ ركعة قدر خمس عشرة آيةً)) فيكون نصف ذلك المقدار
المذكور.
وفيه دليلٌ على أنه وَّه كان لا يزيد في الأخريين من العصر على الفاتحة
بخلاف الظهر، كما أسلفناه آنفاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ
﴿الّ ) تَزِيلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
[السجدة: ١، ٢]،
وَقَالَ) بدل ذلك (قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً). ونصّ روايته في ((المصنّف)) (١/ ٣١٢):
(٣٥٦٨) حدّثنا أبو بكر، قال: نا هشيم، عن منصور، عن أبي بِشْر
الْهُجَيميّ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: ((كنا نَحْزِرُ قيام رسول الله وَّ في
الظهر والعصر، قال: فحزرنا قيامه في الظهر، في الركعتين الأوليين بقدر
ثلاثين آيةً، وحزرنا قيامه في الظهر، في الركعتين الأخريين على النصف من
ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين، من العصر على قدر الأخريين من
الظهر، وحزرنا قيامه في الأخريين، من العصر على النصف من ذلك)). انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُبه هذا من أفراد
المصنّف نَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:

٤٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠١٩/٣٥ و١٠٢٠] (٤٥٢)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٨٠٤)، و(النسائيّ) فيها (٢٣٧/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٣٥٥/١ - ٣٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٥٠٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٨٢٥ و١٨٢٨)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٩٥/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧٥٩ و١٧٦٠)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٠٠٢ و١٠٠٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١/
٢٠٧)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣٣٧/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩٠/٢
- ٣٩١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٩٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة القراءة في صلاة الظهر والعصر.
٢ - (ومنها): بيان كون عدد ركعات صلاة الظهر والعصر أربعاً في
الحضر.
٣ - (ومنها): بيان عدم مشروعيّة الجهر في الظهر والعصر؛ لقوله: (كنّا
نحزِر))؛ فإنهم ما قدّروا ذلك إلا لعدم سماعهم لقراءته لكونه لا يجهر.
٤ - (ومنها): استحباب تطويل الركعتين الأوليين، وقصر الأخريين في
كلّ من الظهر والعصر.
٥ - (ومنها): استحباب كون صلاة العصر على النصف من صلاة الظهر.
قيل: الحكمة في كون العصر على النصف من الظهر كون صلاة الظهر
تُفعَل في وقت الغفلة بنوم القائلة، فطُوّلت ليدركها المتأخّر بخلاف العصر،
فإنها تفعل في وقت تَعَب أهل الأعمال، فخُفّفت لذلك، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة
ه من شدّة الحرص على معرفة
مقدار صلاة النبيّ وَّة حتى يتّبعوه عليها، ويُبلّغوا ذلك من بعدهم من الأمّة.
٧ - (ومنها): مشروعيّة قراءة غير الفاتحة في الظهر في الركعتين
الأخريين؛ لأن الفاتحة سبع آيات، وهو ◌ََّ كان يقوم قدر خمس عشرة آيةً،
وهذا هو المذهب الجديد للشافعيّ، وهو الراجح لظاهر هذا الحديث.
٨ - (ومنها): كونه لا يقرأ في العصر في الأخريين أكثر من الفاتحة، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٤٢٥
(٣٥) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - حديث رقم (١٠٢٠)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٢٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ
ثَلَاثِينَ آيَةً، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، أَوْ قَالَ: نِصْفَ ذَلِكَ، وَفِي
الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُوْلَيَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ قِرَاءَةٍ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي
الْأُخْرَبَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الأُبُلَيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ ورُمي بالقدر،
قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيراً، من صغار [٩] (ت٥ أو ٢٣٦) عن
بضع وتسعين سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٧/١٢.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون تقدّموا قبله، و((منصور)): هو ابن زاذان، و((الوليد أبو بشر)) هو:
ابن مسلم العنبريّ.
وقوله: (عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيّ) هكذا في رواية المصنّف، وهو
الصواب، ووقع عند النسائيّ بدله ((عن أبي المتوكّل))، والصواب ما هنا، وقد
استوفيت الكلام فيه في ((شرح النسائيّ)) (١)، فراجعه، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظَّهْرِ، فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ
قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً إلخ) قال الإمام ابن حبّان ◌َّتُهُ في (صحيحه)) - بعد إخراجه
الحديث بلفظ: ((فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آيةً)) - ما نصّه:
قول أبي سعيد تَخْتُهُ: ((فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية)) يُضَادّ
في الظاهر قول أبي قتادة رظُه: ((ويطيل في الأولى، ويقصر في الثانية))، وليس
(١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٣١١/٦ - ٣١٢.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
بحمد الله ومَنِّهِ كذلك؛ لأن الركعة الأولى كان يقرأ مسير فيها ثلاثين آية بالترسيل
والترتيل والترجيع، والركعة الثانية كان يقرأ فيها مثل قراءته في الأولى بلا
ترسيل ولا ترجيع، فتكون القراءتان واحدة، والأولى أطول من الثانية.
