Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(١٦) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ - حديث رقم (٧٧٤)
(ومنها): حديث ابن عبّاس ◌ُها، قال: مرّ رسول الله وَّ على رجل،
وفخذه خارجة، فقال: ((غَطّ فخذك، فإن فخذ الرجل من عورته))، رواه أحمد،
والترمذيّ، وهو حديث حسن لشواهده أيضاً.
(ومنها): حديث محمد بن جحش، قال: مرّ النبيّ وَ﴿ وأنا معه على
معمر، وفخذاه مكشوفتان، فقال: ((يا معمر، غَطّ فخذيك، فإن الفخذين عورة))
رواه أحمد بإسناد حسن، والحاكم في ((المستدرك))، وقال الزيلعيّ في ((نصب
الراية)): إسناده صالح، وصححه الطحاويّ(١).
والحاصل أن هذه الأحاديث لا شكّ في صحّتها بمجموعها، وقد صحّح
بعضهم بعضها، وحسّن الآخرون بعضها، فهي صالحة للاحتجاج بها، فقد
دلّت على أن الفخذ عورة، فهي أولى بالاحتياط من أحاديث انكشاف فخذ
النبيّ ◌َله؛ وإن كانت أصحّ، ولذا قال الإمام البخاريّ في ((صحيحه)): ويُروى
عن ابن عبّاس، وجَرْهد، ومحمد بن جحش، عن النبيّ وَالر: ((الفخذ عورة))،
وقال أنس: حَسَرَ النبيّ ◌َ ﴿ الإزار عن فخذه، وحديث أنس أسند، وحديث
جرهد أحوط. انتهى(٢).
وقال النوويّ كَّتُهُ عن حديث أنس هذا(٣): هذا محمول على أنه انكشف
الإزار، وانحسر بنفسه، لا أن النبيّ* تعمّد كشفه، بل انكشف لإجراء
(١) ((مسند أحمد)) ٢٩٠/٥، و((المستدرك)) ١٨٠/٤، و((معاني الآثار)) ٤٧٤/١ - ٤٧٥،
و ((نصب الراية)) ٢٤٥/٤.
(٢) ((صحيح البخاريّ)) في: (الصلاة)) (١٢) ((باب ما يُكره في الفخذ)).
(٣) أراد بحديث أنس ما أخرجه الشيخان، عن أنس بن مالك نظبه: ((أن رسول الله وَله
غزا خيبر، فصلّينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبيّ اللهَ وَّ﴿، ورَكِب أبو
طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبيّ الله وَلّر في زُقَاق خيبر، وإن ركبتي
لتَمَسّ فخذ نبي الله ◌ََّ، ثم حَسَر الإزار عن فخذه، حتى إني أنظر إلى بياض فخذ
نبيّ الله ◌َّد ... )) الحديث.
ومثله ما أخرجاه أيضاً، واللفظ للبخاريّ عن أبي موسى الأشعريّ ◌َظ ◌ُبه: ((أن
النبي و 18 كان قاعداً في مكان، فيه ماء، قد انكَشَف عن ركبتيه، أو ركبته، فلما
دخل عثمان غطاها)).

٢٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الفرس، ويدلّ عليه أنه ثبت في رواية في ((الصحيحين)): ((فانحسر الإزار)).
وقال أيضاً في حديث عائشة رضيها(١): لا دلالة فيه على أن الفخذ ليس
بعورة؛ لأنه مشكوك في المكشوف، قال أصحابنا: لو صحّ الجزم بكشف
العورة تأوّلناه على أن المراد كشف بعض ثيابه لا كلّها، قالوا: ولأنها قضيّة
عين، فلا عموم لها، ولا حجة فيها. انتهى.
وقال العلامة ابن القيّم ◌َكْثُهُ: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث ما ذكره
غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم: أن العورة عورتان: مخفّفة ومغلّظة،
فالمغلّظة السوأتان، والمخفّفة الفخذان، ولا تنافي بين الأمر بغضّ البصر عن
الفخذين؛ لكونهما عورةً، وبين كشفهما؛ لكونهما عورةً مخفّفةً. انتهى (٢).
ثم بعد أن كتبت ما تقدّم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميّة كَّثهُ رسالة في
لباس الصلاة، قد أجاد فيها، فأحببت إلحاقها بما سبق؛ لما حوته من التحقيق
والتلخيص قال رَخْذَتُهُ :
(فصل) في اللباس في الصلاة، وهو أخذ الزينة عند كل مسجد الذي
يسميه الفقهاء: ((باب ستر العورة في الصلاة)).
فإن طائفة من الفقهاء ظنّوا أن الذي يُستَر في الصلاة هو الذي يُستر عن
أعين الناظرين، وهو العورة، وأخذ ما يستر في الصلاة من قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوِنَ﴾ [النور: ٣١]، ثم قال: ﴿وَلَا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الباطنة ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، فقال: يجوز لها في
الصلاة أن تُبديَ الزينة الظاهرة دون الباطنة، والسلف قد تنازعوا في الزينة
(١) هو ما أخرجه مسلم في: ((صحيحه)) عن عائشة طيّا قالت: كان رسول الله وَله
مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له، وهو
على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم
استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﴾، وسوّى ثيابه .... وفيه: فلما خرج قالت
عائشة: دخل أبو بكر فلم تَهتشّ له، ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له، ولم
تباله، ثم دخل عثمان، فجلست وسوّيت ثيابك؟ فقال: ((ألا أستحي من رجل
تستحي منه الملائكة».
(٢) راجع: ((المجموع شرح المهذّب)) ١٥٩/٣ - ١٦٠.

