Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩٠)
هذه الألفاظ في النصوص يجب حملها على معانيها الشرعيّة، إلا أن يمنع
مانعٌ، ولا مانع ها هنا .
ولأن من وضع الجبهة إلى غير القبلة، أو على غير وضوء، فهو ساجدٌ
لغةً، وليست هذه السجدة معتبرةً في الشرع، ومعنى الركوع والسجود الشرعيّ
غير معلوم، فهو يحتاج إلى البيان، فحديث أبي هريرة ◌ُه وما وافقه بيان ذلك
النصّ المجمل، وبيان الفرض المجمل يجوز بخبر الواحد، أي يكون فرضاً في
مرتبة المجمل.
قال الشيخ عبد الحليم اللكنويّ الحنفيّ في ((حاشية نور الأنوار)) - بعد
ذكر نحو ما تقدّم من تقرير استدلال الحنفيّة -: ولو سلّمنا أن النصّ مطلق،
فنقول: إن هذا الحديث ليس بخبر الواحد، بل هو حديث مشهور، تلقّته الأمة
بالقبول، ورواه أئمة الحديث بأسانيد كثيرة، والزيادة على الكتاب بالخبر
المشهور جائزة. انتهى.
وقال - بعد ذكر حديث أبي هريرة ظه -: هذا الحديث دالّ على أن
تعديل الركوع والسجود فرضٌ، والقومة، والجلسة ركنان، فإن رسول الله وَله
نفى الصلاة بفواتها .
وإن زللت بما قال بعض السابقين من أن في آخر الحديث المذكور - يعني
حديث رفاعة - زيادة تدلّ على توقّف صحّة الصلاة عليها، وهو قوله وَله: ((فإذا
فعلت ذلك، فقد تمّت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً، انتقَصْتَ من صلاتك))،
فسمّاها وَ﴿ صلاةً، والباطلة ليست بصلاة، وأيضاً وصفها بالنقص، والباطلة
إنما توصف بالانعدام، فعلم أن أمر النبيّ ◌َلهو بالإعادة إنما كان لتقع الصلاة
على غير كراهة، لا لفساد صلاة ذلك الرجل، ثَبَّتُّك أن معنى هذه الزيادة: إن
فعلت ما بيّنتُ من التعديل على الكمال، فقد صلّيت صلاةً تامّةً، وإن نقصت
من التعديل شيئاً من النقصان مع بقاء أصل التعديل - كما يدلّ عليه لفظ
((نقصت)) - فقد نقصت من صلاتك بقدر نقصان التعديل، فالإخلال بالتعديل
رأساً يوجب الفساد.
فإن غلبك جنود الوهم بأن القومة والجلسة ليستا بمقصودتين، وإنما

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
شُرِعتا للفصل بين الركوع والسجود، فلا يكونان ركنين، بل الركن هو
المقصود، وهو الركوع والسجود.
فعارضها بعسكر الفكر بأن هذا رأي في مقابلة النصّ المذكور، فلا
يُسمع، كذا أفاده بحر العلوم، أنار الله برهانه. انتهى كلام الشيخ عبد الحليم
اللكنويّ.
وما نقله عن بعض السابقين قد ردّه أيضاً العينيّ بأن للخصم أن يقول:
إنما سمّاها صلاةً بحسب زعم المصلّي، كما تدلّ عليه الإضافة، على أنه ورد
في بعض الروايات: ((وما نقصت شيئاً من ذلك))، أي مما ذُكر سابقاً، ومنه
الركوع والسجود أيضاً، فيلزم أن تُسمّي ما لا ركوع فيها أو لا سجود فيها
أيضاً صلاةً بعين التقرير المذكور، وإذ لیس، فلیس. انتهى.
وقال بعض الحنفيّة في الجواب عن حديث أبي هريرة: إن هذا الحديث
لا يدلّ على فرضيّة التعديل، بل على عدم فرضيّته؛ لأنه وَّ ترك الأعرابيّ حتى
فرغ من صلاته، ولو كان ما تركه ركناً لفسدت صلاته، فكان المضيّ بعد ذلك
من الأعرابيّ عَبَثاً، فلا يحلّ له وَّر أن يتركه، فكان تركه دالاً على أن صلاته
جائزة، إلا أنه ترك الإكمال، فأمره بالإعادة؛ زجراً عن هذه العادة.
وردّه العينيّ في ((البناية)) بأن للخصم أن يقول: كانت صلاته فاسدةً، ولذا
أمره بالإعادة، وقال له: ((لم تصلّ)) وإنما تركه عليه لأنه ربّما يهتدي إلى
الصلاة الصحيحة، ولم يُنكر عليه؛ لأنه كان من أهل البادية، كما شَهِدت به
رواية الترمذيّ بلفظ: ((إذ جاء رجلٌ كالبدويّ))، ومن المعلوم أن أهل البادية
لهم جفاء وغلظة، فلو أمره ابتداء لكان يقع في خاطره شيء، وكان المقام مقام
التعليم.
وبالجملة لا دلالة لعدم إنكاره وي على صلاته ابتداء، وأمره بالإعادة
على ما ادعوه. انتهى.
قال صاحب ((المرعاة)) بعد ذكر ما تقدّم: فإذا عرفت هذا كلّه ظهر لك أن
ما ذهب إليه الجمهور - أي من فرضيّة الاطمئنان - هو الحقّ، وما ذهب إليه
الحنفيّة ليس لهم عليه دليلٌ صحيح، بل حديث أبي هريرة ظُبه حجة صريحة
عليهم. انتهى. وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، لا يَحتاج إلى التعليق عليه، والزيادة

