Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ فِرْصَةً ... إلخ - حديث رقم (٧٥٤) الحديث، حيث قال: ((فتتبّعي بها آثار الدم))، بل أصرح منه ويصرح به رواية الإسماعيليّ: ((تتبعي بها مواضع الدم))، فقصره على الفرج فقط خلاف الظاهر، فما قاله هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: واختَلَف العلماء في الحكمة في استعمال المسك، فالصحيح المختار الذي قاله الجماهير من أصحابنا وغيرهم، أن المقصود باستعمال المسك تطييب المحل، ودفع الرائحة الكريهة، وحَكَى أقضى القضاة الماورديّ من أصحابنا وجهين لأصحابنا: أحدهما: هذا، والثاني: أن المراد كونه أسرع إلى عُلوق الولد، قال: فإن قلنا بالأول، ففَقَدت المسك، استَعمَلت ما يَخلُفه في طيب الرائحة، وإن قلنا بالثاني استَعمَلت ما قام مقامه في ذلك من القُسْط والأظفار، وشبههما . قال: واختَلُفوا في وقت استعماله فمن قال بالأول قال: تستعمله بعد الغسل، ومن قال بالثاني قال: قبله. انتهى كلام الماورديّ. قال النوويّ: وهذا الذي حكاه من استعماله قبل الغسل ليس بشيء، ويكفي في إبطاله رواية مسلم في الكتاب في قوله وَله: «تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرتها، فتَطَهّر، فتحسن الظُّهُور، ثم تَصُبّ على رأسها، فتدلكه، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرصة ممسكةً، فتطهر بها)). وهذا نصّ في استعمال الفرصة بعد الغسل، وأما قول من قال: إن المراد الإسراع في العلوق فضعيف، أو باطل، فإنه على مقتضى قوله ينبغي أن يُخَصّ به ذات الزوج الحاضر الذي يتوقع جماعه في الحال، وهذا شيء لم يَصِر إليه أحد نعلمه، وإطلاق الأحاديث يَرُدّ على من التزمه، بل الصواب أن المراد تطييب المحلّ، وإزالة الرائحة الكريهة، وأن ذلك مستحبّ لكل مغتسلة من الحيض أو النفاس، سواء ذات الزوج وغيرها، وتستعمله بعد الغسل، فإن لم تَجِد مسكاً، فتستعمل أيّ طيب وَجَدت، فإن لم تجد طيباً استُحِبّ لها استعمال طين أو نحوه، مما يزيل الكراهة، نَصّ عليه أصحابنا، فإن لم تجد شيئاً من هذا، فالماء كافٍ لها، لكن إن تركت التطيب مع التمكن منه كُرِه لها، وإن لم تتمكن فلا كراهة في حقها. انتهى كلام النوويّ كَّلُهُ، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تخلّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي(١) أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةَ سَأَلَتِ النَّبِيِّ نَ: كَيْفَ أَغْتَسِلُ عِنْدَ الطُّهْرِ؟ فَقَالَ: ((خُذِي فِرْصَةً، مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِي بِهَا))، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ سُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ)، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَبَّانُ) - بفتح الحاء المهملة - ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥. ٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلاً بآخره [٧] (ت١٦٥)، أو بعدها (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤١٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (فِرْصَةً مُمَسَّكَةً) بضمّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وفتح السين المشدّدة: أي قِطعةً من قُطْن، أو صُوف، أو خِرْقة مُطَيِّبَةً بالمسك. وقوله: (فَتَوَضَّئِي بِهَا) المراد من الوضوء هنا اللغويّ، وهي النظافة والحسن، أي تنظّفي بها . وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ سُفْيَانَ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير وُهيب، أي ذَكَرَ وُهيب نحو حديث سفيان بن عيينة الماضي. [تنبيه]: رواية وُهيب هذه أخرجها الإمام النسائيّ كَّتُهُ في ((سننه))، فقال: (٤٢٧) أخبرنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفّان، قال: حدثنا وُهيب، قال: حدثنا منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن عائشة، أن امرأة سألت النبيّ وَ ﴿، قالت: يا رسول الله، كيف أغتسل عند (١) وفي نسخة: ((حدّثني)) بحذف الواو. ١٠٣ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ فِرْصَةً ... إلخ - حديث رقم (٧٥٦) الطهور؟ قال: ((خذي فِرصةٌ مُمَسَّكَةً، فتوضئي بها))، قالت: كيف أتوضأ بها؟ قال: ((توضئي بها))، قالت: كيف أتوضأ بها؟ قالت: ثم إن رسول الله وَله سَبَّحَ، وأعرض عنها، فَفَطِنَتْ عائشة لما يريد رسول الله وَّلَه قالت: فأخذتها، وجَبَذتها إليّ، فأخبرتها بما يريد رسول الله وَّر. انتهى. وقولها: ((وجبذتها)): أي جررتها إليّ، من الجبْذ، لغةٌ في الجذب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ، تُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ وََّ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ؟ فَقَالَ: ((تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا(١)، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ دَلْكاً شَدِيداً، حَتَّى تَبْلُغَ(٢) شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَطَهَّرُ بِهَا))، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ، تَطَهَّرِينَ بِهَا))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّم، وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: ((تَأْخُذُ مَاءَ، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ تُبْلَغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ(٣) شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ، نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْتَعُهُنَّ الْحَيَاءُ، أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ). رجال هذا الإسناد: سبعةٌ : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى) أبو موسى العنزيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قبل باب أيضاً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم قبل باب أيضاً. (١) وفي نسخة: ((وسدرها)). (٣) وفي نسخة: ((حتى يبلغ)) بالياء. (٢) وفي نسخة: ((حتى يبلغ)) بالياء. ١٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور، تقدّم قبل باب أيضاً. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ) بن جابر البجليّ، أبو إسحاق الكوفي، صدوقٌ، ليّن الحفظ [٥]. رَوَى عن طارق بن شهاب، وله رؤية، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، وأبي الشعثاء، وأبي الأحوص، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، ومِسْعَر، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن المدينيّ: له نحو أربعين حديثاً، وقال الثوريّ، وأحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال يحيى القطان: لم يكن بقويّ، وقال أحمد: قال يحيى بن معين يوماً عند عبد الرحمن بن مهديّ، وذَكَر إبراهيم بن مهاجر وآخر، فقال: ضعيفان، فغَضِب عبد الرحمن، وكَرِهَ ما قال، وقال عباس، عن يحيى: ضعيف، وقال العجليّ: جائز الحديث، وقال النسائي في ((الكنى)): ليس بالقويّ في الحديث، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: هو عندي أصلح من إبراهيم الْهَجَريّ، وحديثه يُكتَب في الضعفاء، وقال ابن سعد: ثقة، وقال ابن حبان في ((الضعفاء)): هو كثير الخطأ، وقال الحاكم: قلت للدار قطنيّ: فإبراهيم بن مهاجر؟ قال: ضَعَّفوه، تَكَلَّم فيه يحيى بن سعيد وغيره، قلت: بحجة؟ قال: بلى، حَدَّث بأحاديث لا يُتَابَعُ عليها، وقد غَمَزه شعبة أيضاً، وقال غيره عن الدارقطنيّ: يُعتَبَر به، وقال يعقوب بن سفيان: له شَرَفٌ، وفي حديثه لِينٌ، وقال الساجيّ: صدوقٌ اختلفوا فيه، وقال أبو داود: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، هو وحُصَين، وعطاء بن السائب قريبٌ بعضُهم من بعض، ومحلُّهم عندنا محلّ الصدق، يُكْتَب حديثهم، ولا يحتج به، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قلت لأبي: ما معنى: لا يُحْتَجُ بحديثهم؟ قال: كانوا قوماً لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فَيَغْلَطُون، تَرَى في أحاديثهم اضطراباً ما شئتَ. أخرج له المصنّف، والأربعة، قال الحافظ: وقع في مسند أثر عَلَّقه البخاريّ في ((كتاب المزارعة))، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٣٢)، وحديث (٦٥٥): ((أما هذا فقد عصى أبا القاسم)). ١٠٥ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ فِرْصَةً ... إلخ - حديث رقم (٧٥٦) والباقون تقدّموا في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ) البجليّ الكوفيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةً) بنت شيبة الْعَبدريّة، وقوله: (تُحَدِّثُ) جملة حالية على قول الجمهور، أو مفعول ثان لـ((سمعتُ)) على قول بعض النحاة: إنها من أخوات ((ظنّ))، (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ضيّا (أَنَّ أَسْمَاءَ) هي بنت شَكَل، كما يأتي في الرواية الثالثة (سَأَلَتِ النَّبِيَّ وَِّ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ؟)، أي الحيض، فهو مصدر ميميّ لـ((حاضت))، يعني أنها سألته عن كيفيّة اغتسالها عند انقطاع حيضها، (فَقَالَ) وَ («تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا) بكسر السين، وسكون الدال المهملتين، قال المجد تَخْتُهُ: ((السِّدْرُ: شَجَرُ النّبِقِ، الواحدة بالهاء، جمعه: سِدْرَاتٌ، وسِدِرَاتٌ، وسِدَرَاتٌ، وسِدَرٌ، وسُدُرٌ)). انتهى(١). وقال الفيّوميّ تَّقُ: ((السِّدْرَةُ: شَجَرة النَّبِقِ، والجمع: سِدَرٌ، ثم يُجْمَع على سِدَرَات، فهو جمع الجمع، وتجمع السِّدْرة أيضاً على سِدْرَات بالسكون؛ حَمْلاً على لفظ الواحد، قال ابن السَّرّاج: وقد يقولون: سِذْرٌ - أي بفتح، فسكون - ويريدون الأقل؛ لقلّة استعمالهم التاء في هذا الباب، وإذا أُطلِقٍ السِّدْر في الغسل فالمراد الوَرَق المطحون، قال: والسِّدْر نوعان: أحدهما