٢٠٣
(١٦) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ - حديث رقم (٧٧٤)
الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود، ومن وافقه: هي الثياب، وقال ابن
عباس ومن وافقه: هي في الوجه واليدين، مثل الكحل والخاتم، وعلى هذين
القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية، فقيل: يجوز النظر لغير
شهوة إلى وجهها ويديها، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعيّ، وقول في مذهب
أحمد، وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر مذهب أحمد، فإن كل شيء منها عورة
حتى ظفرها، وهو قول مالك.
وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرةٌ، وزينة غير ظاهرة،
وجَوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج، وذوي المحارم، وكانوا قبل أن تنزل
آية الحجاب، كان النساء يخرجن بلا جلباب، يَرَى الرجل وجهها ويديها، وكان
إذ ذاك يجوز لها أن تُظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها؛ لأنه
يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله وَم آية الحجاب بقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل
لِأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَِّنَ مِن جَبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] حُجِب
النساء عن الرجال، وكان ذلك لَمّا تزوج زينب بنت جحش، فأرخى الستر،
ومنع النساء أن يُنظَرْنَ، ولَمّا اصطَفَى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر، قالوا:
إن حَجَبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها، فلما
أمر الله أن لا يُسألن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين
أن يُدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن
مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يُغَطِّي
رأسها وسائر بدنها، وقد حَكَى أبو عبيد وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها، فلا
تُظْهِر إلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكُنّ النساء ينتقبن، وفي ((الصحيح)): أن
المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين، فإذا كُنّ مأمورات بالجلباب؛ لئلا
يُعْرَفن، وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب، كان الوجه واليدان من الزينة
التي أُمِرت ألا تُظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب
الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين.
وعلى هذا فقوله: ﴿أَوْ نِسَآِهِنَّ أَوْ مَا مَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] يدُلّ على
أن لها أن تبدي الزينة الباطنة لمملوكها، وفيه قولان: قيل: المراد الإماء،
والإماء الكتابيات، كما قاله ابن المسيب، ورجحه أحمد وغيره، وقيل: هو

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
المملوك الرجل، كما قاله ابن عباس وغيره، وهو الرواية الأخرى عن أحمد.
فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته، وقد جاءت بذلك أحاديث،
وهذا لأجل الحاجة؛ لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى
رؤية الشاهد، والمعامل، والخاطب، فإذا جاز نظر أولئك، فنظر العبد أولى،
وليس في هذا ما يوجب أن يكون مَحْرَماً يسافر بها، كغير أولي الإربة، فإنهم
يجوز لهم النظر، وليسوا محارم يسافرون بها، فليس كلُّ من جاز له النظر جاز
له السفر بها، ولا الخلوة بها، بل عبدها ينظر إليها للحاجة، وإن كان لا يخلو
بها، ولا يسافر بها، فإنه لم يدخل في قوله: ((لا تسافر امرأة إلا مع زوج، أو
ذي محرم))، فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عَتَقَ، كما يجوز لزوج أختها أن
يتزوجها إذا طَلَّق أختها، والمحرم مَن تَحْرُم عليه على التأبيد، ولهذا قال ابن
عمر: سفر المرأة مع عبدها ضَيعَةٌ.
فالآية رَخَّصت في إبداء الزينة لذوي المحارم وغيرهم، وحديث السفر،
ليس فيه إلا ذَوُو المحارم، وذكر في الآية نساءهنّ، أو ما ملكت أيمانهن،
وغير أولي الإربة، وهي لا تسافر معهم.
وقوله: ﴿أَوْ نِسَآءِهِنَّ﴾ قال: احتراز عن النساء المشركات، فلا تكون
المشركة قابلة للمسلمة، ولا تدخُل معهنّ الحمّام، لكن قد كنّ النسوة
اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها، فيرين وجهها ويديها، بخلاف الرجال،
فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميّات، وليس للذميات أن
يَطَّلِعن على الزينة الباطنة، ويكون الظهور والبطون بحسب ما يجوز لها إظهاره،
ولهذا كان أقاربها تُبدي لهن الباطنة، وللزوج خاصةٌ ليست للأقارب.
وقوله: ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِنَ﴾ [النور: ٣١] دليل على أنها تُغَطِّي
العنق، فيكون من الباطن لا الظاهر ما فيه من القلادة وغيرها. انتهى.
وقال شيخ الإسلام تَخْتُ أيضاً:
(فصل):
فهذا ستر النساء عن الرجال، وستر الرجال عن الرجال، والنساء عن
النساء في العورة الخاصة، كما قال ◌َله: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل،
ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة))، وكما قال: ((احفظ عورتك إلا عن زوجتك،

٢٠٥
(١٦) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ - حديث رقم (٧٧٤)
أو ما ملكت يمينك))، قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض؟
قال: ((إن استطعتَ أن لا يراها أحدٌ فلا يراها))، قال: قلت: يا نبيّ الله إذا
كان أحدُنا خالياً؟ قال: ((فالله أحقُّ أن يستحيى منه)) (١).
ونَهَى أن يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، والمرأة إلى المرأة في
ثوب واحد، وقال عن الأولاد: ((مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها
لعشر، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع))، فنَهَى عن النظر واللمس لعورة النظير؛ لما
في ذلك من القبح والفحش.
وأما الرجال مع النساء، فلأجل شهوة النكاح، فهذان نوعان، وفي
الصلاة نوع ثالث، فإن المرأة لو صَلَّت وحدها كانت مأمورة بالاختمار، وفي
غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأخذ الزينة في الصلاة لحق الله،
فليس لأحد أن يطوف بالبيت عرياناً، ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي
عرياناً، ولو كان وحده، فعُلِم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن ليحتجب عن
الناس، فهذا نوع، وهذا نوع.
وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة،
وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال.
فالأول مثل المنكبين، فإن النبيّ وَّ نَهَى أن يصلي الرجل في الثوب
الواحد، ليس على عاتقه منه شيء، فهذا لحقّ الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه
للرجال خارج الصلاة، وكذلك المرأة الحرّة تختمر في الصلاة، كما قال
النبيّ وَ﴾: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار))(٢)، وهي لا تختمر عند
زوجها، ولا عند ذوي محارمها، فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء، ولا
يجوز لها في الصلاة أن تَكشِف رأسها لهؤلاء، ولا لغيرهم، وعكس ذلك
الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين،
بخلاف ما كان قبل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب، وأما ستر ذلك في
الصلاة، فلا يجب باتفاق المسلمين، بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند
(١) حديث حسن، أخرجه الترمذيّ برقم (٢٧٩٤)، وابن ماجه (١٩٢٠).
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في: ((سننه)) ١٧٣/١.
.