٢٨٣
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩٠)
عليه لمن سلك سبيل الإنصاف، وجانب تقليد الأعمى، وطريق الاعتساف،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الإمام ابن دقيق العيد دخّلُهُ: تكرر من الفقهاء
الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذُكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم
يُذكر.
أما الوجوب فلتعلُّق الأمر به، وأما عدمه فليس لمجرد كون الأصل عدم
الوجوب، بل لكون الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات
الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذُكر، ويتقوى ذلك بكونه وَ له
ذَكَر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به إساءته من واجبات
الصلاة، فدلّ على أنه لم يَقصُر المقصود على ما وقعت به الإساءة فقط.
فإذا تقرّر هذا، فكلُّ موضع اختَلَف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكوراً في
هذا الحديث، فلنا أن نتمسك به في وجوبه، وكلُّ موضع اختلفوا في وجوبه،
ولم يكن مذكوراً في هذا الحديث، فلنا أن نتمسّك به في عدم وجوبه؛ لكونه
غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدّم من كونه موضع تعليم، وقد ظهرت
قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، وكلّ موضع اختُلف في تحريمه، فلنا
أن نستدلّ بهذا الحديث على عدم تحريمه؛ لأنه لو حرّم لوجب التلبّس بضدّه،
فإن النهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده، ولو كان التلبّس بالضدّ واجباً لذُكر
ذلك على ما قرّرناه، فصار من لوازم النهي الأمرُ بالضدّ، ومن الأمر بالضدّ
ذكره في الحديث على ما قرّرناه، فإذا انتفى الأمر بالضدّ انتفى ملزومه، وهو
النهي عن ذلك الشيء.
فهذه الثلاث الطرق يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل
المتعلّقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاثَ وظائف:
[أحدها]: أن يَجْمَع طرق هذا الحديث، ويُحصِي الأمور المذكورة فيه،
ويأخذ بالزائد فالزائد، فإن الأخذ بالزائد واجب.
[وثانيها]: إذا قام دليلٌ على أحد أمرين، إما الوجوب، أو عدم
الوجوب، فالواجب العمل به، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب
النفي يجب التحرّز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين، فيَعْمَل به.

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قال: وعندنا أنه إذا استُدلّ على عدم وجوب شيء بعد ذكره في
الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدّم صيغة الأمر، وإن
كان يمكن أن يقال: الحديث دليلٌ على عدم الوجوب، وتُحْمَل صيغة الأمر
على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى؛ لأن عدم الوجوب متوقّف على مقدّمة
أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدلّ على عدم الذكر في نفس الأمر،
وهذه غير المقدّمة التي قرّرناها، وهو أن عدم الذكر يدلّ على عدم الوجوب؛
لأن المراد ثَمّة أن عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول وَّ يدلّ على عدم
الوجوب، فإنه موضع بيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في
الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدلّ على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق
أن يقال: لو كان لذُكِر، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدّمة أضعف من دلالة
الأمر على الوجوب.
وأيضاً فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيُعمل بها.
قال: وهذا البحث كلّه بناءً على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو
ظاهر فيها، والمخالف يُخرجها عن حقيقتها بدليل عدم الذكر، فيَحتاج الناظر
المحقّق إلى الموازنة بين الظنّ المستفاد من عدم الذكر في الرواية، وبين الظنّ
المستفاد من كون الصيغة للوجوب، والثاني عندنا أرجح.
[وثالثها]: أن يستمرّ على طريقة واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه
في آخر، فيَتَشَعلب نظره، وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالاً
واحداً، فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين.
انتهى كلام ابن دقيق العيد تَذْتُهُ(١).
وقد علّق العلامة الشوكانيّ رَّتُهُ على قوله: ((فالمقدّم صيغة الأمر إذا
جاءت في حديث آخر))، فقال: وأما قوله: ((إنها تقدّم صيغة الأمر إذا جاءت
في حديث آخر))، واختياره لذلك من دون تفصيل، فنحن لا نوافقه، بل نقول:
إذا جاءت صيغة أمرٍ قاضيةٌ بوجوب زائد على ما في هذا الحديث، فإن كانت
متقدِّمةً على تاريخه كان صارفاً لها إلى الندب؛ لأن اقتصاره في التعليم على
(١) ((إحكام الأحكام)) ٣٥٨/٢ - ٣٦٦ بنسخة الحاشية ((العدّة)).

