Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩)
(فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ) قال النوويّ ◌َُّهُ: يجوز في ((الحيضة)) هنا
الوجهان: فتح الحاء، وكسرُها جوازاً حسناً. انتهى.
وقال الحافظ تَُّ - بعد نقل كلام النوويّ المذكور -: والذي في روايتنا
بفتح الحاء في الموضعين. انتهى(١).
(فَدَعِي الصَّلَاةَ)، أي اتركيها، يعني أنه إذا جاء الوقت الذي يعتادك فيه
الحيض، فاتركي الصلاة، قال في ((الفتح)): هذا يتضمّن نهي الحائض عن
الصلاة، وهو للتحريم، ويقتضي فساد الصلاة بالإجماع. انتهى(٢). (وَإِذَا
أَدْبَرَتْ)، أي ذهبت الحيضة، أي مضى وقتها المعتاد لك، وقال الزرقانيّ: أي
قدر الحيض على ما قدّره الشارع، أو على ما تراه المرأة باجتهادها، أو على
ما تقدّم من عادتها، احتمالات. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو الأولى؛ لأنه وَلّ قال لها:
((امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك))، فقد أمرها أن تقعد الأيام التي كانت
تحبسها حيضتها قبل ذلك، فيكون قوله: ((فإذا أدبرت)) أي تلك الأيام التي
اعتادتها فيها الحيضة، والله تعالى أعلم.
وقال ابن دقيق العيد تَخْتُ: الأشبه أن يريد قدر أيامها، وصحّف بعض
الطلبة هذه اللفظة بالذال المعجمة المفتوحة، وإنما هو بالدال المهملة، أي قَدْر
وقتها. انتهى.
قال ابن الملقّن رَّتُهُ: ومما يُبطل هذا التصحيف روايةُ: ((ولكن دعي
الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها)). انتهى (٣).
[تنبيه]: قال النوويّ ◌َخْلَتُهُ: المراد بالإدبار انقطاع الحيض، ومما ينبغي
أن يُعتَنَى به معرفة علامة انقطاع الحيض، وقَلَّ مَن أوضحه، وقد اعتنى به
جماعة من أصحابنا .
وحاصله أن علامة انقطاع الحيض، والحصول في الطهر أن ينقطع خروج
الدم، والصُّفْرةِ، والكُدْرة، وسواء خرجت رُطوبة بيضاء، أم لم يخرج شيء أصلاً.
(١) ((الفتح)) ٤٨٨/١.
(٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٨٢/٢ - ١٨٣.
(٢) ((الفتح)) ٣٩٦/١.
١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال البيهقيّ، وابن الصّاغ وغيرهما من أصحابنا: التَّرِيَّةُ رطوبة خفيفةٌ، لا
صفرة فيها ولا كدرة، تكون على القطنة أثراً لا لون، قالوا: وهذا يكون بعد
انقطاع دم الحيض.
قال النوويّ: التَّرِيّة - بفتح التاء المثناة من فوقُ، وكسر الراء، وبعدها ياء
مثناةٌ من تحتُ مشددة -.
وقد ذكره البخاريّ في ((صحيحه)) عن عائشة ◌َّا أنها قالت للنساء: ((لا
تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّة البيضاء))، تريد بذلك الطهر.
و((القَصّة)) - بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة - وهي الْحِصّ شُبِّهت
الرطوبة النقية الصافية بالجِصّ.
قال أصحابنا: إذا مَضَى زمن حيضتها وجب عليها أن تغتسل في الحال
لأول صلاة تُدركها، ولا يجوز لها أن تترك بعد ذلك صلاةً، ولا صوماً، ولا
يمتنع زوجها من وطئها، ولا تمتنع من شيء يفعله الطاهر، ولا تستظهر بشيء
أصلاً، وعن مالك: رواية أنها تستظهر بالإمساك عن هذه الأشياء ثلاثة أيام بعد
عادتها. انتهى كلام النوويّ تَخْذَهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نسبه النوويّ إلى مالك تَخْتُ إن صحّ
عنه، فمما لا وجه له؛ لمخالفته النص الصريح؛ لأنه وَلجر قال: ((وإذا أدبرت
فصلّي))، فأوجب عليها الصلاة بمجرد انقطاع الحيض، ولم يجعل عليها شيئاً
تستظهر به لا ساعةً، ولا أقلّ منها، فضلاً عن ثلاثة أيام، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
(فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي)))، أي بعد الاغتسال، كما صرّح به في
الرواية الآتية حيث قال: ((فاغتسلي، ثم صلّي)).
[تنبيه]: وقع الاختلاف بين أصحاب هشام بن عروة في هذا الحديث،
فمنهم مَن ذَكَر غسل الدم، ولم يذكر الاغتسال، كوكيع هنا، ومنهم مَن ذَكَر
الاغتسال، ولم يذكر الغسل، كابن شهاب في رواياته الآتية، وكلهم ثقات،
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢/٤.
١٢٣
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩)
وأحاديثهم في ((الصحيحين))، فيُحمل على أن كلّ فريق اختصر أحد الأمرين؛
لوضوحه عنده .
ووقع أيضاً اختلاف في زيادة: ((ثم توضئي لكل صلاة))، وطعن فيها
بعضهم بأنه مدرج، وبعضهم بأنه موقوفٌ على عروة، وسيأتي الجواب عن ذلك
حيث يشير المصنّف إلى إعلاله - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضيّنا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٥٩/١٣ و٧٦٠] (٣٣٣)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢٢٨) و((الحيض)) (٣٠٦ و٣٢٠ و٣٢٥ و٣٣١)،
و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٢٨٢ و٢٩٨)، و(الترمذيّ) فيها (١٢٥)، و(النسائيّ)
فيها (١٨١/١ و١٨٥ و١٨٦)، و(ابن ماجه) فيها (٦٢٤)، و(مالك) في
(الموطأ)) (٦١/١)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (١١٦٥)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (١٢٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢/٦ و١٣٧ و١٩٤ و٢٠٤
و٢٦٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩٩/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(١٣٥٠)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٢/١)، و(الدارقطنيّ) في
((سننه)) (٢١١/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١١٢)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (٣٢٣/١ و٣٢٤ و٣٢٥ و٣٢٧ و٣٢٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٣٢٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٢٧ و٩٢٨ و٩٢٩)، و(أبو نُعيم) في
((مستخرجه)) (٧٤٣ و٧٤٤ و٧٤٥ و٧٤٦ و٧٤٧ و٧٤٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الفرق بين دم الاستحاضة والحيض،، فدم الاستحاضة
يخرج من فرج المرأة في غير أوانه، من عِرْق يقال له: العاذل ـ بالعين
المهملة، وكسر الذال المعجمة - وأما دم الحيض، فإنه يخرج من قَعْر الرحم.
