Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) بخلاف أهل، ولا يُضاف آل أيضاً غالباً إلى غير العاقل، ولا إلى المضمر عند الأكثرين، وجوّزه بعضهم بقّة، وصوّبه القرطبيّ؛ لأن السماع الصحيح يَعضده، فإنه قد جاء في قول عبد المطلب في قصّة أصحاب الفيل من أبيات: ـنَعْ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَكْ لَاهُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْـ ـبٍ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ الَكْ وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيـ وقال قُدامة: وَآلِي كَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِّكًا أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي وغير ذلك من كلام العرب، وهو كثير(١). وقد يُطلق آل فلان على نفسه، وعليه وعلى من يُضاف إليه جميعاً، وضابطه أنه إذا قيل: فَعَلَ آلُ فلان كذا دخل فيهم إلا بقرينة، ومن شواهده قوله ◌َّ للحسن بن عليّ ◌َرُه: ((إنا آلَ محمد، لا تحلّ لنا الصدقة))، وإن ذُكرا معاً فلا، وهو كالفقير والمسكين، وكالإيمان والإسلام، والفسوق والعصيان. ولَمّا اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معاً، وفي إفراد أحدهما كان أولى المحامل أن يُحمَل على أنه وَّ قال ذلك كلّه، ويكون بعض الرواة حَفِظ ما لم يَحفَظه الآخرون، وأما التعدّد فبعيدٌ؛ لأن غالب الطرق تُصَرّح بأنه وقع جواباً عن قولهم: ((كيف نصلي عليك؟)). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الحمل على التعدّد أقرب؛ لأن السائلين كثيرون، فحملُ سؤالهم على محلّ واحد بعيدٌ جدّاً . فالأولى أن نقول: إنه وس﴿ل علّمهم في أوقات مختلفة بألفاظ مختلفة في بعضها طولٌ، وفي بعضها اختصارٌ؛ توسعةً عليهم، فتكون كألفاظ التشهّد الْمُخْتلِف تعليمه وَّ للصحابة حيّه إياها، وكصيغ الاستفتاح، وأذكار الركوع والسجود، والدعوات. والحاصل أن في الأمر سعةً، فيختار مريد الصلاة عليه وَّل أيّ صيغة صحّت عن رسول الله وَّرَ، فَيُصلي بها، والأولى أن يُصلي في وقت بصيغة، وفي آخر بأخرى، وهكذا حتى يستعمل الصيغ التي صحّت عن النبيّ وَّر، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٢ /٤٠ - ٤١. ٤٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال في ((الفتح)): ويَحْتَمل أن يكون بعض من اقتصر على آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم رواه بالمعنى؛ بناءً على دخول إبراهيم في قوله: ((آل إبراهیم»، كما تقدّم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال بعيدٌ جدّاً، فإن الرواية بالمعنى في الألفاظ المتعبّد بها غير جائز، كما هو مقرّرٌ في محلّه من كتب مصطلح الحديث، قال في ((التدريب)) في بحث الخلاف في الرواية بالمعنى: ((ولا شكّ في اشتراط أن لا يكون مما تُعُبّد بلفظه)). انتهى (١). واختُلِف في المراد بآل محمد في هذا الحديث، فالراجح أنهم مَن حُرِّمت عليهم الصدقة، وسيأتي بيان الاختلاف في ذلك مستوفّى في ((كتاب الزكاة)) - إن شاء الله تعالى -. قال في ((الفتح)): وهذا نَصَّ عليه الشافعيّ، واختاره الجمهور، ويؤيده قول النبيّ وَّ﴿ للحسن بن عليّ رَُّله: ((إنا آل محمد لا تحلّ لنا الصدقة))، وقد أخرج البخاريّ من حديث أبي هريرة، ومسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة في أثناء حديث مرفوع: ((إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد». وقال أحمد: المراد بآل محمد في حديث التشهد أهل بيته، وعلى هذا، فهل يجوز أن يقال: أهل عوض آل؟ روايتان عندهم. وقيل: المراد بآل محمد أزواجه وذريته؛ لأن أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ: ((وآل محمد»، وجاء في حديث أبي حميد موضعَهُ: ((وأزواجه وذريته))، فدل على أن المراد بالآل الأزواج والذرية. وتُعُقِّب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة، كما في حديث أبي هريرة، فيُحْمَل على أن بعض الرواة حَفِظَ ما لم يَحفَظ غيره، فالمراد بالآل في التشهد الأزواج، ومَن حُرِّمت عليهم الصدقة، ويدخل فيهم الذرية، فبذلك يُجمع بين الأحاديث. وقد أُطلق على أزواجه ◌َ﴾ آل محمد، في حديث عائشة رضيّا: «ما شَبِعَ (١) ((تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)) ١٠٢/٢. ٤٤٣ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) آل محمد من خبز بُرّ مأدوم ثلاثاً))، متّفقٌ عليه، وقد تقدم وفي حديث أبي هريرة رضيبه: ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً))، متّفقٌ عليه، وكأن الأزواج أُفردن بالذكر تنويهاً بهنّ، وكذا الذرية. وقيل: المراد بالآل ذريةُ فاطمة خاصّةً، حكاه النووي في ((شرح المهذّب)». وقيل: هم جميع قريش، حكاه ابن الرفعة في ((الكفاية))، وقيل: المراد بالآل جميع الأمة، أمة الإجابة، وقال ابن العربيّ: مال إلى ذلك مالكٌ، واختاره الأزهريّ، وحكاه أبو الطيب الطبريّ عن بعض الشافعية، ورجّحه النوويّ في ((شرح مسلم))، وقيّده القاضي حسين، والراغب بالأتقياء منهم، وعليه يُحْمَل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَّا الْمُنَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وقوله ◌َلي: ((إن أوليائي منكم المتقون)). قال الحافظ: ويمكن أن يُحْمَل كلام من أطلق على أن المراد بالصلاة الرحمة المطلقة، فلا تحتاج إلى تقييد، وقد استُدِلّ لهم بحديث أنس رفعه: ((آلُ محمد كلُّ تقيّ))، أخرجه الطبراني ولكن سنده وَاهِ جِدّاً، وأخرج البيهقيّ عن جابر نحوه من قوله بسند ضعيف. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أظهر الأقوال، وأرجحها أن المراد بالآل هم الذين تحرّم عليهم الصدقة؛ لوضوح أدلّته، وأما تفسيره بجميع الأمة، وإن استظهره النوويّ، واختاره غيره فلا يخفى بُعده، وأما تأييد الحافظ له بالآية، والحديث، فلا يخفى بُعده أيضاً، والحديث الأول لم يُبيّن درجته، ولم يسق سنده حتى يُنظر فيه، وأما الأخيران فقد بَيّنَ ضعفهما، فلا يكون شيء مما ذكره مؤيّداً للحمل المذكور، فتبصّر. وقد استوفيت البحث في هذا الموضوع في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد علماً جمّاً (١)، والله تعالى وليّ التوفيق. (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) صفة لمصدر محذوف، تقديره: صلاةً مثلَ صلاتك. (١) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ١٢٧/١٥ - ١٣٤. ٤٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة والمراد بآل إبراهيم ذريتُهُ، من إسماعيل، وإسحاق، كما جزم به جماعة من الشُّرّاح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر، فهم داخلون لا محالة، ثم إن المراد المسلمون منهم، بل المتَّقُون، فيدخل فيهم الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، دون من عداهم، وفيه ما تقدم في آل محمد. [تنبيه]: اشتَهَرَ السؤال عن موقع التشبيه، مع أن المقرّر أن المشبّه دون المشبَّه به، والواقع هنا عكسه؛ لأن محمداً وَ له وحده أفضل من آل إبراهيم، ومن إبراهيم، ولا سيما قد أضيف إليه آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره، وأجيب عن ذلك بأجوبة، أحسنها عندي ما رجّحه القرطبيّ تَُّ في ((المفهم))، حيث قال: إن التشبيه إنما هو الأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وكقول القائل: أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، وقد استوفيت بقيّة الأقوال بما لها وما عليها في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد(١)، والله تعالى وليّ التوفيق. [فائدة]: قال العلّامة ابن الملقّن تَظَّهُ: في إبراهيم خمس لغات: إبراهيم، وإبراهام، وإبراهِم، بضمّ الهاء، وفتحها، وكسرها من غير ياء، وجمعه براهم، وإبارة، ويجوز الواو والنون؛ لاجتماع الشروط فيه، قالوا: ومعناه: أبٌ رحيم. قال الجواليقيّ وغيره: أسماء الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - كلّها أعجميّةٌ، إلا محمداً، وصالحاً، وشُعيباً، وآدم - صلوات الله وسلامه عليهم .. وقال ابن قتيبة: وتحذف الألف من الأسماء الأعجميّة، كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وإسرائيل؛ استثقالاً كما تُرك صرفها، وكذا سليمان، (١) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ١٣٤/١٥ - ١٤١. ٤٤٥ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ بَعْدَ الَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) وهارون، فأما ما لا يكثر استعماله منها، كهارون، وماروت، وقارون، وطالوت، وجالوت، فلا تُحذف الألف في شيء منها، ولا يُحذف من داود، وإن كان مشهوراً؛ لأنه حُذف منه إحدى الواوين، فلو حُذفت الألف ◌ُجحِف به. وأما ما كان على فاعل، كصالح، ومالك، وخالد، فيجوز إثبات ألفه، وحذفها بشرط كثرة استعماله، فإن قلّ، كسالم، وحامد، وجابر، وحاتم لم يجز حذف الألف، وما كثُر استعماله، ودخلت الألف واللام فيه، تحذف ألفه معها، وتثبت مع حذفهما. انتهى(١). (وَبَارِْ عَلَى مُحَمَّدٍ) أي أثبِتْ له، وأدم ما أعطيته من الشرف والكرامة، وزده من الكمالات ما يليق بك وبه. وقال في ((الفتح)): المراد بالبركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: المراد التطهير من العيوب والتزكية، وقيل: المراد إثبات ذلك، واستمراره، من قولهم: بَرَكَت الإبل: أي ثبتت على الأرض، وبه سُمِّيت بِرْكة الماء - بكسر أوله، وسكون ثانيه - لإقامة الماء فيها . والحاصل أن المطلوب أن يُعْطَوا من الخير أوفاه، وأن يَثْبُت ذلك، ويَسْتَمِرّ دائماً. انتهى. وقد أشبعت البحث فيما يتعلّق بالبركة في ((شرح النسائيّ)، فراجعه تستفد(٢)، والله تعالى وليّ التوفيق. [فائدة]: سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة: عمن يقول: قُضيت حاجتي ببركة الله وبركة الشيخ. فأجاب: بأن هذا منكر من القول، فإنه لا يُقرَن بالله في مثل هذا غيره، كما نهى النبيّ وَّر من قال: ((ما شاء الله، وشئتَ))، إلى أن قال: وقول القائل: ببركة الشيخ قد يعني بها دعاءه، وأسرعُ الدعاء إجابةً دعاء الغائب للغائب، وقد يَعني بها بركة ما أمره به، وعلّمه من الخير، وقد يعني بها بركة معاونته له على الحقّ وموالاته في الدين، ونحو ذلك، وهذه كلّها معانٍ صحيحة، وقد يعني بها (١) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٦٥/٣ - ٤٦٦. (٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٤١/١٥ - ١٤٦. ٤٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة دعاءه للميت والغائب؛ واستقلال الشيخ بذلك التأثير، أو فعله لما هو عاجز عنه، أو غير قادر عليه، أو غير قاصد له، من البدع المنكرات، والذي لا ريب فيه أن العمل بطاعة الله تعالى، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض، ونحو ذلك هو نافع في الدنيا والآخرة، وذلك بفضل الله تعالى ورحمته. انتهى كلامه دَخُّ باختصار وتصرّف(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، فللّه ما أدقّ نظره، وأعمق فكره. (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ) متعلّق بـ((صلّ))، أو بـ((بَارِْ)) على سبيل التنازع. قال السخاويّ تَخْذَثُ: أشار بقوله: ((في العالمين)) إلى اشتهار الصلاة والبركة على إبراهيم في العالمين، وانتشار شرفه وتعظيمه، وأن المطلوب لنبيّنا وَّ صلاة تُشبه تلك الصلاة، وبركةٌ تُشبه تلك البركة في انتشارها في سَلَهُ عَلَى نُوَحِ فِى عَلَيْهِ فِى الْأَخِرِينَ كِنَا الخلق وشهرتها، وقد قال الله تعالى : [الصّافّات: ٧٨ - ٧٩]. اُلْعَلَمِينَ وقال: المراد بـ((العالمين)) فيما رواه أبو مسعود في حديثه: أصناف الخلق، وفيه أقوال أخرى، قيل: ما حواه بطن الفَلَك، وقيل: كل مُحْدَث، وقيل: ما فيه روح، وقيل: بقيد العقلاء، وهذان القولان في ((المشارق))، وقيل: الإنس والجن فقط، حكاه المنذريّ، وحَكَى قولاً آخر: إنه الجنّ والإنس والملائكة والشياطين(٢). (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أما ((الحميد)): فهو فَعِيل من الحمد، بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو مَنْ حَصَل له من صفات الحمد أكملها، وقيل: هو بمعنى الحامد، أي يَحْمَد أفعالَ عباده. وأما ((المجيد)): فهو من المجد، وهو صفةُ مَن كَمُلَ في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدلّ على صفة الإكرام. ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين، أن المطلوب تكريم الله لنبيه وَالر، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم (١) راجع: (مجموع الفتاوى)) ٢٧ /٩٥ - ٩٦. (٢) راجع: ((القول البديع)) للسخاويّ ص(١٠٣). ٤٤٧ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له، والمعنى: إنك فاعلٌ ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريمٌ بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك، قاله في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت البحث في تحقيق معنى هذين الاسمين، ومناسبتهما لختم الصلاة بهما في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد(٢)، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ))) جملة من مبتدأ وخبره، قال النوويّ ◌َّثُهُ: معناه: قد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليّ، فأما الصلاة، فهذه صفتها، وأما السلام فكما قد علمتم في التشهّد، وهو قولهم: ((السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته)). وقوله: ((عَلِمْتُمْ)) هو بفتح العين، وكسر اللام المخفّفة، ومنهم من رواه بضم العين، وتشديد اللام أي عَلَّمْتُكُمُوهُ، وكلاهما صحيح. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩١٢/١٧] (٤٠٥)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٩٨٠ و٩٨١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٢٠)، و(النسائيّ) فيها (٤٥/٣ و٤٧) وفي ((الكبرى)) (١٢٠٨/٨٤) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٤٨ و٤٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٦٥/١ - ١٦٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه) (٣١٠٨)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٩٠/١ - ٩١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ١١٨ و٢٧٣/٥ و٢٧٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٩/١ و٣١٠)، و(عبد بن (١) ١١/ ١٦٧. (٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٤٦/١٤ - ١٤٨. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٢٥/٤. ٤٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة حُميد) في ((مسنده)) (٢٣٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧١١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٩٥٨ و١٩٥٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٩٦/١٧ و٦٩٨)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣٥٤/١ - ٣٥٥)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١/ ٢٦٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٦/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦٨٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٦٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بالصلاة على النبيّ وَلَهُ. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ و8َّ﴿ من التواضع، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، حيث كان يزور أصحابه في مجالسهم؛ إكراماً وتأنيساً لهم. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن يخصّ رؤساء القوم وسادتهم بالزيارة في مجالسهم تأنيساً لهم، واستجلاباً لمودّتهم، وتنويهاً بشرفهم لدى أتباعهم حتى يزدادوا لهم تعظيماً وطاعةً. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﴿ّ من العناية بالسؤال عن مهمّات الدين، ومُعضِلات المسائل الشرعيّة، حتى يعملوا بمقتضى ما يُجيبهم به النبيّ وََّ، ولا يُقدمون على العمل بأنفسهم؛ امتثالاً لقوله وهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١]. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل من التأدّب مع مولاه عند توجيه السؤال في توضيح معنى آية من كتاب الله تعالى، فينظر الوحي، حتى يُجيب على ضوئه، فكان كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَ ﴿﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ولا ينافى هذا ما قدّمنا من ترجيح جواز الاجتهاد له وَسله؛ لأن اجتهاده نوع من الوحي؛ إذ لا يقَرّ على الخطأ، بل ينزل عليه الوحي، فيبيّن له الخطأ، بخلاف غيره من المجتهدين، فإنهم يبقون على خطئهم، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على تعيُّن هذا اللفظ الذي علّمه وَلَّ لأصحابه في امتثال الأمر، فلا تبرأ الذمّة إلا به، فلو حلف إنسان على أن يصلّي عليه ٤٤٩ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ بَعْدَ التَّشَهِّدِ - حديث رقم (٩١٢) كما أمره الله تعالى لا يبرّ في يمينه إلا أن يُصلي باللفظ الذي صحّ تعليمه لأصحابه، فتنبّه. حمدىاله وَستم ٧ - (ومنها): أن هذه الصيغة، وما أشبهها مما صحّ عنه وَّ هي أفضل الصيغ في الصلاة عليه وسلم، وأكملها؛ لأنه لا يختار لنفسه إلا الأكمل والأشرف، فلو حلف شخص أن يصلي عليه بأفضل الصلاة، فطريق البرّ أن يأتي بها على أصحّ أقوال العلماء في ذلك. قال الشيخ الألبانيّ تَُّهُ في كتابه الممتع ((صفة صلاة النبيّ وَّ)): وقد استدل بذلك - أي بتعليمه وَلقول هذه الكيفيّة لأصحابه لَمّا سألوه - على أنها أفضل الكيفيات في الصلاة عليه وَعليه؛ لأنه لا يختار لهم - ولا لنفسه - إلا الأشرف والأفضل، ومن ثَمّ صَوَّب النوويّ في ((الروضة)): أنه لو حَلَف ليصلينّ عليه وَ﴿ أفضل الصلاة لم يَبَرّ إلا بتلك الكيفية، ووجّه السبكيّ بأنه مَن أتى بها، فقد صلى على النبيّ ◌َّه بيقين، وكلُّ من جاء بلفظ غيرها، فهو من إتيانه بالصلاة المطلوبة في شكّ؛ لأنهم قالوا: كيف نصلي عليك؟ فقال: ((قولوا :... ))، فجعل الصلاة عليه منهم هي قولهم كذا. انتهى. وذكره الهيتمي في ((الدر المنضود)) (ق ٢/٢٥) ثم ذكر (ق ١/٢٧) أن المقصود يحصل بكل من هذه الكيفيات التي جاءت في الأحاديث الصحيحة. انتهى(١). ٨ - (ومنها): ما قيل: إن الواو لا تقتضي الترتيب؛ لأن صيغة الأمر وردت بالصلاة والتسليم بالواو في قوله رَى: ﴿صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾، وقد تقدّم تعليم السلام قبل الصلاة، كما قالوا: ((عَلِمنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلّي عليك؟». ٩ - (ومنها): أن فيه الرّدّ على ما نُقل عن النخعيّ أنه يجزئ في امتثال الأمر بالصلاة قوله: ((السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته)) في التشهّد؛ لأنه لو كان كما قال لأرشدهم النبيّ ◌َ ﴿ إلى ذلك، ولَمَا عَدَل إلى تعليمهم کیفیّةً أخرى. ١٠ - (ومنها): أن فيه دليلاً على عدم كراهة إفراد الصلاة عن السلام، (١) راجع: ((صفة صلاة النبيّ وَّ)) للشيخ الألبانيّ تَُّ (ص١٧٢). ٤٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وكذا العكس؛ لأنهم كانوا يسلّمون عليه قبل أن يتعلموا صيغة الصلاة. ١١ - (ومنها): أنه يدلّ على فضيلة الصلاة على النبيّ وَل من جهة ورود الأمر بها، واعتناء الصحابة بالسؤال عن كيفيّتها، وقد وردت أحاديث كثيرة في التصريح بفضلها، وسنذكر بعضها في شرح حديث أبي هريرة نظره الآتي آخر الباب - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على النبيّ ◌َلّى : (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال أوصلها الحافظ تَُّ إلى عشرة، حیث قال: فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب: [أولها]: قول ابن جرير الطبريّ: إنها من المستحبات، وادَّعَى الإجماع على ذلك. [ثانيها]: مقابله، وهو نقل ابن القصّار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير حصر، لكن أقلّ ما يحصل به الإجزاء مرةً. [ثالثها]: تجب في العمر في صلاة أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرازيّ من الحنفية، وابن حزم، وغيرهما، وقال القرطبيّ المفسر: لا خلاف في وجوبها في العمر مرةً، وأنها واجبة في كل حين وجوب السنن المؤكدة، وسبقه ابن عطية. [رابعها]: تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعيّ، ومن تبعه. [خامسها]: تجب في التشهد، وهو قول الشعبيّ، وإسحاق بن راهويه. [سادسها]: تجب في الصلاة من غير تعيين المحلّ، نُقِل ذلك عن أبي جعفر