Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ حَدِيثٍ: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» - حديث رقم (٧٨٤)
(فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ)، أي الرجل المرسل إليه (وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ) بضمّ الطاء
المهملة، من باب نصر، وقَطَرَاناً، وقَطَرته، يتعدّى، ولا يتعدّى، هذا قول
الأصمعيّ، وقال أبو زيد: لا يتعدّى بنفسه، بل بالألف، فيقال: أقطرته،
و((الْقَظْرة)): النُّقْطة، والجمع قَطَرات، وتقاطر: سال قطْرَةً قطرةً، قاله
الفيّوميّ(١) .
والمعنى: ينزل منه الماء قطرةً قطرةً من أثر الغسل، وإسناد القطر إلى
الرأس مجاز، من قبيل سال الوادي(٢)، والجملة في محلّ نصب على الحال،
من فاعل ((خَرَج))، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) النبيّ ◌َّهِ: (لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟) كلمة ((لعلّ)) هنا لإفادة التحقيق،
بدليل الرواية السابقة: ((أعجلنا الرجل))، فمعناه: قد أعجلناك عن فراغ حاجتك
من الجماع.
قال العينيّ تَخُّْ ما حاصله: لا يمكن أن تكون ((لعلّ)) هنا على بابها
للترجّي؛ لأن الترجي لا يحتاج إلى جواب، وهنا قد أجاب الرجل بقوله:
(نعم)) مقرّراً له، انتهى بتصرّف(٣).
وفيه جواز الأخذ بالقرائن؛ لأن الصحابيّ لما أبطأ عن الإجابه مدّة
الاغتسال خالف المعهود منه، وهو سرعة الإجابه للنبيّ وَّ، فلما رأى عليه أثر
الغسل دلّ على أن شغله كان به، واحتَمَل أن يكون نزع قبل الإنزال؛ ليُسْرِع
الإجابةَ، أو كان أنزل فوقع السؤال عن ذلك.
وقد كان عتبان به طَلَب من النبيّ وَّ أن يأتيه، فيصلي في بيته، في
مكان يتخذه مُصَلَّى، فأجابه كما سيأتي في موضعه، فيَحْتَمِل أن تكون هي هذه
الواقعةَ، وقَدَّمَ الاغتسالَ؛ ليكون متأهباً للصلاة معه، والله تعالى أعلم(٤).
(قَالَ) الرجل (نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) وَ (إِذَا أُعْجِلْتَ، أَوْ أَقْحَطْتَ) قال
النوويّ كَُّهُ: أما ((أَعْجِلْتَ)): فهو في الموضعين - بضم الهمزة، وإسكان
العين، وكسر الجيم - وأما ((أَفْحَطتَ)): فهو في الأولى - بفتح الهمزة والحاء -
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٠٧/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ٨٦/٣.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٨٦/٣.
(٤) ((الفتح)) ٣٤١/١.

٢٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وفي رواية ابن بشار - بضم الهمزة، وكسر الحاء - مثلُ ((أُعجِلتَ))، والروايتان
صحيحتان، ومعنى الإقحاط هنا عدم إنزال المنيّ، وهو استعارة من قُحُوط
المطر، وهو انحباسه، وقُحوطِ الأرض، وهو عدم إخراجها النبات. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ كَّتُ: فَحَطَ المطرُ قَحْطاً، من باب نَفَعَ: احتَبَسَ، وحَكَى
الفرّاءُ: قَحِطَ المطرُ، من باب تَعِبَ، وقَحُط بالضمّ، فهو قَحِيط، وقُحِطَت
الأرض والقومُ بالبناء للمفعول، وبلَدٌ مقحُوظٌ، وبلادٌ مقاحيطً، وأقحط الله
الأرضَ بالألف، فَأَقْحَطَتْ، وهي مُفْحِظَةٌ، وأَقْحَطَ القومُ: أصابهم الْقَحْطُ،
بالبناء للفاعل، والمفعول، وفي الحديث: ((من أتى أهله، فأقحط، فلا غُسل
عليه))(٢)، يعني: فلم يُنزِل، مأخوذ من أَقْحَط: إذا انقطع عنه المطرُ، فشَبَّهَ
احتباس المنيّ باحتباس المطر، ومثله في المعنى: ((إنما الماء من الماء))(٣)،
وكلاهما منسوخ بقوله وَله: ((إذا التقى الختانان، فقد وجب الغُسل)). انتهى(٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((إذا أُعجلت)) - بضم الهمزة، وكسر الجيم -
وفي أصل أبي ذرّ: ((إذا عَجِلت)) بلا همز، و((قُحِطت))، وفي رواية غيره:
((أُقحطتَ)) بوزن ((أُعجلتَ))، وكذا لمسلم.
قال صاحب ((الأفعال)): يقال: أُقحط الرجلُ إذا جامع، ولم يُنزِل،
وحكى ابن الجوزيّ عن ابن الخشاب أن المحدثين يقولون: (فَحَطَ)) بفتح
القاف، قال: والصواب الضم.
قال الحافظ: وروايته في ((أمالي أبي عليّ القالي)) بالوجهين في القاف،
وبزيادة الهمزة المضمومة، يقال: قُحِط الناسُ، وأقحطوا: إذا حُبِس عنهم
المطرُ، ومنه استعير ذلك لتأخر الإنزال.
وقال الكرمانيّ كَّلُهُ: ليس قوله: ((أو)) للشك، بل هو لبيان عدم الإنزال،
سواء كان بحسب أمر من ذات الشخص، أم لا .
