Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(١٠) - بَابُ إِثْبَاتِ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعِ فِي الصَّلَاةِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٧٥)
أصحابه بقول أحد(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر تَّتُهُ من ثبوت
تكبيرات الانتقالات هو الحقّ الذي لا مَحِيد عنه، فقد صحّت أحاديث كثيرة
في هذا الباب، فلا التفات إلى أَيِّ رأي، وإلى أيّ مذهب خالف؛ فتبصّر.
وقد أشبعت البحث في ذلك في ((شرح النسائيّ))، ورجّحت القول
بوجوب تكبيرات الانتقالات، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبعض العلماء؛
لظهور أدلّته، وقوّة حجته، فراجعه تستفد (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٥] ( ... ) - (حَدَّثَنِي(٣) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ،
عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ
بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي أَشْبَهُكُمْ(٤) صَلَاةً
بِرَسُولِ اللهِ لَليّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، إلا أبا بكر، وأبا هريرة، فقد ذُكروا
في السند الماضي.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ ... إلخ) الضمير لعُقيل؛ يعني أن عقيلاً
روى هذا الحديث عن ابن شهاب مثل رواية ابن جريج السابقة، إلا أنه لم
يذكر قول أبي هريرة ◌َظُه: ((إني أشبهكم ... )) إلخ.
[تنبيه]: رواية عُقيل هذه أخرجها الإمام البخاريّ ◌َظْتُ في (صحيحه)،
فقال :
(١) راجع: ((الأوسط)) ١٣٥/٣ - ١٣٦.
(٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٤٣/١٣ - ٤٦.
(٣) وفي نسخة: ((وحدّثني)).
(٤) وفي نسخة: ((لأشبهكم)).

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(٧٨٩) حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن
شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا
هريرة، يقول: ((كان رسول الله وَ﴿ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر
حين يركع، ثم يقول سمع الله لمن حمده، حين يرفع صُلْبه من الركعة، ثم
يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد - قال عبد الله بن صالح، عن الليث: ولك
الحمد -، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد،
ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر
حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٧٦] (.) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ
حِينَ يَسْتَخْلِفُهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ، إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ .. فَذَكَرَ نَحْوَ
حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجِ، وَفِي حَدِيثِهِ: فَإِذَا قَضَاهَا وَسَلَّمَ، أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ
قَالَ(١): وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ نَّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ،
ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقون تقدّموا في الباب.
(١) وفي نسخة: ((فقال)).

٢٠٣
(١٠) - بَابُ إِثْبَاتِ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعِ فِي الصَّلَاةِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٧٧)
وقوله: (كَانَ حِينَ يَسْتَخْلِفُهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ) أي جعله خليفته في
الصلاة، و((مروان)) هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك
الأمويّ المدنيّ، ولّي الخلافة في آخر سنة (٦٤هـ) ومات في رمضان سنة
(٦٥ هـ) وله (٣ أو ٦١) سنة، ولا تثبت له صحبة.
والظاهر أن استخلافه لأبي هريرة ظلبه حينما كان أميراً على المدينة؛
لأنه كان أمير معاوية رزڅبه عليها .
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْج) الضمير ليونس بن يزيد الأيليّ؛
يعني أن يونس روى هذا الحديث عن ابن شهاب، نحو رواية ابن جريج
السابقة، وفيه أن ألفاظهما فيها اختلاف، كما أشار إليه بقوله: ((وَفِي حَدِيثِهِ :
فَإِذَا قَضَاهَا وَسَلَّمَ ... إلخ)).
[تنبيه]: رواية يونس هذه أخرجها الحافظ أبو نعيم نظّتُهُ، في
((مستخرجه))، فقال:
(٨٦٦) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا
حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو
سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة كان حين يستخلفه مروان على المدينة، إذا
قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ثم يكبر حين يركع، وإذا رفع رأسه من الركعة
قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يَهْوِي ساجداً، ثم
يكبر حين يقوم من الثنتين بعد التشهد، ثم يفعل ذلك حتى يقضي صلاته، فإذا
قضاها وسلم، أقبل على أهل المسجد، فقال: والذي نفسي بيده، إني
لأشبهكم صلاة برسول الله وَله. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٧٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم،
حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَأَنَ

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ، كُلَّمَا رَفَعَ وَوَضَعَ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ قَالَ(١):
إِنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللهِّهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الْجَمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٩) أو التي قبلها (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٢/٢٦.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدِّمَشقيّ، ثقةٌ لكنه
كثير التدليس والتسوية [٨]ً (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه
الإمام، ثقةٌ حافظ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ،
لكنه يدلّس، ويُرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (كُلَّمَا رَفَعَ وَوَضَعَ) هو بمعنى ما سبق: ((كلّما خفض، ورفع))، أي
في جميع الانتقالات، ولكن خُصّ منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنّ
المشروع فيه التسميع والتحميد، لا التكبير، فتنبّه.
وقوله: (إِنَّهَا لَصَلَاةُ رَسُولِ اللهِ وَرَ) أي هذه الصلاة التي اشتملت على
هذا التكبير في كلّ رفع ووضع هي الصلاة التي كان رسول الله وَله يصّيها حتى
فارق الدنيا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٧٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ - (٢) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ
وَرَفَعَ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ).
(١) وفي نسخة: ((فقال)).
(٢) وفي نسخة: ((يعقوب بن عبد الرحمن)).