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
جمهور العلماء، كأبي حنيفة، والشافعيّ، وغيرهما، وهو إحدى الروايتين عن
أحمد، فكذلك القدم يجوز إبداؤه عند أبي حنيفة، وهو الأقوى، فإن عائشة جعلته
من الزينة الظاهرة، قالت: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
قالت: الْفَتَخَ، حِلَق من فضة تكون في أصابع الرجلين، رواه ابن أبي حاتم.
فهذا دليلٌ على أن النساء كنّ يُظهرن أقدامهن أوّلاً كما يُظهرن الوجه
واليدين، كنّ يُرخين ذيولهن، فهي إذا مشت قد يظهر قدمها، ولم يكن يمشين
في خِفَاف وأحذية، وتغطية هذا في الصلاة فيه حرج عظيمٌ، وأم سلمة قالت:
((تصلي المرأة في ثوب سابغ، يغطّ ظهر قدميها))، فهي إذا سجدت قد يبدو
باطن القدم.
وبالجملة قد ثبت بالنصّ والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تَلْبس
الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها، وإنما ذلك إذا خَرَجت، وحينئذ
فتصلي في بيتها، وإن رؤي وجهها ويداها وقدماها، كما كنّ يمشين أوّلاً قبل
الأمر بإدناء الجلابيب عليهنّ، فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر،
لا طرداً ولا عكساً.
وابن مسعود ظُه لَمّا قال: الزينة الظاهرة هي الثياب، لم يقل: إنها كلَّها
عورة حتى ظفرها، بل هذا قول أحمد، يعني أنها تشترط في الصلاة، فإن
الفقهاء يُسَمُّون ذلك ((باب ستر العورة))، وليس هذا من ألفاظ الرسول وَل، ولا
في الكتاب والسنة أن ما يستره المصلي فهو عورة، بل قال تعالى: ﴿خُذُواْ
زِينَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، ونَهَى النبيّ ◌َّ أن يطوف بالبيت عريانٌ،
فالصلاة أولى، وسئل عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: ((أوَ لكلكم
ثوبان؟))، وقال في الثوب الواحد: ((إن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضَيِّقاً،
فاتزر به))، ونَهَى أن يصلي الرجل في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شيء.
فهذا دليلٌ على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة: الفخذ، وغيره، وإن
جوَّزنا للرجل النظر إلى ذلك، فإذا قلنا على أحد القولين، وهو إحدى الروايتين
عن أحمد: إن العورة هي السوأتان، وإن الفخذ ليست بعورة، فهذا في جواز
نظر الرجل إليها، ليس هو في الصلاة والطواف، فلا يجوز أن يصلي الرجل
مكشوف الفخذين، سواء قيل: هما عورة أو لا، ولا يطوف عرياناً، بل عليه

٢٠٧
(١٦) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ - حديث رقم (٧٧٤)
أن يصلي في ثوب واحد، ولا بُدّ من ذلك إن كان ضيقاً اتَّزَرَ به، وإن كان
واسعاً التحف به، كما أنه لو صلى وحده في بيت، كان عليه تغطية ذلك باتّفاق
العلماء .
وأما صلاة الرجل بادي الفخذين، مع القدرة على الإزار، فهذا لا
يجوز، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ومن بَنَى ذلك على الروايتين في
العورة، كما فعله طائفة، فقد غَلِطُوا، ولم يقل أحمد ولا غيره: إن المصلي
يصلي على هذه الحال، كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين، فكيف يبيح له
كشفَ الفخذ؟، فهذا هذا.
وقد اختُلِف في وجوب ستر العورة، إذا كان الرجل خالياً، ولم يُختَلَف
في أنه في الصلاة لا بدّ من اللباس، لا تجوز الصلاة عرياناً مع قدرته على
اللباس باتّفاق العلماء، ولهذا جوَّز أحمد وغيره للعُرَاة أن يصلوا قعوداً، ويكون
إمامهم وسطهم، بخلاف خارج الصلاة، وهذه الحرمة لا لأجل النظر، وقد
قال النبيّ بَّر في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، لَمّا قال: قلت:
يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: «فالله أحق أن يُستحيى منه من
الناس))(١)، فإذا كان هذا خارج الصلاة، فهو في الصلاة أحقّ أن يُستَحْيى منه،
فتؤخذ الزينة لمناجاته، ولهذا قال ابن عمر ◌ًا لغلامه نافع لَمّا رآه يُصلي
حاسراً: أرأيت لو خرجت إلى الناس، كنت تخرج هكذا؟ قال: لا، قال: فالله
أحقّ مَن يُتَجَمَّل له، وفي الحديث الصحيح لَمّا قيل له بَّر: الرجل يحب أن
يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنةً؟، فقال: ((إن الله جَمِيلٌ يحب الجمال))(٢).
وهذا كما أمر المصلي بالطهارة والنظافة، والطيب، فقد أمر النبيّ وَ ◌ّر أن
تتخذ المساجد في البيوت، وتُنَظَّف، وتُطَيَّب(٣) .
وعلى هذا فيستتر في الصلاة أبلغ مما يستتر الرجل من الرجل، والمرأة
(١) تقدّم أنه حديث حسنٌ.
(٢) أخرجه مسلم، وقد تقدّم في: ((كتاب الإيمان)).
(٣) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في: ((سننه)) (٤٥٥)، وابن ماجه في: ((سننه))
(٧٥٨).