ينْبُت في الأرياف، فيُنْتَفع بوَرَقه في الغسل، وثمرته طيبةٌ، والآخر ينبُت في الْبَرّ، ولا يُنتفع بورقه في الغسل، وثمرته عَفِصَة)). انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: ((السِّدْر)) هنا: هو الغاسول المعروف، وهو المتّخذ من ورق شجر النَّبِقِ، وهو السدر، وهذا التطهّر الذي أُمر باستعمال السدر فيه هو لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، والغسل الثاني هو للحيض. انتهى(٣). (فَتَطَهَّرُ)، قال القاضي عياض تَخْذَتُهُ: التطهر الأوّل تَطَهُّر من النجاسة، وما مسّها من دم الحيض. انتهى. (١) ((القاموس المحيط)) ٤٦/٢. (٣) ((المفهم)) ٥٨٨/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٧١/١. ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض وتعقّبه النوويّ تَّتُهُ، فقال: والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالتطهر الأول الوضوء، كما جاء في صفة غسله وَثله، وقد قدَّمنا في أول كتاب الوضوء بيانَ معنى تحسين الطهور، وهو إتمامه بهيأته، فهذا المراد بالحديث. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأظهر عندي أن المراد كلا الطهارتين؛ لأنهما مطلوبان شرعاً، فقد ثبت أنه وَله، كان إذا اغتسل من الجنابة غسل فرجه، وما أصابه من الأذى، وثبت الحثّ على إحسان الوضوء، فقد تقدّم قوله وَّل: ((من توضّأ، فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده ... )) الحديث. والحاصل أن قوله وَّل هنا: ((فتطهّر، فتُحسن الطّهور)) يشمل الطهارتين، فتأمل. ومعنى إحسان الظُّهُور هو المبالغة بأداء فرائضه، ومراعاة مستحبّاته، كما سبق بيانه في أبواب الوضوء، والله تعالى أعلم. وقوله: (الطُّهُورَ) هنا بضمّ الطاء؛ لأن المراد الفعل، وأما الطَّهُور بالفتح فاسم لما يُتطهّر به، هذا هو المشهور، لكن ذكر ابن الأثير عن سيبويه جواز الفتح أيضاً، وعبارته: ((الظُهور)) بالضمّ: التطهّر، وبالفتح: الماء الذي يُتطهّر به، كالوَضُوء، والوُضُوء، والسَّحُور والسُّحُور، وقال سيبويه: الطَّهُور بالفتح يقع على الماء والمصدر معاً، فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمّها، والمراد بهما التطهّر. انتهى(١). (ثُمَّ تَصُبُّ) بضمّ الصاد، من باب نصر (عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ دَلْكاً) من باب نصر أيضاً، يقال: «لكت الشيءَ دَلْكاً: إذا مَرَسْته بيدك، ودلكت النعلَ بالأرض: إذا مسحتها بها، أفاده الفيّوميّ(٢). (شَدِيداً، حَتَّى تَبْلُغَ) الضمير لـ((إحداهنّ))، وفي بعض النسخ: ((حتى يبلغ)) بالياء، فيكون الضمير للدلك (شُؤُونَ رَأْسِهَا) بضم الشين المعجمة، وبعدها همزة، أي أصول شعر رأسها، وأصولُ الشُّؤون: الخطوط التي في عظم الْجُمْجُمة، وهو مُجْتَمَع شُعَب عظامها، الواحد منها شأن، قاله النوويّ تَحْذُّهُ(٣). (١) ((النهاية)) ١٤٧/٣. (٣) ((شرح النووي)) ١٥/٤. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ١٩٩/١. ١٠٧ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْخَيْضِ فِرْصَةً ... إلخ - حديث رقم (٧٥٦) وقال القرطبيّ تَخُّْ: ((والشُّؤون)) هو أصلُ فَرْق الرأس ومُلتقاها، ومنها تجيء الدموع، وذكرها مبالغةً في شدّة الدلك، وإيصال الماء إلى ما يخفى من الرأس. انتهى (١). (ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا)، أي على شؤون رأسها (الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً) قال القرطبيّ كَخَُّهُ: ((الْفِرْصة)): صحيح الرواية فيها بكسر الفاء، وفتح الصاد المهملة، وهي القطعة من الشيء، وهي مأخوذة من الْفَرْص، وهو القطع، والْمِفْرَصُ، والْمِفْرَاص: هو الذي تُقطع به الفضّة، وقد يكون الْفَرص الشقّ، يقال: فَرَصتُ النعل: أي شققتُ أُذُنيها للشِّرَاك. قال: وأما ((مُمَسَّكةٌ))، فروايتنا فيها بضمّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وتشديد السين، ومعناه: مُطَيَّةٌ بالمسك مبالغةً في نفي ما يُكرَهُ من ريح الدم، وعلى هذا تصحّ رواية الخشني، عن الطبريّ: ((فِرْصَةً من مسك)) بكسر الميم، وعلى هذا الذي ذكرناه أكثر الشارحين. وقد أنكر ابن قتيبة هذا كلّه، وقال: إنما هو قُرْضَةٌ بضمّ القاف(٢)، وبالضاد المعجمة، وقال: لم يكن للقوم وُسْعٌ في المال بحيث يستعملون الطيب في مثل هذا، وإنما هو مَسْكٌ، بفتح الميم، ومعناه: الإمساك، فإن قالوا: إنما سُمِع رباعيّاً، والمصدر إمساك، قيل: سُمع أيضاً ثلاثيّاً، فيكون مصدره مَسْكاً. قال القرطبيّ: لقد أحسن من قال في ابن قُتيبة: هَجُومٌ ولّاجٌ على ما لا يُحسن، ها هو قد أنكر ما صحّ من الرواية في ((فِرْصة))، وجَهِلَ ما صحّح نَقْلَه أئمّة اللغة، واختار ما لا يلتئم الكلام معه، فإنه لا يصحّ أن يقال: خُذْ قِطعةً من إمساك، وسَوَّى بين الصحابة كلّهم في الفقر، وسُوء الحال، بحيث لا يقدرون على استعمال مِسْك عند التطهّر والتنظّف، مع أن المعلوم من أحوال أهل الحجاز