انتهى(١)، وهو بحث نفيسٌ مفيدٌ.
وقوله: (خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً) بفتح شين ((عشرة))، ويجوز تسكينها، ويجوز
كسرها أيضاً، وهي لغة بني تميم، قال في ((الخلاصة):
وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيثِ إِحْدَى عَشْرَهْ وَالشِّيْنُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٌ كَسْرَهُ(٢)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٢١] (٤٥٣) - (حَدَّثَنَا(٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ
الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْا سَعْدَاً إِلَى عُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ، فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ لَهُ مَا عَابُوهُ بِهِ
مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، إِنِّي
لَأَرْكُدُ بِهِمْ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَبَيْنِ، فَقَالَ: ذَاَ الظَّنُّ بِكَ أَبًا
إِسْحَاقَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيّ
الْفَرسيّ، ثقة فقيةٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت١٣٦) عن (١٠٣) سنين (ع)
تقدم في «الإیمان)) ٢٩٦/٤٦.
٢ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ وَّلْ،
(١) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ١٦٧/٥ - ١٦٨.
(٢) راجع: شروح ((الخلاصة)) في باب العدد، و((حاشية الخضريّ)) ٢١٠/٢ - ٢١١.
(٣) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٤٢٧
(٣٥) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - حديث رقم (١٠٢١)
نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤.
٣ - (٣) - (سَعْدُ) بن أبي وقّاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن
زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات ر ◌ُبه سنة (٥٥)
على المشهور (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١.
والباقون تقدّموا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين نيسابوريّ، وواسطيّ، وكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ.
٥ - (ومنها): أن سعداً أحد العشرة المبشرين بالجنّة، وآخر من مات
منهم، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، ذو مناقب جمّة
وَ عَنْه.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﴿ّ، قد وقع التصريح بسماع عبد الملك، عن
جابر بن سمرة ﴿ّ في رواية أحمد وغيره، قاله في ((الفتح)) (أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ)
بضمّ الكاف، هي البلدة المعروفة، وهي دار الفضل، ومحلّ الفضلاء، بنيت
في خلافة عمر بن الخطاب ظُه، أمر نوابه ببنائها هي والبصرة، قيل: سميت
كُوفة لاستدارتها، تقول العرب: رأيت كُوفاً، وكُوفاناً للرمل المستدير، وقيل:
لاجتماع الناس فيها، تقول العرب: تَكَوَّف الرملُ: إذا استدار، ورَكِبَ بعضُهُ
بعضاً، وقيل: لأن ترابها خالطه حَصَّى، وكل ما كان كذلك سُمِّ كُوفَةً، قال
الحافظ أبو بكر الحازميّ وغيره: ويقال للكوفة أيضاً: كُوفان بضم الكاف.
(١)
انتھی(١).
وقال في ((اللسان)): الْكُوفة: الرَّمْلةُ المجتمعة، وقيل: الكوفةُ: الرملة ما
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٧٥/٤ - ١٧٦.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
كانت، وقيل: الكوفة: الرملة الْحَمْراء، وبها سُمّيت الكوفةُ، وقال الأزهريّ
والليث: كُوفانُ اسم أرض، وبها سُمّيت الكوفةُ، وقال ابن سِيدَهْ: الكوفةُ بلدٌ،
سُمّيت بذلك؛ لأن سعداً لَمّا أراد أن يبني الكوفة ارتادها لهم، وقال: تَكَوَّفُوا
في هذا المكان، أي اجْتَمِعُوا فيه، وقال المفضّل: إنما قال: كَوِّفُوا هذا
الرمل، أي نَخُوه، وانزِلُوا، ومنه سُمِّيت الكوفةُ، وكُوفانُ اسم الكوفة، قال
اللِّخيانيّ: وبها كانت تُدعَى قبلُ، وقال الكسائيّ: كانت الكوفة تُدعى كُوفانَ،
وكَوَّفَ القومُ أَتَوُا الكوفة، قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا مَا رَأَتْ يَوْماً مِنَ النَّاسِ رَاكِباً يُبَصِّرُ مِنْ جِيرَانِهَا وَيُكَوِّفُ
وكَوَّفْتُ تكويفاً: أي صِرْتُ إلى الكوفة، وتكوَّفَ الرجلُ: أي تشبّه بأهل
الكوفة، أو انتسب إليهم، وتكوّفَ الرملُ والقومُ: أي استداروا. انتهى (١).
(شَكَوْا سَعْداً) هو ابن أبي وقاص ◌َظُه، وهو خال جابر بن سمرة الراوي
عنه، وفي الرواية التالية: ((قال عمر لسعد: قد شكوك في كلّ شيء حتى في
الصلاة))، وفي رواية أبي داود: ((قد شكاك الناس في كلّ شيء حتى في
الصلاة)) .
وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الملك، عن جابر بن
سمرة ﴿ًّا قال: كنت جالساً عند عمر ظلله، إذ جاء أهل الكوفة يَشْكُون إليه
سعد بن أبي وقاص، حتى قالوا: إنه لا يحسن الصلاة. انتهى.
وفي قوله: ((أهل الكوفة)) مجاز، وهو من إطلاق الكل على البعض؛ لأن
الذين شَكَوه بعض أهل الكوفة لا كلهم، ففي رواية زائدة، عن عبد الملك في
((صحيح أبي عوانة)): ((جعل ناس من أهل الكوفة))، ونحوه لإسحاق ابن
راهويه، عن جرير، عن عبد الملك، وسُمِّي منهم عند سيف، والطبرانيّ:
الجرّاح بن سنان، وقبيصة، وأربد الأسديّون، وذكر العسكريّ في ((الأوائل)) أن
منهم الأشعث بن قيس (إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﴿ه، أي في أيام خلافته،
حيث كان أمّر سعد بن أبي وقاص على قتال الْفُرْس في سنة أربع عشرة،
فِفَتَحَ الله العراق على يديه، ثم اختَطّ الكوفة سنة سبع عشرة، واستمرّ عليها
(١) ((لسان العرب)) ٣١١/٩.

٤٢٩
(٣٥) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - حديث رقم (١٠٢١)
أميراً إلى سنة إحدى وعشرين، في قول خليفة بن خياط، وعند الطبري سنة
عشرين، فوقع له مع أهل الكوفة ما ذُكِرَ.
زاد في رواية البخاريّ: ((فعزله، واستعمل عليهم عمّاراً)): أي عزل
عمر ◌َُّه سعداً، واستَعْمَل على أهل الكوفة بدله عمار بن ياسر ◌ًّا، قال
خليفة: استَعْمَل عَمّاراً على الصلاة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن
حُنيف على مِسَاحة الأرض. انتهى. وكأن تخصيص عمار بالذكر لوقوع
التصريح بالصلاة دون غيرها، مما وقعت فيه الشكوى، قاله في ((الفتح))(١).
(فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ) أي ذكر أهل الكوفة من جملة ما شكوه إلى عمر
إساءته في الصلاة، وفي رواية البخاريّ: ((فشَكَوا حتى ذكروا أنه لا يُحسن
يصلّي))، قال في ((الفتح)): ظاهره أن جهات الشكوى كانت متعددةً، ومنها قصة
الصلاة، وصَرَّح بذلك في رواية أبي عون - يعني الآتية بعد هذا -: ((فقال
عمر: قد شَكَوْك في كل شيء حتى في الصلاة))، وذكر ابن سعد، وسيف،
أنهم زعموا أنه حابى في بيع خُمُس باعه، وأنه صنع على داره باباً مُبَوَّباً من
خشب، وكان السوق مجاوراً له، فكان يتأذى بأصواتهم، فزعموا أنه قال:
انقطع التصويت، وذكر سيف أنهم زعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج في
السَّرَايا، وقال الزبير بن بكار في ((كتاب النسب)): رفع أهل الكوفة عليه أشياء،
كشفها عمر، فوجدها باطلة. انتهى. ويُقَوِّيه قول عمر في وصيته: ((فإني لم
أعزله من عجز، ولا خيانة)). انتهى (٢).
(فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ) أي إلى سعد (عُمَرُ) بن الخطّاب ليحضر عنده، ويسمع
الدعوى، ويُجيب عليها (فَقَدِمَ) بكسر الدال، قال في ((القاموس)): قَدِمَ من
سفره، كعَلِمَ قُدُوماً وقِدْمَاناً بالكسر: آبَ، فهو قادم. انتهى(٣). أي رجع
سعد ظُهُ من الكوفة (عَلَيْهِ) أي على عمر ◌َبه (فَذَكَرَ لَهُ) أي ذكر عمر
لسعد ◌ِّ (مَا عَابُوهُ بِهِ) أي ما تنقّصه به أهل الكوفة، وقوله: (مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ)
بيان لما عابوه (فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَةَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ) أي مثلَ صلاته
(١) ((الفتح)) ٢٧٨/٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ١٦٢/٤.
(٢) ((الفتح)) ٢٧٨/٢.

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(مَا) نافية (أَخْرِمُ عَنْهَا) بفتح أوله، وكسر الراء: أي لا أنقُصُ، قال في
((الفتح)): وحَكَى ابن التين عن بعض الرواة أنه بضمّ أوله، واستضعفه (إِنِّي
لَأَرْكُدُ بِهِمْ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: رَكَدَ الماءُ رُكُوداً، من باب قَعَدَ:
سَكَنَ، وأركدته: أسكنته، ورَكَدت السفينة: وقَفَت، فلا تجري، قاله
الفيّوميّ(١)، قال القَزّاز: ((أَرْكُد)) أي أُقيم طويلاً، أي أُطَوِّل فيهما القراءة.
