Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(٢٨) - بَابُ الأَمْرِ بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالْيَدِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٧٣)
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصحيح، فالنهي عن
تحلّقهم ليس في حال الصلاة، بل هو في حال اجتماعهم في المسجد، وهذا
هو الذي تدلّ عليه روايات الحديث المختلفة، ولذا ترجم الإمام ابن حبّان ◌َظُّهُ
في «صحيحه)) (٥٣٤/٤) بقوله: ((ذِكْرُ الزجر عن ترك اجتماع الناس في المسجد
في المجلس الواحد، إذا أرادوا تعلَّم العلم، أو دَرْسَه))، ثم أخرجه بسنده، من
حديث أبي هريرة ظه، قال: خرج النبيّ وَّ على أصحابه، وهم في المسجد
جلوسٌ حِلَقاً، فقال: ((ما لي أراكم عِزِين؟)). انتهى.
وترجم البيهقيّ في ((الكبرى)) (٢٣٤/٣)، فقال:
(١٢) ((باب من كره التحلَّق في المسجد، إذا كانت الجماعة كثيرة،
والمسجد صغيراً، وكان فيه منع المصلين عن الصلاة))، ثم أخرج حديث
جابر بن سمرة ◌ًّا المذكور في الباب، بلفظ: ((قال: دخل علينا رسول الله وَله،
ونحن حلق متفرقون، فقال: ما لي أراكم عِزِین؟)). انتهى.
وأخرجه أبو عوانة في ((مسنده)) (١/ ٣٨٠) بلفظ: ((قال: دخل علينا،
ونحن جلوس في المسجد، فقال: ما لي أراكم عِزِين؟».
فكلّ هذه الروايات صريحة في أن ذلك كان في غير الصلاة، فإذا كان
هذا في غير الصلاة فيكون النهي عنه فيها أشدّ وأغلظ، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
(قَالَ) جابر
. (ثُمَّ خَرَجَ) النبيّ نَِّ (عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((أَلَا) - بفتح الهمزة،
ضُوعِنْه
وتخفيف اللام، ويجوز تشديدها -: أداة تحضيض، وهو الطلب بِحَثّ، كقوله
تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقوله: ﴿أَلَا تُقَتِلُونَ قَوْمًا
نَّكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] (تَصُفُّونَ) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، من باب نصر،
ويستعمل متعدّياً، فيقال: صَفَفْتُ الشيءَ صَفّاً، فهو مصفوف، وقد يُستعمل
لازماً، فيقال: صَفَفتُ القومَ، فصَفُوا هم، أفاده في ((المصباح)) (١)، وما هنا من
اللازم.
(كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟») ولفظ أبي داود، والنسائيّ: ((عند ربهم»
(١) ((المصباح المنير)) ٣٤٣/١.

٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(فَقُلْنَا) وللنسائيّ: ((قالوا)) (يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟
قَالَ) وَّهِ (يُتِمُّونَ) بضمّ أوله، من الإتمام (الصُّفُوَ الْأُوَّلَ) بضم الهمزة، وفتح
الواو: جمع ((الأولى))، وفي رواية النسائيّ: ((يُتمّون الصفّ الأَوّل))، والمعنى:
أنهم يتمّمون الصفوف المتقدّمة، وهي ما عدا الصفّ الأخير (وَيَتَرَاصُونَ فِي
الصَّفِّ))) أي يتلاصقون فيها حتى لا يكون بينهم فُرَجٌ، ويؤخذ منه أن تلاصق
بعضهم ببعض، وتضامّهم يستلزم تسوية الصفوف، والعكس بالعكس، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرَة بهذا من أفراد المصنّف ◌َُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩٧٣/٢٨ و٩٧٤ و٩٧٥ و٩٧٦] (٤٣٠ و٤٣١)،
و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٦٦١ و٩٩٩)، و(النسائيّ) فيها (٤/٣ - ٥)، و(عبد
الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣١٣٥)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٩٢/١)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٨٩٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٦/٥ و ٨٨ و١٠١
و١٠٢ و١٠٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٣٣)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (١٨٧٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٨٢٢ و١٨٢٥ و١٨٢٦ و١٨٢٨
و١٨٢٩ و١٨٣٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٥٥ و٢٠٥٦ و٢٠٥٧ و ٢٠٥٨
و٢٠٥٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٦١ و٩٦٢ و٩٦٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٧٢/٢ و١٧٣ و١٧٨ و١٨٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٦٩٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): الإنكار على من أحدث في الصلاة خلاف السنّة.
٢ - (ومنها): الأمر بالسكون في الصلاة، والخشوع فيها، والإقبال
(١) المراد فوائد حديث جابر بن سمرة ﴿ المذكور في الباب برواياته الثلاث، لا
خصوص اللفظ المتقدّم، فتنبه.