(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلُّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩٠)
٢٨٥
غيرها، وتركه لها من أعظم المشعِرات بعدم وجوب ما تضمنته؛ لما تقرّر من
أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وإن كانت متأخرةً عنه، فهو غير
صالح لصرفها؛ لأن الواجبات الشرعية ما زالت تتجدد وقتاً فوقتاً، وإلا لزم
قصر واجبات الشريعة على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة وغيره،
أعني الصلاة، والصوم، والحجّ، والزكاة، والشهادتين؛ لأن النبيّ وَّ اقتصر
عليها في مقام التعليم، والسؤال عن جميع الواجبات، واللازمُ باطلٌ فالملزوم
مثله .
وإن كانت صيغة الأمر الواردة بوجوب زيادة على هذا الحديث غير
معلومة التقدّم عليه، ولا التأخر، ولا المقارنة، فهذا محلّ الإشكال، ومقام
الاحتمال، والأصل عدم الوجوب، والبراءة منه حتى يقوم دليل يوجب الانتقال
عن الأصل والبراءة، ولا شك أن الدليل المفيد للزيادة على حديث المسيء إذا
التبس تاريخه محتمل لتقدمه عليه وتأخره، فلا يَنهَض للاستدلال به على
الوجوب .
وهذا التفصيل لا بُدّ منه، وترك مراعاته خارج عن الاعتدال إلى حدّ
الإفراط أو التفريط؛ لأن قصر الواجبات على حديث المسيء فقط، وإهدار
الأدلة الواردة بعده تخيُّلاً لصلاحيته لصرف كل دليل يَرِدُ بعده دالاً على
الوجوب سدٍّ لباب التشريع، وردٌّ لما تجدّد من واجبات الصلاة، ومنعٌ للشارع
من إيجاب شيء منها، وهو باطل؛ لما عَرَفت من تجدد الواجبات في
الأوقات.
والقول بوجوب كلِّ ما ورد الأمر به من غير تفصيل يؤدِّي إلى إيجاب كلّ
أقوال الصلاة وأفعالها التي ثبتت عنه وَله من غير فرق بين أن يكون ثبوتها قبل
حديث المسيء أو بعده؛ لأنها بيان للأمر القرآنيّ، أعني قوله تعالى: ﴿أَقِيمُواْ
اُلْضَلَوَةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، ولقوله وَّر: ((صَلُّوا كما رأيتموني أصلي))، وهو باطلٌ؛
لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز عليه واله .
وهكذا الكلام في كل دليل يقضي بوجوب أمر خارج عن حديث المسيء
ليس بصيغة الأمر، كالتوعّد على الترك، أو الذمّ لمن لم يفعل، وهكذا يُفَصَّل
في كل دليل يقتضي عدم وجوب شيء، مما اشتَمَل عليه حديث المسيء، أو

٢٨٦
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
تحريمه إن فرضنا وجوده. انتهى كلام الشوكانيّ تَخْذَتُهُ(١)، وهو تحقيق حسنٌ جدّاً.
وقد أشبعت البحث في هذا الحديث فيما كتبته على النسائيّ، فاستفد منه
ما تبقّى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى،
وَرَسُولُ اللهِ نَّهَ فِي نَاحِيَةٍ، وَسَاقَا الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَزَادَا فِيهِ: ((إِذَا
قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة، تقدّم قبل ثلاثة أحاديث.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل ثلاثة
أحادیث.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ،
من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢، وهو: والد محمد
الراوي عنه هنا .
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَسَاقَا الْحَدِيثَ، بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ) الضمير في ((ساقا)) لأبي
أسامة، وعبد الله بن نمیر.
[تنبيه]: فائدة سوق هذا الإسناد بيان الاختلاف على عبيد الله، فإن
يحيى بن سعيد القطّان أدخل في روايته والد سعيد المقبريّ بينه وبين أبي
(١) ((نيل الأوطار)) ٢٩٨/٢.
(٢) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ١٠٦/١١ - ١٢٦.

٢٨٧
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩١)
هريرة، وخالفه أبو أسامة، وعبد الله بن نمير، فروياه عن سعيد، عن أبي
هريرة، وقد تقدّم أن كلا الطريقين محفوظان، فإن يحيى إمام حافظ معتمد
عليه، كما سبق تحقيق ذلك في شرح الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية أبي أسامة، وعبد الله بن نُمير، ساقهما البخاريّ في
((صحيحه))، فأما رواية أبي أسامة فأخرجها في ((الأيمان والنذور))، فقال:
(٦٦٦٧) حدثني إسحاق بن منصور، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد الله بن
عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، أن رجلاً دخل المسجد، فصلى
ورسول الله وَ ل في ناحية المسجد، فجاء، فسلم عليه، فقال له: ((ارجع،
فصلٌ؛ فإنك لم تصلّ))، فرجع، فصلى، ثم سلّم، فقال: ((وعليك، ارجع،
فصل؛ فإنك لم تصل))، قال في الثالثة: فأعلمني، قال: ((إذا قمت إلى الصلاة،
فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبّر، واقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم
ارك حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى
تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن
ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)).
وأما رواية عبد الله بن نُمير، فأخرجها في ((الاستئذان))، فقال:
(٦٢٥١) حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الله بن نمير، حدثنا
عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ظُه أن رجلاً دخل
المسجد، ورسول الله وهو جالس في ناحية المسجد، فصلى، ثم جاء، فسلم
عليه، فقال له رسول الله وَّ: ((وعليك السلام، ارجع، فصلّ؛ فإنك لم
تصلّ))، فرجع، فصلى، ثم جاء، فسلّم، فقال: ((وعليك السلام، فارجع،
فصلّ، فإنك لم تصلّ))، فقال في الثانية، أو في التي بعدها: علّمني يا
رسول الله، فقال: ((إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة،
فكبّر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنّ راكعاً، ثم ارفع
حتى تستوي قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً،
ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في
صلاتك كلها)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(١٢) - (بَابُ نَهْىِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩٢] (٣٩٨) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ
أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنٍ أَوْنَى، عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ صَلَاةَ الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ، فَقَالَ:
((أَيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي بِ﴿َسَيْعِ أَسْمَ رَئِكَ الْأَعْلَى ﴾﴾؟))، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا
إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا)»).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكّة، ثقةٌ مصنّفٌ،
كان لا يتراجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت٢٢٧) وقيل بعدها (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه،
رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٥ - (زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى) الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ قاضيها، ثقةٌ ثبتٌ
عابدٌ [٣] مات فَجْأةً في الصلاة سنة (٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٦ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعِيّ، أبو نُجَيد الصحابيّ
ابن الصحابيّ چا، أسلم عام خيبر، وكان فاضلاً، وقضى بالكوفة، مات
سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ، وله فيه شيخان، قرن
بینھما .

