Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ (١٦) - بَابُ الَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٠٩) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بینهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي كامل، وحطان، كما أسلفته آنفاً . ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه: سعيد، وقتيبة، وقد دخلا البصرة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن يونس، عن حطّان. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من كبار الصحابة المشهورين، أمّره عمر، ثم عثمان ﴿ه، وهو أحد الحكمين بصفّين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حِطَّانَ) بكسر الحاء، وتشديد الطاء المهملتين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ) بفتح الراء، وتخفيف القاف: نسبة إلى رَقَاش بنت قيس بن ثعلبة، امرأة كثُر أولادها، فنُسبوا إليها، قاله في ((اللباب))(١). (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) ◌َّهِ (صَلَةً، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ) اسم ((كان)) ضمير أبي موسى رَُّه، وللنسائيّ: ((فلما كان في القعدة)) (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم) وفي رواية النسائيّ: ((دخل رجل من القوم))، أي في الصلاة، وظاهره أنه كان مسبوقاً، فلحقهم في القعدة، ولأبي داود: ((فلما جلس في آخر صلاته قال رجل من القوم: أقرّت الصلاة ... )) (أُقِرَّتِ الصَّلَاةُ بِالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ) ببناء الفعل للمفعول، قال النوويّ تَخْلُّ: معناه: قُرِنت بهما، وأُقرّت معهما، وصار الجميع مأموراً (٢) به. انتھی(٢) . (١) ((اللباب)) ٣٣/٢، و((الأنساب)) ٨١/٣ - ٨٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٩/٤. ٤٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال القرطبيّ تَخَّفُ: قوله: ((أُقِرَّت ... إلخ)) أي قُرِنت، والباء بمعنى ((مع))، أي قُرِنت مع البِرّ والزكاة، فصارت معهما مستويةً في أحكامهما وتأكيدهما، ويَحْتَمِل أن يُراد بالبرّ هنا المبرّة، وبالزكاة الطهارة، ويكون المعنى: أن من داوم على الصلاة بَرّ وتطهّر من الآثام، والله أعلم. (١) انتھی(١). وقال ابن الأثير تَظْلَثُهُ: معنى: ((أُقرّت الصلاة بالبرّ والزكاة))، ورُوي ((قَرّت)): أي استقرّ معهما، وقُرنت بهما، يعني أن الصلاة مقرونة بالبرّ، وهو الصدق، وجِمَاعُ الخير، ومقرونة بالزكاة في القرآن مذكورة معها. (٢) انتھی (٢). وقال في ((المنهل)): و((الْبِرّ)) بالكسر: الخير، والزكاة: التطهير، والمراد أن الصلاة توجب لصاحبها الخير، والطهارة من الذنوب. ويَحْتَمِل أن يكون (أُقِرّت)) بمعنى أُثبتت، من الإقرار، أي أُثبتت الصلاة مصاحبةً للخير، والطهارة من الذنوب. انتهى(٣). (قَالَ) حظّان ◌َخْذَُّ: (فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى) الأشعريّ ◌َظُهُ (الصَّلَاةَ) أي أتمّها، وانتهى منها (وَسَلَّمَ انْصَرَفَ) أي رجع إلى الناس، وأقبل عليهم، وفي رواية النسائيّ: ((فلما سلّم أبو موسى أقبل على القوم، فقال: أيّكم القائل هذه الكلمة؟» (فَقَالَ) أبو موسى للقوم منكراً عليهم هذا الكلام: (أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا) أي قول الرجل: ((أُقرّت الصلاة بالبرّ والزكاة))، وأطلق عليها الكلمة، مع أنها جملة - والجملة إنما يُطلق عليها الكلام لا الكلمة - مجازاً، كما في قوله تعالى: ﴿كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٠]؛ إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وأشار إلى هذا في ((الخلاصة)) حيث قال: (١) ((المفهم)) ٣٦/٢. (٣) ((المنهل العذب المورود)) ٦/ ٨٠. (٢) ((النهاية)) ٣٧/٤. ٤٠٣ (١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٠٩) وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ (قَالَ) حطّان (فَأَرَّ الْقَوْمُ) أي سكتوا، ولم يُجيبوا، يقال: أَرَمّ، فهو مُرٌِّ، ويُرْوَى ((فَأَزَمَ)) بالزاي، وتخفيف الميم، وهو بمعناه؛ لأن الأَزْمَ: الإمساك عن الطعام والكلام، قاله في ((النهاية))(١) . وقال القاضي عياض تَظُّهُ: قوله: ((فأرمّ القومُ)) كذا رويناه بفتح الراء، وتشديد الميم، وهو المعروف، قال المازريّ: أي سكتوا ولم يجيبوا، يقال: أرمّ القوم، فهم مُرِقُون، ويُروى ((فأزم))، ومعناه يرجع إلى الأول، وهو الإمساك عن الكلام أيضاً، ومنه سُمّيت الْحِمْيَةُ(٢) أزماً. انتهى(٣). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((فأرمّ القومُ)) بفتح الراء، وتشديد الميم، وهو المعروف، ويُروى: ((فَأَزَمَ القومُ)) بالزاي المنقوطة، ومعناهما واحدٌ، وهو السكوت، أي لم ينطقوا بشيء، ولا حرّكوا مَرَمّاتهم، وهي شِفَاهُهُم، والشَّفَةُ: هي الْمَرَمَّةُ، والْمِقَمَّةُ، وبالزاي من الأزم: أي لم يفتحوها بكلمة. (٤) انتھی(2). وقال في ((اللسان)): ((الأَزْمُ)): تَرْكُ الأكل، وأصله من ذلك، وفي الحديث: أن عمر قال للحارث بن كَلَدَة، وكان طبيب العرب: ما الطبّ؟ فقال: هو الأَزْمُ، وهو أن لا تُدْخِل طعاماً على طعام، وفسّره الناس أنه الْحِمْيَّةُ، والإمساكُ عن الاستكثار، قال: والأَزْمةُ: الأَكْلة الواحدة في اليوم مرّة كالْوَجْبَة، وفي حديث الصلاة أنه قال: ((أيّكم المتكلّم؟ فَأَزَمَ القوم)»، أي أمسكوا عن الكلام كما يُمسك الصائم عن الطعام، قال: ومنه سُمّيت الْحِمْيَةُ أَزْماً، قال: والرواية المشهورة: ((فَأَرَمَّ القومُ» بالراء وتشديد الميم. انتهى المقصود من («اللسان»(٥) . (١) ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٦٧/٢. (٢) ((الْحِمْية: بكسر، فسكون: أي ترك إدخال الطعام على الطعام. (٤) ((المفهم)) ٣٦/٢. (٣) ((إكمال المعلم)) ٢٩٧/٢. (٥) ((لسان العرب)) ١٨/١٢. ٤٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (ثُمَّ قَالَ) أبو موسى أيضاً تشديداً لإنكاره عليهم (أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ) أبو موسى (لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلْتَهَا؟) ولعلّ أبو موسى وته خصّ حِطّاناً بهذا الخطاب؛ إدلالاً عليه حيث كان يُلازمه، ولذا قال حظّان: ((وقد رَهِبْتُ أن تَبْكعني بها))، حيث إنه توقّع لَمّا قال ذلك الرجل ما لا ينبغي أن يُقال في الصلاة أن أبا موسى سيواجه الناس بالتوبيخ والإنكار عليهم في ذلك، وأنه سيبدأ بمن هو أقرب إليه وألزم له؛ تنبيهاً لغيره ممن جَهِلَ الحكم، وسَتْراً عليه؛ لئلا يَخْجل، والله تعالى أعلم. (قَالَ) حظّان: (مَا) نافية (قُلْتُهَا) أي لستُ أنا المتكلّم بهذه الكلمة (وَلَقَدْ رَهِبْتُ) بفتح الراء، وكسر الهاء، من باب تَعِبَ: أي خِفْتُ، والرَّهْبةُ: الخوفُ(١). (أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا) هو بفتح المثنّاة في أوّله، وإسكان الموحّدة بعدها: أي تُبَكِّتَنِي، وتُوبِّخني، قاله النوويّ(٢). وقال في ((اللسان)): بَكَّعَه تَبْكِيعاً، وبَكَعَه بَكْعاً: استقبله بما يَكْرَه، وبَكّته. (٣) . انتھی وقال القاضي عياض ◌َخُّْهُ: قال ابن الأعرابيّ: الْبَكْعُ: التبكيتُ في الوجه، وهكذا رَوَينا هذا الحرف عن جمهور شُيُوخنا، وكذا كان في كتبهم، وعند ابن ماهان: ((تنكتني)) بنون أولى، وبعدها الكاف المضمومة، وتاء باثنين فوقها مضمومة، بعدها نون ثانية، قال بعضهم: لعلّه تبكتني بها بالباء بمعنى الأول. انتهى (٤). (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا قُلْتُهَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ) أي لم أتكلم بها اللعب واللهو في الصلاة، وإنما قلتها لإرادة الخير والذكر بها (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) ◌َظُهُ: (أَمَا تَعْلَمُونَ) وفي نسخة: ((ما تعلمون)) بحذف همزة الاستفهام، وهو الذي في مختصر القرطبيّ، فقال في ((شرحه)): ظاهره النفي، ويَحْتَمِل الاستفتاح، وحُذفت الهمزة تخفيفاً، كما تُحذَف مع الاستفهام. انتهى(٥). (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٤١/١. (٣) (لسان العرب)) ١٩/٨. (٥) ((المفهم)) ٣٧/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٩/٤. (٤) ((إكمال المعلم)) ٢٩٧/٢. ٤٠٥ (١٦) - بَابُ الَّشَهُّدِ فِي الصَّلاَةِ - حديث رقم (٩٠٩) (كَيْفَ تَقُولُونَ فِي صَلَائِكُمْ؟ إِنَّ رَسُولَ اللهِ نََّ) بكسر ((إن))؛ لوقوعها في الابتداء، وهو في موضع جواب سؤال مقدّر، فكأنهم قالوا له: ماذا نقول؟ وما هو السنّة في ذلك؟ فقال: إن رسول الله وَّ﴾ (خَطَبَنَا، فَبَيَّنَ لَنَا سُنََّنَا) أي ما يُسنّ لنا في ديننا من الأقوال والأفعال، (وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا) أي كيفيّتها (فَقَالَ) بالفاء التفسيريّة، فهو تفسيرٌ وبيانٌ لقوله: ((علّمنا صلاتنا)) ((إِذَا صَلَّيْتُمْ) أي إذا أردتم أداء الصلاة (فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ) أي عدّلوها بإلزاق الكعب بالكعب، والمنكب بالمنكب، وقد ترجم الإمام البخاريّ ◌َّتُهُ في ((صحيحه))، بقوله: ((باب إلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم في الصفّ)»، ثم أخرج عن أنس بن مالك نظُه، عن النبيّ وَلّ قال: ((أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري))، وكان أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه. وفي ((فوائد المخلص)) بسند صحيح، قال أنس: ((فلقد رأيت أحدنا يُلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه، فلو ذهبت تفعل هذا اليوم لنفر أحدكم كأنه بغل شَمُوس))(١) . وقال النوويّ تَخَُّ: فيه الأمر بإقامة الصفوف، وهو مأمور به بإجماع الأمة، وهو أمر ندب، والمراد تسويتها، والاعتدال فيها، وتتميم الأول فالأول منها، والتراصّ فيها، وسيأتي بسط الكلام فيها حيث ذكرها مسلم - إن شاء الله (٢) تعالی. انتھی (٢). (ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ) اللام لام الأمر، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها، وكسرها بعد ((ثُمّ)) أكثر من سكونها، ورواية الحديث بالسكون، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ﴾ الآية [الحجّ: ٢٩] في قراءة الكوفيين، قال ابن هشام: وفي ذلك ردّ على من قال: إنه خاصّ بالشعر. وقوله: ((يؤمّكم)) مجزوم باللام، وحُرّك؛ للتخلّص من التقاء الساكنين، وكانت فتحةً للتخفيف. (١) راجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ كفتهُ ٣٨/١ - ٣٩ رقم (٣١). (٢) ((شرح النوويّ)) ١١٩/٤. ٤٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال النوويّ كَّلُهُ: فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات، ولا خلاف في ذلك، ولكن اختلفوا في أنه أمر ندب أم إيجاب على أربعة مذاهب: فالراجح في مذهبنا، وهو نصّ الشافعيّ تَخُّْهُ، وقول أكثر أصحابنا أنها فرض كفاية، إذا فعله مَن يحصل به إظهار هذا الشِّعَار سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم. وقالت طائفة من أصحابنا: هي سنة. وقال ابن خزيمة من أصحابنا: هي فرض عين، لكن ليست بشرط، فمن تركها وصلى منفرداً بلا عذر أثم، وصحت صلاته. وقال بعض أهل الظاهر: هي شرط لصحة الصلاة، وقال بكلّ قول من الثلاثة المتقدمة طوائف من العلماء، وستأتي المسألة في بابها - إن شاء الله (١) تعالی. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الراجح ما ذهب إليه ابن خزيمة ◌َُّهُ؛ لوضوح الأدلّة عليه، وستأتي المسألة مفصّلة في محلّها - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم. وفي رواية النسائيّ: ((فقال: إنما الإمام ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبّروا ... ))، أي إنما جُعل الإمام ليُقتدى به في أفعال الصلاة، فلا تجوز مخالفته بالتقدّم عليه مطلقاً، ولا بالتأخر عنه. (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) قال النوويّ كَُّ: فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام، ويتضمن مسألتين: [إحداهما]: أنه لا يكبر قبله ولا معه، بل بعده، فلو شَرَع المأموم في تكبيرة الإحرام ناوياً الاقتداء بالإمام، وقد بقي للإمام منها حرف لم يصحّ إحرام المأموم بلا خلاف؛ لأنه نوى الاقتداء بمن لم يَصِر إماماً، بل بمن سيصير إماماً إذا فرغ من التكبير. (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٠/٤. ٤٠٧ (١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٠٩) [والثانية]: أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقب تكبيرة الإمام ولا يتأخر، فلو تأخر جاز، وفاته كمال فضيلة تعجيل التكبير. انتهى(١). (وَإِذَا قَالَ) الإمامِ: (﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ) قال القاضي عياض تَخْتُ: معناه: استجب لنا، وقيل: معناه: كذلك نسأل الله لنا، والمعروف فيها المدّ وتخفيف الميم، وحَكَى ثعلبُ فيها القصر، وأنكره غيره، وقال: إنما جاء مقصوراً في ضرورة الشعر، وقيل: هي كلمة عبرانيّة، عُرِّبت مبنيّة على الفتح، وقيل: بل هو اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه بآمين استجب لنا، والمدّة مدّة النداء عوض الياء، وحكى الداوديّ تشديد الميم مع المدّ، وقال: هو لغة شاذّة، ولم يعرفها غيره، وقد خطّأ ثعلب قائلها. انتھی(٢) . وقال النوويّ رَّتُ: فيه دلالة ظاهرةٌ لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام، لا بعده، فإذا قال الإمام: ﴿ وَلَا الضَّآلّينَ﴾ قال الإمام والمأموم معاً: ((آمين))، وتأولوا قوله ◌َّر: ((إذا أَمَّنَ الإمام فأمِّنوا))، قالوا: معناه إذا أراد التأمين؛ ليُجْمَع بينه وبين هذا الحديث، وهو يريد التأمين في آخر قوله: ﴿ وَلَ الضَّآلِينَ﴾، فَيَعْقُب إرادتَهُ تأمينُهُ وتأمينُكُم معاً. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وفي ((آمين)) لغتان: المدّ والقصر، والمدُّ أفصح، والميم خفيفة فيهما، ومعناه: استجب، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - البحث في التأمين وما يتعلق به مستوفَى في بابه حيث يذكره الإمام مسلم رَاتُهُ . (يُجِبْكُمُ اللهُ) بالجيم، من الإجابة، وهو مجزوم بالطلب قبله، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْماً اعْتَمِدْ إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ أي يستجب الله تعالى دعاءكم، وهذا فيه حثّ عظيم على التأمين، فيتأكّد الاهتمام به . (فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا) أي اجعلوا تكبيركم للركوع، وركوعكم (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٠/٤. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٩٨/٢. ٤٠٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة بعد تکبیره ورکوعه، وکذلك رفعکم من الرکوع یکون بعد رفعه. قال القاضي عياض تخّثهُ: هذا يقتضي أن تكبير المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام؛ لأنه جاء بناء التعقيب، وهو مذهب كافّة العلماء، ولا خلاف أنه لا يسبقه المأموم بالتكبير والسلام إلا عند الشافعيّ ومن لا يرى ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وأن الصواب فعل المأموم ذلك بعد فعل الإمام، واختلفوا إذا فعله معه، قال: ولأصحابنا - يعني المالكيّة - فيه قولان: الإجزاء وعدمه، وكذلك اتّفقوا على أنه لا يسابقه بأفعاله وسائر أقواله في الصلاة، ولا يفعلها معه، وأن السنّة اتّباعه فيها . واختلفوا في اتّباع المأموم الإمامَ في أفعاله، هل يكون معه، فإذا شرع الإمام في الركوع ركع بإثره، ولا ينتظر تمام ركوعه، أم يكون بعده، ولا يركع حتى يركع الإمام، ولا يرفع حتى يرفع، وهكذا في سائر الأفعال، كما جاء في هذا الحديث؟ ثم ذكر عن مالك في المسألة ثلاثة أقوال. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بأنه لا يشرع في فعل من الأفعال، إلا بعد تمام فعل الإمام هو الحقّ؛ لأنه وَله بيّنه وأوضحه تمام الإيضاح بقوله: ((فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم ... )) الحديث، فإنه نصّ واضح في كون المأموم لا يشرع في ركن من الأركان إلا بعد تلبّس الإمام به، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَإِنَّ الْإِمَامَ) الفاء للتعليل؛ لأن الإمام (يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ) يعني أن حقّه أن يتقدّمكم في كلّ ذلك (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: فَتِلْكَ بِتِلْكَ) أي أن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه إلى الركوع تستدركونها بتأخّركم في الركوع بعد رفعه لحظةً، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار قدرُ ركوعكم كقدر ركوعه . وقال القاضي عياض تَّتُهُ: فيه إشارة إلى تحقيق ما تقدّم من ترجيح أحد الأقوال، وبيان الحكم من أنه لا يركع المأموم ولا يسجد، ولا يرفع حتى يفعل ذلك إمامه، وتنبيهٌ على أن الشيء الذي سبقه به إمامه من الركعة، أو (١) ((إكمال المعلم)) ٢٩٧/٢. ٤٠٩ (١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٠٩) السجدة لم يفته مقدارها؛ لفعله هو أيضاً مدّةً انتظاره رفعَ الإمام رأسه واعتداله، فقامت مقام ما سبقه به إمامه، وجاءت أفعاله بقدر أفعاله، وسبقه له مطابق لتأنيه هو بعده، ((فتلك بتلك)). وقيل: معناه: فتلك الحالة من صلاتكم وأعمالكم إنما تصحّ بتلك الحالة من اتّباعكم له واقتدائكم به، وقيل: هو راجع إلى قوله: ((آمين)) بعد قوله: ((والضالين))، و((ربّنا ولك الحمد)) بعد قوله: ((سمع الله لمن حمده))، أي تلك الكلمة، أو الدعوة التي في السورة متعلّقة بـ((آمين))، أو بـ((ربنا ولك الحمد))؛ لارتباط إحداهما بمعنى الأخرى(١). (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) قال القاضي ◌َّتُهُ: أي أجاب الله دعاء من حمده، وقيل: أراد به الحثّ على التحميد، وسياق هذا الحديث يدلّ على أنه إعلام بذلك. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: ((سمع الله لمن حمده)) خبرٌ عن الله تعالى باستجابة حمده ودعائه، ويجوز أن يراد به الدعاء، فيكون معناه: اللهم استجب، كما تقول: صلى الله على محمد. انتهى(٣). (فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) وفي نسخة: ((اللهمّ ربنا ولك الحمد))، قال في ((الفتح)): كذا في رواية الكشميهنيّ بإثبات الواو، وفيه ردّ على ابن القيّم حيث جزم بأنه لم يَرِد الجمع بين ((اللهمّ)) والواو في ذلك. انتهى(٤). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: اختلفت روايات الحديث في إثبات الواو وحذفها، واختَلَفت روايات العلماء فيها، فمرّةً اختار مالك إثبات الواو؛ لأن قوله ((ربّنا)» إجابة قوله: ((سمع الله لمن حمده))، أي ربّنا استجب دعاءنا، واسمع حمدنا، ولك الحمد على هذا، وأيضاً فإن الواو زيادة حرف، ولكلّ حرف حظّ من الثواب، واختار مرّةً حذف الواو؛ إذ الحمد هو المقصود، قال القرطبيّ: والظاهر أن الموجب للاختلاف في الاختيار الاختلاف في ترجيح الآثار. انتهى(٥). (١) راجع: (إكمال المعلم)) ٢٩٨/٢. (٣) ((المفهم)) ٣٨/٢. (٥) ((المفهم)) ٣٨/٢. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٩٨/٢ - ٢٩٩. (٤) ((الفتح)) ٥٤٠/٢. ٤١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال النوويّ نَّتُهُ: هكذا هو هنا بلا واو، وفي غير هذا الموضع: ((ربنا ولك الحمد))، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها، وكلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على وجه الجواز، وأن الأمرين جائزان، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، ونقل القاضي عياض تَُّ اختلافاً عن مالك تَُّ وغيره في الأرجح منهما، وعلى إثبات الواو يكون قوله: ((ربنا)) متعلقاً بما قبله، تقديره: سمع الله لمن حمده، يا ربنا فاستجب حمدنا ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك. انتهى(١). وعبارة القاضي عياض تَخّْتُهُ: وقوله: ((ربنا ولك الحمد)) اختلفت الآثار فيه بإثبات الواو وحذفها، واختَلَف اختيار مالك وغيره من العلماء بين اللفظين، وفي إثبات الواو زيادة؛ لأن قوله: ((ربّنا)) إجابة قوله: ((سمع الله لمن حمده))، أي ربّنا استجِب دُعاءنا، واسمع حمدنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك، وبحذف الواو ليس فيها غير امتثال قول الحمد، ويظهر لي أن اختلاف قول مالك وتردّده في الاختيار بين اللفظين إما لاختلاف الآثار في ذلك، وترجيح أحدهما مرّة على الآخر من جهة الصحّة، أو الشهرة والعمل، أو لمطابقة المعنيين المتقدّمين في ((سمع الله لمن حمِدَه))، فإذا جعلنا ((سمع الله لمن حمده)) بمعنى الحثّ على الحمد كان الوجه في الجواب ربنا لك الحمد دون واو؛ لأنه مطابقٌ لما حُثّ عليه، وامتثالٌ لما نُدِب إليه، وعلى التأويل الآخر الأَولى إثبات الواو؛ لأنه يتضمّن تأكيد الدعاء الأول، وتكراره لقوله: ((ربّنا))، أي استجِبْ لنا، أو اسمع حمدنا، ثم يأتي بالعبادة التي دُعِي بالاستجابة لقائلها، وهو الحمد، فيقول: ((ولك الحمد))، ومعنى ((سمع الله)) هنا: أجاب وتقبّل. انتھی (٢) . وقوله: (يَسْمَعُ اللهُ لَكُمْ) أي يستجيب لكم، وهو في نسخ الكتاب بالرفع مضبوطاً