٢٢٣
(٢٨) - بَابُ الأَمْرِ بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالْيَدِ، .. إلخ - حديث رقم (٩٧٣)
الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاِهِمْ خَشِعُونَ﴾
عليها، وهو معنى قوله ريك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[المؤمنون: ١ - ٢] قال الإمام ابن كثير تَخْتُهُ تَخْثُ في ((تفسيره)) (٢٣٩/٣): قال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ظًَّا: ﴿خَشِعُونَ﴾ خائفون، ساكنون، وكذا
رُوي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، والزهريّ، وعن علي بن أبي طالب ظُه:
الخشوع خشوع القلب، وكذا قال إبراهيم النخعيّ، وقال الحسن البصريّ: كان
خشوعهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك أبصارهم، وخَفَضوا الجناح، وقال
محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله وَلقر يرفعون أبصارهم إلى السماء في
الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾َ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ
خَشِعُونَ ﴾﴾ خَفَضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم، وقال محمد بن سيرين:
وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مُصَلّاه، فإن كان قد اعتاد النظر فَلْيُغَمِّض،
رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، ثم روى ابن جرير عنه، وعن عطاء بن أبي
رباح أيضاً مرسلاً: أن رسول الله بيَّليو كان يفعل ذلك، حتى نزلت هذه الآية.
والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فَرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عما
عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحةً له، وقُرّة عين، كما قال
النبيّ ◌َ ﴿ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٣١٢٨)، والنسائيّ (٧٦١) عن
أنس ربه، عن رسول الله وَ ر أنه قال: ((حُبِّب إليّ الطيب، والنساء، وجُعِلت
قرة عيني في الصلاة))، حديث حسن.
وقال الإمام أحمد (٥٣٦٤): حدّثنا وكيع، حدّثنا مِسْعَر، عن عمرو بن
مُرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل من أسلم: أن رسول الله وَ لّه قال:
((يا بلال أَرِخْنا بالصلاة))، حديث صحيح.
وقال الإمام أحمد أيضاً (٥٣٧١): ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، ثنا
إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، أن محمد ابن
الحنفية قال: دخلت مع أبي على صِهْر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة،
فقال: يا جارية ائتيني بوَضُوء لعلّي أصلي، فأستريح، فرآنا أنكرنا عليه ذلك،
فقال: سمعت رسول الله وَ لو يقول: ((قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة)). انتهى (١).
(١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٢٣٩/٣.

٢٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٣ - (ومنها): بيان أن الإمام يحثّ المأمومين على رصّ الصفوف،
والمقاربة بينها، وأن ذلك من وظيفته.
٤ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَل من شدّة الاهتمام في تسوية الصفوف.
٥ - (ومنها): الاقتداء بأفعال الملائكة في صلاتهم، وتعبّداتهم.
٦ - (ومنها): بيان أن الملائكة يصلّون، وأن صفوفهم كما وُصف في هذا
الحديث، فيعتنون بتسوية صفوفهم، وإتمام الأول فالأول، فينبغي للمسلمين أن
يقتفوا بهم في ذلك.
وقد أخرج المصنّف تَخْذَلُ عن حذيفة ◌ُه قال: قال رسول الله وَله :
((فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا
الأرض كلها مسجداً، وجُعِلت تربتها لنا طهوراً ... )) الحديث(١).
٧ - (ومنها): الأمر بإتمام الصفوف الأُوَل، والتراصّ فيها، قال
النوويّ كَّلُهُ: ومعنى إتمام الصفوف الأُوَل أن يُتَمّ الأَوَّل، ولا يُشْرَع في الثاني
حتى يَتِمّ الأول، ولا في الثالث حتى يتم الثاني، ولا في الرابع حتى يتم
الثالث، وهكذا إلى آخرها. انتهى (٢).
٨ - (ومنها): أن السنّة في السلام من الصلاة أن يقول: ((السلام عليكم
ورحمة الله)) عن يمينه، ((السلام عليكم ورحمة الله))، عن شماله.
قال النوويّ: ولا يسن زيادة ((وبركاته))، وإن كان قد جاء فيها حديث
ضعيفٌ، وأشار إليها بعض العلماء، ولكنها بدعةٌ؛ إذ لم يصحّ فيها حديث، بل
صح هذا الحديث وغيره في تركها .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ من عدم صحّة زيادة
((وبركاته)) غير صحيح، بل الحقّ أن زيادتها صحيح من الجانبين، ولا تخص
اليمين فقط، كما ادّعاه بعضهم(٣)، وسيأتي البحث في هذا مستوفى في
(١) سيأتي للمصنّف ◌َظّتُهُ برقم (٥٢٢)
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٣/٤.
(٣) فقد كتبت في هذا رسالة سمّيتها: ((رفع الغين عمن يُنكر زيادة وبركاته في السلام
من الجانبين))، وهي مذكورة بتمامها في ((شرح النسائيّ))، فراجعها تستفد، والله
تعالى وليّ التوفيق.

(٢٨) - بَابُ الأَمْرِ بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْرِ عَنِ الِإِشَارَةِ بِالْيَدِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٧٣)
٢٢٥
(باب السلام للتحلّل من الصلاة)) برقم (٥٨١) - إن شاء الله تعالى -.
قال النوويّ كَّهُ: والواجب منه السلام عليكم مرة واحدة، ولو قال:
السلام عليك بغير ميم لم تصحّ صلاته، وفيه دليل على استحباب تسليمتين،
وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور. انتهى كلام النوويّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وقوله: ((والواجب مرّة واحدة)) محلّ تأمّل؛ لأنه
قد ثبت قوله وير: ((وتحليلها التسليم))، وهو يعمّ التسليمتين، كما ثبت عنه ذلك
فعلاً، فكيف يكون الواجب مرّة واحدةً؟ فهذا قول لا دليل عليه، فتبصّر، والله
تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): النهي عن التفرّق أحزاباً، بل يجب أن يكون المسلمون
صفّاً واحداً تجمعهم كلمة الحقّ، وتربطهم أخوّة الإيمان، لا يلوون عنقهم إلى
القوميّة، ولا إلى الوطن، ولا إلى غير ذلك مما لا صلة له بالدين، وإنما هم
يدٌ واحدة على من سواهم، كما وصفهم بذلك النبيّ وَّ حيث قال فيما أخرجه
النسائيّ، وغيره، وأصله في ((الصحيحين)) من حديث عليّ رُه مرفوعاً:
((المؤمنون تَكَافَأُ دماؤهم، وهم يَدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم
أدناهم ... )) الحديث.
وفي (الصحيحين)) عن النعمان بن بشير طهًا قال: قال رسول الله وَان:
((مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثلُ الجسد، إذا اشتكى منه
عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والْحُمَّى))، ولفظ البخاريّ: ((ترى
المؤمنين في تراحمهم، وتوادّهم، وتعاطفهم ... )) الحديث، والله تعالى أعلم
بالصواب.
[تنبيه]: قال القاضي عياض كثّلهُ: قد ذكر ابن القصّار هذا الحديث حجة
في النهي عن رفع الأيدي في الصلاة على رواية المنع من ذلك جملة، وذكر
أن في ذلك نزلت: ﴿أَلَمَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَمْ كُفُواْ أَيَدِيَّكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ﴾ الآية
[النساء: ٧٧]، قال: والمفسّرون في سبب نزول الآية على غير هذا. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نُقل عن ابن القصّار إن أراد المنع في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٣/٤.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣٤٤/٢.