وقال النوويّ: قوله: ((لأركُد بهم)) يعني أُطَوِّلهما، وأديمهما، وأَمُدُّهما،
كما قاله في الرواية الأخرى، من قولهم: رَكَدَت السُّفُنُ، والريح، والماء: إذا
سَكَنَ ومَکَثَ. انتهى(٢).
ويَحْتَمِل أن يكون التطويل بما هو أعمّ من القراءة، كالركوع والسجود، لكن
المعهود في التفرقة بين الركعات، إنما هو في القراءة وسيأتي في الرواية التالية، من
رواية أبي عون، عن جابر بن سَمُرة: ((أَمُدّ في الأوليين، وأَحذف في الأخريين))(٣).
(فِي الْأُولَيَيْنِ) بضم الهمزة: تثنية الأولى، أي في الركعتين الأوليين.
(وَأَحْذِفُ) بفتح الهمزة، وسكون الحاء المهملة، وكسر الذال المعجمة،
أي أحذف التطويل، وليس المراد حذف أصل القراءة، ووقع في رواية البخاريّ
بدله: ((وأُخِفّ)) بضم أوله، وكسر الخاء المعجمة، وتشديد الفاء، وهو بمعناه.
ووقع عند الإسماعيليّ من رواية محمد بن كثير، عن شعبة بلفظ: ((أحذم)»
بالميم موضع الفاء، من حذم يَحْذِم حَذْماً: إذا أسرع(٤).
(فِي الْأَخْرَيَيْنِ) تثنية الأخرى، يعني أنه يقصرهما عن الأوليين، لا أنه
يُخِلّ بالقراءة، ويَحذفها كلّها، قاله النوويّ، وقال في ((الفتح)): والمراد بالحذف
حذف التطويل، لا حذف أصل القراءة، فكأنه قال: أَحْذِف تطويل القراءة.
(فَقَالَ) عمر ◌َظُنُه (ذَاكَ) إشارة إلى ما ذكره من كيفيّة صلاته كصلاة
النبيّ وَّ، فـ((ذاك)) مبتدأ خبره قوله: (الظَّنُّ بِكَ) وفي رواية: ظنّي بِك (أَبَا
إِسْحَاقَ) بحذف حرف النداء، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الآية
[يوسف: ٢٩]، قال الحريريّ تَُّ في «مُلْحَته)):
(١) ((المصباح المنير)) ٢٣٧/١.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٢٧٩/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٦/٤.
(٤) راجع: ((عمدة القاري)) ٩/٦.

٤٣١
(٣٥) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - حديث رقم (١٠٢١)
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دَعَائِي))
أي يا أبا إسحاق، وهي كنية سعد، كُنِي بذلك بأكبر أولاده، وهذا تعظيم
من عمر رَبُّه له، وفيه دلالةٌ على أنه لم تَقْدَح فيه الشكوى عنده طًُّا.
[تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف تَّتُهُ، وقد ساقه الإمام البخاريّ
دخلتُ في ((صحیحه))، فقال:
(٧٥٥) حدّثنا موسى، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا عبد الملك بن
عُمَير، عن جابر بن سَمَرة، قال: شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر بنظُله،
فعزَلَه، واستَعْمَل عليهم عَمّاراً، فشكوا حتى ذَكَروا أنه لا يُحسن يصلّي، فأرسل
إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعُمُون أنك لا تحسن تصلّ، قال أبو
إسحاق: أما أنا والله، فإني كنت أصلّي بهم صلاة رسول الله ◌ِّ، ما أَخْرِم
عنها، أُصَلِّي صلاة العشاء، فَأَرْكُد في الأوليين، وأُخِفّ في الأُخريين، قال:
ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة، فسأل
عنه أهل الكوفة، ولم يَدَعْ مسجداً إلا سأل عنه، ويُثنون معروفاً، حتى دخل
مسجداً لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا
سعدة، قال: أمّا إذ نَشَدتَنَا فإن سعداً كان لا يَسِير بالسَّرِيَّة، ولا يَقْسِم بالسَّوِيّة،
ولا يَعْدِل في القَضِيّة، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك
هذا كاذباً، قام رياءً وسمعةً، فأَطِلْ عمره، وأطل فقره، وعَرِّضه بالفتن، وكان
بَعْدُ إذا سئل يقول: شيخ كبير، مفتونٌ، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك:
فأنا رأيته بعدُ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه لَيَتَعَرَّض للجواري في
الطرق، يَغْمِزُهُنّ. انتهى(١).
وقوله: ((أمّا أنا والله)) ((أمّا)) بالتشديد، وهي للتقسيم، والقسيم هنا
محذوف، تقديره: وأما هم فقالوا ما قالوا، وفيه القسم في الخبر لتأكيده في
نفس السامع، وجواب القسم يدل عليه قوله: ((فإني كنت أصلّي بهم)).
وقوله: ((أصلّي صلاة العشاء)) كذا هنا بالفتح والمد، ورواه أبو داود
الطيالسيّ في ((مسنده)) عن أبي عوانة بلفظ: ((صلاتي العشيّ)) بالكسر والتشديد،
(١) ((صحيح البخاريّ)) ٤٧٩/٢ - ٤٨٠ بنسخة ((الفتح)).