واليمن مبالغتهم في استعمال الطيب من المسك وغيره، وإكثارهم (١) ((المفهم)) ٥٨٨/١. (٢) وقع في بعض نسخ ((المفهم)) ((قرضة)) بالقاف، وهو الصواب، وأما ما في بعض النسخ ((فرضة)) بالفاء، فتحيفٌ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض من ذلك، واعتيادهم له، فلا يُلتَفَت لإنكاره، ولا يُعَرَّج على قوله. انتهى(١). (فَتَطَهَّرُ بِهَا))) أصله تتطهّر بتاءين، فحُذفت إحداهما؛ تخفيفاً، كقوله تعالى: ﴿فَزَّلُ اٌلْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَارًّا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، قال في ((الخلاصة» : وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـ(تَبَيَّنُ الْعِبَرْ)) أي تنظّفي بتلك الفرصة المُمَسّكة (فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟، فَقَّالَ) وَلِّ ((سُبْحَانَ اللهِ، تَطَهَّرِينَ بِهَا))) بحذف إحدى التاءين أيضاً، وهو خبر بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: ﴿وَالْوَلِّدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِّنَا (كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّم). قال النوويّ تَُّ: معناه: قالت لها كلاماً خفيّاً. انتهى. فضمير (كأنها)) لعائشة رضيُّ، ومعنى ((تُخفي ذلك))، أي تستر كلامها لئلا يسمعه النبيّ ◌َّ﴾، أو غيره، فاسم الإشارة يرجع إلى قولها المفهوم من ((قالت))، يعني أن عائشة ﴿ّا لَمّا لم تفهم أسماءُ مراد النبيّ وَّه بقوله: ((تطهّرين بها)) قالت لها: معناه: تتبعين بتلك الْفِرصة أثر الدم، وتُنَظّفينه بها، والله تعالى أعلم. (وَسَأَلَتْهُ)، أي سألت أسماء النبيّ ◌َّهِ (عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ؟)، أي عن كيفيّته (فَقَالَ) ◌َِّ («تَأْخُذُ) الضمير لإحداكنّ (مَاءً، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ) للشكّ من الراوي (تُبْلِغُ الطَّهُورَ) من الإبلاغ، ويحتمل أن يكون من التبليغ، يقال: أبلغه السلام، وبلّغه بالألف والتشديد: إذا أوصله، والمراد بإبلاغ الظُّهُور إحسانه، كما تقدّم قريباً. (ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ) وفي بعض النسخ: ((حتى يَبْلُغَ)) بالياء، أي يَصِلَ الماء (شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِؤُّا (نِعْمَ النِّسَاءُ) فعلٌ وفاعل، والجملة خبر مقدّم، لقولها: (نِسَاءُ الْأَنْصَارِ) وهو المخصوص بالمدح، وهذا الكلام قالته عائشة غيرها مدحاً لأسماء، حيث إنها جرّأت نفسها على سؤال ما يُستحيا منه عادةً؛ لأنه أمرٌ دينيّ مهمّ، لا يُعذر فيه أحدٌ، ممن وقع عليه التكليف، من الرجال والنساء، فاضطرّت إلى السؤال عنه، وألقت جلباب الحياء العاديّ؛ لأن الحياء (١) ((المفهم)) ٥٨٩/١. ١٠٩ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ فِرْصَةً ... إلخ - حديث رقم (٧٥٦) في الأمور الدينيّة غير محمود، ولذا قالت أم سُليم ◌َّا: ((يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحقّ ... )) الحديث، متّفق عليه. [تنبيه]: اخْتَلَف النحاة في إعراب هذا التركيب، والأصحّ من أقوالهم: أن ((نعم)) و(بئس)) فعلان ماضيان لإنشاء المدح والذمّ، فلا يتصرّفان؛ فلم يُستعمَل منهما غير الماضي، ولا بدّ لهما من مرفوع هو الفاعل، وهو على ثلاثة أقسام : [الأول]: أن يكون محلّى بالألف واللام، كـ(نعم النساءُ))، وكقوله تعالى: ﴿نِعْمَ اَلْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]. [والثاني]: أن يكون مضافاً إلى ما فيه ((أل))، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. [والثالث]: أن يكون مضمراً مفسَّراً بنكرة بعده منصوبة على التمييز، نحو قول الشاعر [من البسيط]: لَنِعْمَ مَوْئِلاً الْمَوْلَى إِذَا حُذِرَتْ بَأُسَاءُ ذِي الْبَغْيِ وَاسْتِيلَاءُ ذِي الإِحَنِ وإلى هذا أشار ابن مالك تَّتُ في ((الخلاصة)) بقوله: (نِعْمَ)) وَ(بِئْسَ)) رَافِعَانِ اسْمَيْنِ فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ قَارَنَهَا كَانِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا)) مُقَارِنَيْ (أَنْ)) أَوْ مُضَافَيْنٍ لِمَا مُمَيِّزٌ كَانِعْمَ قَوْماً مَعْشَرُ» وَيَرْفَعَانِ مُضْمَراً يُفَسِّرُهْ ثم إن فاعل ((نعم)) و((بئس)) إذا كان مؤنّثاً، يجوز في الفعل إثبات التاء وحذفها، وإن كان مفرداً مؤنّئاً حقيقيّاً، كقول عائشة ضوّ: ((نعم النساء))، وإنما جاز ذلك؛ لأن فاعلها مقصود به استغراق الجنس، فعُومل معاملة جمع التكسير في جواز إثبات التاء وحذفها؛ لشبهه به، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله: وَالْحَذْفَ فِي ((نِعْمَ الْفَتَاةُ)) اسْتَحْسَنُوا لأَنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ ثم جملة قولها: ((نعم النساء)) من الفعل والفاعل خبر مقدّم لقولها: ((نساء الأنصار))، أو هو خبر لمحذوف، تقديره: المخصوص بالمدح نساء