بالقلم، بخلاف قوله الماضي: ((يجبكم الله))، فإنه وقع في النسخ مجزوماً بضبط القلم، ووقع في نسخ سنن النسائيّ بالجزم في الموضعين، وكلا (١) ((شرح مسلم)) ٤/ ١٢١. (٢) ((إكمال العلم)) ٢٩٩/٢. ٤١١ (١٦) - بَابُ الَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٠٩) الأمرين جائزان، ووجه الجزم أن يكون جواباً للطلب، كما أسلفناه، وأما الرفع فيكون على الاستئناف، والله تعالى أعلم. (فَإِنَّ اللهَ تَبَارََكَ وَتَعَالَى قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ وَّهِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وفي رواية معمر، عن قتادة الآتية: ((فإن الله رَ قضى على لسان نبيّه وَّ: ((سَمِع الله لمن حمده))، ومعناه: أن الله تعالى حكم في سابق قضائه وحتمه، وأمضاه وأنزله على نبيّهِ وََّ، فبلّغه إلى أمته أنه يُجيب دعاء من دعاه، ويقبل حمدَ من حمده، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ كَّتُهُ: فيه دلالة لما قاله أصحابنا وغيرهم: إنه يستحب للإمام الجهر بقوله: ((سمع الله لمن حَمِده))، وحينئذ يسمعونه، فيقولون، وفيه دلالة لمذهب مَن يقول: لا يزيد المأموم على قوله: ((ربنا لك الحمد))، ولا يقول معه: ((سَمِع الله لمن حمده))، ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد؛ لأنه ثبت أنه * جمع بينهما، وثبت أنه وَ ﴿ل قال: ((صَلَّوا كما رأيتموني أصلي))، وسيأتي بسط الكلام فيه في بابه - إن شاء الله تعالى. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم مشروعيّة التسميع للمأموم هو الراجح؛ لكون هذا الحديث صريحاً فيه، وأما حديث: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلّ))، فعامّ خُصّ منه عدم متابعته في الجهر بالقراءة إجماعاً، فليُخصّ منه أيضاً هذا؛ لهذا الحديث الصريح الخاصّ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -. (وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّيِ: فَتِلْكَ بِتِلْكَ) أي تلك اللحظة التي سبقكم بها الإمام في تقدّمه إلى السجود، تُقابَلُ لكم بتأخّركم فيه بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، فيصير سجودكم بمقدار سجوده. (وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ) بفتح القاف، وسكون العين: المرّة من القعود، كما قال فى ((الخلاصة)) : (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/٤. ٤١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَ((جَلْسَهْ)) وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَـ(جِلْسَهْ)) واسم ((كان)) ضمير يعود إلى المفهوم، والظرف خبرها، أي إذا كان الحال كائناً عند القَعْدة (فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمُ) الظاهر أن ((من)) زائدة، وزيادتها في الإثبات أجازه الأخفش مطلقاً، وجعل منه قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] والكوفيّون بشرط تنكير مجرورها، نحو: ((قد كان من مطر)). قال النوويّ تَخْلَّمُهُ: استَدَلَّ جماعة بهذا على أنه يقول في أول جلوسه: ((التحيات))، ولا يقول: ((بسم الله))، وليس هذا الاستدلال بواضح؛ لأنه قال: ((فليكن من أول))، ولم يقل: ((فليكن أول))، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الاستدلال به واضحٌ، ووجه ذلك هو ما ذكرته من كون ((من)) زائدة، بدليل أنه وقع عند ابن ماجه وغيره بلفظ: ((فإذا كان عند القعدة، فليكن أولُ ذكر أحدكم التشهدَ)»، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (التَّحِيَّاتُ، الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ للهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ))) تقدّم شرح هذه الجمل قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ بظلاله هذا من أفراد المصنّف رَذَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٠٩/١٦ و٩١٠ و٩١١] (٤٠٤)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٩٧٢ و٩٧٣)، و(النسائيّ) فيها (٩٦/٢ - ٩٧ و١٩٦ - ١٩٧ و٢٤١ و٤١/٣ - ٤٢)، و(ابن ماجه) فيها (٩٠١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٠٦٥)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٥١٧)، و(ابن أبي شيبة) في (١) ((شرح النوويّ)) ١٢١/٤. ٤١٣ (١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٠٩) ((مصنّفه)) (٢٥٢/١ و٢٥٣ و٢٩٣ و٣٥٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠٩/٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣١٥/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٥٨٤)، (وابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١٦٧)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٦٤/١ و٢٦٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٦/٢ و١٤٠ و١٤١ و٣٧٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٢٠ و٢٠٢١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٩٧ و٨٩٨ و٨٩٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صيغة التشهّد. ٢ - (ومنها): بيان أن أفعال الصلاة وأقوالها لا بدّ أن تكون مما ثبت عن النبيّ وَّر، فلا يجوز لأحد أن يبتدع فيها قولا أو فعلاً لم يثبت في السنّة، فقد قال أبو موسى ربه: ((أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟)). ٣ - (ومنها): عدم جواز مبادرة الإمام، فقد قال ◌َّر: ((فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم ... )) الحديث. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّ من الاهتمام في التبليغ، وتعليم أمته أحكام الدين. ٥ - (ومنها): أن الإمام هو القدوة للمأموم، فلا يجوز له أن يسابقه في أفعال الصلاة ولا أن يقارنه، بل يكون ابتداء متابعته بعد تأكّده من دخوله في الفعل الذي يريد أن يفعله، وقد أوضح هذا المعنى حديث البراء بن عازب ظنًّا كان رسول الله وَلّ إذا قال: ((سمع الله لمن حمده))، لم يَحْنِ أحدٌ منّا ظهره حتى يَقَع النبيّ ◌َّر ساجداً، ثم نقع سجوداً بعده))، متّفق عليه، وفي لفظ: ((كنا نصلي خلف النبيّ وَّ، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يَحْنِ أحد منا ظهره حتى يضع النبيّ وَّ جبهته على الأرض)). فقد صرّح أن الصحابة ﴿ كانوا إذا خرّ ◌َّ للسجود، لا يحنون ظهورهم، فضلاً عن الخرور معه حتى يروه وَّه واضعاً جبهته على الأرض، فقد دلّ على أن ابتداء فعل المأموم يكون بعد تمام انتقال الإمام إلى الركن التالي. ٤١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ولكن مما يؤسف له أن كثيراً من المصلّين إما يسابقون الإمام أو يساوونه، وهذا هو موت السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٦ - (ومنها): بيان أن اللحظة التي سبق الإمام بها المأموم تستدرك بتأخّر المأموم بلحظة مثلها . ٧ - (ومنها): الترغيب في قول ((آمين)) عند فراغ الإمام من قراءة الفاتحة؛ لأن الله تعالى يُجيب الدعاء بذلك. ٨ - (ومنها): أن الله ◌ُعَلَ يَسْمع حمد من حمده، ويُثيبه عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْلُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩١٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ، كُلُّ هَؤُلَاءٍ عَنْ قَتَادَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ (١)، بِمِثْلِهِ، وَفِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ: ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: ((فَإِنَّ اللهَ قَالَ عَلَى لِسَانٍ فَبِّهِ نَّهِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، إِلَّا فِي رِوَايَةٍ أَبِي كَامِلٍ وَحْدَهُ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أُخْتٍ أَبِي النَّضْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ مُسْلِمٌ: تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ؟، فَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ، يَعْنِي: ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))، فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ، فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنَا؟ قَالَ: لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا، إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل حديث. (١) وفي نسخة: ((بهذا الإسناد)). ٤١٥ (١٦) - بَابُ الَّشَهِّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩١٠) ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦. ٤ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧. ٥ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِم [٩] (٢٠٠) (ع) تقدَّم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٦ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦. ٧ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ ابن راهويه تقدّم أول الباب. ٨ - (جَرِير) بن عبد الحميد تقدّم أول الباب أيضاً. ٩ - (سُلَّيْمَانُ التَّيْمِيُّ) هو: سليمان بن طَرْخان، نزل في بني تيم، فنُسِب إليهم، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن (٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ١ - (قَتَادَةُ) بن دعامة تقدّم في السند الماضي. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ) إشارة إلى الثلاثة: سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ، وسليمان التيميّ، فكلهم رووا هذا الحديث عن قتادة متابعين لأبي عوانة الراوي عنه في السند الماضي. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) وفي نسخة: ((بهذا الإسناد)) بالباء الموحّدة بدل ((في))، والإشارة لإسناد قتادة الماضي، وهو عن يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد الله الرَّقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ ◌ُه. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث قتادة الماضي في رواية أبي عوانة عنه. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة التي أحالها المصنّف هنا، ساقها الدارميّ ◌َّتُ في ((سننه))، فقال: (١٣٢٤) أخبرنا سعيد بن عامر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ٤١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد الله الرَّقَاشِيِّ، قال: صلى بنا أبو موسى إحدى صلاتي العشيّ، فقال رجل من القوم: أُقِرّت الصلاة بالبرّ والزكاة، فلما قضى أبو موسى الصلاة، قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأَرَمّ القوم، فقال: لعلك يا حِطّان قلتها؟ قال: ما أنا قلتها، وقد خِفْتُ أن تَبْكَعَني بها، فقال رجل من القوم: أنا قلتها، وما أردت بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أَوَما تعلمون ما تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله وَلّ خَطَبنا، فعَلَّمنا صلاتنا، وبَيَّن لنا سنتنا، قال: أحسبه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ﴾، فقولوا: آمين، يُجِبْكم الله، فإذا كبر وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ الله وَّر: فتلك بتلك، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، أو قال: ربنا ولك الحمد، فإن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده، وإذا كبر وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ الله وَالر: فتلك بتلك، فإذا كان عند القَعْدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحياتُ الطيبات الصلوات الله، السلام، أو سلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام - أو سلام علينا - وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)). انتهى. وأما رواية هشام الدّستوائيّ، عن قتادة، فأخرجها الإمام أحمد تَُّ في ((مسنده))، فقال: (١٨٨٣٤) حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، قال: ثنا قتادة، عن يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد الله الرَّقَاشيّ، أن الأشعريّ صلى بأصحابه صلاةً، فقال رجل من القوم حين جلس في صلاته: أُقِرّت الصلاة بالبرّ والزكاة، فلما قَضَى الأشعريّ صلاته، أقبل على القوم، فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأَرَمَّ القوم، قال أبو عبد الرحمن(١): قال أبي: أَرَمَّ: السكوت، قال: لعلك يا حِطّان قلتها؟ لحطان بن عبد الله، قال: والله إن قلتها، ولقد رَهِبْتُ أن تَبْكَعَني بها، قال رجل من القوم: أنا قلتها، وما أردت (١) هو عبد الله بن أحمد ولد الإمام أحمد بن حنبل الراوي عنه هنا. ٤١٧ (١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩١٠) بها إلا الخير، فقال الأشعريّ: ألا تعلمون ما تقولون في صلاتكم؟ فإن نبيّ الله وَّهُ خطبنا، فعلّمنا سنتنا وبيّن لنا صلاتنا، فقال: ((أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أقرؤكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿وَلَ الضَّالِينَ﴾، فقولوا: آمين، يُجِبْكم الله، ثم إذا كبر الإمام وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ الله وَّر: فتلك بتلك، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم، فإن الله رَت قال على لسان نبيه وَّير: سمع الله لمن حمده، وإذا كبر الإمام وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبيّ الله وَله: فتلك بتلك، فإذا كان عند القَعْدَة، فليكن من أول قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات الله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)). انتهى. وأما رواية جرير، عن سليمان التيميّ، عن قتادة، فأخرجها الإمام ابن ماجه تَخْتُ في ((سننه)) (٢٧٦/١) إلا أنها مختصرة، فقال: (٨٤٧) حدّثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا جرير، عن سليمان التيميّ، عن قتادة، عن أبي غلّاب، عن حِطّان بن عبد الله الرّقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا قرأ الإمام فأنصتوا، فإذا كان عند القَعْدة فليكن أول ذكر أحدكم التشهد». انتهى. وأخرجها النسائيّ ◌َثُ في ((سننه)) من رواية المعتمر بن سليمان، عن أبيه، فقال: (١١٧٣) أخبرنا أبو الأشعث، أحمد بن الْمِقْدَام العجليّ البصريّ، قال: حدثنا المعتمر، قال: حدّثنا أبي، يُحَدِّث عن قتادة، عن أبي غَلّاب، وهو يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد الله، أنهم صَلَّوا مع أبي موسى، فقال: إن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إذا كان عند القَعْدَة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله الطيبات الصلوات الله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)). انتهى. ٤١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وأخرجها الإمام أبو داود أيضاً في ((سننه)) بعد إخراج رواية هشام، عن قتادة المتقدّم ذكرها، فقال: حدّثنا عاصم بن النضر، حدّثنا المعتمر، قال: سمعت أبي، حدَّثنا قتادة، عن أبي غَلّاب، يحدثه عن حِطّان بن عبد الله الرّقَاشيّ بهذا الحديث، زاد: ((فإذا قرأ فأنصتوا))، وقال في التشهد بعد ((أشهد أن لا إله إلا الله)) زاد: ((وحده لا شريك له))، قال أبو داود: وقوله: ((فأنصتوا)) ليس بمحفوظ، لم يجئ به إلا سليمان التيميّ في هذا الحدیث. انتهى. وأخرجها أبو عوانة في («مسنده)) (١٣٣/٢)، فقال: حدّثنا الصائغ بمكة، قال: ثنا عليّ بن عبد الله، قال: ثنا جريرٌ، عن سليمان التيميّ، عن قتادة، عن أبي غَلّاب، يونس بن جبير، عن حِطّان بن عبد الله، أن أبا موسى قال: خطبنا رسول الله وَّل، فعلّمنا سنتنا، وبَيّن لنا صلاتنا، فقال: إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)). انتهى. وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ: ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))) قد ذكرت آنفاً من أخرجه بهذه الزيادة، فتنبّه. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: ((فَإِنَّ اللهَ قَالَ عَلَى لِسَانٍ نَبِّهِ رَّه: سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، إِلَّا فِي رِوَايَةٍ أَبِي كَامِلِ وَحْدَهُ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ) الظاهر أنه أراد بقوله: ((أحد منهم)) الذين شاركوا أبا كامل في روايتهم عن أبي عوانة، وهم: سعيد بن منصور، وقُتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبد الملك الأمويّ، وليس المراد الذين شاركوا أبا عوانة في روايته عن قتادة، وهم: سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ، وسليمان التيميّ، فإن قوله: ((فإن الله قال على لسان نبيّه وَ﴾ ... إلخ)) موجود في رواياتهم، كما أسلفت بيانه آنفاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان، صاحب مسلم، راوي ((صحيحه)) عنه، المتوفّى سنة (٣٠٨هـ) وقد تقدّمت ترجمته في (شرح المقدّمة))(١). (١) راجع: ((قرّة عين المحتاج)) ٦٣/١. ٤١٩ (١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩١٠) وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أُخْتِ أَبِي النَّضْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) أي طعن في صحّة هذا الحديث بزيادة قوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا)). و((أبو بكر هذا)) لم أجد ترجمته، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ مُسْلِم) بن الحجّاج صاحب الكتاب ردّاً على طعن أبي بكر المذكور في صحّة هذه الزيادة (تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ؟) هو بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ، أي أتريد أحفظ من سليمان التيميّ الذي زادها؟ يعني أن سليمان كاملُ الحفظ والضبط، فلا تضرُّ مخالفة غيره له بعدم ذكر هذه الزيادة . وحاصل ما أشار إليه مسلم تَخْتُهُ أنه يرى صحّة هذه الزيادة، وإن خالف فيها سليمان جماعة الرواة عن قتادة؛ لأنه حافظ، فتُقبل زيادته، وسيأتي بيان من خالفه في هذا التصحيح، في المسألة الأولى - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أخت أبي النضر (فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَضْلُبه أي: ما حاله؟. وأراد بحديث أبي هريرة ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وسلم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)). وقوله: (فَقَالَ) الظاهر أن الضمير لأبي بكر، فيكون تفسيراً لقوله: ((فحديث أبي هريرة؟»، فيكون قوله: (هُوَ صَحِيحٌ) بتقدير همزة الاستفهام، أي: أهو صحيح؟ (يَعْنِي) بقوله: ((فحديث أبي هريرة)) قوله: ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنَّصِتُوا))). ويَحْتَمِل أن يكون ضمير ((قال)) لمسلم، أي قال مسلم: هو حديث صحيح، فيكون قوله: (فَقَالَ) أي مسلم (هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ) تأكيداً لما قبله، والوجه الأول أظهر، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ) أي أبو بكر (لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنَا؟) أي إذا كان صحيحاً، فلم لم تُخرجه في هذا الكتاب؟. وقوله: (قَالَ) أي مسلم (لَيْسَ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحِ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا) ٤٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة يعني أنه لم يضع في هذا الكتاب كلّ حديث صحيح لديه (إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ) أي ما أجمع الحفّاظ على صحّته. قال النوويّ تَخْلُهُ بعد ذكر نحو ما تقدّم: ثم قد يُنكَر هذا الكلام، ويقال: قد وضع أحاديث كثيرةً غيرَ مُجْمَعٍ عليها . وجوابه أنها عند مسلم بصفة المجمَع عليه، ولا يلزم تقليد غيره في ذلك، وقد ذكرنا في مقدمة هذا الشرح هذا السؤال وجوابه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ما أجمعوا عليه)) يحتمل معنيين: [أحدهما]: ما أجمع على صحّته الحفّاظ النقّاد، فلم يختلفوا في صحّته. [والثاني]: ما أجمع عليه الرواة، بأن اتّفقوا على شيخهم، لا ما اختلفوا فيه عليه، كرواية سليمان هنا بزيادة ((وإذا قرأ فأنصتوا))، مخالفاً للرواة الآخرين . وعلى كلّ من المعنيين فكلامه فيه نظر لا يخفى؛ لأنه وضع في كتابه أحاديث كثيرة من النوعين، وقد تقدّم أن ابن الصلاح ◌َظّثُ أجاب عنه بجوابين: [أحدهما]: أنه لم يضع في هذا الكتاب إلا الأحاديث التي وُجد عنده فيها شرائط الصحيح الْمُجمع عليه، وإن لم يَظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. [والثاني]: أنه أراد أنه ما وضع فيه ما اختلف الثقات فيه في نفس الحديث متناً أو إسناداً، ولم يُرد ما كان إنما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من كلامه، ثم ذكر جوابه على هذا الحديث المذكور هنا، قال: ومع هذا قد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها؛ لصحّتها عنده، وفي ذلك ذهول منه تَخَّتُهُ عن هذا الشرط، أو سبب آخر، وقد استدركت عليه وعُّلت. انتهى(٢). (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/٤. (٢) راجع: ((صيانة صحيح مسلم)) للشيخ أبي عمرو بن الصلاح تَُّهُ، ص ٧٥.