(١) ((شرح النوويّ)) ٤/ ٣٧.
(٢) لم أجده بهذا اللفظ، ولعله رواه بالمعنى، والله أعلم.
(٣) متّفقٌ عليه.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٩١/٢.

٢٦٣
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ حَدِيثٍ: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ)) - حديث رقم (٧٨٤)
قال الحافظ تَّهُ: وهذا بناء على أن إحداهما بالتعدية، وإلا فهي
للشكّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما تقدّم أنه يجوز ((قحط)) ثلاثيّاً بفتح الحاء،
وكسرها، وضمّها، و((أقحط)) رباعيّاً مبنيّاً للفاعل، وللمفعول، والله تعالى أعلم.
(فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ)، أي فلا يجب عليه الاغتسال (وَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ)، أي
إنما الواجب هو الوضوء فقط.
قال في ((العمدة)): يجوز في ((الوضوءُ)) الرفع والنصب، أما الرفع، فعلى
أنه مبتدأ وخبره قوله: ((عليك))، والنصب على أنه مفعولُ ((عليك))؛ لأنه اسم
فعل، نحو عليك زيداً، ومعناه: فالزم الوضوءَ. انتهى(١).
وقال القرطبيّ رَّتُهُ: ((فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ إلخ)) كان هذا الحكم في أول
الإسلام، ثم نُسخ بعدُ، قاله الترمذيّ وغيره، وقد أشار إلى ذلك أبو العلاء بن
الشِّخِّير، وأبو إسحاق، قال ابن القصّار: أجمع التابعون ومن بعدهم بعد
خلاف من تقدّم على الأخذ بحديث: ((إذا التقى الختانان))، وإذا صحّ الإجماع
بعد الخلاف كان مُسقطاً للخلاف، قال القاضي عياضٌ: لا نعلم من قال به
بعد خلاف الصحابة إلا ما حُكِي عن الأعمش، ثم بعده عن داود الأصبهانيّ،
وقد رُوي أن عمر حَمَلَ الناس على ترك الأخذ بحديث: ((الماء من الماء)) لَمّا
اختَلَفوا فيه، قال القرطبيّ: وقد رجع المخالفون فيه من الصحابة عن ذلك حين
سَمِعوا حديث عائشة طّا، فلا يُلتَفتُ إلى شيء من الخلاف المتقدّم ولا
المتأخّر في هذه المسألة. انتهى(٢).
وقوله: (وقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ) يعني أن شيخه محمد بن بشار خالف شيخيه:
أبا بكر، وابن المثنّى، فقال: (إِذَا أُعْجِلْتَ، أَوْ أُقْحِطْتَ)، أي بضمّ الهمزة في
الفعلين، بالبناء للمفعول، وأما هما، فرويا الأول بالضمّ، والثاني بالفتح.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضی تخريجه،
ومسائله في الحديث الماضي، فلا حاجة لتطويل الكتاب بإعادتها، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((عمدة القاري)) ٨٧/٣.
(٢) ((المفهم)) ٦٠٠/١.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٧٨٥] (٣٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَةِ، ثُمَّ يُكْسِلُ؟ فَقَالَ: ((يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ
مِنَ الْمَرْأَةِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود العتكيّ البصريّ، ثم
البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (حَمَّاد) بن زيد البصريّ الحافظ الحجة، تقدّم قريباً أيضاً.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً أيضاً.
٤ - (أَبُو مُعَاوِيَّةً) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريباً أيضاً.
٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) أبو المنذر المدنيّ، تقدّم قريباً أيضاً.
٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الفقيه المدنيّ، تقدّم قريباً أيضاً.
٧ - (أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ المدنيّ، من كبار
الصحابة ﴿، شَهِد بدراً، ونزل النبيّ وَلِّ حين قَدِم المدينة عليه، ومات غازياً
بالروم سنة (٥٠)، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٣/٤.
٨ - (أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) بن قيس بن عُبيد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر،
من فُضلاء الصحابة، مات سنة (١٩) أو (٣٢)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في
((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٦٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه شيخان، فرّق
بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في صيغ الأداء، حيث وقع في رواية الأول:
((حدّثنا هشام بن عروة))، فنسبه إلى أبيه، وفي رواية الثاني: ((حدّثنا هشام))، فلم
ینسبه .

(٢٠) - بَابُ بَيَانِ حَدِيثِ: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» - حديث رقم (٧٨٤)
٢٦٥
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ له))، أي لأبي كريب، وقد تقدّم
البحث فيه غير مرّة.
٣ - (ومنها): أن شيخه الثاني أحد مشايخ الأئمة السّة بلا واسطة، كما
سبق غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ،
والابن، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاريّ، خالد بن زيد ◌َُّ (عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ)
ـته ،
أنه (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ عَنِ الرَّجُلِ) أي عن حكمه، وقوله: (يُصِيبُ مِنَ
الْمَرْأَةِ) أي يجامعها (ثُمَّ يُكْسِلُ) قال النوويّ تَذْتُ: ضبطناه بضم الياء، ويجوز
فتحها، يقال: أكسل الرجلُ في جماعه: إذا ضَعُفَ عن الإنزال، وكَسِلَ أيضاً
بفتح الكاف، وكسر السين، والأول أفصح. انتهى(١).
ولفظ البخاريّ: ((قال: يا رسول الله، إذا جامع المرأة، فلم يُنزِل؟)).