الأنصار، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله: أَوْ خَبَرَ اسْمِ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدًا وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا كَ (الْعِلْمُ نِعْمَ الْمُقْتَنَى وَالْمُقْتَفَى)) وَإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفَى ١١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض (لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ) مرفوع، تنازعه الفعلان قبله (أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بـ((من)) المحذوفة قياساً، كما قال في ((الخلاصة)): وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ وَعَدِّ لَازِماً بِحَرْفِ جَرِّ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ«عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا)) نَقْلاً وَفِي ((أَنَّ)) وَ((أَنْ)) يَظَرِدُ قال الجامع عفا الله عنه: تخريج الحديث، وبقيّة مسائله تقدّمت في الحديث المذكور أولَ الباب، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تخَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ(١)، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَقَالَ: قَالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ، تَطَهَّرِي بِهَا(٢)، وَاسْتَتَرَ))). رجال هذا الإسناد ثلاثة : كلهم تقدّموا قبل بابين، وأبو عبيد الله: هو معاذ بن معاذ بن نصر. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة السابق، فـ((في)) بمعنى الباء، أي: عن إبراهيم بن المهاجر، عن صفيّة، عن عائشة ◌َّا. وقوله: (نَحْوَهُ)، أي نحو حديث محمد بن جعفر، يعني أن حديث معاذ بن معاذ نحو حديث محمد بن جعفر الماضي. وقوله: (وَقَالَ: قَالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ تَطَهَّرِي بِهَا) فاعل ((قال)) الأول ضمير معاذ، وفاعل ((قال)) الثاني ضمير النبيّ وَّر، والمعنى أن معاذاً قال في روايته: ((وقال)) بالواو بدل قول محمد بن جعفر: ((فقال)) بالفاء، وقال أيضاً: ((تطهّري بها)) بحذف النون على أنه فعل أمر للمؤنّثة، بدل قول محمد بن جعفر: (تطهّرين بها)) على أنه فعل مضارع، حُذف منه إحدى التاءين، كما مرّ بيانه، وهو خبر بمعنى الأمر، فلا اختلاف في المعنى بين الروايتين. (١) زاد في نسخة: ((العنبريّ)). (٢) وفي نسخة: ((تطهّرُ بها)). ١١١ (١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْخَيْضِ فِرْصَةً ... إلخ - حديث رقم (٧٥٨) ووقع في بعض النسخ: ((تطهّر بها))، فإن صحّت، فيكون الضمير لـ(إحداكنّ))، كما سبق تحقيقه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ هذه أخرجها الإمام أبو داود: في ((سننه)) فقال - بعد إخراج الحديث من طريق أبي الأحوص، وأبي عوانة، كلاهما عن إبراهيم بن مهاجر -: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبريّ، أخبرني أبي، عن شعبة، عن إبراهيم - يعني ابن مهاجر - عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، أن أسماء سألت النبيّ ◌َل بمعناه، قال: ((فِرْصة مُمَسّكَةً))، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: ((سبحان الله، تطهري بها))، واستتر بثوب، وزاد: وسألته عن الغسل من الجنابة؟ فقال: ((تأخذين ماءك، فتطهرين أحسن الطهور وأبلغه، ثم تصبين على رأسك الماء، ثم تدلكينه حتى يبلغ شؤون رأسك، ثم تفيضين عليك الماء))، قال: وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين، وأن يتفقهن فيه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَّثهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام الحافظ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ الحافظ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض ٣ - (أَبُو الْأَخْوَصِ) هو: سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ الكوفيّ، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا قبل حديث. وقوله: (أَسْمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ) - بالشين المعجمة، والكاف المفتوحتين - قال النوويّ تَخْتُ: هذا هو الصحيحَ المشهور، وحَكَى صاحب ((المطالع)) فيه إسكان الكاف، وذكر الخطيب الحافظ، أبو بكر البغداديّ في كتابه ((الأسماء المبهمة))، وغيره من العلماء، أن اسم هذه السائلة أسماء بنت يزيد بن السَّكَن التي كان يقال لها: خطيبةُ النساء، ورَوَى الخطيب حديثاً فيه تسميتها بذلك، والله أعلم. انتهى(١). وتقدّم تمام البحث في هذا في شرح حديث أول الباب، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير أبي الأحوص. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ) يعني أن أبا الأحوص اقتصر في روايته على ذكر سؤالها عن غسلها من الحيض، ولم يذكر سؤالها عن غسل الجنابة . [تنبيه]: رواية أبي الأحوص هذه أخرجها الإمام أبو داود تَُّهُ أيضاً في ((سننه))، فقال : (٣١٤) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا سلّام بن سُليم، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: دخلت أسماء على رسول الله صل*، فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ قال: تأخذ سِدْرها وماءها، فتوضأ، ثم تغسل رأسها، وتدلُكُه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تُفيض على جسدها، ثم تأخذ فِرصتها، فتَطَهَّر بها، قالت: يا رسول الله، كيف أتطهّر بها؟ قالت عائشة: فعرفت الذي یکْنِي عنه رسول الله وَله، فقلت لها: تتبعين بها آثار الدم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((شرح النوويّ)) ١٦/٤. ١١٣ (١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩) (١٣) - (بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٩] (٣٣٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةٌ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِّ وَِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: ((لَ، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ(١) بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَتِ الْحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي))). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٣ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن المليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ٥أو ١٤٦) عن (٨٧) سنة (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ضؤُها ماتت سنة (٥٧) على الصحيح، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. (١) وفي نسخة: ((وليست)). ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وله فيه شيخان، قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى ابن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، عن خالته: هشام، عن أبيه، عن عائشة مثّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة عليها من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َّنَا أنها (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بالحاء المهملة، والموحّدة، والشين المعجمة، بصيغة التصغير، اسمه قيس بن المطّلب بن أسد، وهي غير فاطمة بنت قيس التي طُلّقت ثلاثاً، قاله في ((الفتح))(١). وهي: فاطمة بنت أبي حبيش قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قُصيّ الأسديّة، مهاجريّة جليلة، روت عن النبيّ وَّ حديث الاستحاضة، وروى عنها عروة بن الزبير، وقيل: عن عروة، عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حُبيش، قالت إلخ، ذكر إبراهيم الحربيّ أنها أم محمد بن عبد الله بن جحش، أخرج لها أبو داود، والنسائيّ، وليس لها في ((الصحيحين)) إلا ذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم. (إِلَى النَّبِيِّ ◌ََِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي) قال الكرمانيّ ◌َخَُّهُ: فإن قلت: ما موقع ((إنّ)) هنا؟ فإنه لا تُستعمل إلا عند إنكار المخاطب لمدخولها، (١) ((الفتح)) ٣٩٦/١. ١١٥ (١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩) أو التردّد فيه، وما كان لرسول الله وَله إنكار لاستحاضتها، ولا تردّد فيها. قلت: قد تذكر أيضاً لتحقيق نفس القضيّة؛ إذا كانت بعيدة الوقوع، نادرة الوجود، وهنا كذلك. انتهى (١). (امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمّ الهمزة، مبنيّاً للمفعول، قال في ((الفتح)): يقال: استُحيضت المرأة: إذا استمرّ بها الدم بعد أيامها المعتادة، فهي مستحاضة، والاستحاضة جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه. انتهى(٢). وقال الأزهريّ والهرويّ وغيرهما: ((الحيض)): جريان دم المرأة في أوقات معلومة، يُرخيه قعر رحمها بعد بلوغها، و((الاستحاضة)): جريانه في غير أوانه يسيل من عِرْقٍ في أدنى الرحم دون قعره، يقال: استُحيضت المرأة بالبناء للمفعول، فهي مستحاضة، وأصل الكلمة من الحيض، والزوائد التي لَحِقتها للمبالغة، كما يقال: قَرّ بالمكان، ثم يُزاد للمبالغة، فيقال: استقرّ، وأعشب المكان، ثم يُزاد للمبالغة، فيقال: اعشوشب، وكثيراً ما تجيء الزوائد لهذا المعنى، نبّه عليه ابن دقيق العيد تَخُّْهُ. انتهى(٣). وقال العلامة العينيّ ◌َّتُهُ: ((الاستحاضة)): اسم لما نَقَصَ من أقل الحيض، أو زاد على أكثره. [فإن قلت]: ما وجه بناء الفعل للفاعل في الحيض، وللمفعول في الاستحاضة، فقيل: استُحِيضت؟. [قلت]: لَمّا كان الأول معتاداً معروفاً نُسِب إليها، والثاني لَمّا كان نادراً غير معروف الوقت، وكان منسوباً إلى الشيطان، كما ورد: ((أنها رَكْضَةٌ من الشيطان))، بُنِي لِمَا لم يُسَمَّ فاعله. [فإن قلت]: ما هذه السين فيه؟. [قلت]: يجوز أن تكون للتحوّل، كما في استَحْجَر الطين، وهنا أيضاً تحوّل دم الحيض إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة، فافهم. انتهى (٤). (١) ((شرح