٢٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
غير محلّ المشروع فمسلّم، وإن أراد المنع عن رفع اليدين في المحلّ المشروع
كالركوع والرفع منه، ونحو ذلك، مما ثبت في الصحيح، فما أبعده عن
الصواب، وأبعدُ منه استدلاله بالآية المذكورة، فإنه لم يقله أحد ممن تكلّم
فيها، كما أشار إليه القرطبيّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة التالية -
إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): استدلّ الحنفيّة بهذا الحديث على عدم مشروعيّة رفع
اليدين في غير حالة الإحرام، وهو استدلال باطلٌ؛ إذ لا دليل فيه؛ لأنه
مختصر من الحديث التالي كما ساقه المصنّف تَخْتُهُ بتمامه، قال الإمام ابن
حبّان رَّتُهُ في ((صحيحه)): ((ذكرُ الخبر المتقَصِّي للقصّة المتقدّمة بأن القوم إنما
أُمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم، دون الرفع الثابت عند
الركوع»، ثم رواه كنحو رواية المصنّف الآتية.
وقال الإمام البخاريّ تَظْتُ في ((جزء رفع اليدين)): من احتجّ بحديث
جابر بن سَمُرة ◌َّ على منع الرفع عند الركوع، فليس له حظّ من العلم، هذا
مشهور، لا خلاف فيه أنه إنما كان في حال التشهّد، كذا في ((التلخيص الحبير)).
وقال الزيلعيّ في ((نصب الراية)» بعد ذكر حديث جابر بن سمرة المختصر
ما مُلخّصه: واعترضه البخاريّ في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين، فقال:
وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سَمُرة،
فذكر حديثه المختصر، وقال: وهذا إنما كان في التشهّد، لا في القيام، ففسّره
رواية عُبيد الله بن القِبطيّة، قال: سمعت جابر بن سَمُرة يقول: كنّا إذا صلّينا
خلف النبيّ وَّة، وذكر حديثه الطويل المذكور، ثم قال البخاريّ: ولو كان كما
ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضاً منهيّاً عنه؛ لأنه لم يستثن رفعاً
دون رفع، بل أطلق. انتهى.
قال الزيلعيّ: ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسّر أحدهما بالآخر، كما
في لفظ الحديث الأول: ((اسكنوا في الصلاة))، والذي يرفع يديه حال التسليم لا
يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة، وهو
حالة الركوع والسجود، ونحو ذلك، هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت
كما شاهده، ورَوَى الآخر في وقت آخر كما شاهده، وليس في ذلك بُعْدٌ. انتهى.

٢٢٧
(٢٨) - بَابُ الأَمْرِ بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالْيَدِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٧٣)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الزيلعيّ من دعواه كون حديث
جابر بن سمرة حديثين غير صحيح، والحقّ ما قاله البخاريّ وابن حبّان من أن
الحديث واحد، ولكن اختصره الرواة.
وعلى تقدير تسليمه نقول: إن النهي لا يتناول الرفع المشروع عند الركوع
ونحوه، وإنما هو في الرفع الذي ليس مشروعاً، بدليل أن الحنفيّة أنفسهم
يستثنون من هذا النهي الرفع في تكبيرات العيدين بدعوى أنها ثابتة بالنصّ، فما
أجابوا به هناك فهو جوابنا هنا من غير فرق.
والحاصل أن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، ونحو ذلك ثبت
بالنصوص الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها، فيُقدّم خصوصها على عموم
حديث جابر هذا .
ولذا قال السنديّ الحنفيّ كَّثُ عند قوله: ((فنسلّم بأيدينا ... إلخ)) ما
نصّه: وبهذه الرواية تبيّن أن الحديث مسوقٌ للنهي عن رفع الأيدي عند السلام
إشارةً إلى الجانبين، ولا دلالة فيه على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند
الرفع منه، ولذلك قال النوويّ: الاستدلال به على النهي عن الرفع عند
الركوع، وعند الرفع منه جهلٌ قبيحٌ.
وقد يقال: العبرة بعموم اللفظ، ولفظ: ((ما بالهم رافعي أيديهم في
الصلاة؟)) إلى قوله: ((اسكنوا في الصلاة)) تمام، فصحّ بناء الاستدلال عليه،
وخصوص المورد لا عبرة به، إلا أن يقال: ذلك إذا لم يعارضه عن العموم
عارض، وإلا يُحْمَلُ على خصوص المورد، وها هنا قد صحّ وثبت الرفع عند
الركوع، وعند الرفع منه ثبوتاً لا مردّ له، فيجب حمل هذا اللفظ على خصوص
المورد؛ توفيقاً، ودفعاً للتعارض. انتهى المقصود من كلام السنديّ تَخْذُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه السنديّ تَظْتُهُ أخيراً هو الحقّ
الذي لا مرية فيه، وهذا من إنصافه للحقّ، وعدم تعصّبه لمذهبه الحنفيّ، كما
تعصّب له كثير ممن أعماهم التقليد وأصمّهم عن اتّباع الحقّ.
ومن العجيب الغريب أنهم إذا أورد عليهم تناقضهم في المسألة، وقيل
(١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٥/٣.

