Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٤) - بَابُ الْمَذْىِ
(٤) - (بَابُ الْمَذْىِ)
قال الجامع عفا الله عنه: ((الْمَذي)) فيه لغاتٌ، أفصحها فتح المیم،
وسكون الذال المعجمة، وتخفيف الياء، ثم كسر الذال، وتشديد الياء، وهو
ماء أبيض رقيقٌ، لَزِجٌ، يخرُج عند الملاعبة، أو تذكّر الجماع، أو إرادته، وقد
لا يُحَسُّ بخروجه، قاله في ((الفتح))(١).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: في (المذي)) لغات: مَذْيٌ بفتح الميم، وإسكان
الذال، ومَذِيّ بكسر الذال، وتشديد الياء، ومَذِي بكسر الذال، وتخفيف الياء،
فالأوليان مشهورتان، أولاهما أفصحهما وأشهرهما، والثالثة حكاها أبو عمرو
الزاهد، عن ابن الأعرابيّ، ويقال: مَذَى، وأمذى، ومَذّى الثالثة بالتشديد،
والمذي: ماءٌ أبيض، رقيق لَزِج يخرج عند شهوة، لا بشهوة، ولا دِفْقٍ، ولا
يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة، وهو في
النساء أكثر منه في الرجال. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: الْمَذْيُ: ماء رقيقٌ يَخرُج عند الملاعبة، ويَضرِب إلى
البياض، وفيه ثلاث لغات: الأولى: سكون الذال، والثانية: كسرها مع
التثقيل، والثالثة: الكسر مع التخفيف، ويُعرب في الثالثة إعراب المنقوص،
ومَذَى الرجلُ يَمْذي، من باب ضَرَبَ، فهو مَذّاءٌ، ويقال: الرجل يَمْذِي،
والمرأة تَقْذي، وأمذى بالألف، ومذَّى بالتثقيل كذلك. انتهى (٣).
وقال في ((العمدة)): المذي بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وبكسر
الذال، وتشديد الياء، وبكسر الذال المعجمة، وتخفيف الياء، حُكِي ذلك عن
ابن الأعرابيّ، وهو الماء الرقيق الذي يَخرُج عند الملاعبة والتقبيل، وقال ابن
الأثير: هو البلل اللَّزِج الذي يَخرُج من الذكر عند ملاعبة النساء، ولا يَعْقُبُه
فُتُور، وربما لا يُحَسُّ بخروجه، وهو في النساء أكثر منه في الرجال.
(١) ((الفتح)) ٤٥١/١ - ٤٥٢.
(٣) (المصباح المنير)) ٢ / ٥٦٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٣/٣.
:

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقال الأمويّ: المذيّ، والوديّ، مشددتان، كالمنيّ، قلت (١): المشهور
أن الودي بفتح الواو، وسكون الدال، هو البلل اللَّزِج، يخرُج من الذكر بعد
البول، يقال: وَدَى، ولا يقال: أودى، قاله الجوهريّ، وقال غيره: يقال:
أودى أيضاً، وقيل: التشديد أصحّ وأفصح من السكون.
والمنيّ بتشديد الياء: ماء خائر، أبيض يتولد منه الولد، ويَنكَسِر به
الذكر، يقال: مَنَى الرجل، وأمنى، ومَنَّى مشدداً الكل بمعنَّى. انتهى(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٧٠١] (٣٠٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو
مُعَاوِيَةَ، وَهُشَيْمٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى، وَيُكْنَى أَبَا يَعْلَى، عَنِ ابْنِ
الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحْبِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ
لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هُشَيْم) بن بَشِير بن القاسم السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم
الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (مُنْذِرُ بْنُ يَعْلَى) الثوريّ - بالمثلّثة - أبو يعلى الكوفيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن محمد بن علي بن أبي طالب، والربيع بن خُثيم، وسعيد بن
جبير، وعاصم بن ضمرة، والحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه الربيع، والأعمش، وفِظْر بن خليفة، وسالم بن أبي حفصة،
وسعيد بن مسروق الثوريّ، والحسن بن عمرو الْفُقَيميّ، ومحمد بن سُوقة.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وقال: كان ثقةً، قليل
(١) القائل هو العينيّ، صاحب ((العمدة).