٢٨٩
(١٢) - بَابُ نَّهْىِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (٨٩٢)
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من قتادة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن زرارة.
٥ - (ومنها): أن فيه قتادة من المدلّسين، وقد عنعنه هنا، لكنّه صرّح
بالسماع في الرواية التالية، فزالت تهمة التدليس، على أن شعبة رواه عنه، وهو
لا يروي عن المدلّسين إلا ما صرّحوا فيه بالسماع، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﴿هَا، أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِّهِ صَلَاةَ
الظُّهْرِ، أَوِ الْعَصْرِ) هكذا في هذه الرواية بالشكّ، وكذا هو عند النسائيّ من هذا
الوجه، وفي رواية شعبة، عن قتادة التالية: ((صلّى الظهر)) بدون شك، وهي
رواية أبي داود، والنسائيّ (فَقَالَ: ((أَيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي) وفي الرواية التالية: ((فجعل
[الأعلى: ١]، فلمّا انصرف قال:
رجلٌ يقرأ خلفه: ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
((أيّكم قرأ؟، أو أيكم القارئ؟)))) (بِ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾؟))) الباء للتعدية؛
لأن قرأ يتعدّى بنفسه، وبالباء، قال الفيّوميّ: ((قرأتُ أمَّ الكتاب، وبأمّ الكتاب،
يتعدّى بنفسه، وبالباء)). انتهى (١). وقوله: ﴿سَبِّعِ اسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى ﴾﴾ مجرور
بالباء محكيّ؛ لقصد لفظه (فَقَالَ رَجُلٌ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه.
انتهى (٢). (أَنَا) مبتدأ خبره محذوف: أي أنا القارئ (وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ)
يعني أنه لم يقصد بقراءتها منازعة النبيّ وَّر، والتشويش عليه، وإنما أراد أن
يكتسب الأجر بقراءتها (قَالَ) بَ له منكراً عليه ((قَدْ عَلِمْتُ) وفي الرواية التالية:
((قد ظننت))، وهو بمعناه؛ لأن ظنّ يأتي بمعنى عَلِم، وأيقن، كما في قوله
تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم ◌ُلَقُواْ الَّهِ ... ) الآية [البقرة: ٢٤٩] (أَنَّ
بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا))) أي نازعني السورة المذكورة.
وأراد ◌َلهو بهذا الكلام الإنكار على الرجل في جهره بالقراءة، حيث
أسمعه، فخلط عليه، لا في أصل القراءة؛ لأن الجهر هو الذي تقع به
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٠٢.
(٢) ((تنبيه المعلم)) ص١٢١.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
المخالجة والمنازعة، وهذا الإنكار محمول على ما سوى الفاتحة، كما هو
الظاهر من الحديث؛ إذ محل الإنكار قراءة ﴿سَِّحٍ أُسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾، لا
الفاتحة، وأيضاً صرّح النبيّ وَ﴿ باستثنائها، فقد أخرج أحمد، والترمذيّ عن
عبادة بن الصامت رضيه قال: صلّى بنا رسول الله وَّل صلاة الغداة، فثقُلت عليه
القراءة، فلما انصرف قال: ((إني لأراكم تقرءون وراء إمامكم؟)) قالوا: نعم والله
يا رسول الله، إنا لنفعل هذا، قال: ((فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة
لمن لم يقرأ بها))، وهذا حديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الكلام
على قراءة الفاتحة، فراجعه تستفد.
وقال النوويّ تَخْلُهُ: معنى هذا الكلام الإنكار عليه، والإنكار في جهره،
أو رفع صوته، بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا
يقرؤون بالسورة في الصلاة السريّة، وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام
والمأموم، وهذا الحكم عندنا، ولنا وجه شاذّ ضعيفٌ أنه لا يقرأ المأموم
السورة في السريّة كما لا يقرؤها في الجهرية، وهذا غلطٌ؛ لأنه في الجهرية
يؤمر بالإنصات، وهنا لا يسمع، فلا معنى لسكوته من غير استماع، ولو كان
في الجهرية بعيداً عن الإمام، لا يسمع قراءته، فالأصح أنه يقرأ السورة؛ لما
ذكرناه. انتهى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ظّ هذا من أفراد
المصنّف تَخْدَّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٩٢/١٢ و٨٩٣ و٨٩٤] (٣٩٨)، و(البخاريّ)
في ((جزء القراءة)) (ص٩١ - ٩٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٢٨ و٨٢٩)،
و(النسائيّ) فيها (١٤٠/٢ و٢٤٧/٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٥٧/١
و٣٧٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٧٩٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٨٥١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٨٣٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/