٢٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
لهم: إنكم تقولون: إن الرفع في تكبيرات العيدين مشروعة بالنصّ، فلا يتناولها
هذا النهي، فهلّا قلتم مثله في الرفع من الركوع ونحوه: إنه ثابت بالنصّ، فلا
يتناوله هذا النهي، فما الفرق بينهما؟ على أن دليلهم الذي تمسّكوا به في الرفع
في العيدين لا يصحّ عند أهل الحديث، وأدّة الرفع في الركوع ونحوه صحيحة
ثابتةٌ بلا خلاف بين أهل الحديث، فقد أخرجها الشيخان وغيرهما من أصحاب
الصحاح، سكتوا، وانقطعوا عن الجواب، إن هذا لهو العجب العجاب، فتبصّر
بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٩٧٤] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، بِهَذَا
الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ،
ثقة، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤، أحد مشايخ
الأئمة الستة بلا واسطة.
٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح تقدّم قبل باب.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم قبل باب.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
و(الأعمش)) سبق في السند الماضي.
وقوله: (قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ) يعني أن كلّاً من وكيع، وعيسى
قالا: حدّثنا الأعمش.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) الإشارة إلى إسناد الأعمش الماضي، عن
المسيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَةَ، عن جابر بن سَمُرَة
وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث جابر الماضي.

٢٢٩
(٢٨) - بَابُ الأَمْرِ بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالْيَدِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٧٥)
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الإمام أحمد كَّتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(٢٠١١٩) حدّثنا وكيع، حدّثنا الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن
تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سَمُرة، قال: دخل علينا رسول الله وَّر، ونحن
رافعي أيدينا في الصلاة، فقال: ((ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب
خيل شُمُس؟ اسكنوا في الصلاة))، قال: ودخل علينا المسجد، ونحن حِلَقٌ
متفرقون، فقال: ((ما لي أراكم عِزِین؟)). انتهى.
وأما رواية عيسى بن يونس، فلم أجد من ساقها مفردة، فليُنظر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٧٥] (٤٣١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ
مِسْعَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ
مِسْعَرٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ ابْنُ الْقِبْطِيَّةِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَأَشَارَ
بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: ((عَلَمَ تُومِنُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ
خَيْلِ شُمُسٍ؟، إِنَّمَا(١) يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهٍ(٢)، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى
أَخِيهِ، مَنْ عَلَى بَمِينِهِ وَشِمَالِهِ(٣))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو
سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت٣ أو ١٨٤) عن (٩٣) سنةً (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥.
٢ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ [٧] (ت٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٣/٥.
(١) وفي نسخة: ((وإنما)) بالواو.
(٣) وفي نسخة: ((من عن يمينه وشماله)).
(٢) وفي نسخة: ((يديه على فخذيه)).

٢٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ ابْنُ الْقِبْطِيَّةِ) الكوفيّ، ثقةٌ [٤]
رَوَى عن جابر بن سَمُرة، وأم سلمة، والحارث بن عبد الله بن أبي
ربيعة، وعبد الله بن صفوان بن أمية، وأبي رجاء الْعُطارديّ.
وروى عنه عبد العزيز بن رُفيع، وبحر بن کَنِيزِ السّقّاء، وفُرَات القَزّاز،
ومسعرٌ.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وحَكَى الدار قطنيّ
في ((العلل)) أنه كان يلقّب المهاجر، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله حديثان فقط: أحدهما
حديث الباب، عندهم، والثاني عند المصنّف، وأبي داود في الخمس.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ) أي في نهاية الصلاة، وعند نيّة
الخروج منها .
وقوله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ) فاعل ((أشار)) ضمير جابر نَظُه، وهو
من كلام عبيد الله ابن القبطيّة، والمراد بالإشارة إشارة السلام.
وقوله: (عَلَمَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ) أي على أيّ شيء تشيرون بأيديكم،
فـ((علام)) هي ((على)) الجارّة دخلت على ((ما)) الاستفهاميّة، وأصلها ((على ما))،
فحُذفت ألفها، كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسََّلُونَ ﴾﴾ [النبأ: ١]، وإليه أشار ابن
مالك تَخْذَتُهُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَ((مَا)) فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ
أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
و((تومئون)) مضارع أومأ، بمعنى أشار، والجارّ والمجرور - أعني ((علام)) -
متعلّق بـ(تومئون))، والاستفهام توبيخيّ، بمعنى أنه لا ينبغي، ولا يصحّ هذا
لكم.
وقوله: (إِنَّمَا يَكْفِي) وفي نسخة: ((وإنما يكفي)» بالواو.
وقوله: (أَنْ يَضَعَ) في تأويل المصدر فاعل ((يكفي)).
وقوله: (عَلَى فَخِذِهِ) وفي نسخة: ((على فخذيه)) بالتثنية، أي يُبقي يديه
موضوعتين على فخذيه؛ إذ السنّة وضعهما كذلك من أول التشهّد إلى أن يسلّم
من الصلاة .