الباقر. [سابعها]: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية. [ثامنها]: كلما ذُكِر، قاله الطحاويّ، وجماعة من الحنفية، والْحَلِيميّ، ٤٥١ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربيّ من المالكية: إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشريّ. [تاسعها]: تجب في كل مجلس مرةً، ولو تكرر ذكره مراراً، حكاه الزمخشريّ. [عاشرها]: تجب في كل دعاء، حكاه الزمخشريّ أيضاً. انتهى كلام الحافظ وَخَذْهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أرجح الأقوال القول الثامن، وهو وجوب الصلاة عليه و # كلما ذُكر اسمه؛ الأدلّة كثيرة: (منها): ما أخرجه الترمذيّ، عن أبي هريرة مظلته، قال: قال رسول الله وَلَهُ: ((رَغِمَ أَنْفُ رجل ذُكِرتُ عنده، فلم يُصَلِّ عليّ، وَرَغِمَ أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يُغْفَر له، ورَغِم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، أو أحدهما، فلم يدخلاه الجنة))، وهو حديث صحيح. ومعنى (رَغِم)) بفتح الراء، وكسر الغين المعجمة: لَصِقَ بالرَّغَام بالفتح، وهو التراب ذُلّاً وهَوَاناً، وهو دعاء عليه بالذلّ والهوان، ولا يكون هذا إلا لترك واجب. (ومنها): حديث أبي هريرة به أن النبيّ وَل ﴿ل صعد المنبر، فقال: ((آمين آمين آمين))، قيل: يا رسول الله، إنك صَعِدت المنبر، فقلت: آمين آمين آمين، فقال: ((إن جبريل ثُلِّل أتاني، فقال: من أدرك شهرَ رمضان، فلم يُغْفَر له، فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، ومن أدرك أبويه، أو أحدهما، فلم يَبَرَّهما، فمات فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، ومن ذُكِرتَ عنده، فلم يُصَلِّ عليك، فمات فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين))، رواه ابن خزيمة، وابن حبّان في صحيحيهما، واللفظ لابن حبّان. (ومنها): حديث الحسين بن عليّ رُّ، عن النبيّ وَّر قال: ((البخيل مَن ذُكرت عنده، فلم يصل عليّ))، رواه النسائيّ، وابن حبان في ((صحيحه))، (١) ((الفتح)) ١١/ ١٥٧. ٤٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة والحاكم، وصححه الترمذيّ، وزاد في سنده علي بن أبي طالب، وقال: حديث حسن صحيح غريب. (ومنها): حديث أبي ذر ظ ◌ُه قال: خرجت ذات يوم، فأتيت رسول الله وَاله قال: ((ألا أخبركم بأبخل الناس؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((من ذُكِرت عنده، فلم يُصَلّ عليّ، فذلك أبخل الناس))، رواه ابن أبي عاصم في ((كتاب الصلاة)) من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، وهو صحيح لغيره(١). فهذه الأحاديث المشتملة على الوعيد المذكور، مَن تأمّلها حقّ التأمّل تبيّن له وجوب الصلاة على النبيّ وَّليل كلما ذُكر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الصلاة على النبيّ وَّ في التشهد الأخير: (اعلم) أنهم اختلفوا في هذه المسألة، فذهب أبو حنيفة، ومالك - رحمهما الله تعالى - والجماهير إلى أنها سنةٌ، لو تُرِكت صحت الصلاة، وذهب الشافعيّ، وأحمد - رحمهما الله تعالى - إلى أنها واجبة، لو تُرِكت لم تصحّ الصلاة، وهو مَرْويّ عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله ضَّا، وهو قول الشعبيّ، قال النوويّ: وقد نَسَب جماعة الشافعيَّ كَُّ في هذا إلى مخالفة الإجماع، ولا يصحّ قولهم، فإنه مذهب الشعبيّ كما ذكرنا، وقد رواه عن البيهقيّ، وفي الاستدلال لوجوبها خفاءٌ، وأصحابنا يحتجون بحديث أبي مسعود الأنصاريّ ◌ُّه المذكور هنا، أنهم قالوا: ((كيف نصلي عليك يا رسول الله؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد ... )) إلى آخره، قالوا: والأمر للوجوب، وهذا القدر لا يظهر الاستدلال به إلا إذا ضُمّ إليه الرواية الأخرى: ((كيف نصلي عليك، إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال وَلّر: قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد ... )) إلى آخره، وهذه الزيادة صحيحة، رواها الإمامان الحافظان: أبو حاتم بن حبّان - بكسر الحاء - البستيّ، والحاكم أبو عبد الله في ((صحيحيهما))، قال الحاكم: هي زيادة صحيحة، واحتج لها أبو (١) راجع: ((صحيح الترغيب والترهيب)) للشيخ الألبانيّ ◌َّتُهُ ٢٩٨/١ - ٣٠١. ٤٥٣ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ بَعْدَ الَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) حاتم، وأبو عبد الله أيضاً في ((صحيحيهما)) بما روياه عن فَضَالة بن عُبيد أن رسول الله ﴿ رأى رجلاً يصلي، لم يحمد الله، ولم يمجده، ولم يصل على النبيّ وَّه، فقال النبيّ وَّرَ: ((عَجِلَ هذا))، ثم دعاه النبيّ وَّل، فقال: ((إذا صلى أحدكم، فليبدأ بحمد ربه، والثناء عليه، وليصلّ على النبيّ مَّ، وليدع ما شاء))، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (١). قال النوويّ ◌َُّهُ: وهذان الحديثان وإن اشتملا على ما لا يجب بالإجماع، كالصلاة على الآل والذرية، والدعاء فلا يمتنع الاحتجاج بهما، فإن الأمر للوجوب، فإذا خرج بعض ما يتناوله الأمر عن الوجوب بدليل، بقي الباقي على الوجوب، قال: والواجب عند أصحابنا: ((اللهم صل على محمد))، وما