٢٠٥
(١٠) - بَابُ إِثْبَاتِ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعٍ فِي الصَّلَاةِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٧٩)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد الله بن عَبْدِ القاريّ
المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في
((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، والحديث تقدّم شرحه ومسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٧٩] (٣٩٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَام، جَمِيعاً عَنْ حَمَّادٍ،
قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ
حُصَيْنِ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ
مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ: أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ
صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ نَّهِ، أَوْ قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ وََّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ تقدّم في الباب.
٢ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثَعْلب البزّار المقرئ البغداديّ، له اختيارات في
القراءة، ثقةٌ [١٠] (٢٢٩) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضَميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٤ - (غَيْلَانُ) بن جرير الْمِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت١٢٩) (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٥٩٨/١٥.

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٥ - (مُطَرِّف) بن عبد الله بن الشِّخِّير العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد الله
البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
٦ - (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْن) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزاعيّ، أبو نُجيد الصحابيّ
ابن الصحابيّ ◌ًَّا، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلاً، وقضى بالكوفة،
ومات سنة (٥٢) بالبصرة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَُّ، وله فيه شيخان، قرن
بینھما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له ابن ماجه، والثاني تفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخيه أيضاً؛ فالأول
نيسابوريّ، والثاني بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُطَرِّف) بن عبد الله بن الشِّخِّيرِ رَّتُهُ، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا) أكّد به
الضمير المتّصل؛ ليعطف عليه ما بعده، كما قال في ((الخلاصة)):
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) رَُه، والظرف متعلّق
بـ((صلَّيتُ)).
قيل: استُدِلّ به على أن موقف الاثنين يكون خلف الإمام، خلافاً لمن
قال: يجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله.
وتعقّبه في ((الفتح))، فقال: وفيه نظرٌ؛ لأنه ليس فيه أنه لم يكن معهما
غيرهما . انتهى.
[تنبيه]: صلاة عليّ رَظُه هذه كانت بالبصرة، ففي رواية البخاريّ من
طريق أبي العلاء، عن مطرّف، عن عمران بن حُصين قال: ((صلّى مع عليّ
رضىعنه

٢٠٧
(١٠) - بَابُ إِثْبَاتِ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعِ فِي الصَّلَاةِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٧٩)
بالبصرة ... ))، قال في ((الفتح)): يعني بعد وقعة الجمل، وكذا رواه سعيد بن
منصور، من رواية حميد بن هلال، عن عمران، ووقع لأحمد من طريق
سعيد بن أبي عروبة عن غيلان: بالكوفة، وكذا لعبد الرزاق، عن معمر، عن
قتادة، وغير واحد، عن مُطَرِّف، فَيَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع منه بالبلدين.
انتهى(١).
(فَكَانَ) عليّ ◌َظُه (إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ) من
باب قَعَدَ: أي قام (مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) أي شرع في القيام منهما (كَبَّرَ) قال في
((الفتح)): قد ذكره في رواية أبي العلاء بصيغة العموم - أي بقوله: ((كان يكبّر
كلّما رَفَعَ، وكلّما وَضَعَ)) - وخصّه هنا بذكر السجود، والرفع منه، والنهوض من
الركعتين فقط، ففيه إشعار بأن هذه المواضع الثلاثة هي التي كان تُرِكَ التكبير
فيها حتى تَذَكَّرها عمران بصلاة عليّ ◌ًُّا.
(فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ) وفي رواية للبخاريّ: ((فلما قضى الصلاة))
(قَالَ) مطرّف (أَخَذَ عِمْرَانُ) بن حُصِين ◌ِّ (بِيَدِي) إنما أخذ بيده تنبيهاً له على
ما سيُلقيه إليه (ثُمَّ قَالَ) عمران ◌َُّهُ (لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا) يعني عليّاً عَظ ◌ُه (صَلَاةَ
مُحَمَّدٍ مََّ، أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا) وفي رواية للبخاريّ:
(لقد ذكّرني هذا)) (صَلَاةَ مُحَمَّدٍ وَ ل(#) فيه إشارة إلى أن تكبيرات الانتقالات كانت
مهجورةً عند بعض الأئمة في ذلك الوقت، وقد روى أحمد، والطحاويّ بإسناد
صحيح، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: ذَكّرنا عليٍّ صلاةً كنا نصليها مع
رسول الله ◌َ﴾ إما نسيناها، وإما تركناها عمداً.
وأخرج الإمام أحمد من وجه آخر، عن مُطَرِّف قال: قلنا - يعني
لعمران بن حصين -: يا أبا نُجيد - هو بالنون والجيم مصغراً -: مَن أوّلُ من
ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفّان حين كَبِرَ، وضَعُف صوته، وهذا يَحْتَمِل
إرادة ترك الجهر.
ورَوَى الطبرانيّ عن أبي هريرة ◌َظُبه أن أول من ترك التكبير معاوية.
(١) ((الفتح)) ٣١٥/٢.