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
من المرأة، ولهذا أُمرت المرأة أن تختمر في الصلاة، وأما وجهها ويداها
وقدماها، فهي إنما نُهيت عن إبداء ذلك للأجانب، لم تنه عن إبدائه للنساء،
ولا لذوي المحارم.
فعُلِم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة التي
نُهي عنها؛ لأجل الفحش، وقبح كشف العورة، بل هذا من مقدمات الفاحشة،
فكان النهي عن إبدائها نهياً عن مقدمات الفاحشة، كما قال في الآية: ﴿ذَلِكُمْ
أَزْكَى لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال في آية الحجاب: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ
وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فنَهَى عن هذا سدّاً للذريعة، لا أنه عورة مطلقة، لا
في الصلاة ولا غيرها، فهذا هذا.
وأمر المرأة في الصلاة بتغطية يديها بعيدٌ جدّاً، واليدان يسجدان، كما
يسجد الوجه، والنساء على عهد النبيّ وَّ﴿ إنما كان لهنّ قُمُصٌ، وكُنّ يصنعن
الصنائع، والقمص عليهنّ، فتبدي المرأة يديها، إذا عجنت وطحنت وخبزت،
ولو كان ستر اليدين في الصلاة واجباً لبيّنه النبيّ ◌َ ◌ّ، وكذلك القدمان، وإنما
أمر بالخمار فقط مع القميص، فكن يصلين بقمصهنّ وخمرهن، وأما الثوب
الذي كانت المرأة تُرخيه، وسألن عن ذلك النبيّ وَّ، فقال: ((شبراً))، فقلن:
إذن تبدو سوقهنّ، فقال: ((ذراعاً، لا يزدن عليه))(١)، وقول عمر بن أبي ربيعة:
كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ
فهذا كان إذا خرجن من البيوت، ولهذا سئل عن المرأة تَجُرّ ذيلها على
المكان القَذِر، فقال: ((يطهره ما بعده))(٢)، وأما في نفس البيت، فلم تكن تلبس
ذلك، كما أن الْخِفَاف اتخذها النساء بعد ذلك لستر السُّوق إذا خرجن، وهن
لا يلبسنها في البيوت، ولهذا قلن: إذن تبدو سوقهنّ، فكان المقصود تغطية
الساق؛ لأن الثوب إذا كان فوق الكعبين بدا الساق عند المشي.
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في: ((سننه))، (٦٥/٤) عن أم سلمة زوج النبي وَل
قالت لرسول الله ﴿ ﴿ حين ذكر الإزار، فالمرأة يا رسول الله؟ قال: ((ترخي شبراً))،
قالت أم سلمة: إذاً ينكشف عنها، قال: ((فذراعاً لا تزيد عليه)). انتهى.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود ١٠٤/١.

٢٠٩
(١٦) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ - حديث رقم (٧٧٤)
وقد رُوي: ((أعروا النساء يلزمن الحجال))(١)، يعني إذا لم يكن لها ما تلبسه
في الخروج لزمت البيت، وكنّ نساء المسلمين يصلين في بيوتهن، وقد قال
النبيّ وَّ: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن))، ولم يؤمرن مع
القمص إلا بالخمر، لم تؤمر بسراويل؛ لأن القميص يغني عنه، ولم تؤمر بما يغطي
رجليها، لا خُفّ، ولا جَوْرب، ولا بما يغطي يديها، لا بقفازين، ولا غير ذلك.
فدَلّ على أنه لا يجب عليها في الصلاة ستر ذلك، إذا لم يكن عندها
رجال أجانب.
وقد رُوي أن الملائكة لا تنظر إلى الزينة الباطنة، فإذا وضعت خمارها
وقميصها، لم ينظر إليها، وروي في ذلك حديث عن خديجة ها.
فهذا القدر للقميص والخمار هو المأمور به لحقّ الصلاة، كما يؤمر
الرجل إذا صلى في ثوب واسع أن يَلْتَحِف به، فيغطي عورته ومنكبيه،
فالمنكبان في حقه كالرأس في حق المرأة؛ لأنه يصلي في قميص، أو ما يقوم
مقام القميص، وهو في الإحرام لا يلبس على بدنه ما يقدر له، كالقميص
والجبة، كما أن المرأة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين، وأما رأسه فلا يخمره،
ووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، قيل: إنه كرأس الرجل، فلا
يُغَطّى، وقيل: إنه كيديه فلا تغطي بالنقاب والبرقع، ونحو ذلك مما صُنِعٍ على
قدره، وهذا هو الصحيح، فإن النبيّ ◌ِّرَ لم يَنْهَ إلا عن القفازين والنقاب، وكنَّ
النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال، من غير وضع ما يجافيها
عن الوجه، فعُلِم أن وجهها كيدي الرجل ويديها، وذلك أن المرأة كلَّها عورة
كما تقدم، فلها أن تغطي وجهها ويديها، لكن بغير اللباس المصنوع بقدر
العضو، كما أن الرجل لا يلبس السراويل، ويلبس الإزار، والله سبحانه وتعالى
أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام ◌َّفه(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد شيخ الإسلام تَّتُهُ، وأفاد حيث بيّن أن
العورة التي يُطلب سترها في الصلاة، من الرجال والنساء، غير العورة التي
(١) حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ تَذَهُ ١/٦.
(٢) ((مجموع الفتاوى)) (١٠٩/٢٢ - ١٢٠).

٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
يُطلب سترها في غير الصلاة، وهذا هو الحقّ، كما بيّنه كَذَتُهُ، وفصّله تفصيلاً
حسناً، فتنبّه لهذا الفرق المفيد، فإن بعض الناس لا يميّز ذلك حقّ التمييز،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٧٧٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاُ بْنُ عُثْمَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالًا مَكَانَ
(عَوْرَةِ»: ((عُرْيَةِ الرَّجُلِ، وَعُرْيَةِ الْمَرْأَةِ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ
[١١] (٢٤٥) (خ م د ت ◌َس) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْك) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك،
واسمه دينار - وقد يُنسب إلى جدّ أبيه كما في هذا السند - الدِّيليّ مولاهم، أبو
إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨].
رَوَى عن أبيه، ومحمد بن عمرو بن علقمة حديثاً واحداً، وهشام بن
سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب، وكثير بن زيد الأسلمي،
وموسى بن يعقوب الزَّمْعيّ، وعبد الرحمن بن عبد المجيد السهمي،
وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وسَلَمَة بن وَرْدان، والضحاك بن عثمان،
وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وغيرهم.
ورَوى عنه الشافعي، وأحمد، والحميدي، وقتيبة، وأحمد بن صالح،
وحاجب بن سليمان الْمَنبِجِيّ، والحسن بن داود المنكدري، وإبراهيم بن المنذر
الحزامي، ودُحَيم، وهارون الحمال، وغيرهم.
قال النسائي: ليس به بأس. قال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان
كثير الحديث، وليس بحجة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).