٢ - (ومنها): جواز استفتاء مَن وَقَعت له مسألة.
١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
٣ - (ومنها): جواز استفتاء المرأة بنفسها، ومشافهتها الرجال فيما يتعلق
بالطهارة، وأحداث النساء.
٤ - (ومنها): ردّ المرأة إلى عادتها في الحيض.
٥ - (ومنها): جواز استماع صوت المرأة عند الحاجة، قاله النوويّ رَّتُهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: ((عند الحاجة)) مبنيّ على قول من
يقول: إن صوتها عورة، وهو قول لا دليل عليه، فتنبّه.
٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْلُهُ: فيه نهي الحائض عن الصلاة في زمن
الحيض، وهو نهي تحريم، ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين،
وسواء في هذه الصلاة المفروضة والنافلة؛ لظاهر الحديث، وكذلك يحرم عليها
الطواف، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، وكل هذا مُتَّفقٌ
عليه .
قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد بقوله: ((متّفقٌ عليه)) اتّفاق أهل مذهبه،
فذاك، وإلا فالمسألة فيها خلاف بالنسبة لسجود التلاوة، والشكر، وسيأتي في
محلّه - إن شاء الله تعالى -.
قال: وقد أجمع العلماء على أنها ليست مكلَّفةً بالصلاة، وعلى أنه لا
قضاء عليها. انتهى(١).
٧ - (ومنها): نجاسة دم الحيض والاستحاضة، ووجوب غسله قبل
الدخول في الصلاة من بدن المرأة وثوبها .
٨ - (ومنها): نجاسة الدم، وهو إجماعٌ، إلا من شذّ (٢).
٩ - (ومنها): أن الصلاة تجب على المستحاضة بمجرد انقطاع حيضها،
وأن الصلاة واجبة عليها أبداً إلا في الأيام التي يُحكم بأنها حيض، وهذا
إجماع.
١٠ - (ومنها): أن الصلاة لا يتركها من عليه الدم، كما فعل عمر
حيث صلّى وجُرحه يسيل دماً.
مضى عنْه
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١/٤ - ٢٢.
(٢) ((الإعلام)) ١٨٣/٢.
١٢٥
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩)
١١ - (ومنها): ترك الحائض الصلاة، وهو إجماع لم يُخالف فيه إلا
الخوارج.
قال الجامع عفا الله عنه: أما ما نُقل من بعض السلف من أنه يُستحبّ
للحائض إذا دخل وقت الصلاة أن تتوضّأ، وتستقبل القبلة، وتذكر الله تعالى،
فمن البدع المنكرة، ومن الغلوّ الممنوع؛ لأن الله تعالى أكمل دينه، وأتمّه
بموت النبيّ ◌َّ، فلو كان خيراً وحسناً لما تركه، فإن النساء كنّ يحضن في
زمان نزول الوحي، فهل سُمع بأنهنّ، أو بعضهنّ كنّ يفعلن هكذا؟ كلا والله،
ثم كلاً، بل هذا هو التنطّع والغلوّ في الدين، وقد قال رَّ: ((إياكم والغلو في
الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين))(١)، فتبصر، ولا تكن من
الغافلين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
١٢ - (ومنها): بيان أن المرأة إذا مَيَّزت دم الحيض من دم الاستحاضة
تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا أنقضى قَدْرُه اغتَسَلت عنه،
ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضأ لكل صلاة، لكنها لا
تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة، مؤداةً أو مقضيةً؛ لظاهر قوله ◌َالفتن :
((ثم توضئي لكل صلاة))، وبهذا قال الجمهور، وعند الحنفية أن الوضوء متعلِّق
بوقت الصلاة، فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة، وما شاءت من الفوائت ما
لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله: ((وتوضئي لكل صلاة))،
أي لوقت كل صلاة، ففيه دعوى مجاز الحذف، ويحتاج إلى دليل، وعند
المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة، ولا يجب إلا بحَدَث آخر، وقال
أحمد، وإسحاق: إن اغتسلت لكل فرض فهو أحوط، وسيأتي تمام البحث فيه
قريباً - إن شاء الله تعالى -.
١٣ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد تَخَّتُهُ: في قوله وَله: ((فإذا
أقبلت الحيضة)) تعليقُ الحكم بالإقبال والإدبار، فلا بدّ أن يكون معلوماً لها
بعلامة تعرفها، فإن كانت مميّزةً رُدّت إلى التمييز، فإقبالها بُدُوّ الدم الأسود،
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في: ((سننه)) برقم (٣٠٢٩).
١٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وإدبارها إدبار ما هو بصفة الحيض، وإن كانت معتادةً رُدّت إلى العادة، فإقبالها
وجود الدم في أول أيام العادة، وإدبارها انقضاء أيام العادة.
وقد ورد في حديث فاطمة ما يقتضي الردّ إلى التمييز، وقالوا: إن حديثها
في المميّزة، وحمل قوله: ((فإذا أقبلت الحيضة)) على الحيضة المألوفة، قال:
وأقوى الروايات في الردّ إلى التمييز الرواية التي فيها: ((دمُ الحيض أسود
يُعْرَفُ، فإذا كان ذلك، فأمسكي عن الصلاة))، وأما الردّ إلى العادة، ففي
قوله وقلله: ((ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها)). انتهى(١).