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٢٤/٢.

٤٢٣
(٤) - بَابُ الْمَذْىٍ - حديث رقم (٧٠١)
الحديث، وقال ابن معين، والعجليّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) وقال: رَوَى عن أم سلمة إن كان سَمِعَ منها.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٣ - (مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ) هو: محمد بن علي بن أبي طالب الهاشميّ،
أبو القاسم المدني المعروف بابن الحنفية، وهي خولة بنت جعفر بن قيس، من
بني حَنِيفة، ويقال: من مواليهم، سُبِيَت في الرِّدّة من اليمامة، ثقة، عالمٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، وعثمان، وعمار، ومعاوية، وأبي هريرة، وابن عباس،
ودخل على عمر.
ورَوَى عنه أولاده: إبراهيم، والحسن، وعبد الله، وعمر، وعون، وابن
أخيه، محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وحفيد أخيه، محمد بن علي بن
الحسين، وابن أخته، عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وعطاء بن أبي رباح،
وغيرهم.
قال العجليّ: تابعي ثقة، كان رجلاً صالحاً يُكنى أبا القاسم. قال
إبراهيم بن الجنيد: لا نَعلَم أحداً أسند عن عليّ، ولا أصحّ مما أسند محمد.
وقال الزبير بن بكار: وتسميه الشيعة المهديّ، قال: وكانت شيعة محمد بن
علي تَزْعُم أنه لم يمت، وأورد لِكُثَّيِّر عَزَّة، وللسيّد الْحِمْيَريّ في ذلك أشعاراً.
قيل: إنه وُلد في خلافة أبي بكر، وقيل: في خلافة عمر، ومات سنة
ثلاث وسبعين، وقيل: سنة ثمانين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنتين وثمانين،
وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل غير ذلك.
قال البخاري في ((تاريخه)): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن
أبي حَمْزَة، قال: قضينا نُسُكنا حين قُتِل ابن الزبير، ثم رجعنا إلى المدينة مع
محمد، فمكث ثلاثة أيام، ثم تُوُنّي، وقد دخل على عمر، وهو غلام.
وقال ابن سعد: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن أبي
حَمَزة، قال: كانوا يُسَلِّمون على محمد بن عليّ: السلام عليك يا مهديُّ،
فيقول: أَجَلْ أنا مَهْدِيّ أَهْدِي إلى الخير، ولكن إذا سَلَّمَ أحدكم، فليقل:
السلام عليك يا محمد. وقال ابن حبان: كان من أفاضل أهل بيته.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
صرعنه
٤ - (عَلِيّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشميّ الخليفة الراشد
(ت٤٠) عن (٦٣) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير هُشيم، فواسطيّ، وابن
الحنفيّة، فمدنيّ، وعليّ ◌َُّته مدنيّ، نزل الكوفة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، وهو الأعمش، وهو من الطبقة
الخامسة، عن غير تابعيّ، وهو منذر؛ لأنه من الطبقة السابعة، فيكون من رواية
الأكابر عن الأصاغر.
٥ - (ومنها): ما قيل: لا يُعلَم أحدٌ أسند عن عليّ نَظُه، عن النبيّ
صَلى الله
وَسَّة
أكثر، ولا أصحّ مما أسنده محمد ابن الحنفيّة تَخْتُ، قاله العينيّ تَّهُ(١).