٤٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وكذا في رواية عبد الرزاق، عن معمر، وكذا لزائدة في صحيح أبي عوانة،
وهو الأرجح، ويدل عليه التثنية، والمراد بهما الظهر والعصر، ولا يبعد أن تقع
التثنية في الممدود، ويراد بهما المغرب والعشاء، لكن يَعْكُر عليه قوله:
(الأخريين))؛ لأن المغرب إنما لها أخرى واحدة، وأبدى الكرمانيّ لتخصيص
العشاء بالذكر حكمةً، وهو أنه لما أتقن فعل هذه الصلاة التي وقتها وقت
الاستراحة، كان ذلك في غيرها بطريق الأولى، وهو حسنٌ، ويقال مثله في
الظهر والعصر؛ لأنهما وقت الاشتغال بالقائلة والمعاش، والأولى أن يقال:
لعل شكواهم كانت في هاتين الصلاتين خاصةً، فلذلك خصهما بالذكر، أفاده
في ((الفتح))(١) .
وقوله: ((ذلك الظنّ بك)) أي هذا الذي تقول هو الذي كنا نظنه، زاد مسعر
عن عبد الملك وابن عون معاً: ((فقال سعد: أتعلّمني الأعراب الصلاة؟)).
وقوله: ((فأرسل معه رجلاً أو رجالاً)) بالشك، وفي رواية ابن عيينة:
(فبعث عمر رجلين))، وهذا يدل على أنه أعاده إلى الكوفة؛ ليحصل له الكشف
عنه بحضرته؛ ليكون أبعد من التهمة، لكن كلام سيف يدل على أن عمر إنما
سأله عن مسألة الصلاة بعدما عاد به محمد بن مسلمة من الكوفة، وذكر سيفٌ
والطبريّ أن رسول عمر بذلك محمد بن مسلمة، قال: وهو الذي كان يقتصّ
آثار مَن شُكِيَ من العُمّال في زمن عمر، وحكى ابن التين أن عمر أرسل في
ذلك عبد الله بن أرقم، فإن كان محفوظاً، فقد عُرِف الرجلان، ورَوَى ابن سعد
من طريق مَلِيح بن عوف السلميّ، قال: بَعَث عمر محمد بن مسلمة، وأمرني
بالمسير معه، وكنت دليلاً بالبلاد، فذكر القصة، وفيها: ((وأقام سعداً في
مساجد الكوفة، يسألهم عنه))، وفي رواية إسحاق، عن جرير: ((فطيف به في
مساجد الكوفة)).
وقوله: ((لبني عَبْس) بفتح المهملة، وسكون الموحدة، بعدها مهملة: قبيلةٌ
کبیرةٌ من قیس.
وقوله: ((أبا سَعْدة)) بفتح المهملة، بعدها مهملة ساكنة، زاد سيف في
(١) ٢٧٨/٢ - ٢٧٩.

٤٣٣
(٣٥) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - حديث رقم (١٠٢١)
روايته: فقال محمد بن مسلمة: أنشد الله رجلاً يعلم حقّاً إلا قال.
وقوله: ((أمّا)) بتشديد الميم وقسيمها محذوف أيضاً.
وقوله: ((نشدتنا)) أي طلبت منا القول.
وقوله: ((لا يسير بالسرية)) الباء للمصاحبة، و((السَّرِيّة)) بفتح المهملة،
وكسر الراء المخففة: قطعة من الجيش، ويَحْتَمِل أن يكون صفة لمحذوف: أي
لا يسير بالطريقة السَّرِية، أي العادلة، والأول أولى؛ لقوله بعد ذلك: ((ولا
يعدل))، والأصل عدم التكرار، والتأسيس أولى من التأكيد، ويؤيده رواية جرير
وسفيان بلفظ: ((ولا يَنْفِر في السرية)).
وقوله: ((في القضيّة)): أي الحكومة، وفي رواية سفيان، وسيف: ((في
الرعية)).
وقوله: ((قال سعد))، وفي رواية جرير: ((فغضب سعد))، وحكى ابن التين
أنه قال له: أعليّ تسجع؟.
وقوله: ((أَمَا والله)) بتخفيف الميم، حرف استفتاح.