٢٩١
(١٢) - بَابُ نَهْىِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (٨٩٢)
٤٢٦ و٤٣١)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٢٠٧/١)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (٥١٩/١٨ و٥٢٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٨٤٥ و١٨٤٦
و١٨٤٧)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٤٠٥/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٦٩٣ و١٦٩٤ و١٦٩٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٨٢ و٨٨٣ و٨٨٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٢/٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم القراءة خلف الإمام:
قال النوويّ تَُّ في ((المجموع)): مذهبنا وجوبُ قراءة الفاتحة على
المأموم، في كل الركعات من الصلاة السرية والجهرية، هذا هو الصحيح عندنا
كما سبق، وبه قال أكثر العلماء.
قال الترمذيّ في ((جامعه)): القراءة خلف الإمام هي قول أكثر أهل العلم،
من أصحاب النبيّ ◌َّ﴿ والتابعين، قال: وبه يقول مالك، وابن المبارك،
والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وقال ابن المنذر: قال الثوريّ، وابن عيينة، وجماعة من أهل الكوفة: لا
قراءة على المأموم، وقال الزهريّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق:
لا يقرأ في الجهرية، وتجب القراءة في السرية، وقال ابن عون، والأوزاعيّ،
وأبو ثور، وغيره من أصحاب الشافعيّ: تجب القراءة على المأموم في السرية
والجهرية.
وقال الخطابيّ: قالت طائفة من الصحابة : تجب على المأموم،
وكانت طائفة منهم لا تقرأ، واختَلَف الفقهاء بعدهم على ثلاثة مذاهب، فذكر
المذاهب التي حكاها ابن المنذر، وحَكَى الإيجاب مطلقاً عن مكحول، وحكاه
القاضي أبو الطيب، عن الليث بن سعد، وحَكَى العبدريّ عن أحمد أنه قال:
يُستحبّ له أن يقرأ في سكتات الإمام، ولا يجب عليه، فإن كانت جهرية، ولم
يسكت لم يقرأ، وإن كانت سريّة استُحبت الفاتحة وسورة، وقال أبو حنيفة: لا
تجب على المأموم، ونقل القاضي أبو الطيب، والعبدريّ عن أبي حنيفة أن
قراءة المأموم معصيةٌ .
والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية.
قال البيهقيّ: وهو أصح الأقوال على السنة، وأحوطها، ثم رَوَى

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
الأحاديث فيه، ثم رواه بأسانيده المتعددة عن عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي
طالب، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن عباس،
وأبي الدرداء، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدريّ،
وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وهشام بن عامر، وعمران، وعبد الله بن
مُغَفَّل، وعائشة ظه، قال: ورويناه عن جماعة من التابعين، فرواه عن عروة بن
الزبير، ومكحول، والشعبيّ، وسعيد بن جبير، والحسن البصريّ رحمهم الله.
واحتج الجمهور في إيجاب القراءة خلف الإمام بقوله وَله: ((لا صلاة
لمن لم يقرأ بأمّ القرآن))، متّفقٌ عليه، فإنه عامّ في كل مصلٌ، ولم يثبت
تخصيصه بغير المأموم بمخَصِّص صريح، فبقي على عمومه.
وبحديث عبادة بن الصامت به أن النبيّ وَ ﴿ قرأ في صلاة الصبح،
فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: ((لعلكم تقرأون وراء إمامكم؟))، قلنا: نعم
هَذّاً يا رسول الله، قال: ((لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم
يقرأ بها))، رواه أبو داود، والترمذيّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم، قال
الترمذيّ: حديث حسنٌّ، وقال الدارقطنيّ: إسناده حسنٌ، وقال الخطابيّ:
إسناده جيّد، لا مطعن فيه.
[فإن قيل]: هذا الحديث من رواية محمد بن إسحاق بن يسار، عن
مكحول، ومحمد بن إسحاق مدلِّس، والمدلِّس إذا قال في روايته: ((عن)) لا
يُحتجّ به عند جميع المحدثین.
[فجوابه]: أن الدارقطنيّ، والبيهقيّ روياه بإسنادهما، عن ابن إسحاق،
قال: حدَّثني مكحول بهذا، فذكره، قال الدارقطنيّ في إسناده: هذا إسناد
حسنٌّ.
وقد عُلِم من قاعدة المحدثين، أن المدلس إذا رَوَى حديثه من طريقين،
قال في إحداهما: ((عن))، وفي الأخرى: ((حدَّثني))، أو ((أخبرني)) كان الطريقان
صحیحین، وحُكِم باتصال الحديث، وقد حصل ذلك هنا .
ورواه أبو داود من طُرُق، وكذلك الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وفي بعضها:
صلى بنا رسول الله وَ﴿ بعض الصلاة التي يُجهَر فيها بالقراءة، فقال: ((لا يقرأنّ
أحد منكم إذا جهرت بالقراءة، إلا بأم القرآن))، قال البيهقي عقب هذه الرواية:

٢٩٣
(١٢) - بَابُ نَهْىِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (٨٩٣)
والحديث صحيحٌ، عن عبادة، عن النبيّ ◌َّ، وله شواهد، ثم رَوَى أحاديث
شواهد له.
واحتج البيهقيّ وغيره بحديث أبي هريرة عنه أن النبيّ وَّ قال: ((من
صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خِدَاج))، وقد تقدّم للمصنّف، وتقدّم
البحث فيه مستوفی .
والجواب عن الأحاديث التي احتج بها القائلون بإسقاط القراءة بها أنها
كلّها ضعيفة، وليس فيها شيء صحيحٌ عن النبيّ وَّ، وبعضها موقوف، وبعضها
مرسلٌ، وبعضها في رواته ضعيف، أو ضعفاء(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ الذي لا مرية فيه، والذي دلّت عليه
النصوص الصحيحة الكثيرة وجوب القراءة خلف الإمام مطلقاً، سواء كانت
الصلاة سرّيّةً، أو جهريّة، وقد استوفيت هذا البحث، ملخّصاً كلام المحقّقين
في ذلك، في ((شرح النسائيّ))(٢)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٩٣] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى، يُحَدِّثُ
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ
بِ ﴿َسَيْجِ أَسْمَ رَبِكَ الْأَعْلَى ﴾﴾، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: ((أَبُّكُمْ قَرَأَ - أَوْ - أَيُّكُمُ
الْقَارِئُ؟))، فَقَالَ (٣) رَجُلٌ: أَنَا، فَقَالَ: ((قَدْ ظَنْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
(١) راجع: ((المجموع)) ٣٢١/٣ - ٣٢٧.
(٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٣١٩/١١ - ٣٢٥.
(٣) وفي نسخة: ((قال)).

٢٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة
حافظ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغُنْدَر،
ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت الناقد، أبو بسطام الواسطيّ،
ثم البصريّ [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: في هذا الإسناد فائدة، وهي أن قتادة: مدلِّس، وقد قال في
الرواية الأولى: ((عن))، والمدلِّس لا يحتج بعنعنته، إلا أن يَثْبُت سماعه لذلك
الحديث ممن عنعن عنه في طريق آخر، وقد حصل ذلك التصريح في هذا
الإسناد، أفاده النوويّ كَّلُهُ، وقد نبّهت عليه في لطائف الإسناد السابق، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٩٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ
(ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي
عَرُوبَةَ(١)، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ صَلَّى الظُّهْرَ، وَقَالَ: ((قَدْ
عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم في الباب
الماضي أيضاً .
٣ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قبل
بابین .
(١) وفي نسخة: ((عن سعيد بن أبي عروبة)).

٢٩٥
(١٣) - بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: لَا يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ - حديث رقم (٨٩٥)
٤ - (ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) هو: سعيد بن أبي عروبة مِهْران، تقدّم قبل بابين
أيضاً.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن
عمران بن حصین پا.
وقوله: (وَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير النبيّ ◌َّهِ.
[تنبيه]: رواية إسماعيل، عن ابن أبي عروبة هذه، ساقها الإمام
أحمد تَخْتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(١٩٠٢٨) حدثنا إسماعيل، أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن
أوفى، عن عمران بن حصين، أن رسول الله وَ له صلى صلاة الظهر، فلما سلّم
قال: ((أيكم قرأ ب﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾؟))، فقال رجل من القوم: أنا،
فقال: ((قد علمت أن بعضكم خالجنيها)). انتهى.
وأما رواية ابن أبي عديّ، عن ابن أبي عروبة فساقها الإمام أبو داود عن
شيخ المصنّف، فقال:
(٨٢٩) حدثنا ابن المثنى، حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة،
عن زرارة، عن عمران بن حصين، أن نبي الله وَّ- صلى بهم الظهر، فلما انفتل
قال: ((أيكم قرأ بـ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى ﴾﴾؟)) فقال رجل: أنا، فقال: ((علمت
أن بعضكم خالجنيها)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُّبُ﴾ .
(١٣) - (بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: لَا يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩٥] (٣٩٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ
غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ،
يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ، قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ،
فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدَاً مِنْهُمْ يَقْرَأُ ﴿يِسْمِ لّهِ الََّنِ الرَّحَةِ﴾).