٢٣١
(٢٨) - بَابُ الأَمْرِ بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالْيَدِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٧٦)
وقوله: (مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ) بفتح ميم ((من))، وهي موصولة بدل من
((أخيه))، والجارّ والمجرور صلتها، أي الذي استقرّ على جهة يمينه وشماله،
وفي بعض النسخ: (مَنْ عن يمينه)) بـ((عن)) بدل ((علی)).
قال النوويّ كَّلهُ: المراد بالأخ الجنس، أي إخوانه الحاضرين عن
اليمين والشمال. انتهى(١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٧٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (٢) الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى،
عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ فُرَاتٍ، يَعْنِي الْقَزَّازَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ :
صَلَّيْتُ (٣) مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَكُنَّا إِذَا سَلَّمْنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ السَّلامُ
عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((مَا شَأْنُكُمْ، تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا
أَذْنَابُ خَيْلِ شُمُسٍ؟ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطّحّان،
وربما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف
الكوفيّ، ثقةٌ تُكُلّم فيه بلا حجة [٧] (١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في
((الطهارة)) ٥٤٢/٢.
٤ - (فُرَاتٌ الْقَزَّازُ) هو: فُرَات بن أبي عبد الرحمن الْقَزّاز التميميّ، أبو
محمد، ويقال: أبو عبد الله البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/٤.
(٣) وفي نسخة: ((صلّينا)).
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
رَوَى عن أبي الظُفَيل، وأبي حازم سلمان الأشجعيّ، وعبيد الله ابن
القبطية، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعيّ.
وروى عنه ابنه الحسن بن الفرات، وابن ابنه زياد بن الحسن بن فرات،
ومحمد بن جُحَادة، وشعبة، والمسعوديّ، وعمر بن قيس الملائيّ، وعمرو بن
أبي قيس الرازيّ، وأبو الأحوص، وشريك، والسفيانان، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال سفيان: كان ثقةً،
وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٤٣١)
و(١٨٤٢) و(٢٩٠١) وأعاده بعده.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) وفي نسخة: ((صلّينا مع رسول الله وَّ).
وقوله: (قُلْنَا بِأَيْدِينَا) أي أشرنا، ففيه إطلاق القول على الإشارة.
وقوله: (مَا شَأَنْكُمْ) ((ما)) استفهاميّة، أي ما حالكم؟.
وقوله: (تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ) جملة في محلّ نصب على الحال، وتمام شرح
الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٢٩) - (بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٩٧٧] (٤٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
إِذْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرِ التَّيْمِيِّ، عَنْ
أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ،
وَيَقُولُ: ((اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ

٢٣٣
(٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٧٧)
وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ
اخْتِلَافاً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨]
(ت١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرِ التَّيْمِيُّ) من بني تيم الله بن ثعلبة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤].
رأى عبد الله بن عمر، وروى عن الأسود بن يزيد النخعيّ، والحارث بن
سُويد التيميّ، وعبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، وأبي عطية الوادعيّ، وإبراهيم بن
أبي موسى الأشعريّ، وأبي معمر عبد الله بن سَخْبَرة الأزدي، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم النخعيّ، والحكم بن عتيبة، وزبيد الياميّ، والأعمش،
وسعد بن عبيدة، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم.
قال البخاريّ عن علي ابن المدينيّ: له نحو ثمانين حديثاً، وقال
عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ثقة وزيادة، يُسأل عن مثل هذا؟
وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وكان
خياراً، وقال ابن حبّان في ((الثقات)): رَوَى عن عبد الله بن عمر، وكذا جزم
بروايته عن ابن عمر ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)).
قال ابن سعد: تُؤُفّي في خلافة سليمان بن عبد الملك، وكذا قال ابن
حبان في ((الثقات))، وخليفة بن خياط، وزاد: سنة (٩٨)، وأما ابن أبي خيثمة
فحَكَى عن يحيى بن معين أنه مات سنة ثنتين وثمانين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثاً.
٣ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبَرَة - بفتح المهملة، وسكون المعجمة،
وفتح الموحّدة - الأزديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات في ولاية عبيد الله بن زياد (ع)
تقدم في ((شرح المقدمة» ج٢ ص٤٧٠.
٤ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ
الشهير، مات رظُبه قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤٥٨.

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض:
الأعمش، عن عمارة، عن أبي معمر.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بالبدريّ، قيل: إنه لم يشهد بدراً، وإنما
نُسب إليها، لسكناه بها، ولكن عدّه البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه)) ممن شهد
بدراً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبَرة الأزديّ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن
عمرو البدريّ ◌َُّبه، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا) أي يُسَوِّي
مناكبنا في الصفوف، ويُعَدِّلنا فيها .
و ((المناکب)): جمع مَنْکِب ـ بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف -
وهو مُجْتَمَع رأس العضد والْكَتِفٍ، قاله في ((المصباح))، يعني أنه يضع يده على
مناكبنا حتى لا يتقدّم بعضنا على بعض، أو يتأخّر (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق
بـ((يمسح))، أي في حال إرادة أداء الصلاة بالجماعة، يعني أنه يراعي تسويتنا
للصفوف عند القيام للصلاة، ويَتَعَهَّد ذلك (وَيَقُولُ) في حال تسوية المناكب
على ما هو الظاهر، كما قاله القاري ((اسْتَوُوا) أي اعتدلوا في صفوفكم بأن لا
يتقدّم بعضكم على بعض، وهو معنى قوله: (وَلَا تَخْتَلِفُوا) أي بالتقدّم والتأخّر،
و ((لا)) ناهية، ولهذا جُزم الفعل بها (فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ) بنصب ((تختلف)) على أنه
جواب النهي، بعد الفاء السببيّة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنٍ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والمعنى: لا تختلفوا في إقامة الصفوف بالأبدان بالتقدّم والتأخّر،