وقوله: ((لأدعون بثلاث)) أي عليك، والحكمة في ذلك أنه نَفَى عنه
الفضائل الثلاث، وهي: الشجاعة، حيث قال: ((لا ينفر))، والعفّة حيث قال:
((لا يَقْسِمُ))، والحكمةُ حيث قال: ((لا يَعْدِل))، فهذه الثلاثة تتعلق بالنفس،
والمال، والدين، فقابلها بمثلها، فطُولُ العمر يتعلق بالنفس، وطول الفقر يتعلق
بالمال، والوقوعُ في الفتن يتعلق بالدين، ولما كان في الثنتين الأوليين ما يمكن
الاعتذار عنه، دون الثالثة قابلهما بأمرين دنيويين، والثالثة بأمر دينيّ، وبيان
ذلك أن قوله: ((لا يَنْفِر بالسَّرِيَّة)) يمكن أن يكون حقّاً، لكن رأى المصلحة في
إقامته؛ ليرتب مصالح من يغزو ومن يقيم، أو كان له عذر، كما وقع له في
القادسية، وقوله: ((لا يَقْسِم بالسوية)) يمكن أن يكون حقّاً، فإن للإمام تفضيلَ
أهل الغَنَاء في الحرب، والقيام بالمصالح، وقوله: ((لا يَعْدِل في القَضِيّة))، هو
أشدّها؛ لأنه سَلَبَ عنه العدل مطلقاً، وذلك قَدْحٌ في الدين، ومن أعجب
العَجَب أن سعداً مع كون هذا الرجل واجهه بهذا، وأغضبه حتى دعا عليه في
حال غضبه، راعَى العدل والإنصاف في الدعاء عليه؛ إذ عَلَّقه بشرط أن يكون
كاذباً، وأن يكون الحامل له على ذلك الغَرَضَ الدنيويّ.

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وقوله: ((رياءً وسمعةً)) أي ليراه الناس، ويسمعوه، فيُشْهِروا ذلك عنه،
فیکون له بذلك ذکرٌ.
وقوله: ((وأَطِلْ فقره))، وفي رواية: ((وشدِّد فقره))، ورُوي: ((وأكثر عياله))،
قال الزين ابن الْمُنَيِّر: في الدعوات الثلاث مناسبة للحال، أما طول عمره فليراه
من سمع بأمره فيعلمَ كرامةً سعد، وأما طول فقره، فلنقيض مطلوبه؛ لأن حاله
يُشعر بأنه طلب أمراً دنيويّاً، وأما تعرضه للفتن؛ فلكونه قام فيها، ورضيها دون
أهل بلده.
وقوله: ((فكان بعدُ)) أي كان أبو سعدة.
وقوله: ((شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ»، وفي رواية الطبراني، وأبي يعلى: ((قال
عبد الملك: فأنا رأيته يَتَعَرَّض للإماء في السِّكَك، فإذا سألوه، قال: كبيرٌ فقيرٌ
مفتونٌ))، وفي رواية: ((فافتقر، واقْتِنَ))، وفي رواية: ((فَعَمِيَ، واجتمع عنده عشر
بنات، وكان إذا سمع بِحِسّ المرأة تشبث بها، فإذا أُنكر عليه، قال: دعوة
المبارك سعد»، وفي رواية: ((ولا تكون فتنة إلا وهو فيها))، وفي رواية محمد بن
جُحَادة، عن مصعب بن سعد، نحو هذه القصة، قال: ((وأدرك فتنة المختار،
فقتل فيها))، رواه ابن عساكر، وفي رواية سيف: ((أنه عاش إلى فتنة الجماجم،
وكانت سنة ثلاث وثمانين، وكانت فتنة المختار حين غلب على الكوفة من سنة
خمس وستين إلى أن قُتل سنة سبع وستين)).
وقوله: ((دعوة سعد)) أفردها لإرادة الجنس، وإن كانت ثلاث دعوات،
وكان سعد معروفاً بإجابة الدعوة، رَوَى الطبراني من طريق الشعبيّ، قال: قيل
لسعد: متى أصبت الدعوة؟ قال: يومَ بدر، قال النبيّ وَّر: ((اللهم استجب
لسعد)»، ورَوَى الترمذيّ، وابنُ حبان، والحاكم من طريق قيس بن أبي حازم،
عن سعد نَُّه أن النبيّ وَلّ قال: ((اللهم استجب لسعد إذا دعاك)). انتهى
ملخّصاً من الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) راجع: ((الفتح)) ٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.

٤٣٥
(٣٥) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - حديث رقم (١٠٢١)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٢١/٣٥ و١٠٢٢ و١٠٢٣ و١٠٢٤] (٤٥٣)،
و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٧٥٥ و٧٥٨ و٧٧٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٨٠٣)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (١٧٤/٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٢١٦ و٢١٧)، و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٧٠٦ و٣٧٠٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧٥/١ و١٧٦ و١٧٩ و١٨٠)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٥٠٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٨٥٩ و١٩٣٧ و٢١٤٠)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٠٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٩/٢ - ١٥٠)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٠٤ و١٠٠٥ و١٠٠٦ و١٠٠٧)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٦٥/٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في كلّ الصلاة.
٢ - (ومنها): أن الإمام إذا شُكِي إليه نائبه بعث إليه، واستفسره عن
ذلك، وأنه إذا خاف مفسدة باستمراره في ولايته، ووقوع فتنة عَزَله، فلهذا عزله
عمر رَُّه مع أنه لم يكن فيه خَلَلٌ، ولم يثبت ما يَقْدَح في ولايته وأهليته، وقد
ثبت في ((صحيح البخاريّ)) في حديث مَقْتل عمر رَبَّه والشورى، أن عمر رَُّته
قال: ((إن أصابت الإمارة سعداً فذاك، وإلا فليستعن به أيُّكم ما أُمِّرَ، فإني لم
أَعْزِله من عجز ولا خيانة))، قاله النوويّ كَّتُهُ.