٦ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: محمد بن عليّ، عن
عليّ
رضيعنْه.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمة، ابن عمّ المصطفى وَلل، وزوج
بنته فاطمة ◌ّ، وأبو الحسنين، وأول من آمن من الصبيان، وصلّى مع
النبيّ وَّ، وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة على الأصحّ، وأحد العشرة
المبشّرين بالجنّة، وأحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأول خليفة أبواه هاشمیّان،
ولم يَلِ بعده ممن أبواه هاشميّان غير محمد الأمين ابن زُبيدة، وهو من النبيّ وَّل
بمنزلة هارون من موسى في الأخوّة، وشدّ الأزر، لا في النبوّة (٢)، وغير ذلك
من الفضائل ◌َظُبه لا يشاركه في معظمها غيره، والله تعالى أعلم.
(١) ((عمدة القاري)) ٣٢٣/٢.
(٢) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦٣٣/١ - ٦٤٠.

٤٢٥
(٤) - بَابُ الْمَذْىٍ - حديث رقم (٧٠١)
شرح الحديث:
(عَنْ مُنْذِرٍ) بضمّ الميم، وسكون النون، وكسر الذال المعجمة (ابْنِ يَعْلَى)
بفتح الياء التحتانيّة، وسكون العين المهملة، وفتح اللام (وَيُكْنَى) بالبناء
للمفعول، ونائب فاعله ضمير منذر، قال المجد تَُّ: كَنَى زيداً أبا عمرو،
وبه، كُنْيَةً بالكسر والضمّ: سمّاه به، كأكناه، وكَنّاه، وأبو فلانٍ كُنْيَتُهُ، وكُنْوَته،
ويُكسران. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ تَّثُ: كنيته أبا محمد، وبأبي محمد، قال ابن فارس: وفي
كتاب الخليل: الصواب الإتيان بالياء، قال: والكُنية اسم يُطلق على الشخص
للتعظيم، نحو أبي حفص، وأبي الحسن، أو علامةً عليه، والجمع كُنَّى بالضمّ في
المفرد والجمع، والكسر فيهما لغةٌ، مثلُ بُرْمة وبُرَم، وسِدْرة وسِدَرٍ. انتهى (٣) .
(أَبَا يَعْلَى) منصوب على أنه مفعول ثان لـ ((يُكنَى))؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى
اثنين، ويتعدّى إلى الثاني أيضاً بالباء، كما أسلفناه آنفاً، (عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ) هو
محمد بن عليّ المترجم آنفاً، والحنفيّة أمه، وهي خولة بنت جعفر الحنفيّ
اليماميّ، وكانت من سبي بني حَنِيفة، (عَنْ عَلِيٍّ) ◌َُّهُ أنه (قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً)
قال ابن الملقّن تَخْتُهُ: فيه احتمالان: أحدهما: أن ذلك حكاية عما مضى،
وانقطع عنه حين إخباره به، وهو بعيد، وأظهرهما أن هذه حالة مستدامة له،
ويكون من باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١]، أي أنه
لَمّا علم الناس أنه تعالى عليم حكيم، قيل لهم، ولذلك كان في الأول على ما
هو عليه الآن من العلم والحكمة (٣).
وقوله: (مَذَّاءً) بالنصب صفة لـ(رجلاً))، أي كثير المذي، وهو بفتح
الميم، وتشديد الذال المعجمة على الأفصح، وبالمدّ، على وزن فَعّال
بالتشديد، كضرّاب من الضرب، يقال: مَذَى الرجل يَمْذِي، من باب ضرب
يضرب، ثلاثيّاً، وأمذى يُمْذي، كأعطى يُعطي رباعيّاً، وقد استوفيتُ بيان لغات
المذي والمنيّ، والودي، ومعانيها أول الباب.
(١) ((القاموس المحيط)) ص١١٩٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٤٢/٢.
(٣) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦٤٣/١.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وفي رواية لأبي داود، والنسائيّ، بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة،
وابن حبّان بعدَ («مذّاء)): ((فجعلتُ أغتسل في الشتاء، حتى تشقّق ظهري،
فذكرت ذلك لرسول الله وسلم - أو ذُكر له - فقال: لا تفعل، إذا رأيت المذي،
فاغسل ذكرك، وتوضّأ وضوءك للصلاة، فإذا فَضَخْت الماء، فاغتسل)).