٢٣٥
(٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٧٧)
فتختلفَ قلوبكم بالأهوية والإرادة؛ لأن اختلاف الظاهر يكون سبباً في اختلاف
الباطن.
[فإن قلت]: هذا الحديث يدلّ على أن القلب تابع للأعضاء، ففسادها
سببٌ لفساده، ويعارضه حديث النعمان بن بشير ظتها المتّفق عليه: ((ألا إن في
الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا
وهي القلب))؛ لأنه يدلّ على أن الأعضاء تابعة للقلب، فصلاحها بصلاحه،
وفسادها بفساده، فكيف يُجمع بينهما؟ .
[قلت]: يُجمع بأن الاختلاف في الظاهر ناشئ عن فساد القلب، وذلك
أن عدم إقامة الصفوف يدلّ عدم الاعتناء بالسنّة، وعدم الاعتناء بها يدلّ على
غفلة القلب وفساده؛ لأن من كان قلبه حيّاً صالحاً منوَّراً بنور الإيمان يكون
متّبعاً للسنّة في جميع أحواله، والعكس بالعكس، فثبت بهذا ترتّب الاختلاف
الظاهريّ على الفساد الباطنيّ، ثم يَنشَأ من هذا الاختلاف الظاهريّ المتسبّب
عن فساد القلب الاختلاف الباطنيّ بمعنى آخر، وهو وقوع العداوة والبغضاء
والتحاسد فيما بينهم.
فظهر بهذا أن فساد القلب أوّلاً بالإعراض عن السنّة هو الأصل؛
لاختلاف الظاهر بعدم إقامة الصفوف الذي ينشأ عنه اختلاف الباطن بالعداوة
والبغضاء والتحاسد ونحوها، فاختلف جهة فساد القلب، فالفساد الأول هو
الغفلة عن الله، والإعراض عن اتّباع السنّة، والفساد الثاني هو الفساد الذي
يكون بينهم من الأشياء المذكورة، فالفساد الثاني نتيجة الفساد الأول.
وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين، ولله الحمد والنعمة، وله الفضل والمنّة.
(لِيَلِنِي مِنْكُمْ) أمر من الوَلْي، وهو القرب، والدنوّ، أي ليقرب منّي،
وأصله ((يليني)) بياء بعد اللام، فلمّاً دخلت لام الأمر حُذفت الياء للجزم.
[تنبيه]: تكلّم الشرّاح في حذف الياء الثانية وإثباتها من قوله: (ليلني))،
فقال النوويّ كَُّ: هو بكسر اللامين، وتخفيف النون، من غير ياء قبل النون،
ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد. انتهى(١). وأشار في هامش
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/٤ - ١٥٥.

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
نسخة محمد ذهني (٣٠/٢) أنه وقع في بعض النسخ: ((لِيَلِيَنّي)) بالياء وتشديد
النون، وهو الضبط الثاني مما ذكره النوويّ.
وقال شارح ((المصابيح)): الرواية ((لِيَليني)) بإثبات الياء، وهو شاذّ؛ لأنه
من الولي بمعنى القرب، واللام للأمر، فيجب حذف الياء للجزم، قيل: لعله
سهو من الكاتب، أو كُتب بالياء؛ لأنه الأصل، ثم قُرئ كذا.
والأولى أن يقال: إنه من إشباع الكسرة كما قيل في قول الشاعر [من البسيط]:
هَجَوْتَ زَبّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِراً مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ
حيث ثبتت الواو في ((تَهْجُو)) .
وقوله [من الطويل]:
كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيراً يَمَانِیًا
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
فثبتت الألف في ((تَرَى)).
قال ابن مالك كلُّ في ((شواهد التوضيح)) (ص٢٢ - ٢٤): وإشباع
الحركات الثلاث، وتوليد الأحرف الثلاثة - يعني الواو، والياء، والألف -
بعدها لغة معروفة، وذكر لذلك شواهد، فراجعه تستفد.
أو هو تنبيه على الأصل، كما قيل في قراءة قُنْبُل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي
وَيَصْبِرْ﴾، أو أنه لغة كما قاله في ((همع الهوامع))(١).
وقال العلامة أحمد محمد شاكر دَّتُهُ فيما كتبه على الترمذيّ بعد نقل
كلام النوويّ المذكور: وهكذا طُبع في ((صحيح مسلم)) بحذف الياء في طبعة
بولاق (١٢٨:١)، وفي طبعة الاستانة (٢: ٣٠) في حديثي أبي مسعود وابن
مسعود، وكتب بهامشها في حديث أبي مسعود أن في نسخة: ((ليليني))، وضبط
بتشديد النون، وفتح الياء قبلها، ولكن في نسخة مخطوطة عندي من ((صحيح
مسلم)) يغلب عليها الصحّة بإثبات الياء فيهما من غير ضبط، وكتب بهامشها في
الموضعين أن في نسخة «ليلني)» بحذف الياء.
وقال الشارح المباركفوريّ (١٩٣/١): قد وقع في بعض نسخ الترمذيّ:
((ليلني)) بحذف الياء قبل النون، وفي بعضها بإثباتها .
(١) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل)) ٥١/١.

