Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْبَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) ((ولا يرفع بعد ذلك))، أخرجه الدارقطنيّ في ((الغرائب)) بإسناد حسن، وظاهره يشمل النفي عما عدا المواطن الثلاثة، وسيأتي إثبات ذلك في موطن رابع، وهو الرفع إذا قام من الركعتين. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما سبق أن رفع اليدين ثبت في حديث ابن عمر ◌ًّا في أربعة مواضع: عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام للثالثة، وقد ثبت الرفع أيضاً عند السجود من حديث مالك بن الحويرث ظُه، وسيأتي البحث فيه مستوفَى - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ّها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٦٧/٩ و٨٦٨ و٨٦٩] (٣٩٠)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٧٣٥) وفي ((جزء رفع اليدين)) (ص٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٧٤٢)، و(الترمذيّ) فيها (٢٣٧)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (١٢٢/٢)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (٨٥٨)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٧٥/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٥١٨)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٧١/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٣٤/١ و٢٣٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٥٢٦ و١٥١٧٣ و١٥١٧٧ و٢٣٠٨٨)، و(الدارميّ) في «سننه)) (٢٨٥/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٤٥٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٨٦١ و١٨٦٤ و١٨٦٨ و١٨٧٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٧٢ و١٥٧٣ و١٥٧٤ و١٥٧٥ و١٥٧٦ و١٥٧٧ و١٥٧٨ و١٥٧٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٥٦ و٨٥٧ و٨٥٨ و٨٥٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/ ٦٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٥٩)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٧٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣١١١ و١٣١١٢)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((الفتح)) ٤٦/٢. ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وبهذا قال جمهور العلماء . ٢ - (ومنها): كون الرفع حذو المنكبين، وسيأتي في حديث مالك بن الحويرث نظافته حذو الأذنين، وسيأتي الجمع بينهما - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): استحباب الرفع أيضاً عند الركوع، وعند الرفع منه، وخالف في ذلك الحنفيّة، وبعض العلماء، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): أنه يدلّ على عدم مشروعيّة الرفع في السجود، لكن صحّ ذلك في حديث مالك بن الحويرث ظه، وسيأتي الجمع بينهما في المسألة الحادية عشرة - إن شاء الله تعالى -. ٥ - (ومنها): أن قوله في الرواية الآتية: ((ثمّ كبّر)) فيه إثبات تكبيرة الإحرام، وقد اختَلَف العلماء في حكمه، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - تحقيقه في ((المسألة الرابعة عشرة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في رفع اليدين في الصلاة : قال الحافظ وليّ الدين نَّثُهُ: في هذا الحديث رفع اليدين في هذه المواطن الثلاثة: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وبه قال أكثر العلماء من السلف والخلف. قال ابن المنذر تَّتُهُ: رَوَينا ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ، وابن الزبير، وأنس بن مالك. وقال الحسن البصريّ: كان أصحاب رسول الله وَ﴿ يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا رءوسهم من الركوع، كأنها المراويح. ورُوي ذلك عن جماعة من التابعين، وجماعة ممن بعدهم، وقال الأوزاعيّ: ما اجتمع عليه علماء الحجاز والشام والبصرة، أن رسول الله وَليه كان يرفع يديه في هذه المواطن الثلاثة. ١٦٣ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) قال ابن المنذر: وهو قول الليث بن سعد، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه ابن وهب عن مالك، وبه نقول. انتهى. وقد حكاه عن مالك أيضاً أبو مصعب، وأشهب، والوليد بن مسلم، وسعيد بن أبي مريم، وجزم به الترمذيّ عن مالك، وقال البخاريّ: يُرْوَى عن عِدّة من أهل الحجاز، والعراق، والشام، والبصرة، واليمن، أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ورفع الرأس منه، منهم سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، والنعمان بن أبي عياش، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، ومكحول، وعبد الله بن دينار، ونافع، وعبيد الله بن عمر، والحسن بن مسلم، وقيس بن سعد، وغيرهم عدّة كثيرة. انتهى. قال البيهقي تَّثُ: وقد رَوَيناه عن أبي قلابة، وأبي الزبير، ثم عن مالك، والأوزاعيّ، والليث، وابن عيينة، ثم عن الشافعيّ، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، وعدّة كثيرة من أهل الآثار بالبلدان. وقالت طائفة: لا يرفع يديه فيما سوى الافتتاح، وهو قول سفيان، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن صالح بن حيّ، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، قال ابن عبد البر: وتَعَلَّق بهذه الرواية عن مالك أكثر المالكيين. وقال الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة)): وهو المشهور عند أصحاب مالك، والمعمول به عند المتأخرين منهم. انتهى. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم في رفع اليدين، قال محمد: والذي آخذ به أن أرفع على حديث ابن عمر. ورَوَى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) الرفع في تكبيرة الإحرام فقط عن عليّ، وابن مسعود، والأسود، وعلقمة، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، وخيثمة، وقيس بن أبي حازم، وأبي إسحاق السبيعيّ، وحكاه عن أصحاب عليّ، وابن مسعود، وحكاه الطحاويّ عن عمر، وذكر ابن بطال أنه لم يُخْتَلف عنه في ذلك، وهو عجيب، فإن المعروف عنه الرفع في المواطن الثلاثة. ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال أبو العباس القرطبيّ بعد أن ذكر أن هذا هو مشهور مذهب مالك: إن الرفع في المواطن الثلاثة هو آخر أقواله، وأصحّها، والمعروف مِن عمل الصحابة، ومذهب كافة العلماء، إلا مَن ذُكِر. انتهى، وكذا قال الخطابيّ: إنه قول مالك في آخر أمره. وقال محمد بن نصر المروزيّ: لا نعلم مصراً من الأمصار تركوا بأجمعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة، إلا أهل الكوفة، فكلهم لا يرفع إلا في الإحرام. وقال ابن عبد البرّ: لم يُرْوَ عن أحد من الصحابة ترك الرفع عند كل خفض ورفع، ممن لم يُخْتَلف عنه فيه إلا ابن مسعود وحده، ورَوَى الكوفيون عن عليّ مثل ذلك، وروى المدنيون عنه الرفع من حديث عبيد الله بن أبي رافع. انتهى. وذَكَر عثمان بن سعيد الدارميّ أن الطريق عن عليّ في ترك الرفع واهية. وقال الشافعيّ في رواية الزعفرانيّ عنه: ولا يثبت عن عليّ وابن مسعود، ولو كان ثابتاً عنهما لا يثبته(١) أن يكون رآهما مرة أغفلا رفع اليدين، ولو قال قائل: ذهب عنهما حفظ ذلك عن النبيّ وَ ط 1، وحفظه ابن عمر، لكانت له الحجة. انتهى. ورَوَى البيهقيّ في ((سننه)) عن وكيع قال: صليت في مسجد الكوفة، فإذا أبو حنيفة قائم يصلي، وابن المبارك إلى جنبه يصلي، فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، وأبو حنيفة لا يرفع، فلما فرغوا من الصلاة، قال أبو حنيفة لعبد الله: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تكثر رفع اليدين، أردت أن تطير؟، فقال له عبد الله: يا أبا حنيفة، قد رأيتك ترفع يديك حين افتتحت الصلاة، فأردت أن تطير؟ فسكت أبو حنيفة، قال وكيع: ما رأيت جواباً أحضر من جواب عبد الله لأبي حنيفة. ورَوَى البيهقي أيضاً عن سفيان بن عيينة، قال: اجتمع الأوزاعيّ والثوريّ بمنى، فقال الأوزاعيّ للثوريّ: لم لا ترفع يديك في خفض الركوع ورفعه؟ (١) هكذا النسخة، والظاهر أن هذا تصحيف من قوله: ((لأَشْبَهَ))، أو نحو ذلك، فتأمل. ١٦٥ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْبَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) فقال الثوريّ: حدثنا يزيد بن أبي زياد، فقال الأوزاعيّ، أروي لك عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَّر، وتعارضني بيزيد بن أبي زياد، ويزيد رجل ضعيف الحديث، وحديثه مخالف للسنة؟، قال: فاحمارّ وجهُ سفيان، فقال الأوزاعيّ: كأنك كَرِهتَ ما قلت؟ قال الثوريّ: نعم، فقال الأوزاعيّ: قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحقّ؟ قال: فتبسم الثوريّ لَمّا رأى الأوزاعي قد احتدّ. انتهى ما قاله وليّ الدين تَظّهُ(١). وقال الشوكانيّ كَّتُهُ: احتج القائلون باستحباب رفع اليدين في الصلاة بالأحاديث الكثيرة عن العدد الكثير من الصحابة، حتى قال الشافعيّ: رَوَى الرفع جمع من الصحابة، لعله لم يُرْوَ حديث قط بعدد أكثر منهم. وقال البخاريّ في ((جزء رفع اليدين)): رَوَى الرفعَ تسع عشرة نفساً من الصحابة، وسرد البيهقيّ في ((السنن))، وفي ((الخلافيات)) أسماء مَن رَوَى الرفع نحواً من ثلاثين صحابيّاً، وقال: سمعت الحاكم يقول: اتفق على رواية هذه السنّة العشرة المشهود لهم بالجنة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة، قال البيهقيّ: وهو كما قال، قال الحاكم، والبيهقيّ أيضاً: ولا يُعلَم سنّة اتَّفَق على روايتها العشرة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في الأقطار الشاسعة غير هذه السنّة. ورَوَى ابن عساكر في ((تاريخه)) من طريق أبي سلمة الأعرج، قال: أدركت الناس كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع، قال البخاريّ في الجزء المذكور: قال الحسن، وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله وَّه يرفعون أيديهم، ولم يَسْتَئنِ أحداً منهم، قال البخاريّ: ولم يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله وَ﴿ أنه لم يرفع يديه، وجمع العراقي عَدَد من رَوَى رفع اليدين في ابتداء الصلاة، فبلغوا خمسين صحابيّاً، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة. قال الحافظ في ((الفتح)): وذكر شيخنا الحافظ أبو الفضل، أنه تتبع مَن رواه من الصحابة ظه، فبلغوا خمسين رجلاً. واحتَجَّ من قال بعدم الاستحباب بحديث جابر بن سمرة عند مسلم، وأبي (١) راجع: ((طرح التثريب)) ٢٥٢/٢ - ٢٥٣. ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة داود، قال: خرج علينا رسول الله وَله، فقال: ((ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شُمْس؟ اسكنوا في الصلاة)). وأجيب عن ذلك بأنه وَرَدَ على سبب خاصّ، فإن مسلماً رواه أيضاً من حديث جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا مع النبيّ وَّر قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لهم النبيّ وَّرِ: ((علامَ تومئون بأيديكم، كأنها أذناب خيل شُمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه، من عن يمينه، ومن عن شماله)). ورُدّ هذا الجواب بأنه قصر للعام على السبب، وهو مذهب مرجوح، كما تقرر في الأصول. وهذا الردُّ مُتَّجِهٌ لولا أن الرفع قد ثبت من فعله وَّ ثبوتاً متواتراً، كما تقدم، وأقل أحوال هذه السنّة المتواترة أن تَصْلُح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر، وربما نازع في هذا بعضهم، فقال: قد تقرر عند بعض أهل الأصول أنه إذا جُهِل تاريخ العام والخاص اطْرِحًا، وهو لا يَدري أن الصحابة قد أجمعت على هذه السنّة بعد موته وَّل، وهم لا يُجمِعون إلا على أمر فارقوا رسول الله وَله عليه، على أنه قد ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقيّ أنه قال بعد أن ذَكَر أن رسول الله وَ لهم كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال: فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى. وأيضاً المتقرر في الأصول بأن العامّ والخاصّ إذا جُهِل تاريخهما وَجَب البناء، وقد جعله بعض أئمة الأصول مُجمعاً عليه، كما في ((شرح الغاية))، وغيره. ورُبّما احتَجّ بعضهم بما رواه الحاكم في ((المدخل)) من حديث أنس ـه ضى بلفظ: ((مَن رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له))، وربما رواه ابن الجوزيّ عن أبي هريرة ◌َظله بنحو حديث أنس، وهو لا يشعر أن الحاكم قال بعد إخراج حديث أنس: إنه موضوع، وقد قال في ((البدر المنير)): إن في إسناده محمد بن عكاشة الكرمانيّ، قال الدارقطنيّ: يضع الحديث، وابن الجوزيّ جعل حديث ١٦٧ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) أبي هريرة المذكور من جملة الموضوعات. انتهى كلام الشوكانيّ ◌َّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر مذاهب العلماء، وأدلتهم في حكم رفع اليدين في الصلاة أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور، وهو استحباب الرفع مطلقاً . والحاصل أن رفع اليدين عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وفي القيام للثالثة، هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهما من المحقّقين، وهو الحقّ الذي تؤيّده الدلائل الواضحة كالشمس في رابعة النهار، وليس للمخالفين دليلٌ يصلح للاعتماد عليه، بل هي ضعاف، وعلى تقدير صحّتها تُحمل على أنه ترك الرفع في بعض الأوقات؛ لبيان الجواز. وأما الاحتجاج بحديث جابر بن سمرة ◌ًّا المذكور، فمن الغرائب؛ فإن جلّ من أنكر الرفع في الركوع؛ كالحنفيّة، أثبت الرفع في الافتتاح، فهلّا يدخل في هذا النهي، فما كان جواباً عنه، فهو جواب هنا بلا فرق؛ فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وعمدة العنيد. وقد أجاد الشيخ عبيد الله المباركفوريّ في كتابه ((المرعاة شرح المشكاة)) في هذا البحث، فراجعه(٢) تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): الذي دل عليه حديث ابن عمر ظه هذا أنه وَ لّ فعل الرفع في المواطن الثلاثة، ولا دلالة له على وجوب ذلك، ولا على استحبابه، فإن الفعل مُحْتَمِلٌ لهما، والأكثرون على الاستحباب، وقيل بالوجوب، وسنوضح ذلك : قال النوويّ تَّثُ في ((شرحه)): أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح، واختلفوا فيما سواها. انتهى. وتعقّبه وليّ الدين العراقيّ تَخْتُهُ، فقال: وفي حكايته الإجماع نظر من وجھین : (١) ((نيل الأوطار)) ١٠/٣ - ١٢. (٢) راجع: ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٤/٣ - ٤٧. ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة [أحدهما]: أن بعض العلماء يقول بوجوبه، وقد قال النوويّ بعد ذلك بأسطر: أجمعوا أنه لا يجب شيء من الرفع، وحُكِي عن داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام، وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سَيّار السّيّاريّ من أصحابنا أصحاب الوجوه. انتهى. قال وليّ الدين: وحكاه القاضي حسين من أصحابنا في ((تعليقه)) عن أحمد بن حنبل، وقال ابن عبد البرّ: كلُّ من رأى الرفع، وعَمِل به من العلماء لا يبطل صلاة مَن لم يرفع إلا الحميديّ، وبعض أصحاب داود، ورواية عن الأوزاعيّ، ثم حَكَى عن الأوزاعيّ أنه ذَكَرَ الرفع في المواطن الثلاثة، فقيل له: فإن نَقَصَ من ذلك؟ قال: ذلك نقص من صلاته، ثم قال ابن عبد البرّ: وقول الحميديّ، ومن تابعه شذوذٌ عن الجمهور، وخطأُ لا يَلْتَفِت إليه أهل العلم. انتھی . وحَكَى الطحاويّ إيجابه عند الركوع، والرفع منه، والقيام من السنن عن قوم، واعترضه البيهقيّ، وقال: لا نعلم أحداً يوجب الرفع، وحَكَى صاحب ((المفهم)) عن بعضهم وجوب الرفع كلّه، وقال ابن حزم في ((المحلى)): ورفع اليدين للتكبير من الإحرام في أول الصلاة فرض، لا تجزئ الصلاة إلا به، ثم قال: وقد رُوي ذلك عن الأوزاعيّ، وهو قول بعض من تقدم من أصحابنا. انتھی . فقد ثبت بذلك وجود الخلاف في وجوب الرفع في تكبيرة الإحرام، بل في وجوب الرفع کله. [ثانيهما]: أن بعضهم لا يَستَحِبّ الرفع عند تكبيرة الإحرام، وهو رواية عن مالك، حكاها عنه ابن شعبان، وابن خُويز منداد، وابن القصّار، ولهذا حَكَى ابن عبد البرّ الإجماع على جواز الرفع عند تكبيرة الإحرام، وكأنه عَدَل عن حكاية الإجماع على الاستحباب إلى الجواز؛ لهذه القولة، لكنها رواية شاذّةٌ، لا مُعَوَّل عليها. انتهى كلام وليّ الدين كَذُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من استحباب (١) ((طرح التثريب)) ٢٥٥/٢ - ٢٥٦. ١٦٩ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْبَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) الرفع مطلقاً هو الأرجح، وأما القول بالإيجاب فليس عليه دليلٌ يُعتمد عليه، وغاية ما استدلّوا به حديث: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلّي))، متّفق عليه، وهذا استدلال غير صحيح؛ لاستلزامه وجوب جميع أفعال الصلاة، بحيث لا يوجد فيها شيء من المستحبّات، وهذا لا يقولون به؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال وليّ الدين تَّتُهُ: قوله: ((إذا افتتح الصلاة رفع يديه)) ظاهره أنه إنما رفع يديه بعد فراغ التكبير؛ لأن افتتاح الصلاة هو التكبير، ولا أعلم أحداً قال به، ويَحْتَمِل أن معناه أنه شَرَع في الرفع عند الشروع في التكبير، فأتي بالرفع والتكبير مقترنين، وهذا مذهب سنحكيه، وحملُ الحديث عليه أولى. قال الجامع عفا الله عنه: بل يتعيّن الحمل المذكور؛ لأن رواية ابن جريج التالية صريحة في ذلك، ولفظها: ((إذا قام إلى الصلاة، رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثمّ كبّر))، وفي رواية لأبي داود من حديث ابن عمر ظًّا أيضاً: ((كان رسول الله وَّر إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبّر وهما كذلك))، فهذا صريح في تقديم رفع اليدين على التكبير؛ لعطفه بـ(ثُمّ))، فيكون معنى قوله في هذه الرواية: ((إذا افتتح الصلاة)): إذا أراد أن يفتتحها، والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين: وقد اختَلَف العلماء في هذه المسألة، ولأصحابنا فيها خمسة أوجه: [أحدها]: أنه يرفع غير مكبر، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين، وينهيه مع انتهائه. [والثاني]: يرفع غير مكبر، ثم يكبر ويداه قارّتان، ثم يرسلهما، ويدل له رواية أبي داود المتقدم ذكرها . وذَكَر الشيخ ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) أن هذا القول ينسب إلى رواية ابن عمر. قال: والرواية التي في ((الصحيحين)) ظاهرها مخالف له، وكأن الشيخ كْثُهُ لم يستحضر رواية أبي داود هذه التي ذكرناها . ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال الجامع عفا الله عنه: بل رواية المصنّف من طريق ابن جُريج بلفظ : (ثمّ يكبّر)) ظاهرة أيضاً. [والثالث]: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ويُنهيهما معاً، وصححه النوويّ في ((شرح المهذّب))، و((التحقيق))، وقال في ((شرح الوسيط)) المسمى بـ((التنقيح)): إنه الأصح، وقول الجمهور، ونَصَّ عليه الشافعي في (الأم)). [والرابع]: يبتدئهما معاً، وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال. [والخامس]: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء، فإن فَرَغْ من التكبير قبل تمام الرفع، أو بالعكس تمّم الباقي، وإن فَرَغْ منهما حَظّ يديه، ولم يستدم الرفع، وصححه النووي في بقية كتبه تبعاً لنقل الرافعيّ له عن ترجيح الأكثرين، وقال الغزالي في ((الوسيط)): قال المحققون: ليس هذا اختلافاً، بل صحت الروايات كلَّها، فلنقبل الكلّ، ولنجوِّزها على نسق واحد، وتبع في ذلك الإمام(١)، فإنه حَكَى عن والده أن الكيفيات كلَّها على السواء، وأقره عليه، هذا تفصيل مذهبنا. وقال ابن شاس في ((الجواهر)) من المالكيّة: وإذا شرع في التكبير رفع يديه معه، على المعروف من المذهب، وقال صاحب ((الهداية)) من الحنفيّة، في شرحه لقوله في ((البداية)): ويرفع يديه مع التكبير: هذا اللفظ يشير إلى اشتراط المقارنة، وهو المرويّ عن أبي يوسف، والمحكيّ عن الطحاويّ، والأصح أنه يرفع أوّلاً، ثم يكبّر؛ لأن في فعله نفي الكبرياء عن غير الله، والنفي مقدم. انتهى كلام وليّ الدين تَظُّهُ(٢). وقال الإمام البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)): ((باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواءً)»، قال في ((الفتح)): هو ظاهرُ قوله في حديث الباب: ((يرفع يديه إذا افتتح الصلاة))، وفي رواية شعيب: ((يرفع يديه حين يكبّر))، فهذا دليل المقارنة. وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه، أخرجهما مسلم، ففي حديث الباب عنده من رواية ابن جريج وغيره، عن ابن شهاب، بلفظ: ((رَفَعَ يديه، ثم (١) هو إمام الحرمين. (٢) ((طرح التثريب)) ٢٥٦ - ٢٥٧. ١٧١ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْبَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) كبر))، وفي حديث مالك ابن الحويرث عنده: ((كبّر، ثم رفع يديه)). وفي