١٤ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن تَخّْتُهُ: فيه دليل على الردّ إلى العادة؛
لأن الحديث يدلّ بلفظه على أن هذه المرأة كانت معتادةً؛ لقوله {وَّ: ((قدر
الأيام))، وهو يقتضي أنه كان لها أيام تحيض فيها، وليس فيه أنها كانت مميّزة،
أو غير مميّزة، فإن ثبت ما يدلّ على التمييز فذاك، وإلا رُدّت إلى العادة،
والتمسّك به يدلّ على أن ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام
الاحتمال، يُنزّل منزلة العموم في المقال، ويجوز أن يكون عَلِم الواقعة في
التمييز أو عدمه، وأجاب على ما عَلِم. انتهى (٢).
١٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﴿ّه من الرجوع فيما يحدُث لهم
من الأمور كلّها إلى رسول الله وَله، والسؤال عن الأحكام، وجوابه وَّ عنها.
[تنبيه]: قد استنبط من هذا الحديث الرازي الحنفيّ أن مدة أقل الحيض
ثلاثة أيام، وأكثره عشرة؛ لقوله: ((قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها))؛ لأن
أقل ما يُطلق عليه لفظ ((أيام)) ثلاثة، وأكثره عشرة، فأما ما دون الثلاثة، فإنما
يقال له: يومان، ويوم، وأما ما فوق عشرة، فإنما يقال: أحد عشر يوماً،
وهكذا إلى عشرين، قال الحافظ تَخْتُ: وفي الاستدلال بذلك نظر، ذكره في
((الفتح) (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الأخبار الواردة في المستحاضة التي
استمرّ بها الدم، واختلاف أهل العلم في أمرها :
(١) راجع: ((الإعلام)) ١٨٩/٢ - ١٩٠.
(٣) ((الفتح)) ٤٨٨/١.
(٢) ((الإعلام)) ١٨٦/٢.
١٢٧
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩)
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَُّهُ: رَوَينا في هذا الباب ثلاثة أخبار،
أَجْمَعَ أهلُ العلم على القول بأحدها وتثبيته، واختلفوا في الخبرين الآخرين،
فأَثبتت القول بهما فرقة، ونَفَت فرقة القول بهما، ونَفَت فرقة القول بأحدهما،
وأثبتت القول بالآخر، ثم قال:
ذكر الخبر الذي أجمع أهل العلم على القول به وتثبيته
ثم أخرج بسنده حديث عائشة رضينا المذكور هنا.
ثم قال: اختَلَف أصحابنا بعد إجماعهم على صحة هذا الخبر في المعنى
الذي له أمرها النبيّ وَلّه بترك الصلاة إذا أقبلت الحيضة، وأمره إياها بالصلاة
عند إدبارها، فكان الشافعي يقول: يدُلّ حديث عائشة هذا على أن فاطمة بنت
أبي حُبيش كان دم استحاضتها منفصلاً، من دم حيضها؛ لجواب النبيّ وَّ،
وذلك أنه قال: ((إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي
عنك الدم، وصلي))، فنقول: إذا كان الدم ينفصل، فيكون في أيام قانئاً ثخيناً
مُحتَدِماً يَضرِب الى السواد، له رائحة، فتلك الحيضة نفسُها، فلتدع الصلاة،
فإذا ذهب ذلك الدم، وجاءها الدم الأحمر الرقيق الْمُشرِق، فهو عِرْق، وليست
بالحيضة، وهو الظُّهور، وعليها أن تغتسل، وتصلي.
وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق يقولان: وإذا كانت في معنى فاطمة،
كان الجواب فيه كما أجاب رسول الله وَّل فاطمة، وهذه إذا كان دمها ينفصل،
وقال أبو عبيد بمثل هذا المعنى.
وكان الأوزاعيّ يقول: لا يُوَقَّت في المستحاضة إذا لم يُعْرَف وقتُ
نسائها، ولم يكن لها أيام تُعْرَف فيما مضى، أخذنا بهذا الحديث: ((إذا أقبلت
الحيضة، فدعي الصلاة))، قال الأوزاعي: وإقبالها سواد الدم، ونَتْنه، وتغيُّره لا
يدوم عليها؛ لأنه لو دام عليها قتلها، فإذا اسودّ الدم، فهو حيض، فإذا أدبرت
الحيضة، فصارت صُفْرة أو كُدْرة، فهي استحاضة.
قال ابن المنذر: وذهب غيرهم من أصحابنا إلى غير هذا المعنى، وقال:
إنما أمرها النبيّ وَ ◌ّ بأن تَدَع الصلاة قدر أيامها المعروفة، كان عندها قبل أن
تُستحاض، قال: وذلك بَيِّنٌّ في الأخبار الثابتة بالأسانيد المتصلة، يُستَغنى
بظاهرها عن غيرها .
١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال: فقوله ◌َله: ((فإذا ذهب قدرها)) يريد قدر الحيضة المعلومة قبل أن
تُستحاض، وهذا مُستغنى به عما سواه، وقد روى هذا الحديث - يعني
فاطمة بنت أبي حبيش المذكور - أبو أسامة، وذكر في الحديث أنه قال: ((ولكن
دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تَحِيضين فيها، ثم اغتسلي، وصلي)).
ثم ذَكَر أحد الخبرين المختَلَف في ثبوته، فقال:
أخبرنا الربيع، أنبا الشافعيّ، أنبا مالك، عن نافع، عن سليمان بن
يسار، عن أم سلمة، أن امرأة كانت تُهَراق الدماءَ على عهد رسول الله وَّةِ،
فاستفتت لها أمُّ سلمة رسول الله وَّر، فقال: ((لتنظر عدد الأيام والليالي التي
كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر
ذلك من الشهر، فإذا خَلَّفت، فلتغتسل، ثم لْتَسْتَثْفِر بثوب، ثم تصلي)).
ثم ذَكَر الخبر الثالث المختَلَف في ثبوته، فقال:
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الرزاق، أنبا ابن جريج، عن
عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن
طلحة، عن أم حبيبة.