٢١١
(١٧) - بَابُ جَوَازِ الاغْتِسَالِ عُرْيَاناً فِي الْخَلْوَةِ - حديث رقم (٧٧٦)
قال البخاريّ: مات سنة مائتين، وقال ابن سعد: مات سنة (٩٩)، وقال
مرّة: مات سنة إحدى ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثاً .
وقوله: (عُرْيَةِ الرَّجُلِ، وَعُرْيَةِ الْمَرْأَةِ). قال النوويّ تَظُّهُ: ضبطنا هذه
اللفظة على ثلاثة أوجه: ((عِرْية)) - بكسر العين، وإسكان الراء - و((عُرْية)) - بضم
العين، وإسكان الراء - و((عُرَيَّة)) - بضم العين، وفتح الراء، وتشديد الياء -
وكلها صحيحةٌ، قال أهل اللغة: عِرية الرجل - بضم العين، وكسرها - هي
مُتَجَرَّدُهُ، والثالثة على التصغير. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية ابن أبي فُدَيك هذه ساقها الحافظ أبو عوانة تَُّهُ في
((مسنده)) (٢٨٣/١)، فقال:
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عليّ ابن المدينيّ، قال: ثنا ابن أبي فُديك،
قال: ثنا الضحاك بن عثمان الأسديّ، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن
عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَالت: ((لا
ينظر الرجل إلى عِرْيَة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عِرْيَة المرأة، ولا يُفضي
الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في ثوب
واحد)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(١٧) - (بَابُ جَوَازِ الاغْتِسَالِ عُرْيَاناً فِي الْخَلْوَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تظلّثهُ المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٧٧٦] (٣٣٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنٍِّ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَّيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الهِ وَِّ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً،
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٠/٤.

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى عَلَّهُ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا
يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ
عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ،
ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةٍ مُوسَى، قَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى
مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْباً)).
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ، أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ(١)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) المذكور في السند الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل بابين أيضاً.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤]
(ت١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدوسيّ الصحابيّ الشهير، مات (٥٧) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تََّثُهُ، وفيه من صيغ الأداء
التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالصنعانيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأما أبو
هريرة رضيته، فيمنيّ، ثم مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((هذا ما حدّثنا أبو هريرة ... إلخ))؛ إشارةً
إلى أن هذا الحديث مما في صحيفة همّام بن منبّه المشهورة، وقد تقدّم بيان
هذا وإيضاحه غير مرّة.
(١) وفي نسخة: ((ضربُ موسى الحجرَ)).

٢١٣
(١٧) - بَابُ جَوَازِ الاغْتِسَالِ عُرْيَاناً فِي الْخَلْوَةِ - حديث رقم (٧٧٦)
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ظله أحفظ من روى الحديث في عصره،
روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الصنعانيّ، أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى مجموع ما
يورده من الأحاديث، وقد أسلفت آنفاً أن هذا الحديث من ((صحيفة همّام بن
منّه)) المشهورة، فاسم الإشارة مبتدأ خبره قوله: (مَا) اسم موصول، أي الذي
(حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ)، أي حدّثناه، فالعائد على الموصول محذوف (عَنْ مُحَمَّدٍ
رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) بالجرّ على البدلّة (فَذَكَرَ) الضمير لهمّام ◌َظْتُهُ (أَحَادِيثَ، مِنْهَا)،
أي من تلك الأحاديث التي ذكرها، فالجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ) فجملة ((وقال إلخ)) مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه («كَانَتْ بَنُو
إِسْرَائِيلَ)، أي جماعاتهم، فهو كقوله تعالى: ﴿ءَمَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَائِلَ﴾ [يونس:
٩٠]، وقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً﴾ [الحجرات: ١٤]، فتأنيث الفعل على قول من
يقول: حكم الجمع مطلقاً حكم المؤنّث غير الحقيقيّ، وأما على قول من
يقول: كلّ جمع مؤنّث، إلا جمع المذكّر السالم، فتأنيثه على خلاف القياس،
أو باعتبار القبيلة(١)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: بنو إسرائيل هم أولاد يعقوب لعلّلا، فـ((إسرائيل)): اسم يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم وسلامه، وكان بنو يعقوب
اثني عشر رجلاً، وهم: روبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، وداني،
ويفتالي(٢)، وزبولون، وجاد، ويساخر، وأشير، ويوسف، وبنيامين، وهم
الذين سماهم الله الأسباط، وسُمُّوا بذلك؛ لأن كل واحد منهم والد قبيلة،
والسبط في كلام العرب الشجرة الْمُلْتَفَّة الكثيرة الأغصان، والأسباط من بني
إسرائيل كالشعوب من العجم، والقبائل من العرب، وموسى - عليه الصلاة
والسلام - من ذرية لاوي، وهو موسى بن عمران بن فاهث(٣) بن لاوي(٤).
(١) راجع: ((فتح المنعم)) ٣٦٣/٢.
(٢) وقع في بعض المصادر ((نفتالي)» بالنون.
(٣) وقع في بعض المصادر ((قاهث)) بالقاف. (٤) ((عمدة القاري)) ٣٤٠/٣ - ٣٤١.

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
(يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً) بضمّ العين المهملة: جمع عار، كقاض وقُضاة،
وانتصابه على الحال من الواو.
ثم إن ظاهره أن ذلك كان جائزاً في شرعهم، وإلا لَمَا أقرّهم موسى
على ذلك، وكان هو ظلِّلا يغتسل وحده؛ أخذاً بالأفضل، وأغرب ابن بطّال،
فقال: هذا يدلّ على أنهم كانوا عُصاةً له، وتبعه على ذلك القرطبيّ، فأطال في
ذلك، قاله في ((الفتح))(١) .
وقال في ((العمدة)): [فإن قلت]: كشف العورة حرام في حقّ غير الأنبياء
- عليهم الصلاة والسلام - فكيف الذي حصل من موسى ◌ِلَّا؟.
[قلت]: ذاك في شرعنا، وأما في شرعهم فلا، والدليل عليه أنهم كانوا
يغتسلون عُرَاةً، وموسى وَّل يراهم، لا يُنكر عليهم، ولو كان حَرَاماً لأنكره.
[فإن قلت]: إذا كان كذلك فلم كان موسى ◌ُلِّ ينفرد في الخلوة عند
الغسل؟ .
[قلت]: إنما كان يفعل ذلك من باب الحياء، لا أنه كان يجب عليه
ذلك، ويَحْتَمل أنه كان عليه إزار رقيق فظهر ما تحته لَمّا ابتل بالماء فرأوا أنه
أحسن الخلق فزال عنهم ما كان في نفوسهم. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال فيه نظرٌ، وسيأتي في كلام
الحافظ ما يُبعده، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ) («السَّوْءَة)» بفتح، فسكون: العورة، وهي
فرج الرجل والمرأة، والتثنية سَوْءتان، والجمع سوآتٌ، سُمِّيت سَوْءَةً؛ لأن
انكشافها للناس يسُوءُ صاحبها، قاله الفيّوميّ(٣).
وجملة ((ينظر ... إلخ)) حال من فاعل ((يغتسلون)) أيضاً.
(وَكَانَ مُوسَى عَلَُّ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتأويله
بـ ((منفرداً))، كما قال في ((الخلاصة)):
تَنْكِيرَهُ مَعْنَى كَـ«وَحْدَكَ اجْتَهِدْ»
وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً فَاعْتَقِدْ
(١) ١/ ٤٦٠.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٩٨/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٤٢/٣.