٢٣٧
(٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٧٧)
قال أحمد شاكر: وإني لم أرها في شيء من نسخ الترمذيّ بحذف الياء،
وأظنّ أن حذفها فيه وفي غيره من تصرّف الناسخين، وكذلك ضبط الكلمة على
إثبات الياء بفتحها، وتشديد النون؛ ذهاباً منه إلى الجادّة في قواعد النحو بجزم
الفعل المعتلّ بحذف حرف العلّة، وقد رأيت كثيراً من الناسخين والعلماء
يجيزون لأنفسهم تغيير ما خالف القواعد المعروفة ظنّاً منهم أنه خطأً، والدليل
على ظنّ التصرّف منهم أن الشارح نقل عن الطيبيّ أنه قال: من حقّ هذا اللفظ
أن يُحذف منه الياء؛ لأنه على صيغة الأمر، وقد وجدناه بإثبات الياء وسكونها
في سائر كتب الحديث، والظاهر أنه غلطٌ.
قال أحمد شاكر: وليس هذا غلطاً كما زعم الطيبيّ، بل إثبات حرف
العلّة في مثل هذا ورد في الحديث كثيراً، وله شواهد من الشعر، وقد بَحَث فيه
العلامة ابن مالك في كتاب ((شواهد التوضيح)) بحثاً طويلاً (١١ - ١٥) وذكر من
شواهده في البخاري قول عائشة: ((إن أبا بكر رجلٌ أسيف، وإنه متى يقوم
مقامك لا يُسمع الناس))، وحديث: ((من أكل من هذه الشجرة، فلا يغشانا))،
وحديث: ((مُرُوا أبا بكر فليُصلّي بالناس))، ووجّه ذلك بأوجه متعدّدة، أحسنها
عندي الوجه الثالث، أن يكون أجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فأثبت الألف
- يعني أو الواو، أو الياء - واكتفى بتقدير حذف الضمّة التي كان ثبوتها منويّاً
في الرفع. انتهى كلام أحمد محمد شاكر دَّثُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن قول أحمد شاكر نَّتُهُ: وأظنّ أن حذفها
من تصرّفات الناسخين إلى آخر كلامه فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن الحقّ أن ما ثبت في
النسخ يُعتمد عليه، ولا سيّما إذا كان على وفق القواعد، ولا نتّهم الناسخين
بالتصرّف، ومن الغريب استدلاله بما نقله عن الطيبيّ، فإن الطيبيّ ليس من
المحدّثين المعتمدين في ضبط الروايات، وإنما هو من أهل اللغة والنحو والبلاغة.
والحاصل أن ما ضبطه به النوويّ من أنه بكسر اللامين، وتخفيف النون
من غير ياء قبل النون، مع تجويز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد، هو
الوجه الوجيه، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(١) انظر: تعليقه على ((جامع الترمذيّ)) ٤٤٠/١ - ٤٤١.

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(أُولُو الْأَحْلَامِ) أي ذوو العقول الراجحة، واحدها حِلْمٌ بكسر، فسكون،
قال في ((اللسان)):َ الْحِلْم بالكسر: الأناة، والعقل، جمعه أَحْلامٌ، وحُلُومٌ،
وفي التنزيل العزيز: ﴿أَمَ تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُم بِهَذَا﴾ الآية [الطور: ٣٢]، قال جرير [من
البسيط]:
هَلْ مِنْ حُلُوم لأَقْوَام فَتُنْذِرُهُمْ مَا جَرَّبَ النَّاسُ مِنْ عَضِّي وَتَضْرِيسِي
قال ابن سِيدُّهْ: وهذا أحد ما جُمِع من المصادر. انتهى (١).
وقال في ((المرقاة)): الْحِلْم بالكسر: الأناة، والتثبّت في الأمور،
والسكون، والوقارُ، وضبط النفس عند هَيَجَان الغضب، ويُفسّر بالعقل؛ لأن
هذه الأمور من مقتضيات العقل، والعقلُ الراجح يتسبّب لها، وقيل: ((أولو
الأحلام)): البالغون، والْحُلُم بضمّ الحاء البلوغ، وأصله ما يراه النائم.
انتھی(٢).
(وَالنُّهَى) بضم النون، وفتح الهاء مقصوراً: جمع نُهْيَة بالضمّ بمعنى
العقل؛ سمّي به لأنه ينهى صاحبه عن القبائح.
وقال في ((اللسان)): ((الُّهَى)): العقلُ يكون واحداً وجَمْعاً، وفي التنزيل
العزيز: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِأُوْلِ النُّهَى﴾ [طه: ٥٤]، والنُّهْيةُ بالضمّ: العقلُ،
سُمّيت بذلك؛ لأنها تنهى عن القبيح، وأنشد ابن بَرّيّ للخَنْسَاء [من الطويل]:
فَتَّى كَانَ ذَا حِلْمٍ أَصِيلٍ وَنُهْيَةٍ إِذَا مَا الْحُبَا مِنْ طَائِفِ الْجَهْلِ حُلَّتِ
ومن هنا اختارَ بعضهم أن يكون النُّهَى جمع نُهْية، وقد صَرَّح اللِّحيانيّ
بأنّ النُّهَى جمع نُهْيَةٍ، فأغنى عن التأويل. انتهى (٣) .
وقال النوويّ تَخْذَتُهُ: ((أولو الأحلام)): هم العقلاء، وقيل: البالغون،
و((النُّهَى)) - بضم النون -: العقول، فعلى قول من يقول: ((أولو الأحلام)):
العقلاء يكون اللفظان بمعنَى، فلما اختَلَف اللفظ عُطِف أحدهما على الآخر
تأكيداً، وعلى الثاني معناه: البالغون العقلاء، قال أهل اللغة: واحدة النُّهَى
نُهْية - بضم النون - وهي العقل، ورجلٌ نَهٍ - بفتح، فكسر - من قوم نَهِينَ،
(١) ((لسان العرب)) ١٤٦/١٢.
(٣) ((لسان العرب)) ٣٤٦/١٥.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٧١/٣ - ١٧٢.