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ورَوَى أبو عبيد أنّ أول من تركه زياد، وهذا لا ينافي الذي قبله؛ لأن
زياداً تركه بترك معاوية، وكأن معاوية تركه بترك عثمان.
وقد حَمَل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، ويُقوّيه ما أخرجه
البخاريّ من طريق فُلَيح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: صلى لنا أبو
سعيد - يعني الخدريّ - فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين
سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين، وقال: هكذا رأيت النبيّ وَلآ،
وزاد الإسماعيليّ في آخره: ((فلما انصرف، قيل له: قد اختلف الناس على
صلاتك، فقام عند المنبر، فقال: إني والله ما أبالي، اختَلَفت صلاتكم، أم لم
تَخْتَلف؟، إني رأيت رسول الله وَ﴿ هكذا يصلّي)).
قال في ((الفتح)): والذي يظهر أن الاختلاف بينهم كان في الجهر
بالتكبير، والإسرار به، وكان مروان وغيره من بني أميّة يُسرّونه(١).
لكن حَكَى الطحاويّ أن قوماً كانوا يتركون التكبير في الخفض دون
الرفع، قال: وكذلك كانت بنو أمية تفعل، وروى ابن المنذر نحوه عن ابن
عمر، وعن بعض السلف أنه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام، وفرّق بعضهم
بين المنفرد وغيره، ووجَّهه بأن التكبير شُرع للإيذان بحركة الإمام، فلا يحتاج
إليه المنفرد، لكن استقرّ الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل
مصلّ، فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الإحرام، وعن أحمد، وبعض أهل
العلم بالظاهر يجب كلّه(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الحقّ ما قاله الإمام أحمد، ومن
معه، من إيجاب تكبيرات الانتقالات؛ لأنه وَ﴾ أمر به المسيء صلاته، وأمره
للوجوب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٥٤/٢ - ٣٥٥.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٣١٥/٢ - ٣١٦.

(١٠) - بَابُ إِثْبَاتِ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعِ فِي الصَّلَاةِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٧٩)
٢٠٩
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٧٩/١٠] (٣٩٣)، و(البخاريّ) في ((الأذان))
(٧٨٤ و٧٨٦ و٨٢٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٣٥)، و(النسائيّ) فيها (٢/
٢٠٤ و٢/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٨/٤ و٤٢٩ و٤٣٢ و٤٤٠ و٤٤٤)،
و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٥٨١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٩٣)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٦٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة تكبيرات الانتقالات، وقد تقدّم أن الراجح
القول بوجوبها؛ لقوّة أدلّته .
٢ - (ومنها): بيان أن بعض الأئمة في عهد السلف كانوا قد ضَيَّعوا بعض
الأفعال التي ثبتت عن رسول الله وَّله؛ تأوّلاً، أو جهلاً بها.
٣ - (ومنها): بيان فضل عليّ بن أبي طالب رُبه، حيث كان يحفظ سنّة
رسول الله وَّه، ويَعمَل بها، ويُحييها في وقت تركها فيه كثير من الناس جهلاً
بها، حتى كان كثير من العوامّ ينكرون على من يفعلها؛ لخفائها عليهم بسبب
قلّة من يعمل بها .
٤ - (ومنها): ما قال ناصر الدين ابن الْمُنَيِّر تَظُهُ: الحكمة في مشروعية
التكبير في الخفض والرفع، أن المكلف أُمِر بالنية أوَّل الصلاة، مقرونةً
بالتكبير، وكان من حقّه أن يستصحب النية إلى آخر الصلاة، فأُمر أن يجدد
العهد في أثنائها بالتكبير الذي هو شعار النية. انتهى(١).
وقيل: الحكمة في شرعيّة تكرار التكبير تنبيه المصلّي على أن الله ◌ُالتَ
الذي قام بين يديه يناجيه أكبر من كلّ كبير، وأعظم من كلّ عظيم، فلا ينبغي
شغل القلب عن مناجاته بشي من الأشياء، بل ينبغي الإقبال عليه بالقلب
والقالب، والخضوع، والخشوع فيها؛ تعظيماً له رَُالَ، وطلباً لمرضاته، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا نَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١) راجع: ((الفتح)) ٣١٥/٢ - ٣١٦.

٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(١١) - (بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ
عَلَى كُلِّ مُصَلَّ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٠] (٣٩٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َّ:
(لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم
قبل باب.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، تقدّم قبل
باب أيضاً .
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم قبل بابين.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الشهير، تقدّم قبل باب.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيع) بن سُرَاقة بن عمرو الْخَزْرجيّ، أبو نعيم، أو أبو
محمد المدنيّ الصحابيّ الصغير (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٧ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) بن قيس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو الوليد
الصحابيّ الشهير المدنيّ، مات ظُه سنة (٣٤) وله (٧٢)، وقيل غير ذلك،
دُفن بقبرص بالشام، وقيل: ببيت المقدس (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَذَثُ، وهو في معنى الرباعيّات؛
لأن محموداً وعبادة صحابيّان، فهما بمنزلة راوٍ واحد، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم.

٢١١
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٠)
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج
له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثالث ما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ
٥ - (ومنها): أن عبادة نظيفه من أفاضل الصحابة له، وهو أحد النقباء
الاثني عشر ليلة العقبة، وشهد العقبتين، وشهد بدراً، وآخى رسول الله وَ له بينه
وبين أبي مَرْئد الْغَنَويّ، وجّهه عمر رَُّه إلى الشام قاضياً ومعلّماً، فأقام
بحمص، ثم انتقل إلى فِلَسطين، وهو أول من ولي القضاء بها، وله من
الحديث (١٨٠) حديثاً، اتفق الشيخان على ستّة، وانفرد البخاريّ بحديثين،
ومسلم بآخرين، قال محمد بن كعب الْقُرَظيّ: جمع القرآن في زمن رسول الله وَل
خمسة من الأنصار: معاذ، وعبادة، وأَبيّ، وأبو أيّوب، وأبو الدرداء ضه(١)،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) وفي رواية صالح بن كيسان الآتية: عن ابن
شهاب، أن محمود بن الربيعَ أخبره، أن عبادة بن الصامت أخبره، ووقع في
رواية الحميديّ عن سفيان: حدثنا الزهريّ، سمعت محمود بن الربيع، ولابن
أبي عُمَر، عن سفيان بالإسناد، عند الإسماعيليّ: سمعت عُبادة بن الصامت،
قال في ((الفتح)): وبهذا التصريح بالإخبار يندفع تعليل مَن أعلّه بالانقطاع؛
لكون بعض الرواة أدخل بين محمود وعبادة رجلاً، وهي رواية ضعيفة عند
الدار قطنيّ. انتهى (٢).
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ)
(يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ) معناه: يَصِل الراوي
مضرعنه
بهذا الحديث إلى النبيّ وَ﴾ .
(١) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) ((الفتح)) ٤٨٦/٢.

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
[تنبيه]: قوله: (يبلغ به النبيّ وَّ)) من صيغ الرفع حكماً، ومثله قولهم:
((يرفعه))، و(ينميه))، و((روايةً))، و((يرويه))، و((يُسنده))، و((يأْثُرُه))، ونحو ذلك،
وإلى ذلك أشار السيوطيّ كَّتُ في ((ألفية الحديث))، حيث قال:
وَهَكَذَا يَرْفَعُهُ يَنْمِيهِ رِوَايَةً يَبْلُغْ بِهِ يَرْوِيهِ
وهذه الألفاظ وأمثالها مرفوعة حكماً، بلا خلاف بين أهل العلم، كما
صرّح به النوويّ، واقتضاه كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، قال الحافظ
السخاويّ: يدلّ لذلك مجيء بعض المكنيّ به بالتصريح، ففي بعض الروايات
الحديث: ((الفطرة خمس)): ((يبلغ به النبيّ وَّ﴾))، وفي بعضها: ((قال
رسول الله وَي))، وكما جاء هنا في الرواية التالية بلفظ: ((عن عبادة بن الصامت
قال: قال رسول الله وَله: لا صلاة ... )) إلخ.
والسبب الحامل للراوي على عدوله عن التصريح بقول الصحابيّ: سمعت
رسول الله ◌َ، ونحو ذلك إلى أن يعبّر بقوله: ((يبلغ به))، أو ((ينميه))، أو
(يرويه))، أو نحوها مع تحقّقه بأن الصحابيّ رفعه إلى النبيّ وَّ كونه يشكّ في
صيغة الرفع بعينها، هل هي ((سمعتُ))، أو ((قال رسول الله (وَلا))، أو ((نبيّ الله))،
أو ((حدّثني))، أو نحوها؟ وهو ممن لا يرى الإبدال، أو طلباً للتخفيف، أو
لورعه حيث رواه بالمعنى، أو نحو ذلك(١)، والله تعالى أعلم.
((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))) زاد الحميديّ، عن سفيان:
((فيها))، كذا في ((مسنده))، وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن الحميديّ، أخرجه
البيهقيّ، وكذا لابن أبي عمر عند الإسماعيليّ، ولِقُتيبة، وعثمان بن أبي شيبة،
عند أبي نعيم، في ((المستخرج))، وهذا يُعَيِّن أن المراد القراءة في نفس
الصلاة، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال العلامة السنديّ تَظْتُ في ((حاشية النسائيّ)) (١٣٧/٢):
قوله: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)): ليس معناه: لا صلاة لمن
(١) راجع: شرحي الألفية السيوطيّ المسمّى ((إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفية الأثر))
١٢٧/١ - ١٢٩.
(٢) ٤٨٦/٢.