(فَقَالَ) وَهِ ((يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْمَرْأَةِ) خبر بمعنى الأمر، أي لغسل ما
أصابه منها، فهو كقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، وقوله:
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤].
وفي رواية البخاريّ: ((يغسل ما مسّ المرأة منه))، أي يغسل الرجل
العضو الذي مسّ فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق الملزوم، وإرادة
اللازم؛ لأن المراد رطوبة فرجها، قاله في ((الفتح))(٢).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: فيه دليل على نجاسة رطوبة فرج المرأة، وفيها خلاف
معروف، والأصحّ عند بعض أصحابنا نجاستها، ومن قال بالطهارة يَحْمِل
الحديث على الاستحباب، وهذا هو الأصح عند أكثر أصحابنا. انتهى (٣).
(ثُمَّ يَتَوَضَّأُ)) قال في ((الفتح)): هذا صريح في تأخير الوضوء عن غسل
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٨/٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٣٨/٤.
(٢) ٤٧٤/١.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الذكر، زاد عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن هشام فيه: ((وضوءه للصلاة))،
وقوله: (وَيُصَلِّي) أصرح في الدلالة على ترك الغسل من حديث عثمان نظُه
الآتي بلفظ: ((يتوضّأ وضوءه للصلاة، ويغسل ذكره))(١) والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبيّ بن كعب ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٨٥/٢٠ و٧٨٦] (٣٤٦)،
و(البخاريّ) في ((الغسل)) (٢٩٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٥٧ و٩٥٨)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٩٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٣/٥
و١١٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١١٦٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١/
١٦٤)، وفي ((المعرفة)) (٤٠٨/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١/
٥٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨١٩ و٨٢١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٧٧٤ و ٧٧٥).
وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُبه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٧٨٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنِ الْمَلِيِّ، عَنِ الْمَلِيِّ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ:
الْمَلِيِّ(٢)، عَنِ الْمَلِيِّ، أَبُو أَيُّوبَ، عَنْ أُبَّيِّ بْنٍ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ أَنَّهُ قَالَ
فِي الرَّجُلِ، يَأْتِي أَهْلَهُ، ثُمَّ لَا يُنْزِلُ، قَالَ: (يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ)).
(١) ((الفتح)) ٤٧٤/١.
(٢) وفي نسخة: يعني بقوله: ((عن المليء ... إلخ)).

٢٦٧
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ حَدِيثِ: (إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» - حديث رقم (٧٨٥)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
كلهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين.
وقوله: (يَعْنِي بِقَوْلِهِ: الْمَلِيِّ، عَنِ الْمَلِيِّ، أَبُو أَيُّوبَ إلخ) قال النوويّ تَذُّهُ:
هكذا هو في الأصول ((أبو أيوب)) بالواو، وهو صحيح، والمليّ: الْمُعْتَمَدُ عليه
المرکون إليه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا وقع في معظم النسخ التي بين يديّ ((أبو
أيّوب)) بالواو، إلا النسخة التي شرح عليها الأبيّ، فوقع فيها ما لفظه: ((قال:
حدّثني أبي، عن المليّ، يعني بقوله: المليّ أبا أيوب إلخ))، وكذا هو في
((مستخرج أبي نعيم))، وهو الجاري على القاعدة الجادّة؛ لأن رفع الأسماء
الستّة، وهي ((أبوك))، و((أخوك))، و((فوك))، و((حَمُوكِ))، و((هنوكَ))، و((ذو)) بمعنى
صاحب، يكون بالواو، ونصبها بالألف، وجرّها بالياء، ويجوز في ((أب))
و(أخ))، و((حم)) إعرابها إعراب المقصور على الألف، ويجوز نقصها بحذف
أواخرها، فتعرب بالحركات الظاهرة على الباء، والخاء، والميم، وأما ((هن))
فنقصه أشهر، من إتمامه، وإلى هذا كلّه أشار ابن مالك تَخْتُ في ((الخلاصة))
حيث قال :
وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
وَارْفَعْ بِوَاوِ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ
وَ(الْفَمُ)) حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
مِنْ ذَاكَ (ذُو)) إِنْ صُحْبَةً أَبَانًا
وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ
((أَبِّ)) ((أَخْ)) ((حَمٌ)) كَذَاكَ وَهَنُ
وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
وَفِي ((أَبٍ)) وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ
وأما ما وقع في معظم النسخ بلفظ ((أبو أيوب)) بالواو فلا بدّ من تأويله؛
لأن إعرابه على الواو دائماً لغة ضعيفة، فلا يجوز تخريج الرواية الصحيحة
عليه، فيؤوّل بأنه محكيّ على حالة الرفع، أي من نحو قوله: ((حدثنا أبو
أيوب))، فيكون ((أبو أيوب)) مفعولاً به لـ((يعني)) منصوباً بفتحة مقدّرة، منع من
ظهورها اشتغال المحلّ بإعراب الحكاية، والله تعالى أعلم.
وقوله: (عَنِ الْمَلِيِّ) أصله مَلِيٌ، فَعِيلٌ بمعنى مفعول، قال الفيّومِيّ نَُّهُ:
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٨/٤ - ٣٩.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
رجلٌ مليءٌ، مهموز، على فعيل: غنيّ مقتدرٌ، ويجوز البدل، والإدغام.
انتھی(١).
والمراد به هنا الثقة، قال الحافظ أبو نعيم في ((مستخرجه)) بعد إخراج
الحديث من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه ما نصّه: قال عبد الله:
قال أبي: ((المليّ، عن المليّ)): ثقة، عن ثقة. انتهى(٢).