وحدثنا محمد بن خلف بن شعبة، والحديث له، ثنا زكريا بن عديّ، ثنا
عبيد الله، عن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن إبراهيم، هو ابن
محمد بن طلحة، عن عمران بن طلحة، عن بنت جحش - يعني حمنة - أنها
قالت: كنت أُستحاض حيضةً شديدةً كثيرةً، فجئت رسول الله وَّ﴾ أستفتیه،
وأُخبره، فوجدته في بيت زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إن لي إليك
حاجة، قال: ((ما هي يا هناه؟ قلت: إني لأستحي منك، وإنه لحديثٌ ما منه
بُدّ، وإني أستحاض حيضةً شديدةً، فما ترى، تقول فيها يا رسول الله؟، قد
منعني الصوم والصلاة، قال: ((أَنْعَتُ لكِ الْكُرْسُف، فإنه يذهب بالدم))، قالت:
فإنه أكثر من ذلك، قال: ((فَتَلَجَّمي))، قالت: فإنه أكثر من ذلك، إني أَتُجّ ثَجّاً،
قال: ((آمرك بأمرين، أيهما فعلت أجزأك من الآخر، وإن قَوِيت عليهما، فأنت
أعلم، إنما هي رَكْضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في
علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا استنقأت، فصلي أربعاً وعشرين، أو ثلاثاً
وعشرين ليلةً وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزيك، كذلك فافعلي في كل شهر،
١٢٩
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩)
كما تَحِيض النساء، وكما يَظْهُرن لميقات حيضهن وطهرهن، وإن قَوِيت على أن
تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، ثم تغتسلين، وتصلين الظهر والعصر جمعاً،
وتؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلي، وتجمعي بين الصلاتين، ثم
تغتسلي مع الفجر، ثم تصلي، كذلك فافعلي، وصومي، وصلي إن قويت على
ذلك))، قال رسول الله وَله: ((وهذا أعجب الأمرين إليّ)).
قال أبو عبيد: ((الْكُرْسُفُ)): القطن، وقولها: أَثُجُّه ثَجّاً: هو من الماء
الثّجّاج، وهو السائل، وقوله: ((تلجمي)) يقول: شُدِّي لِجَاماً، وهو شبيه بقوله:
((استثفري))، والاستثمار يكون من ثَفَر الدابة، شَبَّهَ هذا اللجام بالثَّفَر؛ لأنه يكون
تحت ذنب الدابة. انتهى.
قال ابن المنذر: وأما الفرقة التي نَفَت القول بخبر أم سلمة، وخبر بنت
جحش، فإنهم دفعوا خبر سليمان بن يسار بأنهم قالوا: خبر سليمان بن يسار
خبرٌ غيرُ متصل، لا يصح من جهة النقل، وذلك أن غير واحد من المحدثين
أدخل بين سليمان بن يسار وبين أم سلمة رجلاً، اسمه مجهول، والمجهول لا
يجوز الاحتجاج بحديثه؛ إذ هو في معنى المنقطع الذي لا تقوم به الحجة.
قال: وأما حديث ابن عَقِيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة في قصة
حَمْنة، فليس يجوز الاحتجاج به من وجوه، كان مالك بن أنس لا يروي عن
ابن عَقِيل، قال الدافع لهذين الخبرين: وفي متن الحديث كلام مستنكر، زعمت
أن النبيّ وَّ جَعَل الاختيار إليها، فقال لها: ((تَحَيَّضي في علم الله ستّاً أو
سبعاً))، قالوا: وليس يخلو اليوم السابع من أن تكون حائضاً أو طاهراً، فإن
كانت حائضاً فيه، واختارت أن تكون طاهراً، فقد ألزمت نفسها الصلاة في يوم
هي فيه حائض، وصلت وصامت وهي حائض، وإن كانت طاهراً اختارت أن
تكون حائضاً، فقد أسقطت عن نفسها فرض الله عليها في الصلاة والصوم،
وحَرَّمت نفسها على زوجها في ذلك اليوم، وهي في حكم الطاهر، وهذا غير
جائز، وغير جائز أن تُخَيَّر مرة بين أن تُلْزِم نفسها الفرض في حال، وتُسقط
الفرض عن نفسها إن شاءت في تلك الحال.
قال: ثم اختلفوا في تأويل هذه الأخبار الثلاثة، فأما فرقة فنفت القول
بهذين الخبرين: خبر أم سلمة، وخبر بنت جحش، وقالت فرقة بها كلِّها،
١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وممن قال بها كلُّها أبو عبيد القاسم بن سلام، ذكر أبو عبيد أن الناس تكلموا
في الحيض قديماً وحديثاً، ووَقَّتوا فيه أوقاتاً مختلفةً، فلما رأينا الأوقات من
العلماء قد اختُلِفت فيه، رددنا علم ذلك كله إلى سنة رسول الله وَّر، ثم انتهينا
إليها؛ لأن الله جل ذكره يقول: ﴿فَإِن نَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[النساء: ٥٩]، فنظرنا في سنة رسول الله وَّة، فوجدناه قد بَيَّن فيه ثلاثَ سُنَن
تَبَيَّن فيها كلُّ مشكل لمن سمعها وفهمها، حتى لا يَدَع لأحد فيها مقالاً بالرأي.
أما أحد السنن الثلاث، فهي الحائض التي لها أيام معلومة، قد حاضتها
بلا اختلاط عليها، ثم استحيضت، واستَمَرَّ بها الدم، وهي في ذلك تَعْرِف
أيامها، ومبلغ عددها، فذكر حديث أم سلمة ◌َّا الذي ذكرناه، وذكر حديثاً
عن عائشة طوقها(١).