٢١٣
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٠)
لم يقرأ بفاتحة الكتاب في عمره قطّ، أو لمن لم يقرأ في شيء من الصلوات
قطّ، حتى لا يقال: لازم الأول افتراض الفاتحة في عمره مرةً، ولو خارج
الصلاة، ولازم الثاني افتراضها مرةً في صلاة من الصلوات، فلا يلزم منه
الافتراض لكل صلاة، وكذا ليس معناه: لا صلاة لمن ترك الفاتحة، ولو في
بعض الصلوات؛ إذ لازمه أنه بترك الفاتحة في بعض الصلوات تفسد الصلوات
كلها، ما تُرِك فيها، وما لم يترك فيها؛ إذ كلمة ((لا)) لنفي الجنس، ولا قائل
به، بل معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة من الصلوات التي لم يُقرأ فيها،
فهذا عمومٌ محمول على الخصوص، بشهادة العقل، وهذا الخصوص هو
الظاهر المتبادر إلى الأفهام، من مثل هذا العموم، وهذا الخصوص لا يضرّ
بعموم النفي للجنس؛ لشمول النفي بعدُ لكل صلاة تُرك فيها الفاتحة، وهذا
يكفي في عموم النفي.
ثم قد قَرَّروا أن النفي لا يُعْقَل إلا مع نسبةٍ بين أمرين، فيقتضي نفيُّ
الجنس أمراً مستنداً إلى الجنس؛ ليتعقل النفي مع نسبته، فإن كان ذلك الأمر
مذكوراً في الكلام فذاك، وإلا يُقَدَّر من الأمور العامّة؛ كالكون، والوجود، أما
الكمال، فقد حَقَّق المحقق الكمال(١) ضعفه؛ لأنه مخالف للقاعدة، لا يصار
إليه إلا بدليل، والوجود في كلام الشارع يُحمَل على الوجود الشرعيّ دون
الحسيّ، فمُفاد الحديث نفي الوجود الشرعيّ للصلاة التي لم يُقرَأ فيها بفاتحة
الكتاب، وهو عين نفي الصحة، وما قال أصحابنا - يعني الحنفيّة -: إنه من
حديث الآحاد، وهو ظنيّ، لا يفيد العلم، وإنما يوجب العمل، فلا يلزم منه
الافتراض، ففيه أنه يكفي في المطلوب، أنه يوجب العمل ضرورةً أنه يوجب
العمل بمدلوله، لا بشيء آخر، ومدلوله عدم صحة صلاةٍ لم يُقْرَأ فيها بفاتحة
الكتاب، فوجوب العمل به يوجب القول بفساد تلك الصلاة، وهو المطلوب.
فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يُقْرَأ فيها بفاتحة الكتاب.
نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي، كما ورد به بعض
الأحاديث، فلا يلزم بطلان صلاة المقتدي إذا ترك الفاتحة، وقرأها الإمام.
(١) أراد به الكمال ابن الهمام، صاحب ((فتح القدير شرح الهداية)) في الفقه الحنفيّ.

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
بقي أن الحديث يوجب قراءة الفاتحة في تمام الصلاة، لا في كل ركعة،
لكن إذا ضُمّ إليه قوله ◌ََّ: ((وافْعَلْ في صلاتك كلها)) للأعرابي المسيء
صلاته، يَلزَم افتراضها في كل ركعة، ولذلك عَقَّب هذا الحديث بحديث
الأعرابي في ((صحيح البخاريّ))، فلله دره ما أدَّه - وكذلك مسلم هنا حيث أتى
به في هذا الباب -، والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ كَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه العلامة السنديّ الحنفيّ: من
بطلان صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فيها؛ عملاً بالأحاديث الصحيحة
المذكورة في هذا الباب وغيره، تحقيقٌ نفيس جدّاً، وهو يدلّ على إنصافه،
وبُعده عن التعصّب المذهبيّ الذي يُغطّي كثيراً من الحقّ، وهذا أمر نادر عند
المذهبيين، ولا سيّما الذين ينتسبون إلى مذهبه الحنفيّ، فإن هذه المسألة،
وأشباهها قد زلّ فيها قدم كثير ممن يُظنّ فيهم البراعة، والتقدّم في المذهب،
بل وفي سائر العلوم، أمثال الطحاويّ من المتقدّمين، وأمثال العينيّ من
المتأخّرين، فلا تغترّ بما يموّهون به في ردّ هذا النصّ الصريح: ((لا صلاة إلا
بفاتحة الكتاب))، هداني الله وإياك سبيل الصواب.
غير أن مما يُستدرك من كلام السنديّ قوله: ((نعم يمكن أن يقال: قراءة
الإمام قراءة المقتدي ... إلخ))، فإنه غير مقبول؛ لأن الأحاديث الواردة التي
أشار إليها غير ثابتة، فلا تصلح لتخصيص عموم هذا الحديث الصحيح: ((لا
صلاة إلا بفاتحة الكتاب))، وعلى تقدير صحّتها تُحمَل على ما عدا الفاتحة؛
عملاً بالاستثناء المذكور في الحديث الصحيح: ((فلا تفعلوا إلا بأم
القرآن ... ))، وسيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -.
وقال القاضي عياض: قيل: يُحْمَل على نفي الذات وصفاتها، لكن
الذات غير منتفية، فيُخَصّ بدليل خارج، ونوزع في تسليم عدم نفي الذات على
الإطلاق؛ لأنه إن ادَّعَى أن المراد بالصلاة معناها اللغويّ، فغير مسلَّم؛ لأن
ألفاظ الشارع محمولة على عُرْفه؛ لأنه المحتاج إليه فيه؛ لكونه بُعِث لبيان
الشرعيات، لا لبيان موضوعات اللغة، وإذا كان المنفيّ الصلاة الشرعية،
(١) راجع: ((حاشية السنديّ على سنن النسائيّ)) ١٣٧/٢ - ١٣٨.

٢١٥
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٠)
استقام دعوى نفي الذات، فعلى هذا لا يَحتاج إلى إضمار الإجزاء، ولا
الكمال؛ لأنه يؤدي إلى الإجمال، كما نُقِل عن القاضي أبي بكر وغيره، حتى
مال إلى التوقُّف؛ لأن نفي الكمال يُشْعِر بحصول الإجزاء، فلو قُدِّر الإجزاء
منتفياً لأجل العموم قُدِّر ثابتاً لأجل إشعار نفي الكمال بثبوته، فيتناقض، ولا
سبيل إلى إضمارهما معاً؛ لأن الإضمار إنما احتيج إليه للضرورة، وهي مندفعة
بإضمار فرد، فلا حاجة إلى أكثرَ منه، ودعوى إضمار أحدهما ليست بأولى من
الآخر، قاله ابن دقيق العيد.
قال الحافظ تَخُّْهُ: وفي هذا الأخير نظرٌ؛ لأنا إن سلمنا تعذّر الحمل
على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على
أبعدهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، وهو السابق إلى الفهم، ولأنه
يستلزم نفي الكمال من غير عكس، فيكون أولى. ويؤيده رواية الإسماعيليّ من
طريق العباس بن الوليد النَّرْسيّ، أحد شيوخ البخاريّ عن سفيان بهذا الإسناد،
بلفظ: ((لا تُجزئ صلاةٌ لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب))، وتابعه علی ذلك زياد بن
أيوب، أحد الأثبات، أخرجه الدارقطنيّ، وله شاهد من طريق العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة به، مرفوعاً بهذا اللفظ، أخرجه ابن
خزيمة، وابن حبان، وغيرهما .
ولأحمد من طريق عبد الله بن سَوَادة الْقُشَيريّ، عن رجل عن أبيه،
مرفوعاً: ((لا تُقْبَل صلاة لا يُقرَأ فيها بأم القرآن)).
وقد أخرج ابن خزيمة، عن محمد بن الوليد القرشيّ، عن سفيان، حديث
الباب بلفظ: ((لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب))، فلا يمتنع أن يقال: إن
قوله: ((لا صلاة)) نفيٌ بمعنى النهي: أي لا تُصَلَّوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب.
ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم، عن عائشة، مرفوعاً: ((لا صلاة
بحضرة الطعام))، فإنه في صحيح ابن حبان بلفظ: ((لا يُصَلَّي أحدكم بحضرة
الطعام))، أخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل وغيره، عن يعقوب بن
مجاهد، عن ابن أبي عتيق(١)، وابن حبان، من طريق حسين بن عليّ وغيره،
(١) وقع في (الفتح)) ((عن القاسم))، وهو غلط؛ لأن مسلماً ما أخرجه من طريق =

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
عن يعقوب به، وأخرج له ابن حبان أيضاً شاهداً من حديث أبي هريرة، بهذا
اللفظ .
وقد قال بوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة الحنفيةُ، لكن بَنَوا على
قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطاً في صحة الصلاة؛ لأن وجوبها إنما
ثبت بالسنة، والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما
يزيد على القرآن، وقد قال تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزْمّل: ٢٠]،
فالفرض قراءة ما تيسر، وتعيين الفاتحة إنما ثبت بالحديث، فيكون واجباً يأثم
من يتركه، وتجزئ الصلاة بدونه.
قال الحافظ: وإذا تقرر ذلك لا ينقضي عجبي، ممن يتعمد ترك قراءة
الفاتحة منهم، وترك الطمأنينة، فيصلي صلاةً يريد أن يتقرب بها إلى الله تعالى،
وهو يتعمد ارتكاب الإثم فيها؛ مبالغةً في تحقيق مخالفته لمذهب غيره.
(١)
انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: وأنا لا ينقضي عجبي من كثير ممن ينتسب إلى
المذهب الحنفيّ في ترك الطمأنينة، والاستعجال في الصلاة، فكأن الإمام أبا
حنيفة أمرهم بهذا الاستعجال، وعدم الطمأنينة في الصلاة، والمعروف أن
الخلاف بين أبي حنيفة وغيره في فرضيّة الطمأنينة، وسنيّتها، لا في أصل
مشروعيّتها، فأبو حنيفة كسائر الأئمة يقول بمشروعيّة الاطمئنان، وإنما يخالف
غيره في عدم بطلان الصلاة بتركه، فكأن عوام الحنفيّة فهموا من مذهبه أنه قائل
باستحباب الاستعجال، وهذا هو واقع لسان حالهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت به هذا متّفقٌ عليه.
=
القاسم، وإنما أخرجه من طريق عبد الله بن أبي عتيق، وإنما القاسم له قصّة في
الحديث، وسيأتي هذا في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((الفتح)) ٢٨٢/٢ - ٢٨٣.