ومعنى ((فَضَخْتَ)) بالفاء، والخاء المعجمة: دَفَقتَ.
وفي (سنن البيهقيّ)) من حديث ابن جريج، عن عطاء أن عليّاً كان يُدخل
في إحليله الفتيلة من كثرة المذي(١).
(وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي) مضارع استحيى، والاستحياء، وهو انقباض النفس؛
خشيةً ارتكاب ما يُكرَه، وقال الفيّوميّ: الاستحياء: هو الانقباض، والانزواء،
قال الأخفش: يتعدّى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييتُ منه، واستحييته،
وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لغة تميم
بياء واحدة. انتهى (٢).
وقال ابن الملقّن تَخْتُ: المراد بالحياء هنا: تغيّرٌ وانكسارٌ يَعْرِض للإنسان
من تخوّف ما يُعاتب به، أو يُذمّ عليه، وأما الحياء الشرعيّ الممدوح عليه الذي
لا يأتي إلا بخير، فهو: رؤية النعم، ورؤية التقصير، فيتولّد بينهما حالة تُسمّى
حياءً، وتلك حالة حاملة على مزيد الشكر، واستقصار الأعمال، والحياء
المذموم، كالحياء المانع من التعلّم، وحياءُ عليّ رَُّّه لم يقض عليه، ولهذا
أرسل، وسأل. انتهى(٣).
(أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ وَِّ) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول ((أستحيي))،
أي أستحيي سؤالَهُ، أو من سؤاله، عن حكم المذي، هل هو موجب للغسل
کالمنيّ، أم لا؟.
قال ابن الملقّن ◌َظّفُهُ: قوله: ((أن أسأل)) تقديره من أن أسأل، وحرف
الجرّ يُحذف من ((أنّ))، و((أَنْ)) قياساً، ثم اختَلف النحاة، هل يكون ((أنّ))،
(١) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦٤٤/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٦٠/١.
(٣) ((الإعلام)) ٦٤٤/١ - ٦٤٥.

٤٢٧
(٤) - بَابُ الْمَذْىٍ - حديث رقم (٧٠١)
و((أنْ)) في موضع نصب، أو جرّ؟. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه القاعدة التي ذكرها ابن الملقّن رَّتُهُ
أشار في ((الخلاصة))، حيث قال:
وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
وَعَدِّ لَازِماً بِحَرْفِ جَرِّ
مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَ «عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا))
نَقْلاً وَفِي ((أَنَّ)) وَ((أَنْ يَظَّرِدُ))
وقوله: (لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) متعلّقٌ بـ ((أستحيي))، فهو علّة الاستحياء من
السؤال، وفي الرواية التالية: ((من أجل فاطمة))، وفي رواية النسائيّ: ((وكانت
فاطمة ابنة النبيّ وَّ تحتي، فاستحييت أن أسأله)).
والمعنى: أنه استحيى من سؤال النبيّ وَّر عن حكم المذي؛ لكون ابنته
فاطمة خُنا تحته، والمذي إنما يخرج كثيراً بسبب ملاعبة الزوجة، وكان في
السؤال عن كثرته تعريض بشيء من أحوال ابنته التي يستحيي من إظهارها؛ لأن
مثل هذا لا يكاد يُفصِح به، ولا سيّما بحضرة الأكابر، وإنما عَلَّل الحياء
بذلك؛ رفعاً للّوم عنه بأن الاستحياء من السؤال في الحقّ، وتعلّم الأحكام
الدينيّة؛ مذموم(٢).
(فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ) أي التمست منه أن يسأل عن ذلك.
والمقداد - بكسر الميم، وسكون القاف، وبالمهملتين - ابن الأسود: هو
المقداد بن عَمْرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرانيّ، ثم الْكِنْديّ، ثم الزهريّ،
كان أبوه حليفاً لبني كِنْدة، وكان هو حليفاً للأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فتبنّاه
الأسود، فنُسب إليه، صحابيّ مشهور، من السابقين إلى الإسلام، مات
سنة (٣٣)، وهو ابن (٧٠) سنة، تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ٢٨١/٤٣.