المقارنة، وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء، والمرجح عند الشافعيّة المقارنة، ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع، ويرجح الأول حديث وائل بن حجر، عند أبي داود بلفظ: ((رفع يديه، مع التكبير))، وقضية المعية أنه ينتهي بانتهائه، وهو الذي صححه النووي في ((شرح المهذب))، ونقله عن نَصّ الشافعيّ، وهو المرجح عند المالكية، وصحح في ((الروضة)) تبعاً لأصلها أنه لا حدّ لانتهائه، وقال صاحب ((الهداية)) من الحنفية: الأصح يرفع، ثم يكبّر؛ لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ذلك له، والنفي سابق على الإثبات، كما في كلمة الشهادة، وهذا مبنيّ على أن الحكمة في الرفع ما ذُكِر. انتهى(١). وقال ابن قدامة تَخْلُهُ: ويبتدئ رفع يديه مع ابتداء التكبير، ويكون انتهاؤه مع انقضاء تكبيره، ولا يَسبق أحدهما صاحبه. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن الجمهور يرون الرفع مقارناً للتكبير، وهو المرجّح عند المالكيّة، والشافعيّة، والحنبليّة، وهو مذهب الإمام البخاريّ دَُّهُ. وذهب بعضهم إلى تقديم الرفع على التكبير، وهو مذهب الحنفيّة، وإليه ذهب الإمام النسائيّ ◌َّتُهُ، حيث قال في ((سننه)): ((باب رفع اليدين قبل التكبير)). وعندي أن هذا من المخيّر فيه، فيجوز الرفع مقارناً للتكبير، وقبله وبعده؛ لصحّة الأحاديث بذلك كلّه، فحديث ابن عمر ظها من طريق ابن جريج بلفظ: ((رفع يديه ثمّ كبّر))، صريحة في المقارنة، وحديث مالك بن الحويرث قته الآتي بلفظ: ((إذا كبّر، ثم رفع يديه)) صريحٌ في تقديم التكبير على الرفع، وحديث وائل بن حجر ظبه عند أبي داود بلفظ: ((رفع يديه مع التكبير)) صريحٌ في المقارنة. وهذا الذي اخترته من حمل أحاديث الباب على التخيير والإباحة هو (١) ((الفتح)) ٢ /٢٥٥ - ٢٥٦. (٢) («المغني)) ١٣٨/٢. ١٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الذي ذهب إليه أبو عوانة تَّتُهُ في ((مسنده))(١). والحاصل أن الأحاديث المذكورة كلّها صحاح، فالأولى والأحسن العمل بكلّها في الأوقات المختلفة، فلا حاجة إلى الترجيح؛ لأنه إنما يُصار إليه عند تعذّر العمل بالروايات كلّها، وهنا ليس كذلك، فالجمع أولى؛ فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكمة رفع اليدين في الصلاة : قال النوويّ تَخْلُ: اختَلَفت عبارات العلماء في الحكمة في رفع اليدين، فقال الشافعيّ ◌َُّهُ: فعلته إعظاماً لله تعالى، واتباعاً لرسول الله وَ لِّ، وقال غيره: هو استكانةٌ، واستسلامٌ، وانقياد، وكان الأسير إذا غُلِب مَدّ يديه إعلاماً باستسلامه، وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا، والإقبال بكليته على صلاته، ومناجاة ربه - كما تضمن ذلك قوله : ((الله أكبر))، فتَطابَقَ فعله وقوله -، وقيل: إشارة إلى دخوله في الصلاة، وهذا الأخير يختص بالرفع لتكبيرة الإحرام، وقيل غير ذلك، وفي أكثرها نظر، والله أعلم. انتهى. وهذا المعنى الأخير وهو الإشارة إلى دخوله في الصلاة، قد ذكره الحنفية مع زيادة فيه، وهو إعلام الأصمّ ونحوه بذلك، وذكره أيضاً المهلَّب من المالكية، وذكر الحنفية أيضاً في رفع اليدين معنى آخر، وهو الإشارة إلى نفي الكبرياء عن غير الله تعالى، وقال أبو العباس القرطبيّ: قيل: فيه أقوالٌ أنسَبُها مطابقةُ قوله: ((الله أكبر)) لفعله، وقال ابن عبد البرّ: معنى رفع اليدين عند الافتتاح وغيره خضوعٌ، واستكانةٌ، وابتهالٌ، وتعظيم الله رَك، واتباعٌ لسنة رسول الله صلى، وقد قال بعض العلماء: إنه من زينة الصلاة، ثم حَكَى عن عبد الله بن عمر ◌ًا أنه كان يقول: لكل شيء زينةٌ، وزينة الصلاة التكبير، ورفع الأيدي فيها، وعن النعمان بن أبي عيّاش قال: كان يقال: لكل شيء زينةٌ، وزينة الصلاة التكبير، ورفع الأيدي عند الافتتاح، وحين تريد أن تركع، (١) راجع: ((المسند)) ٤٢٤/١ - ٤٢٥. ١٧٣ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) وحين تريد أن ترفع، وقال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات، بكل أصبع حسنة (١)، ورَوَى البيهقيّ في ((سننه)) عن الربيع بن سليمان، قال: قلت للشافعيّ: ما معنى رفع اليدين عند الركوع؟ فقال: مثل معنى رفعهما عند الافتتاح، تعظيم الله، وسنةٌ متبعةٌ، يرجى فيها ثواب الله ◌َ، ومثل رفع اليدين على الصفا والمروة وغيرهما. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقربها ما قاله الإمام الشافعيّ تَخْتُهُ، نفعله إعظاماً لله تعالى، واتباعاً لرسول الله وَّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة رفع اليدين: قال الإمام ابن المنذر تَّتُهُ: واختلفوا في ذلك، فَأَخَذ بحديث ابن عمر الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال بحديث وائل ناس من أهل العلم، وقال بعض أصحاب الحديث: المصلي بالخيار، إن شاء رفع يديه إلى المنكبين، وإن شاء إلى الأذنين، قال ابن المنذر: وهذا مذهب حسنٌ، وأنا إلى حديث ابن عمر أمیل. انتهى. وأخذ بحديث وائل في ذلك سفيان الثوريّ، والحنفية، وقال البيهقيّ: فإذا اختلفت هذه الروايات، فإما أن يؤخذ بالجميع، فيخيَّر بينهما، وإما أن تترك رواية مَن اختَلَفت الرواةُ عليه، ويؤخذ برواية من لم يُختَلف عليه، يعني رواية الرفع إلى المنكبين، قال الشافعيّ تَُّهُ: لأنها أثبت إسناداً، وأنها حديثُ عددٍ، والعدد أولى بالحفظ من واحد. انتهى. وقال ابن عبد البر تَّتُهُ: اختَلَفت الآثار عن النبيّ وَّ في كيفية رفع اليدين في الصلاة، فرُوي عنه أنه کان یرفع يديه ما فوق أذنيه مع رأسه، ورُوي عنه أنه كان يرفع يديه حذو أذنيه، وروي عنه أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه، وروي عنه أنه كان يرفعهما إلى صدره، وكلها آثار معروفة مشهورة، وأثبت ما (١) قال الشوكانيّ: وهذا له حكم الرفع؛ لأنه مما لا مجال للاجتهاد فيه. انتهى. قال الجامع: لكن هذا يحتاج ثبوت نقله، فإنه لم يُذكر بسنده حتى نعلم صحته، والله تعالى أعلم. ١٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة في ذلك حديث ابن عمر هذا، وفيه حذو منكبيه، وعليه جمهور التابعين، وفقهاء الأمصار، وأهل الحديث، وقد رَوَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يرفع يديه في الإحرام حذو منكبيه، وفي غير الإحرام دون ذلك قليلاً، وكلُّ ذلك واسع حسنٌ، وابن عمر رَوَى الحديث، وهو أعلم بمخرجه وتأويله، وكلُّ ذلك معمول به عند العلماء. انتهى. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي كثّتُهُ: في صفة الرفع ثلاثة أقوال: قيل: حذو الصدر، وقيل: حذو المنكب، وقيل: حذو الأذن، فأما حِيَال الصدر فليس بشيء، وأما حيال المنكب والأذن، فقد رُوي ذلك عن النبيّ وَّل في ((الصحيح))، والجمع بينهما أن تكون أطراف الأصابع بإزاء الأذنين، وآخر الكف بإزاء المنكبين، فذلك جمع بين الروايتين. وقال النووي في ((شرحه)): المشهور من مذهبنا، ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث يحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، فهذا معنى قولهم: حذو منكبيه، وبهذا جمع الشافعي دَّثُهُ بين روايات الحديث، فاستحسن الناس ذلك منه . قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الجمع الذي ذكروه عندي نظر؛ لأنه إن صحّت هذه الكيفيّة رواية، فذاك، وإلا فيكون خروجاً عن الكيفيّتين الثابتتين في الأحاديث الصحيحة. فالحقّ العمل بالكيفيّتين في أوقات مختلفة؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال الطحاويّ: إنما كان الرفع إلى المنكبين في حديث ابن عمر وقت كانت يداه في ثيابه، بدليل قوله في حديث وائل بن حجر: ((فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه))، وفيه: «ثم أتيته من العام المقبل، وعليهم الأكسية والبرانس، فکانوا یرفعون أیدیھم فیه»، وأشار شریك إلى صدره. انتهى. واعترضه البيهقيّ بأنه قد ورد في حديث وائل الرفع إلى المنكبين أيضاً، وهو أولى لموافقته بقية الروايات، قال: مع أنه قد يستطاع الرفع في الثياب إلى الأذنين، وفي زعمه إلى المنكبين، ولم يرفعهما في روايته إلا إلى صدره، ١٧٥ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) فكيف حَمَلَ سائر الأخبار على خبره، وليس فيه ما حملها عليه؟. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن اختلاف الآثار في هذا الباب يُحْمَل على التوسيع والتخيير، فالمصلّي مُخيَّرٌ في الرفع إلى المنكبين في بعض الأحيان، وحِيَال الأذنين في بعضها، لكن الرفع إلى المنكبين يكون أكثر؛ لكونه أقوى، ولأن ابن عمر ◌ًّا عبّر بـ((كان)) المقتضية للاستمرار، فيدلّ على أن أكثر أحوال النبيّ ◌َّ﴿ كان الرفعَ إلى المنكبين، فالكلّ واسعٌ حسنٌ، كما تقدّم عن الحافظ ابن عبد البرّ تَخْتُهُ، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): قال الحافظ كَّتُهُ: لم يَرِد ما يدلّ على التفرقة في الرفع بين الرجل والمرأة، وعن الحنفيّة يرفع الرجل إلى الأذنين، والمرأة إلى المنكبين؛ لأنه أستر لها. انتهى(٢). وقال الحافظ وليّ الدين ◌َُّهُ: قال أصحابنا الشافعية: لا فرق في منتهى الرفع بين الرجل والمرأة، وقال الحنفية: يرفع الرجل إلى الأذنين، والمرأة إلى المنكبين؛ لأنه أستر لها، ورَوَى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن أم الدرداء أنها كانت ترفع يديها حذو منكبيها، وعن الزهريّ: ترفع المرأة يديها حذو منكبيها، وعن عطاء بن أبي رباح، وحماد بن أبي سليمان، أنهما قالا: ترفع المرأة يديها في الصلاة حذو ثدييها، وعن حفصة بنت سيرين، أنها رفعت يديها في الصلاة حذو ثدييها، وقال عطاء بن أبي رباح: إن للمرأة هيئة ليست للرجال، وإن تركت ذلك فلا حرج. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: كون المرأة تخالف الرجل في صفة الرفع في الصلاة مما لا دليل عليه، فالراجح ما ذهب إليه الشافعيّة من عدم الفرق بينهما في ذلك. والحاصل أن المرأة ترفع كما يرفع الرجل؛ لأن النصوص الواردة في ذلك عامّة لهما، حتى يأتي نصّ يفرّق بينهما، ولم نجده؛ فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) راجع: ((طرح التثريب)) ٢٥٨/٢ - ٢٥٩. (٢) ((الفتح)) ٢/ ٤٦١. (٣) ((طرح التثريب)) ٢٥٩/٢ - ٢٦٠. ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (المسألة العاشرة): قال الحافظ وليّ الدين كَُّهُ: ذكر الإمام أحمد بن حنبل، عن شيخه سفيان بن عيينة، أن أكثر ما كان يقول في هذا الحديث: ((وبعدما يرفع رأسه من الركوع))، وأنه قال مرةً: ((وإذا رفع رأسه من الركوع»، والذي رواه غير الإمام أحمد، عن ابن عيينة: ((وإذا رفع رأسه من الركوع))، كذلك رواه مسلم في ((صحيحه)) عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وعَمْرو الناقد، وزهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، ورواه الترمذيّ عن قتيبة، وابن أبي عمر، والفضل بن الصَّاح البغدادي، ورواه النسائيّ عن قتيبة، ورواه ابن ماجه عن عليّ بن محمد، وهشام بن عمار، وأبي عمر حفص بن عمر الضرير المقرئ، كلهم، وهم اثنا عشر، عن ابن عيينة، بلفظ: ((وإذا رفع رأسه من الركوع))، ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم، عن ابن عيينة، بلفظ: ((وبعد الركوع))، ومعنى الرواية المشهورة: وإذا أراد الرفع، أو إذا شرع فيه، وبهذا قال الشافعيّة، فذكروا أن ابتداء رفع اليدين يكون مع ابتداء رفع الرأس، ويدل له قوله في رواية لأبي داود: ((ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما، حتى يكونا حذو منكبيه))، فهي دالّة على أن قوله: ((رفع)) معناه: أراد الرفع، ويمكن أن تُرَدّ إليها رواية أحمد الأخرى بأن يكون معنى قوله: ((وبعدما يرفع رأسه من الركوع)): بعدما يَشْرَع في رفع رأسه، فتتفق الروايات كلها، على أن رفع اليدين مقارن لرفع الرأس من الركوع. انتهى كلام وليّ الدين تَّتُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): قوله: ((ولا يرفعهما بين السجدتين))، وفي رواية ابن جريج: ((ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود)»، ولفظ البخاريّ: ((ولا يفعل ذلك في السجود)). قال وليّ الدين تَخْتُ: وهو أعم؛ لتناوله النزول للسجدة الأولى، ورفع الرأس من السجدة الثانية، وكذا قوله في لفظ آخر: ((ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود))، قال: وَوَهَّم بعضهم راوي اللفظ الأول، وهو قوله: ((بين السجدتين))، وصَوَّب بقية الألفاظ؛ لعمومها. وقال الدارقطنيّ في ((غرائب مالك)): إن قول بُنْدَار: ((بين السجدتين)) وَهَمِّ، وقول ابن سنان: ((في السجود)) أصحّ. ١٧٧ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) ويعارض هذه الألفاظ قوله في رواية للطبرانيّ من حديث ابن عمر أيضاً: ((كان يرفع يديه إذا كبر، وإذا رفع، وإذا سجد))، وفي ((سنن ابن ماجه)) من حديث أبي هريرة: ((وحين يركع، وحين يسجد))، ولأبي داود: ((وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك))، وله من حديث وائل: ((وإذا رفع رأسه من السجود))، وللنسائيّ من حديث مالك بن الحويرث: ((وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده))، ولأحمد من حديث وائل: ((كلما كبر، ورفع، ووضع، وبين السجدتين))، ولابن ماجه من حديث عُمير بن حبيب: ((مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة))، وللطحاويّ من حديث ابن عمر: ((كان يرفع يديه في كل خفض، ورفع، وركوع، وسجود، وقيام وقعود، وبين السجدتین)» . وذكر الطحاويّ أن هذه الرواية شاذّةٌ، وصححها ابن القطان، والدارقطنيّ في ((العلل)) من حديث أبي هريرة رظُه: ((يرفع يديه في كل خفض ورفع))، وقال: الصحيح (يكبر))، وصحح ابن حزم، وابن القطان حديث الرفع في كل خفض ورفع، وأعله الجمهور، وقد ذكر والدي تَخَّثُ هذه الروايات كلها في الأصل في النسخة الكبرى. فتمسّك الأئمة الأربعة بالروايات التي فيها نفي الرفع في السجود؛ لكونها أصحّ، وضعفوا ما عارضها كما تقدم، وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف. وأخذ آخرون بالأحاديث التي فيها الرفع في كل خفض ورفع، وصححوها، وقالوا: هي مثبتةٌ، فهي مقدمة على النفي، وبه قال ابن حزم الظاهريّ، وقال: إن أحاديث رفع اليدين في كل خفض ورفع متواترة، توجب يقين العلم، ونَقَلَ هذا المذهب عن ابن عمر، وابن عباس، والحسن البصريّ، وطاوس، وابنه عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، وأيوب السختيانيّ، وعطاء بن أبي رباح، وقال به ابن المنذر، وأبو علي الطبريّ من الشافعيّة، وهو قول عن مالك، والشافعيّ، فَحَكَى ابنُ خُوَيز منداد عن مالك روايةَ أنه يرفع في كل خفض ورفع، وفي أواخر البويطيّ: يرفع يديه في كل خفض ورفع، ورَوَى ابن أبي شيبة الرفع بين السجدتين عن أنس، والحسن، وابن سيرين. انتهى كلام ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وليّ الدين تَّتُهُ(١). وقال ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)): حدثنا الثّقَفيّ، عن حميد، عن أنس، أن النبيّ وَلّ: ((كان يرفع يديه في الركوع والسجود)»، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، عن أشعث، قال: كان الحسن يفعله، قال: حدثنا ابن فُضيل، عن عاصم بن كليب، عن محارب بن دِثار، عن ابن عمر، قال: رأيته يرفع يديه في الركوع والسجود، فقلت له: ما هذا؟ فقال: كان النبيّ وَلّ إذا قام من الركعتين کبر، ورفع بیدیه(٢) . قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس، أنه كان يرفع يديه بين السجدتين. قال: نا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يرفع يديه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى. قال: نا ابن عُلَيّة، عن أيوب، قال: رأيت نافعاً وطاوساً يرفعان أيديهما بين السجدتین . قال: نا يزيد بن هارون، عن أشعث، عن الحسن، وابن سيرين أنهما كانا يرفعان أيديهما بين السجدتين. قال: نا ابن علية، عن أيوب، قال: رأيته يفعله. انتهى كلام ابن أبي شيبة رَّتُهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أنه صحّ رفع اليدين في السجود عن جماعة من السلف، كما صح عن النبيّ وَلقر فقد أخرج النسائي بسنده عن سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وهشام الدستوائيّ، ثلاثتهم عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث رضابه، ((أنه رأى النبيّ وَلّ يرفع يديه في صلاته، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، حتی یحاذي بهما فروع أذنيه)». وقال أبو عوانة في ((مسنده)): حدّثنا السائغ بمكة، قال: ثنا عفّان، قال: (١) ((طرح التثريب)) ٢٦١/٢ - ٢٦٢. (٣) ((مصنّف ابن أبي شيبة)) ٢٤٣/١. (٢) ((مصنّف ابن أبي شيبة)) ٢١٣/١. ١٧٩ (٩) - بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، ... إلخ - حديث رقم (٨٦٧) ثنا همّام، قال: أنبأنا قتادة، بإسناده: ((أن النبيّ وَّ كان يرفع يديه حِيَال أُذنيه في الركوع، والسجود)). انتهى(١). وخلاصة القول: إن حديث مالك بن الحويرث ظُه بزيادة الرفع في السجود صحيح دون شكّ، فمن ادّعى فيه شذوذاً، أو غيره، فقد جازف، وقال بغير برهان. وقد صحّ أيضاً من حديث أنس ﴿ه، كما أسلفناه من رواية ابن أبي شيبة في ((مصنّفه))، وأخرجه ابن حزم في ((المحلّى)) (٢) من طريق ابن أبي شيبة. والحاصل أن قول من قال باستحباب رفع اليدين في السجود هو الراجح؛ لصحّة دليله، ولكن مثل هذه السنّة يُعمل بها أحياناً؛ لأن أحاديث النفي صحيحة أيضاً، فيُجمع بينها وبين أحاديث الإثبات بحمل أنه وَ لّه فعل ذلك في بعض الأوقات، فبهذا تجتمع الأحاديث، ويمكن العمل بكلّها، من غير تفريط، ولا إفراط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): في حكم رفع اليدين عند القيام من الركعتين: قال الحافظ وليّ الدين تَّقُ: قد يُستَدَلُّ بقوله: ((ولا يرفعهما بين السجدتين)) على أنه كان يرفع يديه في القيام من الركعتين؛ لأنه لو اقتصر على الرفع في المواطن الثلاثة المتقدم ذكرُها، لم يكن للنفي في السجود معنًى؛ لوجود النفي في غير السجود أيضاً، فدلّ النفي عن السجود على ثبوت الرفع في غير المواطن الثلاثة، وما هو إلا القيام من الركعتين، ويدل لذلك قوله في (صحيح البخاري)) من رواية عبد الأعلى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: ((وإذا قام من الركعتين، رفع يديه، ويرفع ذلك إلى رسول الله (وَآت). وقال أبو داود: الصحيح قول ابن عمر، ليس بمرفوع، ورَجَّح الدارقطنيّ الرفع، فقال: إنه أشبه بالصواب، ويوافقه أيضاً قوله في حديث أبي حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ومثلقول، في صفة صلاة النبيّ ◌َلّ: ((ثم إذا قام من الركعتين كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند (١) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ٤٢٧/١ رقم (١٥٩٠). (٢) راجع: ((المحلّى)) ٩٢/٤. ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة افتتاح الصلاة))، رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن حبان في ((صحيحه))، وغيرهم. وقال الخطابيّ: هو حديث صحيحٌ، وقد قال به جماعة من أهل الحديث، ولم يذكره الشافعيّ، والقول به لازم على أصله في قبول الزيادات. وحَكَى البيهقيّ، عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، أنه كان إذا قام من الركعتين رفع يديه، ثم قال بعد ذلك: ورفع اليدين عند القيام من الركعتين سنة، وإن لم يذكره الشافعيّ، فإن إسناده صحيح، والزيادة من الثقة مقبولة، ثم رَوَى عن الشافعيّ قوله: إذا وجدتم في كتابي بخلاف سنة رسول الله وَلقتله، فقولوا بسنة رسول الله وَّه، ودَعُوا ما قلت. وقال الشيخ ابن دقيق العيد ◌َّتُهُ في ((شرح العمدة)): اقتَصَر الشافعيّ على الرفع في هذه الأماكن الثلاثة، وقد ثبت الرفع عند القيام من الركعتين، وقياس نظره أن يُسَنَّ الرفع في ذلك المكان أيضاً؛ لأنه كما قال بإثبات الرفع في الركوع، والرفع منه؛ لكونه زائداً على مَن روى الرفع في التكبير قط، وجب أيضاً أن يثبت الرفع عند القيام من الركعتين؛ لأنه زائد على من أثبت الرفع في هذه الأماكن الثلاثة، والحجة واحدة في الموضعين، وأول رَاضٍ سِيرَةً مَنْ يَسِيرُهَا، والصواب - والله أعلم - استحباب الرفع عند القيام من الركعتين؛ لثبوته في الحديث، أما كونه مذهباً للشافعيّ؛ لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، أو ما هذا معناه، ففي ذلك نظرٌ. انتهى. وقولهم: إن الشافعيّ لم يذكر الرفع عند القيام من الركعتين فيه نظر، فإن الشافعي قال في حديث أبي حميد، وبهذا نقول، وفيه رفع اليدين إذا قام من الركعتين . قال البيهقيّ في ((المعرفة)): هو مذهب الشافعيّ؛ لقوله: وبه أقول، ولقوله: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، ولذلك حكاه النوويّ عن نَصّ الشافعيّ، وقال: إنه الصحيح، أو الصواب، وأطنب في ذلك في ((شرح المهذَّب))، واعتمد البخاريّ رواية ابن عمر هذه، وبؤَّب عليها في ((صحيحه)): ((باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين))، وقال ابن بطال: الرفع عند القيام زيادةٌ في هذاَ الحديث، على ما رواه ابن شهاب، عن سالم فيه، يجب قبولها لمن يقول