الكرمانيّ)) ٧٩/٢. (٢) ((الفتح)) ٣٩٦/١. (٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) (٢/ ١٨٠)، شرح الزرقاني على الموطأ)) ١٢١/١. (٤) راجع: ((عمدة القاري)) ببعض إصلاح ٢١٢/٣. ١١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: (تَحَوَّل دم الحيض إلخ)) نظر لا يخفى؛ لأن دم الاستحاضة غير دم الحيض؛ لأن دم الحيض من قعر الرحم، ودم الاستحاضة دم انفجر من عرق، يقال له: العاذل، كما نُصَّ عليه في الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ((استُحيضت)) المرأة من الأفعال الملازمة للبناء للمفعول، وهي ستة وستون فعلاً، وقد نظمتها بقولي: مُغَيَّراً صِيَغُهَا حَيْثُ بَدَتْ اعْلَمْ - هَدَاكَ اللّهُ - أَفْعَالاً أَتَتْ وَبُرَّ حَجِّ(٣) وُثِئَتْ(٤) وَأُولِعًا(٥) وَهْيَ اسْتُحِيضَتْ زُهِيَتْ(١) وَوُضِعَا (٢) عَلَيْهِ أُغْمِيَ(٩) اسْتُهِلَّ(١٠) فَاعْتَنِ وَأُزْعِجَتْ وَأُرْعِدَتْ(٦) نُخِي (٧) عُنِي(٨) سُقِطَ (١٤) مَعْ غُمَّ الْهِلَالُ (١٥) عُقِمَتْ (١٦) وَوُكِسَتْ(١١) وَدُهِشَتْ(١٢) وَبُهِتَتْ(١٣) ظُلَّ دَمٌ (٢٠) وَأُهْرِعُوا (٢١) وَشُهِرَا(٢٢) غُشِي عَلَيْهِمْ(١٧) وَغُمِي (١٨) وَأُهْدِرَا(١٩) (١) تكبّرت. (٢) يقال: وُضِع في حسبه، فهو وضيع: لا قدر له. (٣) أي: قُبِل الحج. (٤) وُثئت يده: إذا وَجِعت في العظم بلا كسر. (٥) أولع بالشيء: إذا عُلِّق به. (٧) أي: افتخر. (٩) أي: غُشي عليه. (١٢) تحيّرت. (١١) أي: خَسِرَتْ (٦) أخذته الرِّعْدة. (٨) عُني بالشيء: اهتمّ به، واحتَفَل. (١٠) أي: ظهر. (١٣) أي: دُهِشت وتحيّرت. (١٤) يقال: سقط في يده: زلّ، وأخطأ، ونَدِم، وتحيّر. (١٦) أي: لم تلد. (١٥) أي: حال دونه غيم رقيقٌ. (١٧) أصابهم الغشي. (١٩) أي: بَطَّل. (٢١) أي: أسرعوا. (١٨) كغُشي وزناً ومعنى. (٢٠) أي: بطل، ولم يُثأر. (٢٢) أي: أَفشي، وانتشر. ١١٧ (١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩) وَوُقِصَتْ(١) وَنُكِبَتْ وَشُغِلَتْ(٢) دِيرَ أُدِيرَ(٦) دُفِقَتْ وَأُسْهِبَا(٧) شُدِهَ(١١) جُنَّ فُلِجَتْ(١٢) وَنُفِسَتْ(١٣) وَنُسِئَتْ(١٥) وَقُنِيَتْ (١٦) وَمُقِعَا(١٧) وَأُسْقِطَتْ (٢١) وَأُرْثِثَتْ وَحُصِرَا (٢٢) وَأُهْتِرَتْ(٢٦) وَاسْتُهْتِرَتْ (٢٧) وَانْتُفِعَا (٢٨) حُلِبَ سُرَّ(٣) رُهِصَتْ(٤) وَشُغِفَتْ (٥) لُقِيَ شُبَّ (٨) قُطِعَتْ(٩) وَأُغْرِبَا (١٠) وَزُكِمَتْ وَقُرِنَتْ وَسُوِّسَتْ(١٤) وَثُلِجَتْ(١٨) وافْتُلِتَتْ(١٩) وَامْتُقِعَا (٢٠) وَطُلِقَتْ(٢٣) وَضُئِدَتْ (٢٤) وَأُحْصِرَا(٢٥) وَأُوْكِسَتْ(٢٩) وَغُبِنَتْ (٣٠) وَتُطِعَا(٣١) (٢) أي: ◌ُهِيَت به. (١) إذا سقط عن دابته، فكسرت عنقه. (٣) أي: فَرَح. (٤) أي: أصابته الرهصة، وهي وَقْرة تصيب باطن حافره. (٥) شُغِفَ بالشيء: أُولع به. (٦) هما بمعنى، أي أخذه الدُّوار، وهو: بالضم والفتح: شبه الدوران يأخذ في الرأس. ((ق)). (٧) أي: ذهب عقله من لدغ الحيّة، أو تغيّر لونه من حُبّ، أو فَزَع، أو مرض. قاله في ((القاموس)) ٨٤/١. (٨) شُبّت النارُ: اشتعلت. (٩) انقطعت اليد بداء عَرَضَ لها . (١١) دُهِشَ وشُغلَ، وحُيِّر. (١٠) اشتدّ وجعه. (١٣) وَلَدت. (١٢) أصابها الفالج. (١٤) أي: صُيِّرت ملكةً. (١٥) تأخر حيضها عن وقته، فَرُجِيَ أنها حُبلى. (١٦) قُنيت الجارية: منعت من اللعب مع الصبيان. (١٧) أي: رمي بشيء. (١٩) ماتت فَجْأة. (٢١) زلّت، وأخطأت، وندمت. (٢٣) أصابها وجع الولادة. (٢٥) احتبس ما في بطنه . (٢٧) استُهترت بكذا: فُتنت به. (٢٩) خسِرت. (٣١) زُكِم. (١٨) أصابها الثلج. (٢٠) تغير لونه من حزن، أو فَزَع. (٢٢) أي: احتبس ما في بطنه . (٢٤) أصابها الزكام. (٢٦) أُولعت بالقول في الشيء. (٢٨) تغيّر لونه. (٣٠) خدعت . ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض وَدُبِرُوا(١) نُفِسَ عِذْقٌ كَمُلَا سِتّاً وَسِتِّينَ فَخُذْ لِتَكْمُلَا [تنبيه آخر]: هذه المرأة هي إحدى الصحابيّات اللاتي كنّ يستحضن في زمن النبيّ وَّ، وهنّ عشر: بنات جحش الثلاثة: زينب، وحمنة، وأم حبيبة، أو أم حبيب، وفاطمة بنت أبي حُبيش المذكورة في هذا الحديث، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة، وأسماء بنت عُميس، وسهلة بنت سُهيل، وأسماء بنت مَرْثد، وبادية بنت غَيلان، فهنّ عشرٌ، ويقال: إن زينب بنت أم سلمة أيضاً استُحيضت، ولكن هذا لا يصحّ؛ لأنها في زمنه وَ﴿ ﴿ كانت صغيرة، وقد نظمهنّ في ((شرح الزرقانيّ على الموطأ))، حيث قال [من الرجز]: بَنَاتُ جَحْشٍ سَهْلَةٌ وَبَادِيَهْ قَدِ اسْتُحِيضَتْ فِي زَمَان الْمُصْطَفَى وَبِنْتُ مَرْثَدٍ رَوَاهَا الرَّاوِيَهْ وَهِنْدُ أَسْمَا سَوْدَةٌ وَفَاطِمَهْ (فَلَا أَطْهُرُ) بفتح الهاء وضمّها، من بابي نصر، وقرُب، والمراد بالطهارة هنا: النظافة من الدم، قال الفيّوميّ ◌َخْهُ: طَهَر الشيءُ، من بابي قَتَل، وقَرُب طهارةً، والاسم الظُّهْر، وهو النقاء من الدنس والنجس، وهو طاهرُ الْعِرْض: أي بريء من العيب، ومنه