قال أبو عبيد: وأما السنة الثانية، ففي الحائض التي لها أيام متقدمة، قد
جَرَت عليها، وعرفتها، ثم استَمَرَّ بها الدم، وطال حتى اختلطت عليها أيامها،
وزادت ونقصت، وتقدمت وتأخرت، حتى صارت لا تَعْرِف عددها، ولا وقتها
من الشهور، فاحتُجَّ لمن هذه قصتها بحديث عائشة الذي بدأنا بذكره، وهو الخبر
الثابت، خبر عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وأما السنة الثالثة، فهي التي
ليست لها أيام متقبهمةٌ، ولم تَرَ الدم قط، ثم رأته أول ما أدركت، فاستمر بها،
فإن سنة هذه غير سنة الأولى والثانية، وذَكَر حديث بنت جحش الذي رواه ابن
عَقِيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه، عن حمنة بنت جحش.
(١) هو ما أخرجه ابن ماجه في سننه، فقال: (٦٢٤) حدثنا علي بن محمد، وأبو
بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن
عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبيّ وَّ،
فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: ((لا،
إنما ذلكِ عرق، وليست بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي،
وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير)).
وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلّس، وقد خالفه
هشام بن عروة، فليست عنده هذه الزيادة، وقد أخرجه البخاريّ عن طريقه،
راجع: ((إرواء الغليل)) للشيخ الألباني ٢٢٥/١ رقم (٢٠٨).
١٣١
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩)
وقال أحمد، وإسحاق خلاف قول أبي عبيد، قالا: إذا استحيضت المرأة،
واستمر بها الدم، وهي غير عارفة بأيامها فيما مضى، وليس ينفصل دمها، فتَعْرِف
إقباله من إدباره، ووَصَفت من كثرة دمها وغلبته نحواً مما وَصَفت حمنة، فإنها
تجلس ستة أيام، أو سبعة أيام على حديث حمنة، وذلك وسط من حيض النساء.
قال ابن المنذر: فقول أحمد وإسحاق هذا، وتأويلهما لحديث حمنة
خلاف تأويل أبي عبيد؛ لأن أبا عبيد إنما تأوَّل حديث حمنة، فيمن ليست لها
أيام متقدمة، ولم تَرَ الدم، وتأويل الحديث عند أحمد وإسحاق لمن هي غير
عارفة بأيامها فيما مضى ضِدَّ ما قال أبو عبيد، وتأوَّل الشافعي حديث حمنة
على غير ما تأوله هؤلاء.
وكان الشافعي يقول بعد ذكره لحديث حمنة: هذا يدلّ على أنها كانت
تعرف أيام حيضها ستّاً أو سبعاً، فلذلك قال لها النبيّ وَله: ((فإن قَوِيتِ أن
تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، وتغتسلي حين تطهرين، وتصلين الظهر والعصر
جميعاً، ثم تؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلي، وتجمعي بين
المغرب والعشاء فافعلي، وتغتسلين عند الفجر، ثم تصلين الصبح، وكذلك
فافعلي، وصومي إن قويت على ذلك، وهذا أحب الأمرين إليّ))، قال
الشافعيّ: هذا يدلّ على أنها كانت تَعْرف أيام حيضتها ستّاً أو سبعاً، فلذلك
قال لها رسول الله له .
وكان الشافعيّ بعد أن ذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث أم
سلمة، وحديث حمنة، يقول: وبهذه الأحاديث الثلاثة نأخذ، وهي عندنا متفقة
فيما فيه، وفي بعضها زيادة على بعض، فذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش،
وقد ذكرتُ قوله فيه فيما مضى، وقد ذكرنا عنه قوله في حديث حمنة، قال:
وجواب النبيّ ◌َّ﴾ في حديث أم سلمة المستحاضةَ يدل على أن المرأة التي
سألت لها أمُّ سلمة، كانت لا ينفصل دمها، فأمرها أن تترك الصلاة عدد الليالي
والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، والله
أعلم. انتهى كلام ابن المنذر رَّتُهُ(١).
(١) ((الأوسط)) ٢١٨/٢ - ٢٢٧.
١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ها في قصّة فاطمة بنت أبي
حبيش ◌َّا لا شكّ في صحّته؛ إذ هو متّفقٌ عليه.
وأما حديث أم سلمة ◌ّا، وإن أعلّوه بالانقطاع، أو جهالة الواسطة،
كما تقدّم في كلام ابن المنذر، فالصحيح أنه صحيح؛ لأن سليمان بن يسار
تابعيّ ثقة ثبت، أدرك أم سلمة دون شكّ، وقد ذكروه فيمن سمع منها، ولم
يُطعن بالتدليس، فروايته محمولة على الاتّصال، ولا تُعل برواية من أدخل
الواسطة بينه وبينها؛ لأنه على تقدير صحتها يُحمل على أنه سمع الحديث منها
مباشرة وبواسطة، كما هو معروف في روايات الثقات، وقد ذكر مثل هذا
التأويل ابن التركماني في ((الجوهر النقيّ))، وقد أجاد الشيخ الألبانيّ البحث في
هذا، في كتابه ((صحيح سنن أبي داود))، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم(١).
وأما حديث حمنة بنت جحش طفها، فقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ،
وابن ماجه، وغيرهم، وحسّنه الشيخ الألبانيّ كَّتُهُ، قال: وهذا إسناد حسن،
رجاله ثقات، غير ابن عَقِيل، وقد تكلّم فيه بعضهم من قِبَل حفظه، وهو في
نفسه صدوقٌ، فحديثه في مرتبة الحسن، وكان أحمد وابن راهويه يحتجّان به،
كما قال الذهبيّ، ولهذا قال الترمذيّ عقب هذا الحديث: حسنٌ صحيحٌ،
وسألت محمداً - يعني البخاريّ - عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسنٌ
صحيح، وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسنٌ صحيح. انتهى. كلام
الشيخ الألبانيّ كَُّهُ، وهو تحقيقٌ حسنٌّ، والله تعالى أعلم.
ثم إن أقرب التأويلات في الجمع بين الأحاديث هو الذي مشى عليه
الإمام الشافعيّ دكّتُهُ.
وحاصله أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش يُحمل على من كانت تميّز بين
دم استحاضتها ودم حيضها، فإذا استمرّ بها الدم، وهي تعرف دم الحيض إذا
أقبل بأوصافه المعروفة لدى النساء، فإنها تقعد أيامها، فإذا ذهب ذلك، فإنها
تغتسل، وتصلّي.