وقال القاضي عياض تَغُّْ: يريد بقوله: ((المليء)) الثقة في نقله الذي
يُعتَمَدُ على ما عنده، كما يُعتَمَد على المليء في مداينته ومعاملته، ويوثق به.
انتهى بتصرّف(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٧٨٧] (٣٤٧) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ (ح)، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَاللَّفْظُ
لَهُ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ،
أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ
سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ رَظُه(٤)، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ
يُمْنٍ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ، قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ
مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِيمِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) نسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩)
(خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١.
(١) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٨٠.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٢٠٠.
(٤) سقط في بعض النسخ: لفظ ((
(٢) ((مستخرج أبي نعيم)) ٣٨٩/١.
(

(٢٠) - بَابُ بَيَانِ حَدِيثِ: (إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» - حديث رقم (٧٨٦)
٢٦٩
٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) الْعَنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ،
ثقةٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٤ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، ولد عبد الصمد
المذكور قبله، أبو عُبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٥٢) (م ت س ق) تقدم
في ((الإيمان)) ٣١١/٤٩.
٥ - (جَدّهُ) هو: عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو
عبيدة التّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
٦ - (الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ) الْمُعَلِّم المكتب الْعَوذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما
وَهِمَ [٦] (ت١٤٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٩/١٩.
٧ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يدلّس ويُرسل [٥] (ت١٣٢) (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
٨ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف المذكور في ثاني أحاديث
الباب.
٩ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الْهِلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ
فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت٩٤) وقيل بعد ذلك (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ٢١٣/٢٦.
١٠ - (زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ) الصحابيّ المدنيّ المشهور نَظُبه، مات
بالكوفة سنة (٦٨) وقيل: (٧٠) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٨/٣٤.
١١ - (عَثْمَانُ) بن عفّان ◌َظ ◌ُبه تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من تُساعيّات المصنّف تَذَتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بين اثنين، وأفرد واحداً بالتحويل؛ لاختلاف صيغتي الأداء؛ إذ قال
الأوّلان: ((حدّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث))، بصيغة الجمع، وباسمه العلم،
وقال الثالث: ((حدّثني أبي))، بصيغة الإفراد، وكناه بـ((أبي))، وهو عبد الصمد
المذكور .
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه: زهير،

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
فبغداديّ، وعبد، فكسّيّ، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، ويحيى بن أبي
كثير، وإن كان يماميّاً، إلا أنه سكن المدينة عشر سنين يطلب العلم، كما قاله
ابن حبّان.
٣ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة،
فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو، والترمذيّ، وعلّق له
البخاريّ، والثالث ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين، روى
بعضهم عن بعض: يحيى، وأبو سلمة، وعطاء، ورواية الأخيرين من رواية
الأقران؛ لأنهما تابعيّان كبيران، كلاهما من الطبقة الثالثة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: زيد بن خالد، عن
عثمان ﴿مّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اسم أبيه صالح بن المتوكّل.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ ما نصّه: ((عن الحسين، قال يحيى:
وأخبرني أبو سلمة إلخ))، فقال في ((الفتح)): قوله: ((قال يحيى)) هو ابن أبي كثير،
أي قال الحسين: قال يحيى، ولفظ ((قال)) الأولى تحذف في الخطّ عرفاً، قوله:
((وأخبرني)) هو عطف على مقدر: أي أخبرني بكذا، وأخبرني بكذا، ووقع في
رواية مسلم بحذف الواو، قال ابن العربيّ: لم يسمعه الحسين من يحيى، فلهذا
قال: ((قال يحيى))، كذا ذكره ولم يأت بدليل، وقد وقع في رواية مسلم في هذا
الموضع: ((عن الحسين، عن يحيى))، وليس الحسين بمدلِّس، وعنعنة غير المدلس
محمولة على السماع، إذا لقيه على الصحيح، على أنه وقع التصريح في رواية ابن
خزيمة في رواية الحسين، عن يحيى بالتحديث، ولفظه: ((حدثني يحيى بن أبي
كثير))، ولم ينفرد الحسين مع ذلك به، فقد رواه عن يحيى أيضاً معاوية بن سلام،
أخرجه ابن شاهين، وشيبان بن عبد الرحمن، أخرجه البخاريّ. انتهى (١).
(١) ((الفتح)) ١/ ٤٧٢.