٢١٥
(١٧) - بَابُ جَوَازِ الاغْتِسَالِ عُرْيَاناً فِي الْخَلْوَةِ - حديث رقم (٧٧٦)
وفي رواية للبخاريّ في كتاب ((الأنبياء)) من طريق الحسن وابن سيرين،
وخِلاس كلهم عن أبي هريرة رَُّه: ((إن موسى كان رجلاً حَبِيّاً سَتِيراً(١)، لا
يُرى من جلده شيءٌ؛ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما
يستتر هذا الاستتار إلا من عيب بجلده: إما برصٌ، وإما أَدْرَةٌ، وإما آفةٌ ... )).
(فَقَالُوا)، أي بنو إسرائيل (وَاللهِ مَا) نافيةٌ (يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا
أَنَّهُ آدَرُ) بالمدّ، وفتح الدال المهملة، وتخفيف الراء، قال الجوهريّ:
(«الأُدرة)): نفخة في الْخِصية، وهي بفتحات، وحُكي بضمّ أوله، وإسكان
الدال. انتهى.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((آدر)) زَعَمَ ثعلب في ((الفصيح)) أنه كآدم، وقال
كراع في ((المنتخب)): ((الأُدْرَة)) على مثال فُعْلة: فَتْقٌ يكون في إحدى
الْخِصيتين، وقال عليّ بن حمزة فيما ذكره ابن عميس: يقال: ((أُدْرَةٌ))، و((أَدْرَةٌ))
- بالضم، والفتح، وإسكان الدال، وبالفتح والتحريك - وفي ((الْمُخَصَّص)) لابن
سِيدَهْ: ((الأدرة)): الْخُصية العظيمة أَدِرَ الرجلُ أَدَراً، من باب فَرِحَ فَرَحاً، وقيل:
الأَدَرُ الذي ينفتق صِفَاقه(٢)، فيقع قُصْبُهُ في صَفْنه، ولا يَنفَتِق إلا من جانبه
الأيسر، وقد تَأَذَّر الرجل من داء يصيبه، والشَّرْج(٣) ضدّه، وفي ((الْمُحْكَم)):
الآدَرُ والْمَأُدُور: الذي ينفتق صِفَاقُهُ، وقيل: هو أن يصيبه فَتْقٌ في إحدى
الْخِصيتين، ولا يقال: امرأة أَدْراء، إما لأنه لم يُسْمَع، وإما أن يكون لاختلاف
الْخِلْقة، وقد أَدِرَ أَدَراء والاسم الأُدْرَة، وقيل: الْخِصية الأَدْراء: العظيمة من
غير فَتْقٍ، وفي ((الجامع)): الأُدْرَة، والأَدَر: مصدران، واسم المنتفخة الأَدَرَة،
(١) الحيي بفتح المهملة، وكسر التحتانيّة الخفيفة، بعدها أخرى مثقّلةٌ، بوزن فَعِيل من
الحياء، وقوله: ((سَتِيراً)) بوزنه من الستر، ويقال: سِتِيراً بالتشديد، قاله في: ((الفتح))
٥٠٣/٦ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم الحديث (٣٤٠٤).
(٢) ((الصِّفَاق)): ككتاب: الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين
الجلد والْمُصْرَان، أو جلد البطن كلّه. انتهى. ((القاموس)) ٢٥٤/٣.
(٣) (الشرْج)): مثل فلس: ما بين الدبر والأنثيين، وأيضاً هو: مجمع حَلْقة الدبر الذي
ينطبق، قاله في: ((المصباح المنير)) ٣٠٨/١.

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقيل: أَدِرَ الرجلُ يَأْدَرُ: إذا أصابه ذلك، وفي ((الصحاح)): الأُدْرة: نفخة في
الْخِصية، يقال: رجل آدَرُ: بَيِّنُ الأَدَرِ، وفي ((الجمهرة)): هو العظيم الْخِصيتين.
(١)
انتھی(١).
(قَالَ) الضمير للنبيّ وََّ، ويحتمل أن يكون لأبي هريرة تظ له حاكياً ما
سمع منه وَّرَ (فَذَهَبَ)، أي موسى علَّها (مَرَّةً يَغْتَسِلُ) جملة حاليّة، وهي حال
مقدّرة، أي ذهب حال كونه مقدّراً الاغتسال، فهو كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا
خَلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
(فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) رُوي عن سعيد بن جبير: أنه قال: الحجر الذي
وضع موسى ظلّل ثوبه عليه، هو الذي كان يَحمِله معه في الأسفار، فيضربه،
فيتفجر منه الماء، والله تعالى أعلم، ذكره في ((العمدة))(٢).
وقال في ((الفتح)): ظاهره أنه دخل الماء عرياناً، وعليه بوَّب البخاريّ في
((كتاب الغسل)): ((من اغتسل عُرْياناً))، قال: ونَقَل ابن الجوزيّ، عن الحسن بن
أبي بكر النيسابوريّ أن موسى عَلَّلا نزل إلى الماء مؤتزراً، فلما خرج تتبع
الحجر، والمئزر مبتلّ بالماء، عَلِمُوا عند رؤيته أنه غير آدر؛ لأن الأُدْرَة تَبِينُ
تحت الثوب المبلول بالماء. انتهى.
قال: وهذا إن كان هذا الرجل قاله احتمالاً، فيحتمل، لكن المنقول
يخالفه؛ لأن في رواية علي بن زيد، عن أنس، عند أحمد في هذا الحديث ((أن
موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يُلْقِ ثوبه حتى يواري عورته في الماء)).
(٣)
انتھی
.
(فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ)، وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((وإن الله أراد أن
يُبرّئه مما قالوا لموسى، فخلا يوماً وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم
اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عَدا بثوبه ... )).
(قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى) مخفّف الميم: أي جَرَى أشدَّ الجري، قاله
(١) ((عمدة القاري)) ٣٤١/٣.
(٣) ((الفتح)) ٥٠٤/٦.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٤٢/٣.

