Indexed OCR Text
Pages 221-240
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٠) ٢٢١ واحتُجّ لهما بما رواه أبو سلمة، ومحمد بن عليّ أن عمر بن الخطاب صلى المغرب، فلم يقرأ، فقيل له؟ فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حَسَناً، قال: فلا بأس، رواه الشافعي في ((الأم))، وغيره، وعن الحارث الأعور أن رجلاً قال لعليّ رُّه: إني صليت، ولم أقرأ، قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم، قال: تمّت صلاتك، رواه الشافعيّ، وعن زيد بن ثابت رضابه قال: القراءة سنة، رواه البيهقيّ. واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة المذكورة في الباب، ولا معارض لها . وأما الأثر عن عمر رُّه فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضعيف؛ لأن أبا سلمة، ومحمد بن عليّ لم يدركا عمر. والثاني: أنه محمول على أنه أسرّ بالقراءة. والثالث: أن البيهقيّ رواه من طريقين موصولين، عن عمر ظ له أنه صلى المغرب، ولم يقرأ فأعاد، قال البيهقيّ: وهذه الرواية موصولة موافقة للسنة في وجوب القراءة، وللقياس في أن الأركان لا تسقط بالنسيان. وأما الأثر عن عليّ ◌َّه فضعيف أيضاً؛ لأن الحارث الأعور متّفقٌ على ضعفه، وترك الاحتجاج به. وأما الأثر عن زيد نظ ◌ُه، فقال البيهقيّ وغيره: مراده أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما في المصحف، فلا تجوز مخالفته، وإن كان على مقاييس العربية، بل حروف القراءة سنة متبعة؛ أي طريق يُتَّبَعُ، ولا يُغَيَّر، والله أعلم. (١) . . انتھی قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب القراءة في الصلاة، وأنها لا تصحّ بدونها هو الحقّ، وأن الأقوال المخالفة لهذا إما غير صحيحة عمن نُسبت إليه، وإما شاذّة لا يُلتفت إليها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة : (١) ((المجموع)) ٢٨٥/٣ - ٢٨٦. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، إلى أن الفاتحة متعينة لا تصح صلاة القادر عليها إلا بها، وقد حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، وخَوّات بن جُبير، والزهريّ، وابن عون، والأوزاعيّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقال أبو حنيفة: لا تتعين الفاتحة، لكن تستحب، وفي رواية عنه: تجب، ولا تشترط، ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه، وفي قدر الواجب ثلاث روايات عنه: إحداها: آية تامة، والثانية: ما يتناوله الاسم، قال الرازيّ: وهذا هو الصحيح عندهم، والثالثة: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد. واحتُجَّ لأبي حنيفة بقول الله تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وبحديث أبي هريرة ◌َظُه أن النبيّ وَّ قال للمسيء صلاته: ((كَبِّرْ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن))، متّفقٌ عليه، وبحديث أبي سعيد رَُّه قال: قال رسول الله وَل: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها))، وفي حديث أبي هريرة رضيالله عن النبيّ وَّر: ((لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب)). قالوا: فدلّ على أن غيرها يقوم مقامها، قالوا: ولأن سور القرآن في الحرمة سواء، بدليل تحريم قراءة الجميع على الجنب، وتحريم مس المحدث المصحف . واحتج الجمهور بحديث عبادة بن الصامت ظابه المذكور في الباب: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، متّفقٌ عليه. فإن قالوا: معناه: لا صلاة كاملةٌ، قلنا: هذا خلاف الحقيقة، وخلاف الظاهر، والسابق إلى الفهم، فلا يُقْبَل. وعن أبي هريرة رضيالله قال: قال رسول الله وَ له: ((من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم الكتاب، فهي خِدَاجٌ))، يقولها ثلاثاً؛ أي غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله وَله يقول: ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... )) الحديث. ٢٢٣ (١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٠) وعن عبادة ظُه أن النبيّ وَلّل قال: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب))، رواه الدارقطنيّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة - مسألةٍ فرضيّة قراءة الفاتحة على كلّ مصلٍّ، وعدم إجزاء غيرها عنها - أن الحقّ هو ما ذهب إليه الجمهور، من فرضيّتها، وعدم إجزاء غيرها عنها؛ لكون أدلّتهم واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ومن خالفهم ما أتى بدليل له نَفَاقٌ في سوق المناظرة، بل أتوا بما هو أوهن من بيت العنكبوت، حيث ردُّوا الأحاديث الصحيحة بمجمل آية: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ التي بيانها إلى رسول الله وَّل الذي قال الله تعالى له: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد بيّنها بأنها الفاتحة، حيث قال: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))، متّفقٌ عليه، وقال أيضاً: ((لا تُجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب))، رواه ابن خزيمة، وابن حبّان في ((صحيحيهما)). قال الحافظ أبو حاتم بن حبّان البُسْتِيّ ◌َخْتُ في ((صحيحه)) ما حاصله: إن خطاب الكتاب قد يستقلّ بنفسه في حالة دون حالة حتى يُستَعمل على عموم ما ورد الخطاب فيه، وقد لا يستقلّ في بعض الأحوال حتى يُستَعمل على كيفيّة اللفظ المجمل الذي هو مطلق الخطاب في الكتاب، دون أن تُبيّنها السنن، وسنن المصطفى ﴿ كلها مستقلّة بنفسها، لا حاجة بها إلى الكتاب، المبيِّنةُ لمجمل الكتاب، والمفسِّرةُ لِمُبهمه، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فأخبر جلّ وعلا أن المفسِّر لقوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وما أشبهها من مجمل الألفاظ في الكتاب رسوله ◌َ﴾، ومُحالٌ أن يكون الشيء المفسِّر له الحاجة إلى الشيء المجمل، وإنما الحاجة تكون للمجمل إلى المفسِّر، ضدَّ قول من زعم أن السنن يجب عَرْضُها على الكتاب، فأتى بما لا يوافقه الخبر، ويَدفَع صحّته النظر. انتهى كلام ابن حبّان تَظُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً. وأيضاً ردّوها بالروايات الضعيفة، كحديث: ((من كان له إمام فقراءة (١) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٩٢/٥. ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الإمام له قراءة))، وأمثاله مما لا يثبتُ، ولا يصلح لمعارضة هذه الأحاديث الصحيحة، فقد تبيّن بذلك الحقّ الذي لا خفاء ولا لبس فيه، وقد أشبعت هذا البحث في ((شرح النسائيّ))(١)، وكذلك البحث في وجوب القراءة في كلّ ركعة، وأن الحقّ هو الوجوب، فارجع إليه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٨١] (.) - (حَدَّثَنِي(٢) أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ : ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِْ (٣) بِأَمِّ الْقُرْآنِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئْ) وفي نسخة: ((لمن لا يقترئ))، وهو افتعال من القراءة. وقوله: (بِأُمِّ الْقُرْآنِ) سمّيت به؛ لكونها أصلاً ومنشأ له، إما لمبدئيّتها له، وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله رَت، والتعبّد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الْحِكَم النظريّة، والأحكام العمليّة (٤)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٢٧٨/١١ - ٢٨٦ و٣١٩ - ٣٢٧. (٣) وفي نسخة: ((لمن لا يقترئ)). (٢) وفي نسخة: ((وحدّثني)). (٤) ((المرعاة)) ١٠٨/٣. ٢٢٥ (١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٢) والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تقدّمت في شرح الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل . وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٨٨٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ، الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي وَجْهِهِ مِنْ بِتْرِهِمْ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الْخَلالُ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغارها [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٣ - (أَبُوهُ) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٤ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٤] (ت١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللهِ مِ ﴿َ) يقال: مَجَّ الشرابَ من فيه: إذا رمى به، وقال أهل اللغة: المجّ: إرسال الماء من الفم مع نَفْخ، وقيل: لا يكون مجّاً حتى تُبَاعِد به، وكذلك مجّ لُعابه، والمجاجة، والمجاج: الريق الذي تَمُجُّه من فيك، ومجاجة الشيء أيضاً عُصارته، ويقال: إن المطر مجاج الْمُزْن، ٢٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة والعسلَ مجاج النحل، والمجاج أيضاً: اللبن؛ لأن الضرع يَمُجّه، والتركيب يدلّ على رمي الشيء، قاله في ((العمدة))(١). وقوله: (فِي وَجْهِهِ) أي في وجه محمود. وقوله: (مِنْ بِثْرِهِمْ) وفي رواية البخاريّ: ((من دلو))، وفي رواية له: ((من دلو كانت في دارهم))، وفي رواية النسائيّ: ((من دلو مُعلّق))، ولا تعارض بينها؛ لأنه يُتأول بأن الماء أخذ بالدلو من البئر التي كانت في دارهم، فتناوله النبيّ وَّ من الدلو بفيه، ثمّ مجّه على وجهه. وهذا منه ◌َ﴿ من باب التبريك له، والمداعبة واللطف، حيث إنه صغير، ففي رواية البخاريّ: ((عَقَلتُ من النبيّ وَّهُ مَجّةً مجّها في وجهي، وأنا ابن خمس سنین، من دلو)). والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٨٨٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (٢)، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: ((فَصَاعِداً))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم أول الباب. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. (١) ((عمدة القاري)) ١٠٨/٢. (٢) وفي نسخة: ((حدثنا إسحاق)). ٢٢٧ (١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٣) وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد الزهريّ السابق، وهو عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت. وقوله: (وَزَادَ: فَصَاعِداً) يعني أن معمراً زاد في روايته لهذا الحديث في آخره لفظة ((فصاعداً»، أي قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً». مسائل تتعلّق بهذه الزيادة: أعني قوله: ((فصاعداً)). (المسألة الأولى): رواية معمر هذه أخرجها الحافظ أبو عوانة تَخّْتُهُ في ((مسنده)) (١/ ٤٥٠)، فقال: (١٦٦٥) حدّثنا الدّبَريّ، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله وَ له: ((لا صلاةَ لمن لم يقرأ بأمّ القرآن فصاعداً)). انتهى. (المسألة الثانية): في الكلام على هذه الزيادة: (اعلم): أن هذه الزيادة صحيحة، أخرجها المصنّف هنا بهذا السند، وأخرجها النسائيّ عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر به، وأبو داود عن قتيبة، وأحمد بن عمرو بن السرح، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهريّ به، وأحمد في ((مسنده)) (٣٢٢/٥)، والبيهقيّ في ((الكبرى)) (٣٧٤/٢)، والبغويّ في ((شرح السنّة)) (٥٧٦ و٥٧٧). وقد ادّعى ابن حبّان في (صحيحه)) (١) أنه تفرّد بها معمر، عن الزهريّ، دون أصحابه. ورُدّ عليه: بأن سفيان بن عيينة تابعه عليها، كما مرّ آنفاً من رواية أبي داود. والحاصل أن هذه الزيادة صحيحة، كما أثبتها المصنّف هنا، وأما محاولة صاحب ((المرعاة)) في تضعيفها، وطوّل في ذلك نفسه، فمما لا يُلتفت إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) راجع: ((الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبّان)) ٨٧/٥. ٢٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (المسألة الثالثة): في معنى قوله: ((فصاعداً))، وإعرابها : فأما معناها: فزائداً على الفاتحة؛ يعني أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، فما زاد عليها، على حدّ قولهم: اشتريته بدرهم، فصاعداً. وأما إعرابها، فهي منصوبة على الحال، وهي من الأحوال التي يجب حذف عاملها وصاحبها، وهي كلّ حال تُفهِم ازدياداً، أو نقصاً بتدريج، ويجب اقترانها بالفاء، أو بـ(ثُمّ))، كقولهم: اشتريته بدرهم فصاعداً، وتصدّقتُ بدينار فسافلاً، فـ((صاعداً)) و((سافلاً)) حالان، عاملهما وصاحبهما محذوفان وجوباً، والتقدير: فذهب الثمن صاعداً، وذهب المتصدَّق به سافلاً، هكذا حقّقه شُرَّاح ((الخلاصة)) عند قولها: وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ ذِكْرُهُ حُظِلْ وقال سيبويه: وقالوا: أخذته بدرهم فصاعداً حذفوا الفعل؛ لكثرة استعمالهم إياه، ولأنهم أَمِنُوا أن يكون على الباء؛ لأنك لو قلت: أخذته بصاعد كان قبيحاً؛ لأنه صفة، ولا يكون في موضع الاسم، كأنه قال: أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعداً، أو فذهب صاعداً، ولا يجوز أن تقول: وصاعداً؛ لأنك لا تريد أن تخبر أن الدرهم مع صاعد ثمن لشيء، كقولك: بدرهم وزيادة، ولكنك أخبرت بأدنى الثمن، فجعلته أوّلاً، ثم قرّرت شيئاً بعد شيء؛ لأثمان شَتّى، قال: ولم يُرَد فيها هذا المعنى، ولم يُلْزِمِ الواوُ الشيئين أن يكون أحدهما بعد الآخر، و((صاعد)) بدل من زاد ويزيد، وَاثُمّ)) مثل الفاء، إلا أن الفاء أكثر في كلامهم. وقال ابن جني: و((صاعداً)) حال مؤكّدة، ألا ترى أن تقديره: فزاد الثمن صاعداً، ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يكن إلا صاعداً. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم قراءة ما زاد على الفاتحة: قال في ((الفتح)): واستُدِلّ بقوله: ((فصاعداً)) على وجوب قدر زائد على الفاتحة . (١) راجع: ((لسان العرب)) ٢٥٣/٣ - ٢٥٤. ٢٢٩ (١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٣) وتُعُقّب بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة، قال البخاريّ في ((جزء القراءة)): هو نظير قوله: ((تُقْطَع اليد في ربع دينار فصاعداً))، وادَّعَى ابنُ حبان، والقرطبيّ، وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها، وفيه نظر؛ لثبوته عن بعض الصحابة، ومن بعدهم، فيما رواه ابن المنذر وغيره، ولعلهم أرادوا أن الأمر استفرّ على ذلك، وسيأتي في هذا الباب حديث أبي هريرة : ((ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت، ومن زاد فهو أفضل))، ولابن خزيمة من حديث ابن عباس رضيها: أن النبيّ وَّ قام فصلى ركعتين، لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب))(١). وقال النوويّ في ((شرح المهذّب)) (٣٤٣/٣): قراءة السورة بعد الفاتحة سنة، فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته الصلاة، وبه قال مالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأحمد، وكافة العلماء، إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب، عن عثمان بن أبي العاص الصحابي نظرته، وطائفةٍ أنه تجب مع الفاتحة سورة، أقلها ثلاث