Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤١) ١١ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَل من ملاطفة أزواجه، ولا سيّما عائشة رضي الله عنهنّ جميعاً . ١٢ - (ومنها): أن الإيماء يقوم مقام النطق، حيث اقتصر النبيّ وَّل على الإشارة ببقاء أبي بكر رؤيته في مكانه. قال في ((الفتح)): واقتصاره ◌َير على الإشارة يَحْتَمِل أن يكون لضعف صوته، ويَحْتَمل أن يكون للإعلام بأن مخاطبة مَن يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق. انتهى(١). ١٣ - (ومنها): أن فيه تأكيدَ أمر الجماعة، والأخذ فيها بالأشدّ، وإن كان المريض يُرَخَّص له في تركها؛ لأنه يَّ تكلّف الحضور مع مشقّته عليه. قال في ((الفتح)): ويَحْتَمِل أن يكون فَعَلَ ذلك لبيان جواز الأخذ بالأشدّ، وإن كانت الرخصة أولى، وقال الطبريّ: إنما فَعَل ذلك؛ لئلا يَعْذُر أحدٌ من الأئمة بعده نفسه بأدنى عذر، فيتخلَّفَ عن الإمامة، ويَحْتَمل أن يكون قصد إفهام الناس أن تقديمه لأبي بكر ظهله كان لأهليته لذلك، حتى إنه صلّى خلفه. ١٤ - (ومنها): أنه استدل به على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة؛ الصنيع أبي بكر ربه في عرضه على عمر ◌ُه. ١٥ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز مخالفة موقف المأموم للضرورة، كمن قَصَد أن يبلِّغ عنه، ويَلْتَحِقِ به مَن زُحِم عن الصفّ. ١٦ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض، وهو قول الشعبيّ، واختيار الطبريّ، وأومأ إليه البخاريّ. وتُعُقِّب بأن أبا بكر إنما كان مبلِّغاً كما سيأتي من رواية الأعمش: ((وأبو بكر يُسمع الناس))، فعلى هذا فمعنى قوله: ((ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر)) اقتداؤهم بصوته، ويؤيده أنه وسل﴿ كان جالساً، وكان أبو بكر قائماً، فكان بعض أفعاله يَخْفَى على بعض المأمومين، فمن ثَمّ كان أبو بكر كالإمام في حقهم، والله تعالى أعلم(٢) . ١٧ - (ومنها): أن فيه اتِّباعَ صوت المكبر، وصحة صلاة الْمُسْمِع (١) ((الفتح)) ٢٠٦/٢. (٢) راجع: ((الفتح)) ١٨٣/٢. ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة والسامع، ومنهم من شَرَط في صحته تقدم إذن الإمام، والأول أصحّ، قال النوويّ ◌َّثُ في ((شرحه)): فيه جواز رفع الصوت بالتكبير؛ ليسمعه الناس ويتبعوه، وأنه يجوز للمقتدي اتّباعُ صوت المكبر، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، ونقلوا فيه الإجماع، وما أراه يصحّ الإجماع فيه، فقد نَقَل القاضي عياض عن مذهبهم أنّ منهم من أبطل صلاة المقتدي، ومنهم من لم يبطلها، ومنهم من قال: إن أذن له الإمام في الإسماع صح الاقتداء به، وإلا فلا، ومنهم من أبطل صلاة الْمُسْمِعِ، ومنهم من صححها، ومنهم من شرط إذن الإمام، ومنهم من قال: إن تكَلَّف صوتاً بطلت صلاته، وصلاة من ارتبط بصلاته، وكلُّ هذا ضعيف، والصحيح. جوازُ كل ذلك، وصحة صلاة الْمُسْمِعِ والسامع، ولا يعتبر إذن الإمام. انتهى كلام النوويّ كَّتُهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ١٨ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به الطبريّ كَُّ على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به، ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة، وعلى جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة، وعلى جواز تقدّم إحرام المأموم على الإمام؛ بناءً على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة، ثم قطع القدوة، وائتمّ برسول الله وَلّر، قال الحافظ تَُّهُ: وهو ظاهر الرواية، ويؤيِّده أيضاً أن في رواية أرقم بن شُرَحبيل، عن ابن عباس : ((فابتدأ النبيّ وَلّ القراءة من حيث انتهى أبو بكر)). انتهى (٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. ١٩ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على صحة صلاة القادر على القيام قائماً خلف القاعد، خلافاً للمالكية مطلقاً، ولأحمد حيث أوجب القعود على مَن يصلي خلف القاعد، وقد سبق تحقيق القول في ذلك، وأن الأرجح جواز الاقتداء للقادر قائماً وقاعداً، كما هو أحد القولين عن الإمام أحمد دَخَّتُهُ، والله تعالى أعلم. ٢٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ بهذا الحديث على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتَكَى أولى من صلاته بهم قاعداً؛ لأنه لنَّ استَخْلَف أبا بكر ◌َظُه، ولم (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٤/٤. (٢) راجع: ((الفتح)) ١٨٣/٢ - ١٨٤. ١٠٣ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٢) يُصَلِّ بهم قاعداً غير مرة واحدة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩٤٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنٍ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا (١) مَعَّمُرٌ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُبَيَّدُ الهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِهَا، فَأَذِنَّ لَهُ(٢)، قَالَتْ: فَخَرَجَ، وَيَدٌ لَهُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَيَدْ لَهُ عَلَى رَجُلِ آخَرَ، وَهُوَ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ هُوَ عَلِيٍّ). رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلّهم تقدّموا قريباً، فمن شيخيه إلى الزهريّ، تقدّموا قبل باب، والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي ... إلخ) معنى هذا الكلام أن الزهريّ أخبره عبيد الله حديثاً أو أكثر غير هذا الحديث، فعطف عليه هذا، فقال: وأخبرني ... إلخ. وقولها: (أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ نَ ◌ّه فِي بَيْتِ مَيْمُونَةً) برفع ((أولُ)) على الابتداء، وخبره ((في بيت ميمونة))، و((ما)) مصدريّة، أي أوّلُ اشتكاء رسول الله (18م كان في بيت ميمونة پنا. وَ((مَيْمُونَةُ)) هي: بنت الحارث الهلاليّة، أم المؤمنين، قيل: كان اسمها برّة، فسمّاها النبيّ ◌َّ ميمونة، وتزوّجها بسَرِف، موضع قريب من مكّة، سنة سبع من الهجرة، وماتت فيها سنة (٥١) على الصحيح، وكان موتها بِسرِف في الظلّة التي كان بنى بها النبيّ وََّ، وتقدّمت ترجمتها مستوفاةً في ((الحيض)) ٦٨٧/١. وقولها: (فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ) أي يُخدَم في مرضه، يقال: مرّضته - (١) وفي نسخة: ((قال: حدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((وَأذنّ له)) بالواو. ١٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة تمريضاً: إذا تكفّلت بمداواته، قاله في ((المصباح))(١). وقال في ((القاموس))، و(شرحه)): ((التَّمْرِيضُ)): حُسنُ القيام على المريض، قال سيبويه: مرّضه تمريضاً: قام عليه، ووَلِيَهُ في مَرَضه، وداواه؛ ليزول مرَضُهُ، جاءت فَعَّلْتُ هنا للسلب، وإن كانت في أكثر الأمر إنما تكون (٢) للإثبات. انتهى(٢). وقولها: (فِي بَيْتِهَا) أي بيت عائشة ضَّا، قال النوويّ ◌َُّهُ: هذا يَسْتَدِلّ به مَن يقول: كان القسم واجباً على النبيّ ◌َ ه بين أزواجه في الدوام، كما يَجب في حقّنا، ولأصحابنا وجهان: أحدهما هذا، والثاني: سُنّة، ويَحملون هذا، وقوله وَلي: ((اللهم هذا قَسْمي فيما أملك ... ))، على الاستحباب، ومكارم الأخلاق، وجميل العشرة(٣). قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح أن القسم ليس واجباً على النبيّ وَلّل، وإنما يفعله؛ لكريم أخلاقه، وحسن معاملته، والدليل قوله رَّ: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه - إن شاء الله تعالى -. وفيه فضيلة عائشة يا، ورجحانها على جميع أزواجه وَل الموجودات ذلك الوقت، وكُنّ تسعاً، إحداهن عائشة رضي الله عنهنّ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وإنما اختلفوا في عائشة وخديجة ﴿ها، والأرجح ترجيح عائشة غيرها، وسيأتي هذا أيضاً في محلّه - إن شاء الله تعالى -. وقولها: (فَأَذِنَّ لَهُ) وفي بعض النسخ: ((وَأذنّ له))، وهو بفتح الهمزة، وكسر الذال المعجمة، وتشديد النون: أي أذن أزواجه وَلّر، وحَكَى الكرمانيّ أنه رُوي بضم الهمزة، وكسر الذال، وتخفيف النون، على البناء للمجهول. وقولها: (وَيَدٌ لَهُ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) تقدّم قولها: ((فخرج بين رجلين، أحدهما العبّاس ... ))، قال النوويّ كَّثُهُ: وجاء في غير ((صحيح مسلم)): ((بين (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢ /٥٦٨ - ٥٦٩. (٢) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٨٥/٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/٤ - ١٣٩. ١٠٥ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٣) رجلين: أحدهما: أسامة بن زيد))، وطريق الجمع بين هذا كلِّه أنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة ﴿ تارةً هذا، وتارةً ذاك وذاك، ويتنافسون في ذلك، وهؤلاء هم خواصّ أهل بيته الرجال الكبار، وكان العباس وظُله أكثرهم ملازمة للأخذ بيده الكريمة المباركة و 1، أو أنه أدام الأخذ بيده، وإنما يتناوب الباقون في اليد الأخرى، وأكرموا العباس باختصاصه بيد، واستمرارها له؛ لما له من السنّ والعمومة وغيرهما، ولهذا ذكرته عائشة لمُسَمَّى، وأبهمت الرجل الآخر؛ إذ لم يكن أحد الثلاثة الباقين ملازماً في جميع الطريق، ولا مُعْظَمِهِ، بخلاف العباس، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقولها: (وَهُوَ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ فِي الْأَرْضِ) أي لا يستطيع أن يرفعهما، ويضعهما، ويَعتَمِدَ عليهما، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩٤٣] ( .. ) - (حَدَّثَنِي (٢) عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَاشْتَدَّ(٣) بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنٍ، تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ، بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بِالَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ عَلِيٌّ). (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/٤. (٣) وفي نسخة: ((فاشتدّ)). (٢) وفي نسخة: ((وحدّثني)). ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦. ٢ - (أَبُوهُ) شُعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأَيْلِيّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨. والباقون تقدّموا في السند الماضي، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت. [تنبيه]: قوله: (بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَيْنَ رَجُلِ آخَرَ) قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ ◌َّتُهُ: هكذا في روايتنا عن أبي أحمد الْجُلُوديّ والكسائيّ، ووقع في النسخة عن ابن ماهان: ((بين الفضل بن عبّاس، وبين رجل آخر))، جَعَل الفضل مكان ابن عبّاس، وهكذا قال عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة: ((فخرج ويدٌ له على الفضل بن عبّاس، ويدٌ على رجل آخر)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم الجمع بين الروايات المختلفة في هذا في كلام النوويّ كَُّهُ، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٤٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ (١) ((تقييد المهمل)) ٣/ ٨١٠. ١٠٧ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٤) عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَِّ قَالَتْ: لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ بَّهِ فِي ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةٍ مُرَاجَعَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلاً قَامَ مَقَامَهُ أَبَداً، وَإِلَّا أَنِّي كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ أَحَدٌ، إِلَّا تَشَاءَ النَّاسُ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ). رجال هذا الإسناد: هم الذين تقدّموا في السند الماضي. وقولها: (لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ فِي ذَلِكَ) أي شأن إمامة أبي بكر عظته، لَمّا أمر النبيّ وَّر بأن يؤمّ الناس. قال النوويّ كَُّ: وفي مراجعة عائشة رضيّا جواز مراجعة وليّ الأمر على سبيل العَرْض والمشاورة، والإشارة بما يَظهَر أنه مصلحةٌ، وتكون تلك المراجعة بعبارة لطيفة، ومثل هذه المراجعة مراجعةُ عمر بنظُبه في قوله: ((لا تُبَشِّرهم، فَيَتَّكِلوا))، وأشباهه كثيرةٌ مشهورةٌ. انتهى(١). وقولها: (وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةٍ مُرَاجَعَتِهِ) ((ما)) نافيةٌ، و(حملني)) مبنيّ للفاعل، وفاعله قولها: ((إِلَا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ ... إلخ))، و((إلا)) أداة استثناء مُلغاة، و((أنه)) بفتح الهمزة؛ لوقوعها موقع المصدر، كما قال في ((الخلاصة)): وَهَمْزَ ((إِنَّ)) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرٍ فهنا وقعت فاعلاً، أي ما حملني إلا عدم وقوع محبة الناس. وقولها: (أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلاً قَامَ مَقَامَهُ أَبَداً) ((أن)) مصدريّةٌ، والفعل مبنيّ للفاعل، وهو في تأويل المصدر فاعل ((يقع)). وقولها: (وَإِلَّا أَنِّي كُنْتُ ... إلخ) بفتح همزة ((أن))، وهو عطفُ على ((إلا أنه ... إلخ)). وقولها: (أَرَى) بفتح أوله، أي أعتقد، ويَحتَمل أن يكون بضمّ أوله بصيغة المبنيّ للمفعول، بمعنى أَظُنُّ. وقولها: (مَقَامَهُ) أي مقام النبيّ وَِّ. وقولها: (إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ) أي يتطيّروا به، والتشاؤم: ضدّ التيامن. (١) ((شرح النوويّ)) ٤/ ١٤٠. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقولها: (أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ ... إلخ) بكسر الدال، من باب ضرب؛ أي يصرفه عن أبي بكر به إلى غيره، وبقية مباحث الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩٤٥] (.) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَاً عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ الزُّخَّرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِّبْنِ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بَيْتِي، قَالَ: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا بِي إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ يَتَشَاءَ النَّاسُ بِأَوَّلِ مَنْ يَقُومُ فِي مَقَامٍ رَسُولِ اللهِنَِّ، قَالَتْ: فَرَاجَعْتُهُ مَرَّتَيْنٍ أَوْ ثَلَاثاً، فَقَالَ: ((لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ(٢) أَبُو بَكْرٍ ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة، کلّھم تقدّموا قبل حدیثین، غیر: (حَمْزَةُ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب، أبو عُمَارة المدنيّ، شقيق سالم بن عبد الله، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وعمته حفصة، وعائشة. وروى عنه أخوه عبد الله، وابن ابن أخيه خالد بن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، والزهريّ، وأخوه عبد الله بن مسلم بن شهاب، والحارث بن عبد الرحمن، خال