٢١٧
(١٧) - بَابُ جَوَازِ الاغْتِسَالِ عُرْيَاناً فِي الْخَلْوَةِ - حديث رقم (٧٧٦)
النوويّ، وقال ابن الأثير: أي أسرع إسراعاً، لا يرُدّه شيءٌ، وكلُّ شيء مضى
لوجهه على أمر، فقد جَمَحَ. انتهى(١).
وفي ((القاموس)): جَمَحَ الفرسُ، كمَنَعَ جَمْحاً، وجُمُوحاً، وجِمَاحاً، وهو
جَمُوحٌ: اعتزَّ فارسه، وغَلَبَهُ. انتهى(٢).
وقال في ((العمدة)»: زعم ابن سِيدَهْ أنه يقال: جَمَح الفرسُ بصاحبه
جَمْحاً، وجِمَاحاً: ذَهَب يجري جرياً عالياً، وكلُّ شيء مضى ليس على وجهه،
فقد جَمَح، قال نِفْطَوَيه: الدابة الْجَمُوح: هي التي تميل في أحد شقيها، وفي
(التهذيب)) لأبي منصور: فَرَسٌ جَمُوٌ: إذا رُكِب، فلم يَرُدَّ اللجام رأسه، وهذا
ذمّ، وفرسٌ جَمُوحٍ: أي سريعٌ، وهذا مدحٌ. انتهى(٣).
(بِإِثْرِهِ) - بكسر الهمزة، وسكون الثاء المثلثة، وبفتحتين أيضاً - لغتان
مشهورتان: أي بَعْدَهُ، وفي ((القاموس)): ((الأثر)) محرّكةً: بقيّة الشيءِ، جمعه
آثارٌ بالمدّ، وأُثورٌ بالضمّ. انتهى (٤).
وقال في ((العمدة)) نقلاً عن ((الواعي)): ((الأَثَرُ)) محركةً: هو ما يُؤَثِّر الرَّجُلُ
بقدمه في الأرض. انتهى(٥) .
(يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل ((جَمَحَ)) (ثَوْبِي) مفعول
لفعل محذوف: أي أعطني، أو رُدّ ثوبي، والجملة مقول ((يقول)) (حَجَرُ) منادى
بحذف حرف النداء، وهو جائز في السعة، كما قال في ((الخلاصة)):
جَا مُسْتَغَاثاً قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا
وقال الحريريّ تَُّهُ في ((مُلْحَته)):
كَقَوْلِهِمْ («رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي)»
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ
وفي رواية البخاريّ من الطريق المذكورة: ((فأخذ موسى عصاه، وطلب
الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر))، وفي رواية للبخاريّ في
(كتاب الغسل)) من طريق همّام: ((ثوبي يا حجرُ)) بذكر حرف النداء.
(١) ((النهاية)) ٢٩١/١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٤١/٣.
(٥) ((عمدة القاري)) ٣٤١/٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٢١٨/١.
(٤) ((القاموس المحيط)) ٣٦٢/١.

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وإنما خاطب موسى ظلَّه الحجر؛ لأنه أجراه مُجْرَى مَن يَعْقِل؛ لكونه فَرَّ
بثوبه، فانتقل عنده من حكم الجماد إلى حكم الحيوان، فناداه، فلما لم يُطِعْه
ضربه، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون موسى ◌َلِّ أراد أن يضربه إظهاراً للمعجزة
بتأثير ضربه، ويَحْتَمِل أن يكون عن وحي؛ لإظهار الإعجاز، ومَشْيُ الحجرِ إلى
بني إسرائيل بالثوب أيضاً معجزة أخرى لموسى ظلّا(١).
(ثَوْبِي حَجَرُ) كرّره للتوكيد (حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةٍ مُوسَى)
أي عورته، وقد تقدّم ضبطها ومعناها آنفاً (قَالُوا: وَاللهِ مَا) نافيةٌ، ولا تعمل
عمل ((ليس))؛ لتقدم خبرها على اسمها، وهذا مذهب ابن مالك، كما بيّنه
بقوله :
إِعْمَالَ ((لَيْسَ)) أُعْمِلَتْ ((مَا)) دُونَ ((إِنْ))
مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
وجوّز بعض النحاة إعمالها فيما إذا كان خبرَها ظرفاً، أو جارّاً
ومجروراً، كما هنا .
وقوله: (بِمُوسَى) الجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (مِنْ بَأْسٍ)، و((من))
فيه زائدة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـمَا لِبَاغْ مِنْ مَفَرْ))
و((البأس)) فيّ الأصل هو: العذاب، والشدّة في الحرب، لكن المراد هنا
الكناية عن الضرر والعيب، أي ليس بموسى ظلّلُ ما كنّا نظنّه فيه من عيب
خَلْقِيّ، يمنعه من الاغتسال معنا عُرياناً، والله تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ في ((كتاب الأنبياء)) من طريق روح بن عبادة، عن
عوف: ((حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل، فرأوه عُرياناً أحسن ما خلق الله،
وأبرأه مما يقولون))، وفي روايةٍ له: ((فرأوه كأحسن الرجال خَلْقاً، فَبَرّأه مما
قالوا))، وفي رواية قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عند ابن مردويه، وابن
خزيمة: ((وأَعْدَله صورةً))، وفي روايته: ((فقالت بنو إسرائيل: قاتل الله الأَفّاكين،
وكانت براءته)) .
(فَقَامَ الْحَجَرُ)، أي توقّف عن الجري (حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ) ببناء الفعل
(١) ((عمدة القاري)) ٣٤١/٣.