٢٧١
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ حَدِيثِ: (إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» - حديث رقم (٧٨٧)
أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ
أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ)َهُ (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ ◌َُبه)
الخليفة الراشد، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، تقدّمت
ترجمته في ((الإيمان) ١٤٤/١٠، وقوله: (قَالَ) تفسير وتوضيح لمعنى ((سأل))
(قُلْتُ: أَرَأَيْتَ)، تقدّم الكلام عليها قريباً (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُمْنٍ؟)،
تقدّم أن فيه ثلاثَ لغات: ضمّ الياء، وإسكان الميم، وهي اللغة الفصحى، وفتح
الياء، والثالثة ضم الياء، مع فتح الميم، وتشديد النون: أي لم يخرج منّه
(قَالَ عُثْمَانُ) بن عفّان ◌َّهِ (يَتَوَضَّأُ) خبر بمعنى الأمر، أي ليتوضّأ، كما تقدّم
قريباً (كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ)، أي وضوءاً شرعياً، لا وضوءاً لغويّاً، وهو غسل بعض
أعضائه، مما مسّ المرأة منه (وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ) ببناء الفعل للفاعل، ولا تنافي بينه
وبين قوله في الرواية الماضية: ((ثم يتوضّأ))، فأخّر الوضوء عن غسل الذكر؛ لأن
الواو لا ترتيب فيها، فتنبّه (قَالَ عُثْمَانُ) رَته (سَمِعْتُهُ)، أي سمعت هذا الحكم،
وهو الأمر بالوضوء، وغسل الذكر (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿). هذا الحكم منسوخٌ على
قول الجمهور، وهو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: هكذا أورد المصنّف: هذه الرواية مختصرة على سؤال زيد بن
خالد لعثمان ظه، وقد ساقها البخاريّ تَخْذُ بزيادة سؤاله عليّاً والزبير،
وطلحة، وأبيّ بن كعب ◌ّه، ونصّه:
(٢٩٢) حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، قال يحيى:
وأخبرني أبو سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد الجهني أخبره،
أنه سأل عثمان بن عفان، فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته، فلم يُمْنِ؟ قال
عثمان: ((يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره))، قال عثمان: سمعته من
رسول الله*، فسألت عن ذلك عليّ بن أبي طالب، والزبير بن العوّام،
وطلحة بن عبيد الله، وأبيّ بن كعب ﴿ه، فأمروه بذلك.
قال في ((الفتح)): قوله: ((فأمروه بذلك)) فيه التفات؛ لأن الأصل أن
يقول: فأمروني، أو هو مقول عطاء بن يسار، فيكون مرسلاً، وقال الكرمانيّ:
الضمير يعود على الْمُجَامع الذي في ضمن ((إذا جامع))، وجزم أيضاً بأنه عن
عثمان إفتاءٌ وروايةٌ مرفوعةٌ، وعن الباقين إفتاءٌ فقط.

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال الحافظ: وظاهره أنهم أمروه بما أمره به عثمان، فليس صريحاً في
عدم الرفع، لكن في رواية الإسماعيليّ: ((فقالوا مثل ذلك))، وهذا ظاهره
الرفع؛ لأن عثمان أفتاه بذلك، وحدّثه به، عن النبيّ وَّ، فالمثلية تقتضي أنهم
أيضاً أفتوه، وحدَّثوه، وقد صَرَّح الإسماعيليّ بالرفع في رواية أخرى له،
ولفظه: ((فقالوا مثل ذلك، عن النبيّ وَّ))، وقال الإسماعيليّ: لم يقل ذلك غير
يحيى الْحِمَّانيّ، وليس هو من شرط هذا الكتاب(١). انتهى، وهو بحث نفيسٌ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٨٧/٢٠] (٣٤٧)، و(البخاريّ)
في ((الوضوء)) (١٧٩)، و((الغسل)) (١٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١/
٩٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٦٣/١ و٦٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٢٢٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٢٧ و١١٧٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح
معاني الآثار)) (٥٣/١ و٥٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٤/١ و١٦٥)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٨٢٠ و٨٢٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٧٦)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في حديث زيد بن خالد
الجهنيّ ◌ُه هذا :
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه، فقد صححه الشيخان، كما علمت، حيث
أخرجاه في ((صحيحيهما))، وهذا غاية الصحّة، وقد خالفهم فيه بعضهم.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ: في كتابه ((الاستذكار)): ((مالك، عن
ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،
(١) ((الفتح)) ٤٧٢/١.

٢٧٣
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ حَدِيثِ: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» - حديث رقم (٧٨٧)
وعائشة، زوج النبيّ ◌َ ﴿ كانوا يقولون: إذا مس الختانُ الختانَ، فقد وجب
الغسل))، قال: هذا حديثٌ صحيحٌ عن عثمان بأن الغسل يوجبه التقاءُ الختانين،
وهو يدفع حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن
عطاء بن يسار أخبره، أن زيد بن خالد الجهنيّ أخبره، أنه سأل عثمان بن
عفان، قال: قلت: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته، ولم يُمْنِ؟ قال عثمان:
يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله وَ له، قال:
وسأل عن ذلك عليّاً، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك.
قال: وهذا حديثٌ منكرٌ، لا يُعْرَف من مذهب عثمان، ولا من مذهب
عليّ، ولا من مذهب المهاجرين، انفرد به يحيى بن أبي كثير، ولم يتابع عليه،
وهو ثقةٌ، إلا أنه جاء بما شَذّ فيه، وأُنكر عليه، ونكارته أنه مُحالٌ أن يكون
عثمان سمع من رسول الله وَ ﴿ ما يُسقِط الغسل من التقاء الختانين، ثم يفتي
بإيجاب الغسل منه، ولا أعلم أحداً قال بأن الغسل من التقاء الختانين منسوخٌ،
بل قال الجمهور: إن الوضوء منه منسوخٌ بالغسل، ومن قال بالوضوء منه
أجازه، وأجاز الغسل، فلم ينكره.
قال: وقد تدبرت حديث عثمان الذي انفرد به يحيى بن أبي كثير، فليس
فيه تصريح بمجاوزة الختان الختان، وإنما فيه جامع، ولم يَمَسّ، وقد تكون
مجامعةٌ، ولا يمس فيها الختان الختان؛ لأنه لفظ مأخوذ من الاجتماع، يُكنَى
به عن الوطء.