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
رجال هذا الإسناد: ستة:
كلّهم تقدّموا في الباب الماضي، إلا أنساً رَُّه، فتقدّم قبل أبواب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين.
٤ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول
بلا واسطة، وكلاهما بصريّان، وماتا في عام واحد سنة (٢٥٢)، وكانا كفرسي
رهان.
٥ - (ومنها): أن أنساً ظُه ذو مناقب جمّة، فهو الخادم الشهير، خدم
النبيّ وَّ عشر سنين، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر
من مات من الصحابة بالبصرة، وكان من المعمّرين، فقد عاش أكثر من مائة
سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ) رَّهُ أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ،
وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدَأَ مِنْهُمْ يَقْرَأ) وقولُه: (﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾)
منصوب على المفعوليّة لـ((يقرأ)) محكيّ.
قال النوويّ كَّتُهُ: استَدَلَّ بهذا الحديث من لا يرى البسملة من الفاتحة،
ومن يراها منها، ويقول: لا يَجهر، ومذهب الشافعي تَّتُهُ، وطوائف من
السلف والخلف، أن البسملة آية من الفاتحة، وأنه يُجهَر بها حيث يُجهَر
بالفاتحة، واعتمد أصحابنا، ومن قال بأنها آية من الفاتحة أنها كتبت في
المصحف بخط المصحف، وكان هذا باتفاق الصحابة، وإجماعهم على أن لا
يثبتوا فيه بخط القرآن غير القرآن، وأجمع بعدهم المسلمون كلهم في كل
الأعصار إلى يومنا، وأجمعوا أنها ليست في أول براءة، وأنها لا تكتب فيها،
وهذا يؤكد ما قلناه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٢٩٧
(١٣) - بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: لَا يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ - حديث رقم (٨٩٥)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ◌َظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٩٥/١٣ و٨٩٦ و٨٩٧ و٨٩٨] (٣٩٩)،
و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٧٤٣)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٧٨٢)، و(الترمذيّ)
فيها (٢٤٦)، و(النسائيّ) فيها (١٣٥/٢)، و(ابن ماجه) فيها (٨١٣)، و(مالك)
في ((الموطأ)) (٨١/١)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٢٥٩٨)، و(الشافعيّ) في
((مسنده)) (٧٥/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٩٩)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١١١/٢ و١٠١/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٣/١)، و(ابن الجارود) في
((المنتقى)) (١٨٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٤٩١ و٤٩٧)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (١٧٩٨ و١٧٩٩ و١٨٠٠ و١٨٠٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٥٦
و١٦٥٧ و١٦٥٨ و١٦٥٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٨٥ و٨٨٦ و٨٨٧)،
و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٢٠٢/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥١/٢.
٥٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٤/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف الرواة في هذا الحديث:
قد حقّق الحافظ: هذا الاختلاف، فأجاد، وأفاد، ودونك عبارته:
وقد اختَلَف الرواة عن شعبة في لفظ الحديث، فرواه جماعة من أصحابه
عنه بلفظ: ((كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾))، ورواه آخرون
عنه بلفظ: ((فلم أسمع أحداً منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم))، كذا أخرجه
مسلم من رواية أبي داود الطيالسيّ، ومحمد بن جعفر، وكذا أخرجه الخطيب
من رواية أبي عُمَر الدُّوريّ(١)، شيخ البخاري فيه، وأخرجه ابن خزيمة من
رواية محمد بن جعفر باللفظين، وهؤلاء من أثبت أصحاب شعبة.
ولا يقال: هذا اضطراب من شعبة؛ لأنا نقول: قد رواه جماعة من
أصحاب قتادة عنه باللفظين.
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعلّ الصواب: ((الحوضي))؛ لأن البخاريّ رواه عن أبي
عمر الحوضي، لا الدُّوريّ؛ فتنبّه.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
فأخرجه البخاريّ في ((جزء القراءة))، والنسائيّ، وابن ماجه))، من طريق
أيوب، وهؤلاءِ، والترمذيُّ، من طريق أبي عوانة، والبخاريّ في ((جزء
القراءة))، وأبو داود، من طريق هشام الدستوائيّ، والبخاريّ فيه، وابن حبان
من طريق حماد بن سلمة، والبخاري فيه، والسّرّاج من طريق همام، كلهم عن
قتادة، باللفظ الأول.
وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعيّ، عن قتادة بلفظ: ((لم يكونوا يذكرون
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾)).
وقد قَدَحَ بعضهم في صحته بكون الأوزاعيّ رواه عن قتادة مكاتبةً، وفيه
نظرٌ، فإن الأوزاعيّ لم ينفرد به، فقد رواه أبو يعلى عن أحمد الدَّوْرقيّ،
والسرّاج عن يعقوب الدَّوْرقيّ، وعبد الله بن أحمد بن عبد الله السلميّ، ثلاثتهم
عن أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة بلفظ: ((فلم يكونوا يفتتحون القراءة بؤبسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾))، قال شعبة: قلت لقتادة: سمعته من أنس، قال: نحن
سألناه.
لكن هذا النفي محمول على ما قدَّمناه أن المراد أنه لم يَسمع منهم
البسملة، فيَحْتَمِل أن يكونوا يقرءونها سرّاً، ويؤيده رواية مَن رواه عنه بلفظ:
((فلم يكونوا يجهرون بـ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾))، كذا رواه سعيد بن أبي
عروبة، عند النسائيّ، وابن حبان، وهمامٌ عند الدارقطنيّ، وشيبانُ عند
الطحاويّ وابن حبان، وشعبةُ أيضاً من طريق وكيع عنه، عند أحمد، أربعتهم
عن قتادة.
ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول: قد رواه جماعة من
أصحاب أنس عنه كذلك.
فرواه البخاريّ في ((جزء القراءة))، والسرّاج، وأبو عوانة في ((صحيحه))
من طريق إسحاق بن أبي طلحة، والسرّاج من طريق ثابت البنانيّ، والبخاريّ
فيه من طريق مالك بن دينار، كلهم عن أنس، باللفظ الأول.
ورواه الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق إسحاق أيضاً، وابن خزيمة من
طريق ثابت أيضاً، والنسائيّ من طريق منصور بن زاذان، وابن حبان من طريق
أبي قلابة، والطبرانيّ من طريق أبي نَعَامة، كلهم عن أنس، باللفظ النافي للجهر.