٢٣٩
(٢٩) - بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَإِقَامَتِهَا، وَفَضْلِ الأَوَّلِ مِنْهَا - حديث رقم (٩٧٧)
ونَهِيٌّ - بفتح، فكسر، فياء مشدّدة - من قوم أَنْهِيَاء، ويقال: نِهِ - بكسرتين -
للإتباع، وسُمِّي العقل نُهْيَةً؛ لأنه يُنْتَهَى إلى ما أَمَرَ به، ولا يُتَجاوَز، وقيل: لأنه
يَنْهَى عن القبائح.
قال أبو عليّ الفارسيّ: يجوز أن يكون النُّهَى مصدراً، كالْهُدَى، وأن
يكون جَمْعاً كالظّلَم، قال: والنُّهَى في اللغة معناه: الثبات، والحبس، ومنه
النِّهْيُ، والنَّهْيُ، بكَسر النون وفتحها، والنُّهْيةُ للمكان الذي يَنتَهِي إليه الماء،
فيستنقع، قال الواحديّ: فرجع القولان في اشتقاق النُّهْية إلى قول واحد، وهو
الحبس، فالُّهْية هي التي تَنْهَى، وتَحْبِس عن القبائح. انتهى كلام النوويّ تَظُّهُ(١)
بزيادة من («اللسان»(٢) .
والمعنى: لِيَدْنُ منّي البالغون العقلاء؛ لشرفهم، ومزيد فِطْنتهم، وتيقّظهم،
وضبطهم لصلاته، وإن حدث به عارض استخلفهم في الإمامة.
وقال النوويّ كَّتُهُ: في هذا الحديث تقديمُ الأفضل فالأفضل إلى الإمام؛
لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى،
ولأنه يَتَفَطَّن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة
الصلاة، ويحفظوها، وينقلوها، ويُعَلِّموها الناس، وليقتدي بأفعالهم مَن
وَراءهم، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنَّة أن يقدم أهل الفضل في
كل مَجْمَع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم، والقضاء، والذكر،
والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع
الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل
والشرف والسنّ، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على
ذلك. وفيه تسويةُ الصفوف، واعتناء الإمام بها، والحثّ عليها. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ نَُّ: المعنى: ليدن منّي العلماء النجباء، أولو الأخطار،
وذوو السكينة والوقار، أمرهم به؛ ليحفظوا صلاته، ويضبطوا الأحكام والسنن،
فُيُبلغوا مَن بَعْدهم، وفي ذلك بعد الإفصاح عن جلالة شؤونهم، ونباهة أقدارهم
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/٤ - ١٥٦.
(٢) ((لسان العرب)) ٣٤٦/١٥.

٢٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
حثٌّ لهم على المسابقة إلى تلك الفضيلة، وفيه إرشاد لمن قصر عن المساهمة
معهم في المنزلة إلى تحرّي ما يُزاحمهم فيها. انتهى(١).
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أي الذينِ يَقْرُبون منهم في هذا الوصف، كالمراهقين،
أو الذين يقاربون الأولين في النُّهَى والْحِلْم (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))) كالصبيان
المميّزين، أو الذين هم أنزل مرتبةً من المتقدّمين حِلْماً وعَقْلاً.
(قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عَمْرو ◌َيُّهِ (فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافاً) قال
الطيبيّ تَكْثُهُ: هذا خطاب للقوم الذين هيَّجُوا الفِتَن، وأراد أن سبب الاختلاف
والفتن عدم تسوية صفوفكم، وقال أيضاً: لعله أراد الفتن التي وقعت بين
الصحابة، و((أشدّ)) يَحْتَمِل أن يجري على المبالغة من وضع ((أفعل)) مقام اسم
الفاعل، أي فأنتم اليوم في اختلاف لا مزيد عليه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: إن كلام أبي مسعود ظُهُ يَحْتَمِل معنيين:
[أحدهما]: أنه يقول: إنكم اليوم أشدّ اختلافاً في الصفوف من اليوم
الذي قال لنا فيه رسول الله وسلم: ((لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم))، فإنه كان
قليلاً، فقد كان أحياناً يرى النبيّ وَّر عدم تسوية الصفّ من بعض الناس،
فيُحذّرهم، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير ظًا قال: كان
رسول الله وَ﴿ يُسَوِّي صفوفنا، كأنما يُسّي الْقِدَاحَ حتى رأى أنا قد عَقَلنا عنه،
ثم خرج يوماً، فقام حتى كاد يكبّرُ، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصفّ، فقال:
((عباد الله لتسوّنّ صفوفكم، أو ليُخالفنّ الله بين وجوهكم)).
[الثاني]: أنه يقول: أنتم اليوم بسبب عدم تسويتكم الصفوف أشدّ اختلافاً
حيث وقعتم في الفتن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود ظبه هذا من أفراد المصنّف وَّلهُ.
(١) (الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٤٢/٤.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٤١/٤.