وإذا كان كذلك، فلا خلاف حينئذ فيما قال عثمان: إنه يتوضأ، وجائز
أن يسمع ذلك من رسول الله وَله، ولا يكون معارضاً لإيجاب الغسل بشرط
التقاء الختانين.
قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: حديث حسين المعلم، عن
يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد؟
قال: سألت عنه خمسة من أصحاب رسول الله وَ ل عثمان، وعليّاً، وطلحة،
والزبير، وأُبيّ بن كعب، فقالوا: الماء من الماء، أفيه علة تدفعه بها؟ قال:
نعم، ما يُروَى من خلافه عنهم، قلت: عن عليّ، وعثمان، وأُبيّ بن كعب؟
قال: نعم، وقال يعقوب بن شيبة: سمعت عليّ ابن المدينيّ، وذكر هذا

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الحديث، فقال: إسناد حسن، ولكنه حديث شاذّ غير معروف. انتهى المقصود
من كلام ابن عبد البرّ وَظَّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): وقد حكى الأثرم عن أحمد أن حديث زيد بن خالد
المذكور في هذا الباب معلول؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما
في هذا الحديث، وقد حَكَى يعقوب بن شيبة، عن عليّ ابن المدينيّ أنه شاذٌ.
والجواب عن ذلك أن الحديث ثابتٌ من جهة اتّصال إِسناده، وحفظ
رواته، وقد رَوَى ابن عيينة أيضاً عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار نحو
رواية أبي سلمة، عن عطاء، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، فليس هو فرداً، وأما
كونهم أفْتَوْا بخلافه، فلا يَقْدَح ذلك في صحته؛ لاحتمال أنه ثبت عندهم
ناسخه، فذهبوا إليه، وكم من حديث منسوخ، وهو صحيح من حيث الصناعة
الحديثية .
وقد ذهب الجمهور إلى أن ما دل عليه حديث الباب من الاكتفاء
بالوضوء إذا لم يُنزل المجامع منسوخ بما دلّ عليه حديث أبي هريرة وعائشة
المذكوران في الباب التالي، والدليل على النسخ ما رواه أحمد وغيره، من
طريق الزهريّ، عن سهل بن سعد، قال: حدّثني أُبَيّ بن كعب، أن الفُتيا
التي كانوا يقولون: الماء من الماء رُخصة كان رسول الله وَّ رَخَّص بها في
أول الإسلام، ثم أَمَرَ بالاغتسال بعدُ. صححه ابن خزيمة، وابن حبان.
وقال الإسماعيليّ: هو صحيح على شرط البخاريّ، كذا قال، وكأنه لم
يَطَّلِع على علته، فقد اختلفوا في كون الزهري سمعه من سهل، نعم أخرجه أبو
داود، وابن خزيمة أيضاً من طريق أبي حازم، عن سهل، ولهذا الإسناد أيضاً
علة أخرى، ذكرها ابن أبي حاتم.
وفي الجملة هو إسناد صالح لأن يُحْتَجّ به، وهو صريح في النسخ، على
أن حديث الغسل، وإن لم يُنْزِل أرجح من حديث: ((الماءُ من الماء))؛ لأنه
بالمنطوق، وترك الغسل من حديث الماء بالمفهوم، أو بالمنطوق أيضاً، لكن
ذاك أصرح منه.
(١) ((الاستذكار)) ٧٨/٣ - ٨٣.

٢٧٥
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ حَدِيثِ: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» - حديث رقم (٧٨٧)
ورَوَى ابن أبي شيبة وغيره، عن ابن عباس: أنه حَمَلَ حديث: ((الماءُ من
الماء)) على صورة مخصوصة، وهي ما يقع في المنام، من رؤية الجماع، وهو
تأويل يجمع بين الحديثين من غير تعارض. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب الذي ذكره في ((الفتح)) عن الطعن
في صحّة حديث زيد الجهنيّ ◌َظُّه المذكور في الباب تحقيق نفيسٌ جدّاً.
والحاصل أن الحديث صحيح، صحّحه الشيخان، وغيرهما، والطعن فيه
بثبوت الفتوى عن عثمان ومن ذُكر معه من الصحابة ﴿ غير صحيح؛ لأنه
يُجمع بأنهم أفتوا بخلاف ما رووه عن النبيّ وَّ لَمّا بلغهم النسخ لما رووه،
فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَتُ المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٧٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ يَحْيَى: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ،
أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ نََّ) .
رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ:
وكلّهم تقدّموا في السند الماضي، غير عروة، فتقدّم في الذي قبله.
وقوله: (أنه سمع ذلك من رسول الله صل﴾ قال الدارقطنيّ كَّتُهُ: هو
وَهَمّ؛ لأن أبا أيوب إنما سمعه من أَبَيّ بن كعب، كما قال هشام بن عروة،
عن أبيه.
وتعقّبه الحافظ نَظُّهُ، فقال: قلت: الظاهر أن أبا أيوب سمعه منهما؛
لاختلاف السياق؛ لأن في روايته عن أُبَيّ بن كعب قصةً، ليست في روايته،
عن النبيّ وَّ﴿ مع أن أبا سلمة، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف أكبر قدراً وسنّاً
وعلماً من هشام بن عروة، وروايتُهُ عن عروة من باب رواية الأقران؛ لأنهما
(١) ((الفتح)) ٤٧٣/١.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
تابعيان فقيهان، من طبقة واحدة، وكذلك رواية أبي أيوب، عن أبي بن كعب؛
لأنهما فقيهان صحابيان كبيران، وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر، عن أبي
أيوب، عن النبيّ وَّ، أخرجه الدارميّ، وابن ماجه. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ،
وهو بحث نفیسٌ.