وأما حديث حمنة ◌ًا، فإنه يُحمل على من لا تميّز بين الدمين، ولكنها
(١) ((صحيح سنن أبي داود)) ٣٠/٢ - ٣٣.
١٣٣
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩)
كانت تعرف أيام حيضها، إما ستة أو سبعة، فتجلس مقدار تلك الأيام، فإذا
ذهبت تغتسل، وتصلي.
وأما حديث أم سلمة ◌ّا، فيحمل على المرأة التي لا تعرف عدد أيام
حيضها، ولا تميّز بين الدمين، أو كانت مبتدأة، لم تحض قبلُ قط، فإنها تقعد
مثل ما يقعد أغلب نساء قومها، أمها، وأخواتها، ونحوهنّ.
والحاصل أن التي لها عادة ترجع إلى عادتها، والتي لا عادة لها، ولكنها
مميّزة تعمل بالتمييز، والتي لا عادة لها، ولا تمييز، فإنها ترجع، فبهذا تتفق
الأحاديث، بلا تعارض، ولا دعوى نسخ، ولا تضعيف لصحيح، وقد أشبعت
البحث في هذا في ((شرح النسائيّ))(١)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): ذكر النوويّ كَّتُهُ فوائد مما يتعلّق بحكم
الاستحاضة، فقال:
وأما حكم المستحاضة، فهو مبسوط في كتب الفقه أحسن بسط، وأنا
أشير إلى أطراف من مسائلها، فاعلم أن المستحاضة لها حكم الطاهرات في
معظم الأحكام، فيجوز لزوجها وطؤها في حال جريان الدم عندنا، وعند
جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر في ((الإشراف)) عن ابن عباس، وابن
المسيِّب، والحسن البصريّ، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي
سليمان، وبكر بن عبد الله المزنيّ، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومالك، وإسحاق،
وأبي ثور. قال ابن المنذر: وبه أقول، قال: ورَوَينا عن عائشة ◌َّا أنها قالت:
لا يأتيها زوجها، وبه قال النخعيّ، والحكم، وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد:
لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية عنه تَّتُهُ أنه لا يجوز وطؤها إلا أن
يخاف زوجها الْعَنَتَ، والمختار ما قَدَّمناه عن الجمهور.
والدليل عليه ما رَوَى عكرمة، عن حمنة بنت جحش ◌َيّا أنها كانت
مستحاضةً، وكان زوجها يجامعها، رواه أبو داود، والبيهقيّ، وغيرهما بهذا
اللفظ، بإسناد حسن.
(١) راجع: ((المجتبى)) ١٧٨/٤ - ١٨٤.
١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال البخاريّ في ((صحيحه)): قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها
إذا صَلَّت، الصلاة أعظم، ولأن المستحاضة كالطاهرة في الصلاة والصوم
وغيرهما، فكذا في الجماع، ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يَرِد الشرع
بتحريمه، والله تعالى أعلم.
وأما الصلاة، والصيام، والاعتكاف، وقراءة القرآن، ومسّ المصحف،
وحمله، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، ووجوب العبادات عليها، فهي في
كل ذلك كالطاهرة، وهذا مُجْمَعٌ عليه، وإذا أرادت المستحاضة الصلاة، فإنها
تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث، وطهارة النجس، فتغسل فرجها قبل الوضوء
والتيمم، إن كانت تتيمم، وتحشو فرجها بقطنة، أو خرقة؛ رفعاً للنجاسة، أو
تقليلاً لها، فإن كان دمها قليلاً يندفع بذلك وحده، فلا شيء عليها غيره، وإن
لم يندفع شَدَّت مع ذلك على فرجها، وتَلَجَّمت.
وهو أن تشدّ على وسطها خرقةً، أو خيطاً، أو نحوه على صورة التِّكّة،
وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين، فتدخلها بين فخذيها وأليتيها، وتشد
الطرفين بالخرقة التي في وسطها، أحدهما قُدَّامها عند سُرّتها، والأخرى
خلفها، وتُحْكِم ذلك الشدّ، وتُلصق هذه الخرقة المشدودة بين الفخذين بالقطنة
التي على الفرج إلصاقاً جيّداً، وهذا الفعل يُسَمَّى تَلَجُّماً، واستثفاراً، وتعصيباً.
قال أصحابنا: وهذا الشدّ والتلجم واجب إلا في موضعين:
[أحدهما]: أن تتأذى بالشدّ، ويُحرقها اجتماع الدم، فلا يلزمها؛ لما فيه
من الضرر.
[والثاني]: أن تكون صائمة، فتترك الحشو في النهار، وتقتصر على
الشدّ، قال أصحابنا: ويجب تقديم الشدّ والتلجم على الوضوء، وتتوضأ عقيب
الشدّ من غير إمهال، فإن شدّت وتلجّمت، وأخَّرت الوضوء، وتطاول الزمان
ففي صحة وضوئها وجهان، الأصحّ أنه لا يصحّ.
قال الجامع عفا الله عنه: تصحيح هذا القول فيه نظر لا يخفى، فإنه اليه
حين أمرها بالتلجّم، والوضوء لكلّ صلاة، ما اشترط عليها هذا الشرط، بل
أطلقه إطلاقاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وإذا استوثَقَت بالشدّ على الصفة التي ذكرناها، ثم خرج منها دم من
١٣٥
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩)
غير تفريط، لم تبطل طهارتها، ولا صلاتها، ولها أن تصلي بعدَ فرضها ما
شاءت من النوافل؛ لعدم تفريطها، ولتعذر الاحتراز عن ذلك، أما إذا خرج
الدم لتقصيرها في الشدّ، أو زالت العصابة عن موضعها؛ لضعف الشدّ، فزاد
خروج الدم بسببه، فإنه يبطل طهرها، فإن كان ذلك في أثناء صلاة بطلت، وإن
كان بعد فريضة لم تستبح النافلة؛ لتقصيرها، وأما تجديد غسل الفرج وحشوه
وشدّه لكل فريضة، فيُنظَر فيه إن زالت العصابة عن موضعها زوالاً له تأثير، أو
ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد، وإن لم تزل العصابة عن
موضعها، ولا ظهر الدم ففيه وجهان لأصحابنا، أصحهما وجوب التجدید كما
يجب تجديد الوضوء.