ابن أبي ذئب، وعبيد الله بن أبي جعفر المصريّ، وموسى بن عقبة، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره ابن المديني عن يحيى بن سعيد في فقهاء أهل المدينة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثاً بالمكرّر. (١) وفي نسخة: ((حدّثني)). (٢) وفي نسخة: ((فليُصلّ بالناس)). ١٠٩ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٦) وقوله: (لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ) وفي نسخة: ((فَلْيُصَلِّ بالناس)). وقوله: (فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) أي في التظاهر على ما تُرِدْنَ، وكثرةٍ إِلْحَاحِكُنّ في طلب ما تُرِدنه، وتَمِلْنَ إليه، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٤٦] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ، لَا يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، قَالَتْ: فَقُلْتُ لِخَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ، لَا يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَتْ لَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، قَالَتْ: فَأَمَرُوا أَبَا بَكْرٍ، يُصَلِّي بِالنَّاسِ، قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَجَدَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ، قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، سَمِعَ أَبُو بَكْرِ حِسَّهُ، فَذَهَبَ (١) يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ: ((قُمْ(٢) مَكَانَكَ))، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِوَلِّ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِساً، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِماً، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب. (١) وفي نسخة: ((ذهب)) بحذف الفاء. (٢) وفي نسخة: ((أقم)). ١١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لأحاديث الأعمش، من كبار [٩] (ت١٩٥) عن (٨٢) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (وَكِيع) بن الْجَرّاحِ بن مَلِيحِ الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو أوّل ١٩٧) عن (٧٠) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١. ٤ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عِمْران الكوفيّ الفقيه، ثقةٌ ثبت [٥] (ت٩٦) عن (٥٠) سنةً أو نحوها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٧ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عَمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، خال إبراهيم، ثقة مُكثرٌ فقيهٌ مخضرمٌ [٢] (ت٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٣٢/ ٦٧٤. ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت أوّل الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّ، وله فيه شيخان، فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فكلّ رواته كوفيّون، إلا عائشة ویحیی بن يحيى، وقد دخلها . ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وهو خالٌ لإبراهيم، فإن أمه مليكة بنت يزيد أخت الأسود. ٥ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم البحث عنها مستوفی في غير موضع . ٦ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ له))؛ إشارة إلى أن شيخيه اختلفا في ١١١ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٦) لفظ هذا الحديث، وهذا الذي ساقه لفظ شيخه يحيى، وأما أبو بكر، فرواه بمعناه. ٧ - (ومنها): أن فيه عائشة ◌َّا، وقد تقدّم الكلام عنها قريباً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِّنًا أنها (قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ أي اشتدّ به المرض، وقد تقدّم ضبط ((ثَقُل)) ومعناه قريباً (جَاءَ بِلَالٌ) بن رَبَاح، مؤذّن رسول الله وَ﴿، مولى أبي بكر الصدّيق ◌َُّبه، المتوفّى سنة (١١٧) أو بعدها بالشام، تقدّمت ترجمته في ((الطهارة)) ٦٤٣/٢٣. (يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ) بضمّ حرف المضارعة، من الإيذان، وهو الإعلام؛ أي يُعلمه بحضورها، وفي رواية البخاريّ، عن الأسود قال: كنا عند عائشة ◌ًَّا، فذكرنا المواظبة على الصلاة، والتعظيمَ لها، قالت: لَمّا مَرِض رسول الله وَ﴿ مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأُذِّن، فقال: ((مُرُوا أبا بكر .. )). والصلاة المذكورة هي العشاء الآخرة، كما تقدّم في رواية موسى بن أبي عائشة، وقد تقدّم بيان الخلاف في ذلك، وتقدّم أيضاً أنه ﴿ ﴿ هو الذي بدأ بالسؤال عن حضور وقت الصلاة، فقال: ((أصلّى الناس؟))، وذلك ليتهيّأ للخروج إليها، ولكنه أغمي عليه إلى آخر ما تقدّم. (فَقَالَ) وَّرِ (مُرُوا أَبَا بَكْرِ) رَله (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))) استُدِلَّ به على أن الآمر بالأمر بالشيء يكون آمراً به، وهي مسألة معروفة في أصول الفقه، وأجاب المانعون بأن المعنى بَلِّغُوا أبا بكر أني أمرته، وفصل النزاع أن النافي إن أراد أنه ليس أمراً حقيقةً، فمسلّم؛ لأنه ليس فيه صيغةُ أمرٍ للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزمه فمردود، قاله في ((الفتح)»(١). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي القول الثاني، وإليه أشرت في ((التحفة المرضيّة)) حيث قلت: (١) ١٧٩/٢ رقم (٦٦٥). ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أَمْراً بِهِ نَحْوُ ((مُرُوا)) كَمَا جَرَى وَالأَمْرُ بِالأَمْرِ بِشَيْءٍ لَا يُرَى بَلِ الْوُجُوبَ لِلْوَلِيِّ نَجْتَبِي ((أَوْلَادَكُمْ)) لَيْسَ خِطَاباً لِلصَّبِي كَ افَلْيُرَاجِعْهَا» فَيُصْرَفُ إِلَيْهْ وَإِنْ يَكُنْ حَصَلَ مَا دَلَّ عَلَيْهْ وأشرت بقولي: ((مُرُوا ... إلخ)) إلى ما أخرجه أبو داود بسند حسن عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله وَله: ((مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها، وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع)). وبقولي: ((فليُراجعها)) إلى ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمر، أنه طلَّق امرأته، وهي حائض، على عهد رسول الله ◌َّر، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله وَله عن ذلك؟ فقال رسول الله وَله: (مُرْه فليراجعها ... )) الحديث. (قَالَتْ) عائشة ◌َّا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ) بفتح الهمزة، وكسر السين المهملة، بوزن فَعِيل، وهو بمعنى فاعل، من الأَسَف، وهو شدّة الحزن، والمراد أنه رقيق القلب، ولابن حبّان من رواية عاصم، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة رضيّا في هذا الحديث: قال عاصم: والأَسِيف: الرقيق الرحيم، وتقدّم في حديث حمزة بن عبد الله بن عمر عنها في هذه القصة، قالت: فقلت: ((يا رسول الله: إن أبا بكر رجل رقيقٌ، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر))، وفي حديث أبي موسى رُبه نحوه، ومن رواية مالك، عن هشام، عن أبيه، عنها، بلفظ: ((قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس، من البكاء، فمُرْ عمرَ)). (وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ) ((متى)) اسم شرط يجزم فعلين، الأول فعل الشرط، وهو (يقم))، والثاني جوابه، وهو قوله: (لَا يُسْمِعِ النَّاسَ) وكسرت العين؛ لالتقاء الساكنين (فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ) (لو)) يحتمل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب، ويَحْتَمِل أن تكون شرطيّة، وجوابها محذوف، أي لكان خيراً (فَقَالَ) وَِّ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))) وفي رواية البخاريّ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش: ((إن أبا بكر رجل أسيفٌ إذا قام في مقامك لم يستطع أن يُصلّ بالناس، وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثة)) (قَالَتْ) عائشة رّ: (فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطّاب، أم المؤمنين، تزوّجها ١١٣ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٦) النبيّ وَل﴿ بعد خُنَيس بن حُذَافة سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٤٥) وستأتي ترجمتها مستوفاةً في ((كتاب صلاة المسافرين)) برقم (٧٢٣)(١). (قُولِي لَهُ) ◌َّ: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى بَقُمْ مَقَامَكَ، لَا يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَتْ) حفصة رِّنَا ذلك (لَهُ) وَِّ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَِّ: ((إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) وفي رواية مالك، عن هشام بن عروة: فقال: ((مَهْ، إنكنّ لأنتن صواحب يوسف))، أي في التظاهر على ما تُردن، وكثرة إلحاحكنّ في طلب ما تردنه، وتَمِلن إليه، وفيه جواز تشبيه أحد الشيئين بآخر في وصف مشهور بين الناس. وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: (لأنتنّ صواحب يوسف)): يعني في تردادهنّ، وتظاهرهنّ بالإغواء والإلحاح، حتى يَصِلْنَ إلى أغراضهنّ، كتظاهر امرأة العزيز ونسائها على يوسف ظلَّا؛ ليصرفنه عن رأيه في الاستعصام، و((صواحبات)): جمع صواحب، وهو جمع شاذّ. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): ((صواحب)): جمع صاحبة، والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن، ثم إن هذا الخطاب، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحد، وهي عائشة فقط، كما أن صواحب صيغة جمع، والمراد زَلِيخًا فقط، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زَلِيخا استَدْعَت النسوة، وأظهرت لهنّ الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادةً على ذلك، هو أن ينظرن إلى حسن يوسف عَلَّ*، ويعذرنها في محبته، وأنّ عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرفَ الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادةً على ذلك، هو أن لا يتشاءم الناس به، وقد صَرَّحت هي بذلك، فقالت: ((لقد راجعت رسول الله وَل﴾ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته، إلا أنه لم يقع في قلبي أن يُحِبّ الناس بعده رجلاً قام مقامه أبداً ... )) الحدیث، قد سبق قبل حدیث. قال الحافظ: وبهذا التقرير يندفع إشكال مَن قال: إن صواحب يوسف لم يقع منهنّ إظهار يخالف ما في الباطن. (١) هذا الرقم للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، فتنبّه. (٢) ((المفهم)) ٥١/٢ - ٥٢. ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ووقع في مرسل الحسن، عند ابن أبي خيثمة: أن أبا بكر أمر عائشة أن تُكَلِّم النبيّ وَ ◌ّ أن يصرف ذلك عنه، فأرادت التوصل إلى ذلك بكل طريق، فلم يَتِمّ. ووقع في أمالي ابن عبد السلام: أن النسوة أَتَيْنَ امرأة العزيز يُظهِرن تعنيفها، ومقصودهنّ في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن، كذا قال، وليس في سياق الآية ما يساعد ما قال. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله ابن عبد السلام هو الصواب؛ لأنه الذي يدلّ عليه سياق الآية؛ إذ قوله تعالى حكاية عن يوسف ثلا: ﴿رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَا يَدْعُونَنِيّ إِلَيّْةٍ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ وَأَكُ مِّنَ اَلْجَهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، ثم قال تعالى: ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٣٤]، وقال أيضاً: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَوَدَتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِةٍ﴾ الآية [يوسف: ٥١]، ظاهرٌ في كونهنّ راودنه كما راودته امرأة العزيز، فقول الحافظ: وليس في سياق الآية ما يساعد ما قال غريبٌ جدّاً. والحاصل أن سياق الآيات المذكورة واضح في الدلالة على ما ذُكر، فقوله وَله: ((إنكنّ صواحب يوسف)) بالجمع على ظاهره، وذلك أنه أراد عائشة وحفصة، وقد سبق أن الأرجح أن أقلّ الجمع اثنان، كما هو مذهب الإمام مالك ◌َُّهُ، وأما في قصّة يوسف عليّا، فالجمع واضح؛ إذ المراد امرأة العزيز، والنسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [فائدة]: قال الحافظ تَُّهُ: زاد حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم في هذا الحديث: أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله وَ القتل بأن يأمر عمر بالصلاة، أخرجه الدَّوْرَقيّ في ((مسنده))، وزاد مالك في روايته: فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً، ومثله للإسماعيليّ، وإنما قالت حفصة ذلك؛ لأن كلامها صادف المرة الثالثة من المعاودة، وكان النبيّ وَّ لا يراجع بعد ثلاث، فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذُكِر من كونهنّ (١) ((الفتح)) ١٧٩/٢ - ١٨٠. ١١٥ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٦) صواحب يوسف، وَجَدَت حفصة في نفسها من ذلك؛ لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضاً في قصة المغافير، كما سيأتي في موضعه. انتهى(١). (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))) وفي رواية الكشميهنيّ للبخاريّ: (للناس)) باللام (قَالَتْ) عائشة ◌َوُْهَا: (فَأَمَرُوا أَبَا بَكْرٍ) أي بلّغوه أمره وَِّ، والمبلّغ هو رسول رسول الله ◌َ، وهو بلالٌ ◌َُّه، وإنما جمع الضمير؛ لأن الحاضرين موافقون له في ذلك، وقوله: (يُصَلِّي بِالنَّاسِ) بتقدير حرف مصدريّ، أي أن يصليّ، وهو في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف، والتقدير: فأمروا أبا بكر بالصلاة بالناس. وفي رواية البخاريّ: ((فخرج أبو بكر، فصلّى))، قال في (الفتح)): فيه حذفٌ دَلَّ عليه سياق الكلام، وقد بيّنه في رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة، ولفظه: ((فأتاه الرسول)) أي بلال؛ لأنه هو الذي أَعْلَم بحضور الصلاة، فأجيب بذلك، وفي روايته أيضاً: فقال له: ((إن رسول الله و طيور يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلاً رقيقاً: يا عمر صلِّ بالناس، فقال له عمر: أنت أحقّ بذلك)). انتهى. وقولُ أبي بكر هذا لم يُرِد به ما أرادت عائشة، قال النوويّ: تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعاً، وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو كونه رقيقَ القلب، كثيرَ البكاء، فخشي أن لا يُسْمِع الناس. انتهى. وقد تقدّم تمام البحث في هذا عند شرح رواية موسى بن أبي عائشة المذكورة. (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا دَخَلَ) أبو بكر (فِي الصَّلَاةِ) هذا ظاهر في كونه شرع في الصلاة، ولا داعي للاحتمال الذي ذكره في ((الفتح)) بأنه محتمل لأن يكون المراد دخل في مكان الصلاة، فإنه احتمال بعيد، فتأمله، والله تعالى وليّ التوفيق. (وَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَهَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) ظاهره أنه نَّهِ وجد ذلك في تلك الصلاة بعينها، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك بعد ذلك، وأن يكون فيه