والحاصل أن حديث أبي أيوب الأنصاريّ ظُه هذا عن النبيّ
صحيح، ولا يُعلّ بروايته السابقة بواسطة أبيّ بن كعب ظُه؛ لإمكان الجمع
بكونه رواه عنه، عن النبيّ وَّر، ثمّ سمعه منه وَل .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢١) - (بَابُ بَيَانِ نَسْخ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ))، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ
بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٧٨٩] (٣٤٨) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ (ح)
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ قَنَادَةَ، وَمَطَرٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَالـ
قَالَ: ((إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَاً، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ))، وَفِي
حَدِيثٍ مَطَرٍ: ((وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ))، قَالَ زُهَيْرٌ مِنْ بَيْنِهِمْ: ((بَيْنَ أَشْعُبِهَا الْأَرْبَع))).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) (١) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقة [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨.
(١) ((أبو غسّان)) بفتح الغين المعجمة، وتشديد السين المهملة، يجوز صرفه وعدمه،
و((الْمِسمعيّ)) بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية.

٢٧٧
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ حَدِيثِ: (إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ)) - حديث رقم (٧٨٨)
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ
[٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم فّي ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٣ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (قَتَادَةُ) بن ◌ِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يُدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٥ - (مَطَر) بن طَهْمَان السلميّ مولاهم، أبو رجاء الْخُرَاسانيّ، سكن
البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ، ضعيف في حديث عطاء [٦] [ت٥ أو ١٢٩)
(خت م ٤) تقدم في (الإيمان)) ١/ ١٠٣.
[تنبيه]: قوله: (وَمَطَرِ) بالجرّ عطفاً على قتادةَ، فهشام الدستوائيّ، يرويه
عن كلّ من قتادة، ومطر، وكلاهما يرويانه عن الحسن البصريّ ... إلخ(١).
٦ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، يرسل، ويُدلّس، رأس الطبقة [٣] (ت١١٠)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٦.
٧ - (أَبُو رَافِع) نُفَيِعٌ الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهورٌ
بكنيته [٢] (ع) تقدّمَّ في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٦٢.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثاً.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظ ◌ُله تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف نَّثُهُ، وله فيه إسنادان بالتحويل،
ويجتمعان في معاذ بن هشام.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخیه الأولین، فالأول ما
روى عنه الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو وأبو داود، ومطر الورّاق، علّق له البخاريّ.
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ١٠/ ٢٤٧ تحقيق بشّار.

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه زهير، فنسائيّ، ثم
بغداديّ، وأبي هريرة، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم، عن بعض: قتادةُ،
عن الحسن، عن أبي رافع.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة له رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا جَلَسَ) الضمير المستتر فيه،
وفي قوله: ((جَهَدَ)) للرجل، والضميران البارزان في قوله: ((شعبها))،
و((جهدها)) للمرأة، وترك إظهار ذلك لدلالة السياق عليه، كما في قوله
تعالى: ﴿حَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وقد وقع مصرَّحاً به في رواية لابن
المنذر، من وجه آخر، عن أبي هريرة، قال تَُّهُ: ((إذا غَشِي الرجل امرأتَهُ،
فقعد بين شُعَبها ... )) الحديث. (بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَع) ((الشُّعَبُ)) - بضمّ الشين
المعجمة، وفتح العين المهملة -: جمع شُعْبة - بضَمّ، فسكون - وهي القطعة
من الشيء.
وقال الفيّوميّ كَلَفُهُ: الشُّعبة من الشجرة: الْغُصن المتفرّع منها، والجمعُ
شُعَبٌّ، مثلُ: غُرْفة وغُرَف، وفي الحديث: ((إذا جلس بين شُعبها الأربع)): يعني
يديها ورجليها على التشبيه بأغصان الشجرة، وهو كناية عن الجماع؛ لأن
القعود كذلك مظِنّة الجماع، فكنّى بها عن الجماع، والشُّعبة من الشيء:
الطائفة. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قيل: المراد بشُعَبها هنا يداها، ورجلاها، وقيل:
رجلاها، وفخذاها، وقيل: ساقاها، وفخذاها، وقيل: فخذاها، وإسكتاها(٢)،
(١) ((المصباح المنير)) ٣١٤/١.
(٢) ((الإسكة)) بكسر الهمزة وزانُ سِدْرة، وفتح الهمزة لغة قليلة: جانب فرج المرأة،
وهما: إسكتان، والجمع إِسَكٌ، مثلٌ سِدَرٍ، قال الأزهريّ: الإِسْكتان: ناحيتا
الفرج، والشُّفْران: طرفا الناحيتين، قاله في ((المصباح المنير)) ١٥/١.

٢٧٩
(٢١) - بَابُ بَيَانِ نَسْخِ (الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، وَوُجُوبٍ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٨٩)
وقيل: فخذاها، وشُفْراها(١)، وقيل: نواحي فرجها الأربع، قال الأزهريّ:
الإِسكتان: ناحيتا الفرج، والشُّفْران: طرف الناحيتين.
قال ابن دقيق العيد رَّتُهُ: الأقرب عندي أن يكون المراد بالشعب
الأربع: اليدين، والرجلين، أو الرجلين والفخذين، فيكون الجماع مكنّاً عنه
بذلك، فاكتُفي بما ذُكر عن التصريح، قال: وإنما رجّحنا هذا؛ لأنه أقرب إلى
الحقيقة، إذ هو حقيقة في الجلوس بينهما، وأما إذا حُمِلَ على نواحي الفرج،
فلا جلوس بينها حقيقةً. انتهى(٢).