٢١٧
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٠)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٨٠/١١ و٨٨١ و٨٨٢ و٨٨٣] (٣٩٤)،
و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٧٥٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٢٢ و٨٢٣
و٨٢٤)، و(الترمذيّ) فيها (٣١١)، و(النسائيّ) فيها (١٣٧/٢ و١٣٨)، و(ابن
ماجه) فيها (٨٣٧)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٢٦٢٣)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٣٦٠/١)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٧٥/١)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٣٨٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٤/٥ و٣٢١)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (٢٨٣/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٨٥)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه)) (٤٨٨)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٧٨٢ و١٧٨٥ و١٧٨٦
و١٧٩٢ و١٨٤٨ و١٨٩٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٨/٢ و١٦٤ و٣٧٤
و٣٧٥)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (٧٨/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٦٤
و١٦٦٥ و١٦٦٦ و١٦٦٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٧٠ و٨٧١ و٨٧٢)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢١٥/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١/
٣٢١)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (٥٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب قراءة الفاتحة في كلّ الصلوات، على كلّ
مصلٍّ؛ إماماً كان، أو مأموماً، أو منفرداً؛ لهذا الحديث، وفيه خلاف سنحققه
في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أن فيه تسمية هذه السورة بـ((فاتحة الكتاب))، وفيه ردّ على
من منع ذلك، وزعم أن أم الكتاب اسم للوح المحفوظ، فلا يُسمّى به غيره،
قال النوويّ: وهو غلط، وهو كما قال؛ لأن هذا الحديث يبطل زعمه.
قال النوويّ تَخْتُ في ((المجموع))(١): لفاتحة الكتاب عشرة أسماء، حكاها
الإمام أبو إسحاق الثعلبي وغيره:
[أحدها]: فاتحة الكتاب، وجاءت الأحاديث الصحيحة عن النبيّ وَّ في
تسميتها بذلك، قالوا: سميت به؛ لأنه يفتتح بها المصحف، والتعلم، والقراءة
(١) راجع: ((المجموع شرح المهذّب)) ٢٨٦/٣ - ٢٨٧.

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
في الصلاة، وهي مفتتحة بالحمد الذي يفتتح به كلُّ أمر ذي بال، وقيل: لأن
الحمد فاتحة كل كتاب.
[الثاني]: سورة الحمد؛ لأن فيها الحمد.
[الثالث، والرابع]: أم القرآن، وأم الكتاب؛ لأنها مقدمة في المصحف،
كما أن مكة أم القرى، حيث دُحِيت الدنيا من تحتها، وقيل: لأنها مجمع
العلوم والخيرات، كما سُمِّي الدماغ أمّ الرأس؛ لأنه مجمع الحواس والمنافع،
قال ابن دريد: الأم في كلام العرب الراية ينصبها الأمير للعسكر، يفزعون إليها
في حياتهم وموتهم، وقال الحسن بن الفضل: سميت بذلك؛ لأنها إمام لجميع
القرآن، تقرأ في كل ركعة، وتُقدَّم على كل سورة، كأم القرى؛ لأهل الإسلام،
وقيل: سميت بذلك؛ لأنها أعظم سورة في القرآن، ثبت في ((صحيح البخاريّ))
عن أبي سعيد بن المعلى رظُه قال: قال لي رسول الله وَله: ((لأعلمنك سورة
هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد))، فأخذ بيدي، فلما
أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟
قال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم
الذي أوتیته)).
[الخامس]: الصلاة؛ للحديث الصحيح الآتي في هذا الباب أن النبيّ
قال: ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... )) الحديث.
وَشَـ
[السادس]: السبع المثاني؛ للحديث الصحيح الذي ذكرناه قريباً، سميت
بذلك؛ لأنها تُثَنَّى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة.
[السابع]: الوافية بالفاء؛ لأنها لا تُنقَص، فيقرأ بعضها في ركعة،
وبعضها في أخرى، بخلاف غيرها .
[الثامن]: الكافية؛ لأنها تكفي عن غيرها، ولا يكفي عنها غيرها .
[التاسع]: الأساس، رُوي عن ابن عباس ◌ًُّا.
[العاشر]: الشفاء، فيه حديث أبي سعيد الخدريّ رَظ ◌ُه في رقيته اللديغ
بها، وهو في ((صحيح البخاري)).
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة؛ بناءً
على أن الركعة الواحدة تسمى صلاةً لو تجردت.