٢٩٩
(١٣) - بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: لَا يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ - حديث رقم (٨٩٥)
فطريق الجمع بين هذه الألفاظ حملُ نفي القراءة على نفي السماع، ونفي
السماع على نفي الجهر، ويؤيده أن لفظ رواية منصور بن زاذان: ((فلم يُسمعنا
قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾))، وأصرح من ذلك رواية الحسن، عن أنس،
عند ابن خزيمة بلفظ: ((كانوا يُسِرُّون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾)).
فاندفع بهذا تعليل من أعله بالاضطراب؛ كابن عبد البرّ؛ لأن الجمع إذا
أمكن تَعَيَّن المصير إليه.
وأما مَن قَدَح في صحته بأن أبا سلمة سعيدَ بن يزيد سأل أنساً عن هذه
المسألة، فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، ولا سألني عنه أحد قبلك،
ودعوى أبي شامة أن أنساً سئل عن ذلك سؤالين، فسؤال أبي سلمة، هل كان
الافتتاح بالبسملة، أو الحمدلة؟ وسؤال قتادة، هل كان يبدأ بالفاتحة، أو
غيرها؟، قال: ويدلّ عليه قول قتادة في ((صحيح مسلم)): ((نحن سألناه)).
انتهى، فليس بجيِّد؛ لأن أحمد روى في ((مسنده)) بإسناد ((الصحيحين)) أن سؤال
قتادة نظير سؤال أبي سلمة، والذي في مسلم إنما قاله عقب رواية أبي داود
الطيالسيّ عن شعبة، ولم يبيّن مسلم صورة المسألة، وقد بيّنها أبو يعلى،
والسرّاج، وعبد الله بن أحمد في رواياتهم التي ذكرناها، عن أبي داود، أن
السؤال كان عن افتتاح القراءة بالبسملة، وأصرح من ذلك رواية ابن المنذر،
من طريق أبي جابر، عن شعبة، عن قتادة، قال: ((سألت أنساً: أيقرأ الرجل
في الصلاة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ فقال: صليت وراء رسول الله وَّه،
وأبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾))،
فظهر اتّحاد سؤال أبي سلمة وقتادة، وغايته أن أنساً أجاب قتادة بالحكم، دون
أبي سلمة، فلعله تذكّره لما سأله قتادة، بدليل قوله في رواية أبي سلمة: ما
سألني عنه أحدٌ قبلك، أو قاله لهما معاً، فحفظه قتادة دون أبي سلمة، فإن
قتادة أحفظ من أبي سلمة بلا نزاع.
وإذا انتهى البحث إلى أن مُحَصَّل حديث أنس نفي الجهر بالبسملة على
ما ظهر من طريق الجمع بين مختلف الروايات عنه، فمتى وُجِدت رواية فيها
إثبات الجهر قُدِّمت على نفيه، لا لمجرد تقديم رواية المثبت على النافي؛ لأن
أنساً يبعد جدّاً أن يصحب النبيّ وَّ مُدَّة عشر سنين، ثم يصحب أبا بكر وعمر

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وعثمان خمساً وعشرين سنةً، فلم يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل
لكون أنس اعتَرَف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به، ثم تذكر منه
الجزم بالافتتاح بالحمد جهراً، ولم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ
بحديث من أثبت الجهر. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التحقيق من الحافظ تَخْتُهُ حسنٌ جدّاً، إلا
قوله: ((فتيعيّن الأخذ بحديث الجهر))؛ فإن الأولى، بل المتعيّن في مثل هذا
سلوك طريق الجمع بالعمل بالحديثين، بحمل حديث الجهر على بعض
الأوقات؛ لأن العمل بالحديثين معاً إذا أمكن أولى من إلغاء أحدهما
بالترجيح، ولو سلكنا مسلك الترجيح لكان حديث أنس رؤيته أولى به؛ لقوّته،
وصراحته.
والحاصل أن طريق الجمع بحمل حديث الجهر على بعض الأحيان أولى
وأرجح مما قاله الحافظ، وهو الذي سلكه الحُذّاق من فقهاء المحدّثين،
كالنسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، فكلّهم بوّبوا لقراءة البسملة، وأوردوا
حديث الباب، وبوّبوا لتركها أيضاً، وأوردوا حديث أبي هريرة نظرته الذي
أخرجه النسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، من طريق سعيد بن أبي
هلال، عن نعيم المجمر، قال: صليت وراء أبي هريرة، فقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ بأمّ القرآن، حتى إذا بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾،
فقال: آمين، فقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من
الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني
لأشبهكم صلاةً برسول الله ◌َّ، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين،
ووافقه الذهبيّ(١)، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الجهر بالبسملة:
قال الإمام البغويّ تَّتُهُ: ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة، فمن بعدهم
(١) حديث صحيح رواه النسائيّ ١٣٤/٢، وابن خزيمة في (صحيحه)) (٤٩٩)، وابن
حبان في (صحيحه)) (١٧٩٧)، والحاكم في ((المستدرك)) ٢٣٢/١.