قال: ثم اعلم أن مذهبنا أن المستحاضة لا تصلي بطهارة واحدة أكثر من
فريضة واحدة، مؤداةً كانت أو مقضيةً، وتستبيح معها ما شاءت من النوافل قبل
الفريضة وبعدها، ولنا وجهٌ أنها لا تستبيح أصلاً؛ لعدم ضرورتها إلى النافلة،
والصواب الأول، وحُكِي مثل مذهبنا عن عروة بن الزبير، وسفيان الثوريّ،
وأحمد، وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة: طهارتها مقدرة بالوقت، فتصلي في الوقت بطهارتها
الواحدة ما شاءت من الفرائض الفائتة.
وقال ربيعة، ومالك، وداود: دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء، فإذا
تطهرت فلها أن تصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض، إلى أن تُحدث بغير
الاستحاضة.
قال أصحابنا: ولا يصح وضوء المستحاضة لفريضة قبل دخول وقتها،
وقال أبو حنيفة: يجوز، ودليلنا أنها طهارة ضرورة فلا تجوز قبل وقت الحاجة.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم جواز وضوئها قبل الوقت يحتاج إلى
دليل؛ إذ النصّ: ((ثم توضئي لكلّ صلاة))، ولم يقيّده بكونه في الوقت فقط،
فتدبّر، والله تعالى أعلم.
قال أصحابنا: وإذا توضأت بادرت إلى الصلاة عقب طهارتها، فإن
أخّرت بأن توضأت في أول الوقت، وصلّت في وسطه نُظِر، إن كان التأخير
للاشتغال بسبب من أسباب الصلاة، كستر العورة، والأذان والإقامة، والاجتهاد
١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
في القبلة، والذهاب إلى المسجد الأعظم، والمواضع الشريفة، والسعي في
تحصيل سُتْرة تصلي إليها، وانتظار الجمعة والجماعة، وما أشبه ذلك، جاز
على المذهب الصحيح المشهور، ولنا وجه أنه لا يجوز، وليس بشيء.
وأما إذا أخرت بغير سبب من هذه الأسباب، وما في معناها ففيه ثلاثة
أوجه: أصحها لا يجوز، وتبطل طهارتها، والثاني: يجوز، ولا تبطل طهارتها،
ولها أن تصلي بها، ولو بعد خروج الوقت. والثالث: لها التأخير ما لم يَخرُج
وقت الفريضة، فإن خرج الوقت فليس لها أن تصلي بتلك الطهارة.
قال الجامع عفا الله عنه: القول الثاني هو الأرجح عندي، وأما الآخران
ففيهما نظر لا يخفى، فأين النصّ الذي فصّل هذا التفصيل؟ فقد أباح لها أن
تصلي كلّ صلاة بوضوء، ولم يقيّد ذلك بشيء من التقديم والتأخير، وكونه في
الوقت أو بعده، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
قال: قال أصحابنا: وكيفية نية المستحاضة في وضوئها أن تنوي استباحة
الصلاة، ولا تقتصر على نية رفع الحدث، ولنا وجه أنه يجزئها الاقتصار على
نية رفع الحدث، ووجهٌ ثالث أنه يجب عليها الجمع بين نية استباحة الصلاة
ورفع الحدث، والصحيح الأول، فإِذا توضأت المستحاضة استباحت الصلاةَ،
وهل يقال: ارتفع حدثها؟ فيه أوجه لأصحابنا، الأصح أنه لا يرتفع شيء من
حدثها، بل تستبيح الصلاة بهذه الطهارة مع وجود الحدث، كالمتيمم، فإنه
محدث عندنا، والثاني: يرتفع حدثها السابق والمقارن للطهارة دون المستقبل،
والثالث: يرتفع الماضي وحده.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول الثاني أرجح؛ حيث إنها مثل
المتيمّم، والمتيمّم يرتفع حدثه على الأرجح، كما حقّقته في ((شرح النسائيّ))،
وسيأتي هنا أيضاً في موضعه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.
قال: (واعلم): أنه لا يجب على المستحاضة الغسل لشيء من الصلاة،
ولا في وقت من الأوقات إلا مرةً واحدةً في وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال
جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مروي عن عليّ، وابن مسعود، وابن
﴿، وهو قول عروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن،
عباس، وعائشة
ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد.
١٣٧
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩)
ورُوي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء بن أبي رباح أنهم قالوا: يجب
عليها أن تغتسل لكل صلاة، ورُوي هذا أيضاً عن عليّ، وابن عباس، وروي عن
عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلاً واحداً، وعن ابن المسيب، والحسن
قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر دائماً، والله تعالى أعلم.
ودليل الجمهور أن الأصل عدم الوجوب، فلا يجب إلا ما ورد الشرع
بإيجابه، ولم يصحّ عن النبيّ وَلتر أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع
حيضها، وهو قوله ◌َ﴾: ((إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت
فاغتسلي))، وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل، وأما الأحاديث الواردة في
سنن أبي داود، والبيهقيّ، وغيرهما أن النبيّ وَّ ر أمرها بالغسل، فليس فيها
شيء ثابتٌ، وقد بَيّن البيهقيّ، ومَن قبله ضعفها، وإنما صح في هذا ما رواه
البخاريّ، ومسلم، في (صحيحيهما)): أن أم حبيبة بنت جحش ◌َّا
استحيضت، فقال لها رسول الله وَله: ((إنما ذلك عِرْق، فاغتسلي، ثم صلي))،
فكانت تغتسل عند كل صلاة.