زاد عليه سنة، ولنا وجهٌ شاذِّ أنه يجب الصلاة على الآل، وليس بشيء. انتهى كلام النوويّ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي فيما قاله من سنّة ما زاد على قوله: ((اللهم صلّ على محمد)) نظرٌ؛ إذ لا دليل على ذلك، فأدلّة وجوب الصلاة عليه وَ لّ تدل على وجوب الصيغة كاملةً، فتنبّه. ولقد أجاد العلامة ابن القيّم في كتابه ((جلاء الأفهام)) حيث انتصر للإمام الشافعيّ ◌َخْتُهُ في قوله بوجوب الصلاة على النبيّ وَّ في التشهد الأخير، واستدلّ له على ذلك بأدلّة كثيرة. والحاصل أن الحقّ وجوب الصلاة على النبيّ ◌َّ في التشهد الأخير، وقد استوفيت البحث ببيان الأقوال وأدلّتها بما لها وما عليها في ((شرح النسائيّ))، فراجعه، تستفد (٣)، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: اختلف في الصلاة على النبيّ وَ لّ في التشهد الأول، فقال الشافعيّ تَظْتُهُ في ((الأمّ)): يصلّي على النبيّ وَّ في التشهّد الأول، هذا هو المشهور من مذهبه، وهو الجديد، لكنه يُستحبّ، وليس بواجب، وقال في (١) هو صحيح كما قال. (٢) ((شرح النوويّ)) ٤/ ١٢٣ - ١٢٤. (٣) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٥٠/١٥ - ١٦٣. ٤٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة القديم: لا يزيد على التشهد، وهذه رواية المزنيّ عنه، وبها قال أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وغيرهم رحمهم الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي قول الجمهور، وهو عدم استحباب الصلاة على النبيّ ◌َ﴿ في التشهّد الأول؛ لعدم وجود دليل على ذلك، ولأن مبنى التشهّد الأول على التخفيف، حيث ثبت أنه وَ * كان إذا جلس للتشهّد الأول كأنه على الرَّضْف - أي الحجارة المحماة - وهو كناية عن شدّة إسراعه حتى يقوم، وقد أشبعت البحث في هذا في ((شرح النسائيّ))(١)، فارجع إليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في بيان ما شاع لدى المتأخّرين من زيادة لفظ ((سيّدنا)) في الصلاة على النبيّ ◌َّ: (اعلم): أنه لم يرد في شيء من ألفاظها المختلفة زيادة ((سيدنا))، فلا يُشرع أن يزاد على التعليم النبويّ، فقد قال رسول الله وَله حين سئل عن كيفية الصلاة عليه التي أمر الله تعالى أمته بها، فسألوا عما يخرجون به من عُهدة الأمر، فأجاب ويلر آمراً لهم بقوله: ((قولوا: اللهم صل على محمد ... ))، دون زیاد «سیدنا)). وقد سئل الحافظ ابن حجر العسقلانيّ: عن ذلك فيما ذكره تلميذه الحافظ محمد بن محمد بن محمد الغرابيلي (٧٩٠ - ٨٣٥)، وكان ملازماً لابن حجر - قال: وسئل - أي الحافظ ابن حجر - أمتع الله بحياته، عن صفة الصلاة على النبيّ وَّيل في الصلاة، أو خارج الصلاة، سواء قيل بوجوبها، أو ندبيتها، هل يشترط فيها أن يصفه وهلر بالسيادة، كأن يقول مثلاً: اللهم صل على سيدنا محمد، أو على سيد الخلق، أو على سيد ولد آدم؟، أو يقتصر على قوله: اللهم صل على محمد؟ وأيهما أفضل: الإتيان بلفظ السيادة؛ لكونها صفة ثابتة له وَ﴾، أو عدم الإتيان به؛ لعدم ورود ذلك في الآثار؟. فأجاب وه: نعم اتّباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعاً منه وس كما لم يكن يقول عند ذكره وَلقال: ((صلى الله عليه وسلم))، (١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٦٣/١٥ - ١٦٤. ٤٥٥ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّنَّهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك، كلما ذكر؛ لأنا نقول: لو كان ذلك راجحاً لجاء عن الصحابة، ثم عن التابعين، ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم، قال ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك، وهذا الإمام الشافعي - أعلى الله درجته، وهو من أكثر الناس تعظيماً للنبيّ وَلّ - قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: ((اللهم صل على محمد)) إلى آخر ما أداه إليه اجتهاده، وهو قوله: ((كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون))، وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه: ((سبحان الله عدد خلقه))، فقد ثبت أنه وسر قال لأم المؤمنين - ورآها قد أكثرت التسبيح وأطالته -: ((لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلت لوزنتهن))، فذكر ذلك، وكان ◌َل يعجبه الجوامع من الدعاء. وقد عَقَد القاضي عياض باباً في صفة الصلاة على النبيّ ◌َّ في كتاب ((الشفاء))، ونقل فيها آثاراً مرفوعة عن جماعة من الصحابة والتابعين، ليس في شيء منها عن أحد من الصحابة وغيرهم لفظ: ((سيدنا)). منها: حديث عليّ رظُه أنه كان يعلمهم كيفية الصلاة على النبيّ وَل فيقول: ((اللهم داحي المدحُوّات، وباري المسموكات، اجعل سوابق صلواتك، ونوامي بركاتك، وزائد تحيتك، على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق)). وعن عليّ رَظُه أنه كان يقول: ((صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وما سبّح لك من شيء يا رب العالمين، على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وإمام المتقين ... )) الحدیث . وعن عبد الله بن مسعود رضيبه أنه كان يقول: ((اللهم اجعل