وقال في ((الفتح)): في هذا الحديث جواز عزل الإمام بعضَ عماله إذا
شُكِيَ إليه، وإن لم يثبت عليه شيء، إذا اقتضت ذلك المصلحة، قال مالك:
قد عَزَلَ عمرُ سعداً، وهو أعدل مَن يأتي بعده إلى يوم القيامة، والذي يظهر أن
عمر عَزَله حسماً لمادّة الفتنة، ففي رواية سيف: ((قال عمرُ: لولا الاحتياط،
(١) المراد فوائد الحديث بطرقه المختلفة التي أوردتها في الشرح، لا خصوص سياق
المصنّف هنا، فتنبّه.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وأن لا يُتَّقَى من أمير مثلٍ سعد لَمَا عزلته))، وقيل: عزله إيثاراً لقربه منه؛ لكونه
من أهل الشورى، وقيل: لأن مذهب عمر ظُبه أنه لا يَسْتَمِرّ بالعامل أكثر من
أربع سنين، وقال المازريّ: اختلفوا هل يُعزل القاضي بشكوى الواحد، أو
الاثنين، أو لا يعزل حتى يجتمع الأكثر على الشكوى منه؟.
٣ - (ومنها): أن فيه استفسارَ العامل عما قيل فيه، والسؤال عمن شَكَى
في موضع عمله، والاقتصار في المسألة على مَن يُظَنّ به الفضل.
٤ - (ومنها): بيان أن السؤال عن عدالة الشاهد ونحوه، يكون ممن
يجاوره .
٥ - (ومنها): أن تعريض العدل للكشف عن حاله لا ينافي قبول شهادته
في الحال.
٦ - (ومنها): أن فيه خطاب الرجل الجليل بكنيته، والاعتذار لمن سُمِع
في حقه كلامٌ يسوؤه.
٧ - (ومنها): بيان الفرق بين الافتراء الذي يُقْصَد به السبّ، والافتراء
الذي يُقْصَد به دفع الضرر، فيعزَّر قائل الأول دون الثاني، ويَحْتَمِل أن يكون
سعد لم يطلب حقّه منهم، أو عفا عنهم، واكتَفَى بالدعاء على الذي كَشَفَ
قِناعه في الافتراء عليه دون غيره، فإنه صار كالمنفرد بأذيته، وقد جاء في
الخبر: ((من دعا على ظالمه فقد انتصر))(١)، فلعله أراد الشفقة عليه بأن عَجَّل له
العقوبة في الدنيا، فانتصر لنفسه، وراعى حال من ظلمه؛ لِمَا كان فيه من وفور
الديانة، ويقال: إنه إنما دعا عليه؛ لكونه انتهك حرمة مَن صَحِب صاحب
الشريعة، وكأنه قد انتصر لصاحب الشريعة.
٨ - (ومنها): أن في قوله: ((ذاك الظن بك أبا إسحاق)) مدحَ الرجل
الجليل في وجهه إذا لم يُخَف عليه فتنة بإعجاب ونحوه، والنهيُ عن ذلك إنما
هو لمن خيف عليه الفتنة، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح بالأمرين،
وجَمَع العلماء بينهما بما ذكرته.
(١) حديث ضعيف، أخرجه الترمذيّ ٥٥٤/٥، وفيه أبو حمزة ميمون الأعور: ضعيف.

٤٣٧
(٣٥) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - حديث رقم (١٠٢٢)
٩ - (ومنها): جواز الدعاء على الظالم الْمُعَيَّن بما يستلزم النقص في
دينه، وليس هو من طلب وقوع المعصية، ولكن من حيث إنه يؤدي إلى نكاية
الظالم وعقوبته، ومن هذا القبيل مشروعية طلب الشهادة، وإن كانت تستلزم
ظهور الكافر على المسلم، ومن الأول قول موسىعَلَّا: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَّ
أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [يونس: ٨٨].
١٠ - (ومنها): أن فيه سلوكَ الورع في الدعاء.
١١ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الأُوليين من الرباعية متساويتان في
الطول، وقد تقدّم أن الراجح تطويل الأولى على الثانية؛ لصريح حديث أبي
قتادة رضيبه: ((وكان يطوّل في الركعة الأولى، ويقصر الثانية))، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٠٢٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
والباقون تقدّموا قريباً، فقتيبة، وإسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه،
تقدّما قبل باب، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: هذا السند من رباعيّات المصنّف: كسابقه، وهو (٥٣) من
رباعيات الكتاب.