٢١٩
(١٧) - بَابُ جَوَازِ الاغْتِسَالِ عُرْيَاناً فِي الْخَلْوَةِ - حديث رقم (٧٧٦)
للمفعول، أي حتى نظرت إليه بنو إسرائيل عرياناً، ورأوا سوأته، والمراد أن
الحجر لم يكتف برؤيتهم لموسى ظلّ، وهو يجري، بل أوقفه الله تعالى
عندهم؛ ليتأكّدوا من براءته مما آذوه به، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الضمير للنبيّ وَّه، ويحتمل أن يكون لأبي هريرة نظُّه، كما سبق
آنفاً (فَأَخَذَ) موسى ◌ََّ (ثَوْبَهُ) زاد عند البخاريّ: (فلبسه» (فَطَفَقَ) - بكسر
الفاء، وفتحها - لغتان، ومعناه جَعَلَ، وأقبل، وصار ملتزماً لذلك، قاله
النوويّ دَخَذَتْهُ(١) .
[تنبيه]: ((طَفِقَ)) من أفعال المقاربة التي تدخل على المبتدأ، فترفعه،
والخبر فتنصبه، وتُسمّى أفعال الشروع، وقد ذكرها ابنُ مالك تَخْتُ في
((الخلاصة)) حيث قال:
وَتَرْكُ ((أَنْ)) مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا
كَذَا ((جَعَلْتُ)) وَ(«أَخَذْتُ)) وَ(«عَلِقْ))
كَـ((أَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو)) وَطَفَقْ
[تنبيه آخر]: أفعال المقاربة ثلاثة أنواع:
(الأول): ما وُضِع للدلالة على قرب الخبر، وهو ثلاثة: (كاد))،
و(کَرِب))، و((أوشك)).
(الثاني): ما وُضع للدلالة على رجائه، وهو ثلاثة: ((عسى))، و((اخْلَوْلَق))،
و ((خَرَی)).
(الثالث): ما وُضع للدلالة على الشروع فيه، وهو كثير، ومنه طَفِقَ،
وهذه كلها ملازمة لصيغة الماضي، إلا أربعة، فاستُعْمِل لها مضارع، وهي
((كاد))، و((أوشك))، و((طَفَقَ))، و((جَعَل))، واستُعمِل مصدر لاثنين، وهما ((طفق))،
و((كاد)»، وحَكَى الأخفش طُفُوقاً عمن قال: طَفَقَ بالفتح، وطَفَقاً عمن قال:
طَفِقَ بالكسر، أفاده في ((العمدة))(٢).
وقوله: (بِالْحَجَرِ) الباء فيه زائدة، و((الحجر)) منصوب بقوله: (ضَرْباً))) لأنه
نائب مناب يضرب، وقيل: هو منصوب بالفعل المقدّر، والجملة خبر ((طَفَقَ)).
وفي رواية للبخاريّ من الطريق المذكورة: ((وطَفِقَ بالحجر ضرباً بعصاه)).
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٣/٤.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٤٢/٣.

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال النوويّ كَّتُهُ: يجوز أن يكون موسى ◌ِالَّه أراد بضرب الحجر إظهار
معجزةٍ لقومه بأثر الضرب في الحجر، ويَحْتَمِل أنه أُوحي إليه أن يضربه لإظهار
المعجزة، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبه، قال في ((الفتح)): هو من تَتِمّة مقول همّام بن
منبّه، وليس بمعلّق (وَاللهِ إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (بِالْحَجَرِ)
خبر مقدّم لقوله: (نَدَبُّ) بالنون والدال المفتوحتين: أي أثَرُ، قال في
((المنتهى)): النَّدَبُ: أَثَرُ الْجُرْح إذا لم يرتفع عن الجِلْد، وجُرْحٌ نَدِيبٌ ذُو نَدَبٍ،
وقد انتدَبْتُهُ: جعلته نَدَباً وأَثَراً، والجمع أَنْدابٌ ونُدُوبٌ، وفي ((الاشتقاق))
للرمّانيّ، عن الأصمعيّ: النَّدَبُ: هو الجرح إذا بقي منه أثَرٌ مُشرِفٌ، يقال:
ضربه حتی أندبه. انتهى (٢).
وقال المجد تَخْتُ: النَّدَبةُ: أَثَرُ الجرح الباقي على الجلد، جمعه نَذَبٌ،
وأَندابٌ، ونَدِبَ الجُرْح، كفَرِحَ: صَلْبَتْ نَدَبَته، كأندب، ونَدِبَ الظهرُ نَدَباً،
ونُدُوبَةً ونُدُوباً: صارت فيه نُدُوبٌ. انتهى (٣).
(سِتَّةٌ) بالرفع على البدلّة من (نَدَبٌ))، أي ستّة آثار (أَوْ سَبْعَةٌ) ((أو)) للشكّ
من الراوي، وقوله: (ضَرْبُ مُوسَى) خبر لمحذوف: أي هو ضرب موسى عليَّلاَ،
ويحتمل أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، أي أعني، هذا إن صحّ روايةً.
وأعرب بعضهم قوله: ((ستّةٌ أو سبعةٌ)) خبراً مقدّماً، و((ضربُ موسى)) مبتدأ
مؤخّراً، والوجه الأول أوضح وأولى، والله تعالى أعلم.
وفي رواية للبخاريّ: ((فوالله إن بالحجر لندَباً من أثر ضربه، ثلاثاً، أو
أربعاً، أو خمساً))، ووقع عند ابن مردويه من رواية حبيب بن سالم، عن أبي
هريرة الجزم بستّ ضربات، قاله في ((الفتح)).
وقوله: (بِالْحَجَرِ) ووقع في نسخة: ((الحجرَ))، وعلى الأول فالباء فيه
زائدة، و((الحجر)) مفعول لـ((ضَرْبُ))، ولا تكون الباء أصليّة متعلّقة بـ«ضربُ))؛
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٣/٤.
(٣) ((القاموس المحيط)) ١٣١/١.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٤١/٣.