٢١٩
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٠)
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن قراءتها في ركعة واحدة من الرباعية مثلاً
يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصلاة، والأصل عدم وجوب الزيادة على
المرة الواحدة، والأصل أيضاً عدم إطلاق الكل على البعض؛ لأن الظهر مثلاً
كلها صلاة واحدة حقيقةً، كما صرح به في حديث الإسراء حيث سَمَّى
المكتوبات خمساً، وكذا حديث عبادة: ((خمس صلوات كتبهنّ الله على
العباد))، وغير ذلك، فإطلاق الصلاة على ركعة منها يكون مجازاً.
قال الشيخ ابن دقيق العيد: وغاية ما في هذا البحث أن يكون في
الحديث دلالة مفهوم على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في ركعة واحدة منها،
فإن دلّ دليل خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة كان مقدماً. انتهى.
وقال بمقتضى هذا البحث الحسن البصريّ، رواه عنه ابن المنذر بإسناد
صحيح.
ودليل الجمهور في إيجابها في كلّ ركعة قوله ◌َلّ للمسيء صلاته:
((وافعل ذلك في صلاتك كلها)) بعد أن أمره بالقراءة، وفي رواية لأحمد وابن
حبان: ((ثم افعل ذلك في كل ركعة)).
قال في ((الفتح)): ولعل هذا هو السر في إيراد البخاريّ له عقب حديث
عبادة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وكذلك يدلّ فعل مسلم هنا حيث أورده في هذا
الباب؛ فتنبّه.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم،
سواء أسرّ الإمام أم جهر؛ لأن صلاته صلاة حقيقةً، فتنتفي عند انتفاء القراءة.
قال ابن دقيق العيد تَخْذُهُ: إلا إن جاء دليلٌ يقتضي تخصيص صلاة
المأموم من هذا العموم، فيقدّم.
قال الجامع عفا الله عنه: لم يجئ دليلٌ صحيح يعارض هذا العموم، بل
الذي جاء نصّ في إيجابها على المأموم مطلقاً، وذلك ما صحّ عنه بَّ أنه
قال: (لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟)) قالوا: نعم، قال: ((لا تفعلوا إلا بفاتحة
الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها))، فتنبّه.
قال الحافظ تَّتُهُ: واستَدَلّ مَن أسقطها عن المأموم مطلقاً كالحنفية

٢٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
بحديث: ((من صلى خلف إمام، فقراءة الإمام له قراءة))، لكنه حديث ضعيف
عند الحفاظ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطنيّ وغيره.
واستَدَلّ من أسقطها عنه في الجهرية، كالمالكية بحديث: ((وإذا قرأ
فأنصتوا))، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم، من حديث أبي موسى
الأشعريّ رَظُبه، ولا دلالة فيه؛ لإمكان الجمع بين الأمرين، فيُنصت فيما عدا
الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام، ويقرأ إذا سكت، وعلى هذا فيتعين على
الإمام السكوت في الجهرية ليقرأ المأموم؛ لئلا يوقعه في ارتكاب النهي، حيث
لا يُنصت إذا قرأ الإمام.
وقد ثبت الإذن بقراءة المأموم الفاتحة في الجهرية بغير قيد، وذلك فيما
أخرجه البخاريّ في ((جزء القراءة))، والترمذيّ، وابن حبان، وغيرهما، من
رواية مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة رَظ ◌ُه، أن النبيّ وَّهِ ثَقُلَت عليه
القراءة في الفجر، فلما فرغ قال: ((لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟)) قلنا: نعم،
قال: ((فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها))، والظاهر
أن حديث الباب مختصر من هذا، وكأنّ هذا سببه، والله أعلم.
وله شاهد من حديث أبي قتادة ظُه عند أبي داود، والنسائيّ، ومن
حديث أنس رقڅه عند ابن حبان.
ورَوَى عبد الرزاق، عن سعيد بن جبير، قال: لا بُدّ من أم القرآن، ولكن
مَن مَضَى كان الإمام يسكت ساعةً قدر ما يقرأ المأموم بأم القرآن. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا الحديث الصحيح أنه لا بُدّ للمأموم
من قراءة الفاتحة مطلقاً، سواء كانت الصلاة جهريّة، أم سريّةً، فتبصّر؛ ولا
تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القراءة في الصلاة:
ذهب العلماء كافّةً إلى وجوبها، ولا تصح الصلاة إلا بها، قال النوويّ:
ولا خلاف فيه إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب، ومتابعوه عن الحسن بن
صالح، وأبي بكر الأصم أنهما قالا: لا تجب القراءة، بل هي مستحبة،
(١) ((الفتح)) ٢٨٣/٢ - ٢٨٤.