قال الشافعي تَّتُهُ: إنما أمرها رسول الله وَ طهر أن تغتسل، وتصلي، وليس
فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا شك - إن شاء الله تعالى - أن
غسلها كان تطوعاً غير ما أُمِرت به، وذلك واسع لها، هذا كلام الشافعي تَظّتْهُ
بلفظه، وكذا قال شيخه سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وغيرهما،
وعباراتهم متقاربة، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ من تضعيف أحاديث
أمره * لها بالاغتسال لكلّ صلاة، ليس مقبولاً، بل الحقّ أن الأحاديث
صحيحة، كما حقّقت ذلك في شرح النسائيّ، وإنما وجه الأحاديث أن يُحمل
الأمر فيها على الاستحباب، لا على الوجوب، بدليل أمره وَّ لها بالوضوء
عند كلّ صلاة، فإن هذا يصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب.
والحاصل أن المستحاضة، تغتسل عند كلّ صلاة استحباباً، وإن اقتصرت
على الوضوء أجزأها، وإن أردت تحقيق المسألة، فارجع إلى ما كتبته في
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/٤ - ٢٠.
١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
((شرح النسائيّ)) تستفد علماً جَمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٧٦٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ،
وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ،
حَدَّثَنَا أَبِي (ح)، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، كُلَّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ وَكِيعٍ، وَإِسْنَادِهِ، وَفِّي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرِ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ
بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ عَبْدِّ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَّا، قَالَ: وَفِي حَدِيثٍ
حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ زِيَادَةُ حَرْفٍ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عُبيد الدّراورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ
مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطىء [٨] (ت ٦
أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) عن (٩٠) سنةَ (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٥ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ،
وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٦ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٧ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ،
سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
١٣٩
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦٠)
٨ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلبة البزّار (١) المقرىء البغداديّ، ثقة، له
اختيارات في القراءات [١٠] (ت٢٢٩) (ن د) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
٩ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
١٠ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم في السند السابق، وكذا شرح الحديث،
وبیان مسائله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إلخ)، أي كلّ هؤلاء الخمسة، وهم:
عبد العزيز الدراورديّ، وأبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن
نُمير، وحماد بن زيد، فكلهم رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة، بمثل
حديث وكيع عنه، عن أبيه، عن عائشة ينا .
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ بْنِ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ) أراد بهذا بيان مخالفة قتيبة، عن جرير في جدّ فاطمة،
حيث قال: ((ابن عبد المطّلب))، والباقون قالوا: ((ابن المطّلب))، وهو
الصواب، قال النوويّ كَّتُهُ: وقع في الأصول ((ابن عبد المطلب))، واتَّفَقَ
العلماء على أنه وَهَمٌ، والصواب فاطمة بنت أبي حُبيش بن المطلب، بحذف
لفظة ((عبد))، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
وقوله: (وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَّا) معناه: أنها من بني أسد، والقائل هو هشام بن
عروة، أو أبوه عروة بن الزبير بن العوام بن خُويلد بن أسد بن عبد الْعُزّى، قاله
النوويّ رَّتُهُ(٣).
وقوله: (قَالَ: وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَبْدٍ زِيَادَهُ حَرْفٍ) أراد بالحرف هنا
الجملة، وهي قوله: ((وتوضئي لكلّ صلاة)).
وقوله: (تَرَكْنَا ذِكْرَهُ) أشار بهذا أن زيادة حماد شاذّة؛ لكونه خالف بها
(١) بالزاي، آخره راء.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١/٤، وراجع أيضاً كلام الجيّانيّ في: ((التقييد)) ٧٩٤/٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢١/٤.
١٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
جماعة الحفّاظ الذين رووا الحديث عن هشام بن عروة، وهم الأربعة الباقون،
فكلهم لم يذكر هذه الزيادة، ولذلك تركها .
قال القاضي عياض تَّتُهُ: الحرف الذي تركه، هو قوله: ((اغسلي عنك
الدم، وتوضئي))، ذكر هذه الزيادة النسائيّ وغيره، وأسقطها مسلم؛ لأنها مما
انفرد به حماد، قال النسائيّ: لا نعلم أحداً قال: ((وتوضئي)) في الحديث غير
حماد، يعني - والله أعلم - في حديث هشام، وقد رَوَى أبو داود وغيره ذكر
الوضوء من رواية عديّ بن ثابت، وحبيب بن أبي ثابت، وأيوب بن أبي مَكِين،
قال أبو داود: وكلها ضعيفة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عبارة النسائيّ، بعد إخراج الحديث من طريق
حماد بن زيد، عن هشام: ولا أعلم أحداً ذَكَر في هذا الحديث: ((وتوضئي)) غير
حماد بن زيد، وقد رَوَى غيرُ واحد عن هشام، ولم يذكر فيه: ((وتوضئي)). انتهى.
[تنبيه]: هذا الذي أشار إليه المصنّف، وصرّح به النسائيّ من تفرّد
حماد بن زيد بزيادة قوله: ((وتوضئي)) فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه لم يتفرّد حماد
بها، بل تابعه أربعة كلّهم رووه عن هشام بن عروة، بتلك الزيادة:
(الأول): أبو معاوية عن هشام، عند البخاريّ في ((صحيحه))، قال بعد
ذكر الحديث ما نصّه: قال - يعني هشاماً -: وقال أبي: ((ثم توضئي لكل صلاة
حتی یجيء ذلك الوقت)).
قال الحافظ تَخْذَّتُهُ: وادّعَى بعضهم أن هذا معلّق، وليس بصواب، بل هو
بالإسناد المذكور عن محمد بن سلام، عن أبي معاوية، عن هشام، وقد بيَّنَ
ذلك الترمذيّ في روايته.
وادّعى آخر أن قوله: ((ثم توضئي)) من كلام عروة، موقوفاً عليه، وفيه
نظرٌ؛ لأنه لو كان كلامه موقوفاً لقال: ((ثم تتوضّأ)) بصيغة الإخبار، فلما أتى به
بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع، وهو قوله: ((فاغسلي))(٢).
(الثاني): حماد بن سلمة، فقد رواه الدارميّ من طريق حماد بن سلمة،
عن هشام.
(١) ((إكمال المعلم)) ١٧٦/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٩٧/١.