آيات، وحكاه صاحب ((البيان)) عن عمر بن الخطاب ◌ُه، ويُحتَجّ له بأنه المعتاد من فعل النبيّ وَلو كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة، مع قوله وَلّر: (صَلُّوا كما رأيتموني أصلي)). ودليل الجمهور قوله ويقول : ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن))، وظاهره الاكتفاء بها، وعن أبي هريرة رُه قال: ((في كل صلاة يُقرأ فما أسمعنا رسول الله ◌َ﴿ أسمعناكم، وما أخفى عنّا أخفينا، وإن لم تَزِد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير لك))، رواه متّفقٌ عليه. واستَدَلّ البيهقيّ وغيره في هذه المسألة بهذا الأثر عن أبي هريرة حظ ◌ُبه، ، لا يُحتَجّ على بعضهم بقول بعض، ولا دلالة فيه لمسألتنا، فإن الصحابة وعن ابن عباس ﴿: ((أن رسول الله وَ لّهِ صَلَّى ركعتين، ولم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب))، رواه بإسناد ضعيف. انتهى كلام النوويّ تَظْلَتُهُ. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب ما زاد على الفاتحة هو الحقّ عندي؛ لقوّة حجّته، فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح، (١) راجع: ((الفتح)) ٢٨٤/٢. ٢٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة عن جابر ذكر قصةَ معاذ، قال: وقال - يعني النبيّ وَّلَ - للفتى: ((كيف تصنع يا ابن أخي، إذا صليت؟)) قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك، ولا دندنة معاذ؟ فقال رسول الله وَان : ((إني ومعاذاً حول هاتين، أو نحو هذا ... ))، الحديث. فقد أقرّ النبيّ ◌َ ﴿ هذا الفتى في قوله: ((أقرأ بفاتحة الكتاب))، ولم يأمره بالزيادة، فدلّ على أن الزيادة على الفاتحة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت واجبةً لبيّها النبيّ بَّ للفتى. والحاصل أن الراجح عدم وجوب ما زاد على الفاتحة؛ لما ذُكر؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل . وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٨٨٤] (٣٩٥) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى صَلَةً، لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلَاثاً - غَيْرُ تَمَام))، فَقِيلَ(١) لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ(٢)، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّنِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْنَفِيَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِينَ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَ)). (١) وفي نسخة: ((قيل)). (٢) زاد في نسخة: ((فنصفها لي، ونصفها لعبدي)). (١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤) ٢٣١ قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنِي بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَرِيضٌ فِي بَيْتِهِ، فَسَأَلْتُهُ أَنَا عَنْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أول الباب. ٣ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ مولاهم، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الْحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُّه تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من العلاء. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه: العلاء، عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن أبا هريرة رضيله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبُ (عَنِ النَّبِيِّ نََّ) أنه (قَالَ: ((مَنْ صَلَّى) ((من)) شرطيّة؛ أي إماماً كان، أو مأموماً، أو منفرداً (صَلَةً) نكرة في سياق الشرط، فتعمّ؛ أي جهريّةً كانت، أو سرّيّةً، فريضةً، أو نافلة (لَمْ يَقْرَأ) بالبناء للفاعل (فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ) أي فاتحة الكتاب، وسميت الفاتحة بأم القرآن؛ لأنها فاتحته، كما سميت مكة أم القرى؛ لأنها أصلها . وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: سُمّيت أمّ الكتاب؛ لأنها أصله، أي هي محيطة بجميع علومه، فهي منها، وراجعة إليها، ومنها سُمّيت الأم أَمّاً؛ لأنها أصل النسل، والأرض في قوله: ٢٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة فَالأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أُمَّنَا فِيهَا مَقَابِرُنَا وَفِيهَا نُولَدُ ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُمُُّ هَاوِيَةٌ ﴾﴾ [القارعة: ٩]، وقوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾ [آل عمران: ٧]، ولا معنى لكراهة من كَرِهَ تسميتها بأمّ القرآن، مع وجود ذلك في الحديث. انتهى(١). (فَهِيَ خِدَاجٌ) بكسر الخاء المعجمة: أي ناقصة نقصَ فساد وبطلان. قال النوويّ كَّقُ: ((الْخِداج)) بكسر الخاء المعجمة، قال الخليل بن أحمد، والأصمعيّ، وأبو حاتم السجستانيّ، والْهَرَويّ، وآخرون: الخداج: النُّقصان، يقال: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقصاً، وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذي الْيُدَيَّة: مُخْدَج اليد؛ أي ناقصها، قالوا: فقوله ◌َّ: ((خداج)): أي ذات خداج، وقال جماعة من أهل اللغة: خَدَجت، وأخدجت: إذا ولدت لغير تمام(٢). وقال ابن الأثير تَّتُهُ: الخِداج: النقصان، يقال: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوانه، وإن كان تامّ الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان لتمام الحمل، وإنما قال: ((فهي خداجٌ))، والْخِدَاج مصدر على حذف مضاف: أي ذاتُ خِداج، أو يكون قد وصفها بالمصدر نفسه؛ مبالغةً، کقوله: فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِذْبَارُ (٣) وقال الخطّابيّ نَّهُ: معنى: خِدَاج: ناقصة نقص فساد وبُطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة: إذا ألقت ولدها، وهو دمٌّ لم يستبن خَلْقه، فهي مُخدَج، والْخِداج اسم مبنيّ منه. انتهى (٤). وقال البخاريّ تَخْتُهُ في ((جزء القراءة)) له: قال أبو عبيد: أخدجت الناقة: إذا أسقطت، والسقط ميتٌ لا يُنتفع به. انتهى. قال صاحب ((المرعاة)): والمراد من إلقاء الناقة ولدها لغير تمام الحمل، وإن تمّ خَلْقه إسقاطها، والسقط ميت، لا يُنتفع به كما عَرَفت، فظهر من هذا (١) ((المفهم)) ٢٦/٢. (٣) ((النهاية)) ١٢/٢ - ١٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٠١/٤. (٤) ((معالم السنن)) ٢٠٣/١. ٢٣٣ (١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤) كلّه أن المراد من قوله: ((خِدَاجٌ)) نُقصان الذات، أعني نقصان الفساد، والبطلان، ويدلّ عليه ما رواه البيهقيّ في ((كتاب القراءة)) له عن أبي هريرة نظر اته مرفوعاً: ((لا تُجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب))، قال: قلت: فإن كنت خلف الإمام؟ قال: فأخذ بيدي، وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسيّ، قال البيهقيّ: رواه ابن خزيمة، عن محمد بن يحيى، محتجّاً به على أن قوله في سائر الروايات: ((فهي خِداجٌ)) المراد به النقصان الذي لا تجزئ معه. انتهى. وقال أبو عمر بن عبد البرّ كَُّ: في حديث أبي هريرة ظُه هذا من الفقه إيجاب القراءة بالفاتحة في كلّ صلاة، وأن الصلاة إذا لم يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِداج، والخِداج النقصان والفساد، من ذلك قولهم: أخدجت الناقة: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخِلقة، وذلك نتاجٌ فاسدٌ، وقال الأخفش: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها لغير تمام، وأخدجت: إذا قذفت به قبل وقت الولادة، وإن كان تامّ الخلق، وقد زعم من لم يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة أن قوله: ((خِداج)) يدلّ على جواز الصلاة؛ لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة، وهذا تحكّم فاسدٌ، والنظر يوجب في النقصان أن لا تجوز معه الصلاة؛ لأنها صلاة لم تتمّ، ومن خرج من صلاته قبل أن يُتمّها فعليه إعادتها تامّة كما أُمر، ومن ادّعَى أنها تجوز مع إقراره بنقصها، فعليه الدليل، ولا سبيل له إلیه من وجه يلزم. انتهى(١). (ثَلَاثاً) أي قال ذلك ثلاث مرّات، وقوله: (غَيْرُ تَمَام))) بالرفع عطفُ بيان الخداج، أو بدل منه، وقيل: تأكيد، قال الزرقانيّ تَخُّْهُ: فهو حجة قويّة على وجوب قراءتها في كلّ صلاة. انتهى. وقال صاحب ((المرعاة)): هذا يدلّ على تعيّن الفاتحة في الصلاة، وأنه لا يجزئ غيرها عنها، ولا يقوم مقامها قراءة غيرها من القرآن؛ لأن لفظ التمام يُستعمل في الإجزاء، ويُطلَق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمّ الحقيقة إلا به، ففيه دليلٌ على كون الفاتحة من أجزاء الصلاة وأركانها. انتهى (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (١) (الاستذكار)) ١٩٣/٤. (٢) ((المرعاة) ١١١/٣ - ١١٢. ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ) القائل هو أبو السائب الراوي للحديث عنه في الرواية التالية، ففي رواية النسائيّ من طريقه: ((فقلت: يا أبا هريرة إني أكون أحياناً وراء الإمام)) (إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَام؟) أي نكون في بعض الأوقات مقتدين بالإمام، فهل علينا من حرج إن لَم نقرأ بها؟ (فَقَالَ) أبو هريرة، وفي رواية النسائيّ: ((فغمز ذراعي، وقال: اقرأ بها يا فارسيّ في نفسك)) (اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ) معناه: اقرأ بفاتحة الكتاب سرّاً في نفسك، قال البيهقيّ تَُّ في ((كتاب القراءة)): المراد أن يتلفّظ بها سرّاً دون الجهر بها، ولا يجوز حمله على ذكرها بقلبه دون التلفّظ بها؛ لإجماع أهل اللسان على أن ذلك لا يُسمّى قراءةً، ولإجماع أهل العلم على أن ذكرها بقلبه دون التلفّظ بها ليس بشرط ولا مسنون، فلا يجوز حمل الخبر على ما لا يقول به أحدٌ، ولا يساعده لسان العرب. انتھی. وقال النوويّ كَّتُهُ: معناه: اقرأها سرّاً بحيث تُسمِع نفسك، وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم، أن المراد تدبر ذلك وتذكّره فلا يُقْبَل؛ لأن القراءة لا تُطلق إلا على حركة اللسان، بحيث يُسمِع نفسه، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه، من غير حركة لسانه، لا يكون قارئاً مرتكباً القراءة الجنب المحرمة. انتهى (١). وفي رواية أبي عوانة: ((فقلت لأبي هريرة: فإني أسمع قراءة القرآن؟ فغمزني بيده، فقال: يا فارسيّ، أو ابن الفارسيّ اقرأ بها في نفسك))، وفي رواية البخاريّ في ((جزء القراءة)): ((قلت: يا أبا هريرة، كيف أصنع إذا كنت مع الإمام، وهو يجهر بالقراءة؟ قال: ويلك يا فارسيّ اقرأ بها في نفسك))، وكذلك في رواية البيهقيّ في ((كتاب القراءة)). فظهر بهذه الروايات أن أبا هريرة كان يُفتي بعد وفاة النبيّ وَ لّ بقراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات، سريّة كانت، أو جهريّةً، وفي إفتائه بهذا دلالة واضحةٌ على أن حديثه: ((من صلّى صلاةً لم يقرأ بأم القرآن، فهي خِداجٌ))، باقٍ على عمومه، شاملٌ للإمام والمأموم والمنفرد؛ لأن راوي الحديث (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٣/٤. ٢٣٥ (١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤) أعرف بالمراد منه، قاله المباركفوريّ دَخَّتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَإِنِّي) الفاء للتعليل؛ أي إنما أمرتك بقراءتها سرّاً؛ لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿) هذا استدلال من أبي هريرة رضيبه على ما أفتى به من قراءة المأموم الفاتحة وراء الإمام، وأنه لا يُعذر في تركها، وانتقال من دليل إلى دليل آخر؛ تقوية للأدلة، ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن الله ◌ُعَلَ سمّى الفاتحة صلاةً، وقسمها بينه وبين عبده نصفين، فمن لم يقرأها في صلاته كان غير مصلّ، فلا بدّ لكلّ مصلّ أن يقرأها، إماماً كان، أو مأموماً، أو منفرداً، والله تعالى أعلم. (يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ) بصيغة المتكلّم (الصَّلَاةَ) منصوب على المفعوليّة، وأراد بالصلاة الفاتحة، كما يدلّ عليه تمام الحديث، وسُمّيت صلاةً؛ لأن الصلاة لا تصحّ إلا بها، ففيه إطلاق اسم الكلّ على الجزء، ونظيره قوله وَلّى: ((الحجّ عرفة))(٢). وقال الخطّابيّ تَظْلُهُ: يريد بالصلاة القراءة، يدلّ على ذلك قوله عند التفسير له والتفصيل للمراد به: ((إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ يقول الله: حَمِدني عبدي ... )) إلى آخر السورة، وقد تُسمّى القراءة صلاةً؛ لوقوعها في الصلاة، وكونها جزءاً من أجزائها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قيل: معناه القراءة، وقال: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أراد صلاة الفجر، فسمّى الصلاة قرآناً، والقرآن صلاةً؛ لانتظام أحدهما بالآخر. يدلّ على صحّة ما قلناه قوله: (بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنٍ) والصلاة خالصة لله، لا شِرْك فيها لأحد، فعلم أن المراد به القراءة. وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى، لا إلى متلوّ اللفظ، وذلك أن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء، ونصفها مسألة ودعاء، وقسم الثناء ينتهي (١) راجع: ((أبكار المنن)) ص١٣٩. (٢) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ في ((الجامع)) (٢٣٧/٣)، والنسائيّ ٢٥٦/٥. ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وهو تمام الشطر الأول من السورة، وباقي الآية، وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من قسم الدعاء والمسألة، ولذلك قال: ((وهذه بيني وبين عبدي)). ولو كان المراد به قسم الألفاظ والحروف لكان النصف الأخير يزيد على الأول زيادة بيّنةً، فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، وإنما هو قسمة المعاني، كما ذكرته لك، وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة، ونصفها سفر، يريد به انقسام أيام السنة مدّة للسفر، ومدّة للإقامة، لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء، لا يزيد أحدهما على الآخر، وقيل لشريح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت، ونصف الناس عليّ غِضَاب، يريد أن الناس محكوم له، ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان عليّ؛ لاستخراجي الحقّ منه، وإكراهي إياه عليه، وكقول الشاعر [من الطويل]: إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَيْنِ شَامِتٌ بِمَوْتِي وَمُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ انتهى كلام الخطّابيّ ◌َّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. زاد في نسخة: ((فنصفها لي، ونصفها لعبدي))، ومعنى قوله: ((فنصفها لي)): أن نصف الفاتحة خاصّ بي، وهو الثلاث الآيات الأُولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبٍ، اَلْعَلَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (@) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقوله: ((ونصفها لعبدي)): أي أن نصفها الآخر خاصّ به، وهو قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ إلى آخر السورة. والإضافة في قوله: ((عبدي)) إضافة تشريف وتكريم، حيث تحقّق بصفات العبوديّة، والقيام بحقوق الربوبيّة، وشهوده آثارهما، وأسرارهما في صلاته التي هي معراج الأرواح، ورُوحِ الأشباح، وغَرْسُ تجلّيات الأسرار التي يتخلّى بها العبد عن الأغيار. ولَمّا كان وصف العبوديّة غايةَ الكمال؛ إذ به ينصرف الإنسان من الخلق إلى الحقّ وَصَفَ الله تعالى به نبيّهِ وَّرَ في مقام الكرامة، فقال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ الآية [الإسراء: ١]، (١) ((معالم السنن)) ٣٨٨/١ - ٣٨٩. ٢٣٧ (١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤) وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ الآية [الفرقان: ١]، وقال: ﴿فَأَوَّحَىّ إِلَى (١) عَبْدِهِ، مَآ أَوَحَ. [النجم: ١٠](١). (وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) هذا وعد من الله ◌ُعَلَ لعبده أن يُجيب دعاءه، ووعده لا يُخلَف، ﴿إِنَ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ، الْبِيصَادَ﴾ (فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ) هذا بيان للصلاة التي قسمها الله ريك بينه وبين عبده، وبيان لمعنى القسمة لها، فذكر * ما يقوله الله تعالى عند قراءة العبد كلَّ آية منها، وأعلم العبد أنه يسمع قراءته، وحمده، وثناءه، وتمجيده إياه، ودعاءه، ورغبته إليه؛ حضّاً للعبد على الخشوع عند قراءة هذه السورة المختصّة بهذه المعاني الجليلة التي لا تكاد تجتمع في غيرها من السور. وفيه حجةٌ لمن قال: إن البسملة ليست من الفاتحة، ولو كانت منها لبدأ بها، وذكر فضلها معها، كما ذكر فضل كلّ آية منها، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. (﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾) اتّفق القرّاء السبعة على ضمّ الدال، وهو مبتدأ وخبر، ورُوي عن سفيان بن عيينة، ورؤية بن الحجاج أنهما قرءا بالنصب، وهو على إضمار فعل، وقرأ ابن أبي عَبْلة بضمُ الدال واللام؛ إتباعاً للثاني الأولَ، وله شواهد، لكنه شاذٌ، وعن الحسن وزيد بن عليّ بكسر الدال؛ إتباعاً للأول الثانيَ. قال الإمام ابن جرير الطبريّ تَظْلَتُهُ: معنى ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الشكر لله خالصاً دون سائر ما يُعبد من دونه، ودون كلّ ما بَرَأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يُحصيها العدد، ولا يُحيط بعددها غيره أحد في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذّاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبّههم عليه، ودعاهم إليه من الأسباب المؤدّية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربّنا الحمد على ذلك كلّه أوّلاً وآخراً. قال رَّتُهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناءٌ أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن بُثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ . (١) ((المنهل العذب المورود)) بتصرّف ٢٤٨/٥. ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال: وقد قيل: إن قول القائل: ((الحمد لله)) ثناء عليه بأسمائه الحسنى، وصفاته الْعُلَى، وقوله: ((الشكر لله)) ثناء عليه بنعمه وأياديه. ثم شَرَع في ردّ ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلّاً من الحمد والشكر مكان الآخر، وقد نقل السلميّ هذا المذهب أنها سواء عن جعفر الصادق، وابن عطاء من الصوفيّة، وقال ابن عبّاس جا: ((الحمد لله)) كلمة كلّ شاكر. وقد استدلّ له القرطبيّ بصحّة قول القائل: ((الحمد لله شُكراً)). واعترض ابن كثير على قول ابن جرير بأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخّرين أن الحمد هو الثناء على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدّية، والشكر لا يكون إلا على المتعدّية، ويكون بالجنان واللسان والأركان ... إلى آخر کلامه(١) . قال الجامع عفا الله عنه: عندي في اعتراض ابن كثير على كلام ابن جرير نظر؛ لأن ابن جرير نقل ذلك عن المتقدّمين، كابن عبّاس، وجعفر الصادق، فكيف يُردّ عليه بما اشتهر عند المتأخّرين؟، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (﴿رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾) أي مالك الخلائق أجمعين، الواحد: عالمٌ، وهو اسم يجمع أشياء مختلفة، ومن جَعَل ﴿اٌلْعَلَمِينَ﴾ الجنّ والإنس، جعل العالم جمعاً لأشياء متّفقة، قاله الأزهريّ كَّتُهُ(٢). وقال الحافظ ابن كثير رَّتُهُ: و((الربّ)): المالك المتصرّف، ويُطلق في اللغة على السيّد، وعلى المتصرّف للإصلاح، وكلُّ ذلك صحيح في حقّ الله تعالى، ولا يُستعمل الربّ لغير الله تعالى، بل بالإضافة، تقول: ربّ الدار كذا، وأما الربّ فلا يقال: إلا لله رَّك، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم. و((العالمين)): جمع عالم، وهو كلّ موجود سوى الله رَّمَّ، والعالم لا واحد له من لفظه، والعوالم: أصناف المخلوقات في السموات، وفي البرّ والبحر، وكلّ فرد منها وجِيلٍ يُسمّى عالماً أيضاً. انتهى. (١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٢٤/١. (٢) ((شرح غريب ألفاظ الشافعيّ)) ص٢٢٨. ٢٣٩ (١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٤) (قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي) أي أثنى عليّ بصفات كمالي وجلالي. وقال النوويّ كَُّهُ: قال العلماء: وقوله تعالى: ((حمدني عبدي، وأثنى عليّ، ومجّدني)) إنما قاله؛ لأن التحميد الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كلّه، ولهذا جاء جواباً لـ((الرحمن الرحيم))؛ لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية. انتهى. (وَإِذَا قَالَ) العبد: (﴿الََّ ٤) صفتان من صفات الله رجل، ولا - الزَّهَ يوصف بـ((الرحمن)) غير الله تعالى، وأما ((الرحيم)) فجائز أن يقال: فلانٌ رحيمٌ، وهو أبلغ من الراحم، قاله الأزهريّ نَّتُهُ . وقال ابن كثير تَخْتُ: هما اسمان مشتقّان من الرحمة على وجه المبالغة، و((رحمُن)) أشدّ مبالغةً من ((رَحيم))، وفي كلام ابن جرير ما يُفهم منه حكاية الاتّفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدلّ على ذلك، وزعم بعضهم أنه غير مشتقّ. وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: والدّليل على أنه مشتقّ ما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه عن عبد الرحمن بن عوف ظُله أنه سمع رسول الله وسلم يقول: ((قال الله تعالى: أنا الرحمن خَلَقتُ الرحم، وشققتُ لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته))، قال: وهذا نصّ في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن؛ لجهلهم بالله، وبما وجب له. وقال أيضاً: ثم قيل: هما بمعنى واحد، كنَدْمَان ونَدِيم، قاله أبو عُبيد، وقيل: ليس بناءُ فعلان كفَعِيل، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل، نحو رجل غضبان للرجل الممتلئ غضباً، وفَعِيلٌ قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول، قال أبو عليّ الفارسيّ: ((الرحمن)) عامّ في جميع أنواع الرحمة، يختصّ به الله تعالى، و((الرحيم)) إنما هو من جهة المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣](١). وقال أيضاً: وَصَفَ نفسه تعالى بعدَ ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ بأنه ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنه لَمّا كان في اتصافه بـ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ ترهيبٌ قَرَنه بـ﴿الرَّحْمَنِ (١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٠٦/١. ٢٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الرَّحِيمِ﴾؛ لما تضمن من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة جَ نَبِئْ عِبَادِىٌّ أَنِّ أَنَا اٌلْغَفُورُ إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال: ®﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال: وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ الرَّحِيمُ ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى اُلَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]، وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة ◌َُّبه أن رسول الله وَّل قال: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنِطَ من جنته أحدٌ)). انتهى(١). (قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي) أي حيث اعترف لي بعموم الإنعام على خلقي . (وَإِذَا قَالَ: ﴿مِلِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾) أي يوم الجزاء بالثواب للطائعين، والعقاب للعاصين، وهو يوم القيامة، وخَصَّ يوم الدين بالذكر؛ لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا لله تعالى. وقال القرطبيّ: الدين: الجزاء، والحساب، والطاعة، والعبادة، والملك. انتهى. و﴿مَلِكِ﴾ اسم فاعل صفة الله تعالى، ولا يقال: إن اسم الفاعل إضافته لفظيّة، فلا تفيده التعريف، فكيف توصف المعرفة بالنكرة؟؛ لأن محلّ كون إضافته لفظيّةً إذا كان للحال، أو الاستقبال، فإن قُصد به المضيّ، أو الدوام كما هنا، فإضافته حقيقيّة، فتوصف به المعرفة. قال الحافظ ابن كثير تَخُّْ: قرأ بعض القرّاء ((مَلِك))، وقرأ الآخرون ﴿مَالِكِ﴾، وكلاهما صحيح، متواترٌ في السبع. انتهى. وقال القرطبيّ تَظُّهُ: قرأ محمد بن السميفع بنصب ((مالكَ))، وفيه أربع لغات: مالك، ومَلِكٌ، ومَلْكٌ، مخففة من مَلِك، ومَلِيك، قال الشاعر [من الوافر]: عَصَيْنَا الْمَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا وَأَيَّامِ لَنَا غُرِّ ◌ِوَالٍ وقالٌ آخر [من الكامل]: (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٣٩/١.