حذفٌ، كما (١) ((الفتح)) ٢ /١٨٠. ١١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة تقدم مثله في قوله: ((فخَرَجَ أبو بكر))، وأوضح منه رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة بلفظ: ((فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله وَّهُ وَجَدَ من نفسه خِفّةً))، وعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء، قاله في (الفتح))، وهو بحثٌ مفيد، والله تعالى أعلم. (فَقَامَ يُهَادَى) - بضم أوله، وفتح الدال ـ مبنيّاً للمفعول: أي يمشي مُعْتَمِداً على الرجلين متمايلاً في مشيه، من شدّة الضعف، والتهادي: التمايل في المشي البطيء. (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) هما العبّاس وعليّ بن أبي طالب ◌ّ، وتقدّم اختلاف الروايات في ذلك، والجمع بينها عند شرح رواية موسى المذكورة. (وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ) أي تجعلان فيها خطّاً؛ لكونه وَّه يجرّهما، ولا يعتمد عليهما؛ لعدم قدرته على تمكينهما من الأرض بسبب شدّة ضعفه، وفي رواية عند ابن حبان: ((إني لأنظر إلى بطون قدميه)). (قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ) النبيّ ◌َِّ (الْمَسْجِدَ) النبويّ (سَمِعَ أَبُو بَكْرِ حِسَّهُ) قال في ((القاموس)): ((الْحَسُّ)) بفتح الحاء: الْجَلَبَةُ، وبكسرها: الحركة، وأن يمرّ بك قريباً، فتسمعه، ولا تراه، كالْحَسِيس. انتهى باختصار(١). والظاهر أن الرواية هنا بالكسر، فيكون المعنى: أنه سمع حركته رَّه، والله تعالى أعلم. (فَذَهَبَ) عطف على ((سمع))، وفي بعض النسخ: ((ذَهَبَ)) بحذف العاطف، وعليه فيكون جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، وهو ما وقع جواباً عن سؤال مقدّر، كأنه قيل لها: فماذا فعل أبو بكر ظُله حين سمع حسّه؟ فأجابت بقولها: ذَهَبَ (يَتَأَخَّرُ) أي إلى الصفّ؛ ليكون مأموماً بعد أن كان إماماً (فَأَوْمَأَ) أي أشار إِلَيْهِ (رَسُولُ اللهِ وََّ: (قُمْ) وفي نسخة: ((أقم)) بهمزة القطع، من الإقامة (مَكَانَكَ))) منصوب على الظرفية، أي اثبت في مكانك الذي أنت فيه، وفي رواية البخاريّ: ((أن مكانك))، وفي رواية عاصم المذكورة: ((أن اثْبُتْ مكانك))، وكلمة ((أن)) بفتح الهمزة، وسكون النون، و((مكانك)) منصوب على (١) راجع: ((القاموس المحيط)) ٢٠٦/٢ - ٢٠٧. ١١٧ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٦) معنى الزَمْ مكانك، وفي رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة: ((فأومأ إليه النبيّ وَّ أن لا يتأخر))(١). (فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) وفي رواية موسى بن أبي عائشة المتقدّمة أن ذلك كان بأمره وَله، ولفظه: ((فقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر)). وقوله: (عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) هذا هو مقام الإمام، وسيأتي القول فيه، وأغرب القرطبيّ حيث قال - لَمّاً حَكَى الخلاف، هل كان أبو بكر إماماً، أو مأموماً؟ -: لم يقع في ((الصحيح)) بيان جلوسه ◌ّ، هل كان عن يمين أبي بكر، أو عن يساره؟. انتهى (٢). والغريب أن هذه الرواية كما ترى في ((صحيح مسلم))، بل هي متّفقٌ عليها، والقرطبيّ نفسه ساقها في ((مختصره))، فالعجب منه كيف يَغْفُل عن ذلك في حال شرحه له، فسبحان مَن ﴿لَا تَأْخُذُمُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ . (قَالَتْ) عائشة: (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ) حال كونه (جَالِساً، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِماً) هذا من عطف المعمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المقرّر في محلّه، فقوله: ((أبو بكر)) عطف على ((رسول الله (وَلات)، وقوله: (قائماً)) عطف على ((جالساً))، وهو حال من فاعل ((يُصلّي)). وقوله: (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ وََّ) حال من أبي بكر (وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) وهذا صريح في كون النبيّ وَّرَ هو الإمام، وأبو بكر مأموم به وَله فيكون معنى قوله: ((ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر)) اقتداؤهم به في الانتقالات، حيث كان يُسمعهم تكبيرات النبيّ وَل. واستدلّ به الجمهور على نسخ حديث: ((وإذا صلّى جالساً فصلّوا جُلُوساً))، والحقّ أنه لا نسخ، كما سبق تحقيقه، قريباً. واستدلّ به أيضاً ابن المسيِّب: على أن مقام المأموم يكون عن يسار الإمام؛ لأنه ◌َُّ جلس عن يسار أبي بكر رضيُه، وهذا إنما يتمشّى على قول من (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٧٨/٥. (٢) ((المفهم)) ٥١/٢. ١١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال: إن أبا بكر كان هو الإمامَ، والجمهور على أنه يقوم عن يمينه، وهو الحقّ؛ فقد ثبت في ((الصحيحين)) أنه رَّ حوّل ابن عبّاس ◌َّا إلى يمينه لَمّا قام عن يساره، وغير ذلك من الأدلة الصحيحة، وتخريج الحديث، وبيان فوائده تقدّمت في شرح أول أحاديث الباب، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٤٧] (.) - (حَدَّثَنَا (١) مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ(٢)، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: (لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُؤُنِّيَ فِيهِ))، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: ((فَأُنِيَ بِرَسُولِ اللهِ وَِّ حَتَّى أُجْلِسَ إِلَى جَنْبِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُصَلِّ بِالنَّاسِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمُ التَّكْبِيرَ))، وَفِي حَدِيثٍ عِيسَى: (فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِهِ يُصَلِّي(٣)، وَأَبُوَ بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) (م فق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٣/٤١. ٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الْحنظليّ المروزيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً . (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا عيسى يعني ابن يونس)). (٣) وفي نسخة: ((يصلي بالناس)). ١١٩ (٢٢) - بَابُ اسْتِخْلَافِ الإِمَامِ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِذَا عَرَضَ لَهُ ... إلخ - حديث رقم (٩٤٧) و((الأعمش)) ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لابن مُسْهِر وعيسى. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة پا. وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو الحديث السابق. وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا) أي ابن مسهر، وعيسى. وقوله: (فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُصَلِّي) وفي نسخة: (يصلّي بالناس)). [تنبيه]: رواية أبي مسهر هذه ساقها الحافظ أبو عوانة تَّتُهُ في ((مسنده)) (٤٤٣/١)، فقال : (١٦٤١) حدثنا الصَّغَانيّ، قال: أنبأ إسماعيل بن الخليل، قال: أنبأ عليّ بن مُسْهِرٍ، قال: أنبأ الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لَمّا مَرِضَ النبيّ ◌ََّ مرضه الذي تُوُفِّي فيه أتاه بلالٌ، فآذنه للصلاة، فقال: ((مُرُوا أبا بكر فليصلّ بالناس))، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيفٌ، ومتى ما يقوم مقامك لا يسمع الناس، فمر عمر، فليصلّ بالناس، فقال: ((مُرُوا أبا بكر، فليصلّ بالناس))، فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجلٌ أسيفٌ، ومتى يقوم مقامك يبك، فلا يستطيع، فمُرْ عمر، فليصلّ بالناس، فقال: ((مَوْ إنكن لأنتن صواحب يوسف، مُرُوا أبا بكر فليصل بالناس))، فأُتِي أبو بكر، فأُوذِن، قالت: فلما دخل الصلاة، وَجَدَ رسول الله وَه من نفسه خِفَّةً، فخرج يهادى بين رجلين، وقدماه تَخُطّان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأَومى إليه رسول الله وَّ* بيده، فأُتي برسول الله وَّه حتى أُجلس إلى جنبه، فكان رسول الله وَّه يصلي بالناس، وأبو بكر يسمعهم التكبير. انتهى. وأما رواية عيسى بن يونس، فساقها الإمام إسحاق ابن راهويه في ((مسنده)) (٨٣١/٣) فقال: (١٤٨١) أخبرنا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لَمّا مرض رسول الله وَّر المرض الذي مات فيه، أُذِّن بالصلاة، فقال: ((مُرُوا أبا بكر أن يصلي بالناس))، فقلت: إن أبا بكر رجل ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أسيفٌ، متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فسكت، ثم قال: (مروا أبا بكر أن يصلي بالناس))، فقلت: إن أبا بكر رجل رقيقٌ، متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: ((مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، فإنكنّ صواحب يوسف))، فأقيمت الصلاة، فصلّى أبو بكر بالناس، فوجد رسول الله وَّ من نفسه خِفّةً، فخرج إلى الصلاة، وقدماه تخطان في الأرض، فلما رآه أبو بكر ذَهَبَ يتأخر، فأومأ إليه رسول الله وَطِّ أن مكانك، فجاء رسول الله وَّل حتى جلس إلى جنب أبي بكر، وأبو بكر يقتدي به، وأبو بكر نظُّّ يُسْمِع الناس. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٤٨] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَام (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَِّ أَبَا بَكْرِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّ بِهِمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَهُ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ، وَإِذَا (١) أَبُو بَكْرٍ يَؤُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرِ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَيْ كَمَا أَنْتَ))، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل حديث. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرِ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير، تقدّم قبل باب أيضاً. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نمير والد محمد الراوي عنه، تقدّم قبل باب أيضاً. (١) وفي نسخة: ((فإذا)).