قيل للحالة المناقضة للحيض: طُهْرٌ، والجمع أطهارٌ، مثلُ قُفْل وأَقفال، وامرأة طاهرةٌ من الأدناس، وطاهرٌ من الحيض بغير هاء، وقد طَهَرت من الحيض، من باب نَصَرَ، وفي لغة قليلة من باب قَرُب، وتطهّرت: اغتَسَلَت، وتكون الطهارة بمعنى التطهّر. (٢) . . انتھی وإنما قالت: ((فلا أطهر)) لأنه كان عندها أن طهارة الحائض لا تُعرف إلا بانقطاع الدم، فكَنَت بعدم الطهر عن اتّصاله، وكانت قد عَلِمت أن الحائض لا تصلّي، فظنّت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم من الفرج، فأرادت أن تُحقّق ذلك، فقالت: (أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟)، أي أتركها، قال ابن الملقّن رَّتُهُ: هو سؤال عن استمرار حكم الحيض حالة دوام الدم، وعدمه ممن تقرّر عنده أن الحائض (١) أي: أصابهم الدَّبُور. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٧٩/٢. ١١٩ (١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٥٩) ممنوعة عن الصلاة. انتهى(١). [تنبيه]: قال الكرمانيّ كَّلُهُ: فإن قلت: الهمزة تقتضي عدم المسبوقيّة بغيرها، والفاء تقتضي المسبوقيّة به، فكيف يجتمعان؟. قلت: هو عطف على مقدّر، أي أيكون لي حكم الحائض، فأدع الصلاة؟، أو الهمزة مقحمة، أو توسّطها جائز بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على الجملة؛ لعدم انسحاب ذكر الأول على الثاني، أو الهمزة ليست باقية على استفهاميّتها؛ لأنها للتقرير هنا، فلا تقتضي الصدارة. انتهى (٢). [تنبيه آخر]: قد تقدّم أن بعضهم قال: إن العرب أماتت ماضي ((يَدَعُ))، لكن الحقّ أنه منقول، وإن كان قليلاً، كقراءة من قرأ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ بتخفيف الدال، وكحديث: (دَعُوا الحبشة ما وَدَعُوكم، ودَعُوا الترك ما وَدَعُوكم))(٣)، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) بَرِ ((لَا)، أي لا تتركي الصلاة؛ لأن الاستحاضة لا تمنع منها، ثمّ علَّل كونها غير مانعة عنها بقوله: (إِنَّمَا ذَلِك) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمرأة، أي إنما ذلك الدم الزائد على العادة السابقة، وذلك لأن الدم الذي اشتكته (عِرْقٌ) - بكسر العين المهملة، وسكون الراء -: أي دم عِرق؛ لأن الخارج هو الدم، لا العِرْق. ويُسمّى ذلك العِرْق بالعاذل ـ بالعين المهملة، والذال المعجمة، واللام، أو الراء - قال ابن الأثير رَّتُهُ: ((العادل)): اسم العِرْق الذي يَسيل منه دم الاستحاضة، وذكر بعضهم ((العاذر)) بالراء، وقال: العاذرة: المرأة المستحاضة، فاعلةٌ بمعنى مفعولة، من إقامة العذر، ولو قال: إن العاذر هو الْعِرْق نفسه؛ لأنه يقوم بعذر المرأة لكان وجهاً، والمحفوظ ((العاذل)) باللام. (٤) انتھی (٤) . (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢/ ١٨٠. (٢) (شرح الكرمانيّ على البخاري)) ٧٩/٢ - ٨٠. (٣) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود ٤/ ١١٢. (٤) ((النهاية)) ٢٠٠/٣. ١٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض قال ابن الملقّن رَّتُهُ: هذا العرق في أدنى الرحم يعتنق الرحم، قال: ويحتمل أن يكون من مجازي التشبيه، إن كان سبب الاستحاضة كثرة مادّة الدم، وخروجه من مجاري الحيض المعتادة. انتهى باختصار(١). [تنبيه]: قال النوويّ كَّلُهُ: وأما ما يقع في كثير من كتب الفقه: ((إنما ذلكِ عِرق انقطع وانفجر))، فهي زيادة لا تُعْرَف في الحديث، وإن كان لها معنى، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: أما بلفظ: ((انفجر)) فكما قال، وأما بلفظ ((انقطع))، فقد جاء بسند ضعيف عند الحاكم في ((المستدرك))، والدارقطنيّ، والبيهقيّ في (سننيهما)) بلفظ: ((فإن الذي أصابها رَكْضة من الشيطان، أو عِرْقٌ انقَطَع، أو داء عَرَض لها))(٣)، وصححه الحاكم، وتُعقّب بأن صورته مرسل، وفي إسناده أيضاً عثمان بن سعيد التيميّ، ضعيف. (وَلَيْسَ) اسم ((ليس)) ضمير الدم، وفي نسخة: ((وليست))، فاسمها ضمير يعود إلى الحالة، أي ليست هذه الحالة حالة الحيض (بِالْخَيْضَةِ) بفتح الحاء، أي الحيض، هذا هو الأظهر ونقله الخطابيّ عن أكثر المحدثين، أو كلهم، ثم اختار الكسر على إرادة الحالة، وقال النوويّ: وهو في هذا الموضع مُتَعَيِّنٌ، أو قريب من المتعين، فإن المعنى يقتضيه؛ لأنه * أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحیض. انتهى (٤). والمعنى: أن ذلك الدم دم علّة حَدَثت بالمرأة من تصدّع العرق، فاتّصل الدم، وليس بدم الحيض الذي يدفعه رحمها لميقات أيام معلومة، فيجري مجرى سائر الأَثفال والفُضول التي تستغني عنها الطبيعة، وتَقذفها عن البدن، فتجد النفس راحة لها فيها، وتُخلّصها عن ثقلها وأذاها(٥). (١) ((الإعلام)) ١٨١/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١/٤. (٣) راجع: ما كتبه محقق سنن الدارقطنيّ ٤٨٢/١ - ٤٨٣. (٤) راجع: ((الفتح)) ٤٨٨/١، و((شرح النوويّ)) ٢١/٤. (٥) راجع: ((المنهل العذب)) ٦٩/٣.