وقال القاضي عياض ◌َُّهُ: الأولى في هذا، والأحرى على معنى الحكم
أن الشُّعَب نواحي الفرج الأربع، والشُّعَب النواحي، ومثل قوله في الحديث
الآخر تَخْذُ: ((إذا التقى الختانان، وتوارت الحشفة ... ))، لأنها لا تتوارى حتى
يغيب بين الشُّعب الأربع، ومثله قول عائشة ﴿ها: ((إذا جاوز الختان الختانَ))،
و((إذا مسّ الختان الختانَ))، وكذلك لا يُعتبر التقاء الختانين إلا بمجاوزتها
وبمغيبها هنالك، ولا يُلتفت إلى التقائهما على غير هذه الصفة، وقد يتأتى
الجلوس بين اليدين والرجلين والفخذين والإسكتين - وهما الشُّفْران - ولا تغيب
الحشفة، ولا يلتقي الختانان، قال: وبالجملة فمراد الأحاديث على اختلافها
أنه لا اعتبار بالماء، وأن المخالطة توجب الغسل. انتهى كلام عياض تَخّْتُهُ
باختصار(٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ جَهَدَهَا) - بفتح الجيم والهاء - يقال: جَهَدَ، وأجهد: أي بَلَغَ
المشقة، قيل: معناه كَدَّها بحركته، أو بلغ جُهده في العمل بها، وفي رواية
شعبة، عن قتادة الآتية: ((ثم اجتهد))، ورواه أبو داود، من طريق شعبة وهشام
معاً، عن قتادة بلفظ: ((وألزق الختانَ بالختان))، بدل قوله: ((ثم جَهَدها))، وهذا
يدلّ على أن الجهد هنا كناية عن معالجة الإيلاج، ورواه البيهقيّ من طريق ابن
أبي عروبة، عن قتادة مختصراً، ولفظه: ((إذا التقى الختانان، فقد وجب
(١) بضم، فسكون، جمعه أَشفار، مثلُ قُفْل وأقفال، وشُفْرُ كلّ شيء: حرفه، ومنه شُفْر
الفرج لحرفه، قاله في ((المصباح)) ٣١٧/١.
(٢) ((الفتح)) ٤٧٠/١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ١٩٧/٢ - ١٩٨.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الغسل))، وروي أيضاً بهذا اللفظ، من حديث عائشة، أخرجه الشافعيّ من
طريق سعيد بن المسيب، عنها، وفي إسناده عليّ بن زيد، وهو ضعيف، وابن
ماجة من طريق القاسم بن محمد، عنها؛ ورجاله ثقات، ويأتي في رواية أبي
موسى الأشعريّ، عنها بلفظ: ((ومسّ الختانُ الختانَ))، والمراد بالمسّ،
والالتقاء، المحاذاةُ، ويدلّ عليه رواية الترمذيّ بلفظ: ((إذا جاوز))، وليس
المراد بالمسّ حقيقته؛ لأنه لا يُتصوَّر عند غيبة الحشفة، ولو حَصَل المس قبل
الإيلاج لم يَجب الغسل بالإجماع، قاله في ((الفتح)(١).
وقيل: الجَهْد من أسماء النكاح، فمعنى ((جهَدَها)): جامعها، وإنما عدل
إلى الكناية؛ للاجتناب عن التفوّه بما يَفْحُشُ ذكره صريحاً، قاله في ((العمدة)) (٢).
وقال القاضي عياض تَّثُ: قوله: (ثم جَهَدها)): الأولى هنا أن يكون
(جَهَد)): أي بلغ جَهْده في عمله فيها، والجَهْد: الطاقة، والاجتهاد منه، وهي
إشارة إلى الحركة، وتمكّن صورة العمل، وهو نحوٌ من قول من قال: حَفَزَها:
أي كَدّها بحركته، وإلا فأيّ مشقّة تبلغ بها في ذلك؟ وقال ابن الأنباريّ:
جهدت الرجل: إذا حملته على أن يبلغ مجهوده، وهو أقصى قوّته، فلعلّه أيضاً
من هذا؛ أي طلب منها مثل ما فعل، وهو بمعنى قوله أيضاً في الآخر: ((إذا
خالط))، وهو كناية عن مبالغة الجماع، ومغيب الحشفة، واختلاط العضوين،
والْخِلاط الجماعُ، قاله الحربيّ؛ وخالطها: جامعها، وقال الخطّابيّ: الجهد
من أسماء النكاح، والختانان هما ختان الرجل، وختان المرأة، ولا يكاد
يتماسّان غالباً إلا بعد مغيب الحشفة، فكنى النبيّ وَّ بالتقائهما عما وراءهما
من الإيلاج. انتهى(٣).
وقوله: (فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ))) جواب ((إذا))، و((أل)) في ((الغسل)) للعهد
الذهنيّ، وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ مَطَرٍ: ((وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ))) يعني أن مطراً زاد على
قتادة قوله: ((وإن لم يُنزل))، وهو بضمّ حرف المضارعة، من الإنزال رباعيّاً،
وحُذف مفعوله؛ لعلمه؛ أي وإن لم يُنزل المنيّ.
(١) ١٠/ ٤٧٠ - ٤٧١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ١٩٨/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٦٦/٣.