[تنبيه آخر]: رواية جرير هذه ساقها الإمام أحمد تَخَّتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(١٤٧٥) حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عُمير، عن
جابر بن سَمُرة، قال: شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر، فقالوا: لا يُحسن
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
يصلّي، فذكر ذلك عمر له، فقال: أَمّا صلاةُ رسول الله وَّ، فقد كنت أصلّي
بهم أَرْكُد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، فقال: ذاك الظنّ بك، يا أبا
إسحاق. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٢٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ
لِسَعْدٍ: قَدْ شَكَوْلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي
الْأُوْلَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَبَيْنِ، وَمَا أَلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّه
فَقَالَ: ذَكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ذَاَ ظَنِّي بِك).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم أوّل الباب.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدم في
((المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨.
٣ - (شُعْبَةٌ) بن الحجاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ،
ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت١٦٠)
(ع) تقدم في ((المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
٤ - (أَبُو عَوْنٍ) محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفيّ الكوفيّ الأعور،
ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وأبي الزبير، وجابر بن سمرة، ومحمد بن حاطب
الْجُمَحيّ، والحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن
شداد بن الهاد، وغيرهم.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٤٣٩
(٣٥) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - حديث رقم (١٠٢٣)
ورَوَى عنه الأعمش، وأبو حنيفة، ومحمد بن سُوقة، والمسعوديّ،
ومحمد بن قيس الأسديّ، وشعبة، والثوريّ، ويونس بن الحارث الطائفيّ،
وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال ابن سعد: توفي في ولاية خالد على العراق، وكان ثقةً، وله
أحاديث، وقال أبو زرعة: حديثه عن سعيد مرسل، وقال ابن شاهين في
(الثقات)): هو أوثق من عبد الملك بن عُمير، وقال ابن قانع وغيره: مات سنة
عشر ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله
في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٥٣)، وحديث (٥٩٣):
((إن الله حرّم ثلاثاً ... ))، و(٢٠٧١): ((إني لم أبعث بها إليك لتلبسها ... ))،
وأعاده بعده.
و((جابر بن سمرة)) ◌ًّا تقدّم في الحديث الماضي.
وقوله: (قَدْ شَكَوْلَكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ) تقدّم أن مما شكوه أنهم زعموا أنه
حابى في بيع خمس باعه، وأنه صنع على باب داره باباً مبوّباً من خشب، وكان
السوق مجاوراً له، فكان يتأذَّى بأصواتهم، فزعموا أنه قال: لينقطع الصوت،
وزعموا أيضاً أنه كان يُلهيه الصيد عن الخروج في السرايا .
وقوله: (أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ) ((أمّا)) بتشديد الميم للتقسيم، والقسيم
هنا محذوف، تقديره: أما أنا فأمدّ ... إلخ، وأما هم فقالوا ما قالوا.
وقوله: (وَمَا أَلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِنَّ) ((ما)) الأولى
نافية، و((الثانية)) موصولة، و((أَلُو)) بالمد في أوله، وضم اللام: أي لا أُقَصِّر في
ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ الآية [آل عمران: ١١٨]؛ أي لا
يقصِّرون في إفسادكم.
والمعنى: أني لا أُقَصِّر فيما أخذته من صلاة رسول الله وَّر، بل أقتدي
به في ذلك دون تقصیر.
وقوله: (أَوْ ذَاكَ ظَنِّي بِكَ) ((أو)) للشكّ من الراوي، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٢٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَبِي عَوْذٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: فَقَالَ:
تُعَلِّمُنِي الْأَعْرَابُ بِالصَّلَاةِ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحد
مشايخ السنّة [١٠] (ت٢٤٧) وهو ابن (٨٧) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر الْعَبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٧/١.
٣ - (مِسْعَر) بن كِدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ [٧] (ت٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
والباقون تقدّموا قبله، و((عبد الملك)): هو ابن عُمير، و((أبو عون)) هو:
محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفيّ.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ) يعني أن حديث مسعر عن عبد الملك، وأبي
عون بمعنى حديث هشيم، وجرير، وشعبة عنهما .
وقوله: (وَزَادَ) فاعله ضمير مسعر؛ أي زاد مسعر في روايته على رواية
الثلاثة المذكورين قولَهُ: ((فقال: أتعلّمني ... إلخ)).
وقوله: (فَقَالَ: تُعَلِّمُنِي الْأَعْرَابُ بِالصَّلَاةِ؟) فاعل ((قال)) ضمير سعد بن
أبي وقّاص رُه؛ أي قال سعد منكراً شكواهم في صلاته.
وفيه دلالةٌ على أن الذين شَكَوه لم يكونوا من أهل العلم، وكأنهم ظَنُّوا
مشروعية التسوية بين الركعات، فأنكروا على سعد التفرقة، فيستفاد منه ذمُّ
القول بالرأي الذي لا يَستَنِد إلى أصل، وفيه أن القياس في مقابلة النصّ فاسد
الاعتبار.
وقوله: (الأَعْرَابُ) بفتح الهمزة: ساكنو البادية من العرب الذين لا يُقيمون
في الأمصار، ولا يدخلونها إلا للحاجة، ولا واحد له من لفظه، وأما العرب