صلواتك، وبركاتك، ورحمتك على محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، ورسول الرحمة ... )) الحديث. وعن الحسن البصريّ أنه كان يقول: من أراد أن يشرب بالكأس الأروى من حوض المصطفى، فليقل: ((اللهم صل على محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأولاده وذريته، وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشياعه ومحبيه)). قال الشيخ الألبانيّ تَّتُهُ: فهذا ما أوثره من ((الشفاء)) مما يتعلق بهيئة ٤٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الصلاة عليه عن الصحابة ومن بعدهم وذكر فيه غير ذلك. نعم ورد في حديث ابن مسعود عنه أنه كان يقول في صلاته على النبيّ وَّر: ((اللهم اجعل فضائل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين ... )) الحديث، أخرجه ابن ماجه، ولكن إسناده ضعيف. وحديث عليّ المشار إليه أوّلاً أخرجه الطبراني بإسناد ليس به بأس، وفيه ألفاظ غريبة رويتها مشروحة في كتاب ((فضل النبيّ وَّ))، لأبي الحسن بن الفارس. وقد ذكر الشافعية أن رجلاً لو حلف ليصليّن على النبيّ وَّ أفضل الصلاة، فطريق الْبَرّ أن يصلي على النبيّ وَّ: ((اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون، وسها عن ذكره الغافلون». وقال النوويّ: والصواب الذي ينبغي الجزم به أن يقال: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ... )) الحديث. وقد تعقّبه جماعة من المتأخرين بأنه ليس في الكيفيتين المذكورتين ما يدل على ثبوت الأفضلية فيهما من حيث النقل، وأما من حيث المعنى فالأفضلية ظاهرة في الأول. والمسألة مشهورة في كتب الفقه، والغرض منها أن كل من ذكر هذه المسألة من الفقهاء قاطبة، لم يقع في كلام أحد منهم: ((سيدنا))، ولو كانت هذه الزيادة مندوبةً ما خَفِيت عليهم كلِّهم حتى أغفلوها، والخير كله في الاتّباع، والله أعلم. قال الشيخ الألبانيّ تَخَُّهُ: وما ذهب إليه الحافظ ابن حجر تَّتُ من عدم مشروعية تسويده و18 في الصلاة عليه اتّباعاً للأمر الكريم، وهو الذي عليه الحنفية، هو الذي ينبغي التمسك به؛ لأنه الدليل الصادق على حبه وَ لَه، ﴿قُلّ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ولذلك قال الإمام النوويّ كَّلُ في ((الروضة)) (٢٦٥/١): وأكمل الصلاة على النبيّ وَّر: ((اللهم صلِّ على محمد ... )) إلخ. انتهى كلام الشيخ الألبانيّ دَُّ. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الشيخ الألبانيّ تَظُّ في هذا البحث، ٤٥٧ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٣) وأفاد، حيث نقل عن محققي الشافعيّة وغيرهم ممن جمع بين الحديث والفقه عدم مشروعيّة زيادة لفظ ((سيّدنا)) في الصلاة على النبيّ ◌َّ، وأن أفضل الصيغ هي التي صحّ عنه ◌َّ تعليمها حين سئل عن الصلاة المأمور بها في الآية، فتفضيل صيغة أخرى مما فيه زيادة شيء أو نقصه، هو عين الانحراف عن الصراط المستقيم، واتّباع سبيل المعتدين، ولقد حذّرنا منه بَّ حيث قال في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه بسند صحيح، عن العرباض بن سارية رضيبه مرفوعاً، وفيه: ((فإنه مَن يَعِش منكم بعدي، فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنّتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تَمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)). فيا من يريد الهدى والصلاح والفلاح، والتقى، فعليك بالسنّة، ودع البدع والخرافات، ﴿رََّ لَا تُرْ قُلُوَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ اٌلْوَقَّابُ﴾، الله أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩١٣] (٤٠٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، وَاللَّفْظُ لِبْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: لَقِيَنِ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً، خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلٍ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، إلا أنه ربّما دلّس [٥] (ت١١٣) أو بعدها (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١. ٤٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٢ - (ابْنُ أَبِي لَيْلَى) هو: عبد الرحمن الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت٨٦) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١. ٣ - (كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، مات ظُله بعد الخمسين، وله نيّفٌ وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٣/٢٣. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخيه كليهما من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة، وقد تقدم بيانهم غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالكوفيين غير الصحابيّ، فمدنيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الحكم، عن ابن أبي لیلی. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه هو الذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة في حلق رأس المحرم بالفدية، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْحَكَم) قال الحافظ تَخْتُهُ: لم أقف عليه في جميع الطرق عن شعبة إلا هكذا، غير منسوب، وهو فقيه الكوفة في عصره، وهو ابن عُتَيبة - بمثنّاة، وموحّدة، مصغراً - ووقع عند الترمذيّ، والطبرانيّ، وغيرهما من رواية مالك بن مِغْوَل وغيره منسوباً، قالوا: ((عن الحكم بن عُتيبة)). انتهى. (قَالَ) أي الحكم (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى التابعيّ الكبير، وهو والد ابن أبي ليلى، فقيه الكوفة، محمدِ بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، يُنْسَب إلى جدّه (قَالَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل على رأي الجمهور، أو مفعول ثانٍ لـ((سمِعتُ)) على رأي بعض النحاة القائلين بأن ((سمِعْتُ)) من أخوات ((ظنّ)) (لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) - بضمّ العين المهملة، وسكون الجيم - وفي (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ بَعْدَ الَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٣) ٤٥٩ رواية فِظْر بن خليفة، عن ابن أبي ليلى: ((لقيني كعب بن عُجْرة الأنصاريّ))، أخرجه الطبرانيّ، ونَقَل ابن سعد عن الواقديّ أنه أنصاريّ من أنفسهم، وتعقبه، فقال: لم أجده في نسب الأنصار، والمشهور أنه بَلَويّ، والجمع بين القولين أنه بَلَوِيّ، حالَفَ الأنصار، وعَيَّن المحاربيّ عن مالك بن مِغْوَل، عن الحكم المكان الذي التقيا به، فأخرجه الطبريّ من طريقه، بلفظ: إن كعباً قال له، وهو يطوف بالبيت، قاله في ((الفتح))(١). (فَقَالَ: أَا أُهْدِي) - بضمّ الهمزة - من الإهداء رباعيّاً (لَكَ هَدِيَّةً) بفتح الهاء، فَعِيلة بمعنى مفعولة، وجمعها هَدايا، كعطيّة وعطايا، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: أهديت للرجل كذا بالألف: بعثتُ به إليه إكراماً، فهو هديّة بالتثقيل لا غير. (٢) انتھی . وقال ابن الملقّن ◌َظُّ: الهديّة: ما يُتقرّب به إلى الْمُهْدى إليه تودّداً وإكراماً، زاد فيه بعضهم: من غير فَصْدِ عِوَضٍ دنيويّ، بل لقصد ثواب الآخرة، وأكثر ما يُستعمل في المأكول والمشروب، والملبوس، وقد يُتْجَوَّز بها في العلوم اللفظيّة والمعنويّة الشرعيّة، كما في هذا الحديث. انتهى (٣). وزاد عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جدّه كما عند البخاريّ في ((أحاديث الأنبياء)): ((سمعتها من النبيّ ◌َّ)). وقال ابن الملقّن أيضاً: فيه الابتداء بالتعليم من غير طلب التعلّم لذلك، كما هو ظاهر الحديث، وفيه ابتداء التعليم باستفتاح كلام يحملهم على أخذه (٤) بقبول. انتهى (٤). (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ نَّهَ) وفي رواية البخاريّ: ((أنّ النبيّ ◌َُّ خَرَج علينا))، قال في ((الفتح)): يجوز في ((أنّ)) الفتح والكسر، وقال الفاكهانيّ في ((شرح العمدة)): في هذا السياق إضمارٌ، تقديره: فقال عبد الرحمن: نعم، (١) ((الفتح)) ١٥٧/١١ ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٥٨). (٢) ((المصباح المنير)) ٦٣٦/٢. (٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢/ ٤٥٠. (٤) ((الإعلام)) ٤٥١/٢. ٤٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة فقال كعب: إن النبيّ وَّة، قال الحافظ: وقع ذلك صريحاً في رواية شَبَابة وعفان، عن شعبة، بلفظ: ((قلت: بلى، قال))، أخرجه الخلعيّ في ((فوائده))، وفي رواية عبد الله بن عيسى المذكورة، ولفظه: ((فقلت: بلى، فأهدها لي، (١) فقال)). انتهى(١). (فَقُلْنَا) وفي رواية البخاريّ: ((فقلنا: يا رسول الله))، قال في ((الفتح)): كذا في معظم الروايات عن كعب بن عُجْرة: ((قلنا)) بصيغة الجمع، وكذا وقع في حديث أبي سعيد عند البخاريّ، ومثله في حديث أبي بُريدة عند أحمد، وفي حديث طلحة، عند النسائيّ، وفي حديث أبي هريرة، عند الطبريّ. ووقع عند أبي داود، عن حفص بن عمر، عن شعبة، بسند حديث الباب: ((قلنا، أو قالوا: يا رسول الله)) بالشك، والمراد الصحابة، أو من حضر منهم . ووقع عند السراج، والطبرانيّ، من رواية قيس بن سعد، عن الحكم به: ((أن أصحاب رسول الله وَل﴿ قالوا)). وقال الفاكهانيّ: الظاهر أن السؤال صَدَر من بعضهم، لا من جميعهم، ففيه التعبير عن البعض بالكل، ثم قال: ويبعد جدّاً أن يكون كعب، هو الذي باشر السؤال منفرداً، فأتى بالنون التي للتعظيم، بل لا يجوز ذلك؛ لأن النبيّ وَّ أجاب بقوله: ((قولوا))، فلو كان السائل واحداً، لقال له: قل، ولم يقل: قولوا. انتهى. وتعقّبه الحافظ، وأجاد، فقال: ولم يظهر لي وجه نفي الجواز، وما المانع أن يسأل الصحابيّ الواحد عن الْحُكْم، فيجيب وَلَّ بصيغة الجمع؛ إشارةً إلى اشتراك الكلّ في الحكم؟ ويؤكّده أن في نفس السؤال: ((قد عَرَفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي؟)) كلها بصيغة الجمع، فدَلّ على أنه سأل لنفسه ولغيره، فحسن الجواب بصيغة الجمع، لكن الإتيان بنون العظمة في خطاب النبيّ وَّ، لا يُظَنّ بالصحابيّ، فإن ثبت أن السائل كان متعدداً فواضح، وإن ثبت أنه كان واحداً، فالحكمة في الإتيان بصيغة الجمع الإشارة إلى أن السؤال (١) ((الفتح)) ١٥٧/١١.