قال الجامع عفا الله عنه: اختلفت الروايات في السائل، ففي هذه
الرواية، ((فأمرت المقداد إلخ))، وفي رواية للبخاريّ: ((فأمرت رجلاً))، وفي
رواية أحمد، والنسائيّ: ((فأمرت عمّارَ بن ياسر))، وفي ((صحيح ابن خزيمة))،
وغيره: رواية: ((أن عليّاً سأل)) من غير شكّ، وقد جمع ابن حبّان رَّتُهُ بأنه
يحتمل أن يكون عليّ أمر عمّاراً أن يسأل، ثم أمر المقداد أيضاً، ثم سأل
(١) ((الإعلام)) ٦٤٥/١.
(٢) راجع: ((مرقاة المفاتيح)) ٣٢/٢.

٤٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
بنفسه (١)، وهو جمع حسنٌ، وسيأتي نقل عبارته بطولها قريباً - إن شاء الله
تعالى -.
وجمع النوويّ في ((شرح المهذّب)) بأن قال: رواية: ((فذكرت ذلك
لرسول الله (َ﴾)) المراد: أمرت من ذكر، كما جاء في معظم الروايات، قال:
وتُحْمَل رواية: ((فأمرت المقداد))، ورواية: ((فأمرت عمّاراً)) على أنه أمر
أحدهما، ثم أمر الآخر قبل أن يُخبر الأول. انتهى(٢).
(فَسَأَلَهُ) يقال: سأله كذا، وعن كذا، وبكذا، يتعدّى بنفسه إلى المفعول
الثاني، وبـ ((عن))، وبالباء، والأمر: سَلْ، واسأل، ويقال: سال يسال، كخاف
يخاف، أفاده في ((القاموس))(٣).
والمعنى: أن المقداد به سأل النبيّ وَّر سؤالاً مبهماً بأن قال: رجل
خرج من ذكره مذي، فما الحكم فيه؟، وفي الرواية الثالثة: ((فسأله عن المذي
الذي يَخرُج من الإنسان، كيف يفعل به؟)).
(فَقَالَ) وَهِ جواباً عن سؤاله (يَغْسِلُ) الرواية بالرفع، وهو خبر بمعنى
الأمر، بدليل الرواية الآتية بلفظ: ((توضّأ، وانضح فرجك))، أي ليغسل الرجل
المسئول له .
قال ابن دقيق العيد تَخْذَلُهُ: المشهور في الرواية ((يَغْسِلُ)) بالرفع، على
صيغة الإخبار، وهو استعمال لصيغة الإخبار بمعنى الأمر، واستعمال صيغة
الإخبار بمعنى الأمر جائزٌ؛ لما يشتركان فيه من معنى الإثبات للشيء، ولو
رُوي يَغْسِل ذكره بالجزم على حذف اللام الجازمة، وإبقاء عملها لجاز عند
بعضهم على ضعف، ومنهم من منعه إلا للضرورة، كقوله [من الوافر]:
إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ أَمْرِ تَبَالَا (٤)
مُحَمَّدُ تَقْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ
أي لتفد، وأجازه الفرّاء بلا ضعف، وجعل منه قوله تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِىَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، وارتكابه لذلك في الآية؛ لأنه استبعد
(١) راجع: ((الإحسان بتقريب صحيح ابن حبّان)) ٣٩٠/٣.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٩١١.
(٢) راجع: ((المجموع)) ١٤٣/٢ - ١٤٤.
(٤) راجع: ((إحكام الأحكام)) مع حاشيته ((العدّة)) ٣١٠/١ - ٣١١.

٤٢٩
(٤) - بَابُ الْمَذْىِ - حديث رقم (٧٠١)
أن يكون القول سبباً للإقامة، قال الرضيّ: والأولى أن يقال: هو مجزوم لأنه
جواب الأمر، ولا يلزم أن يكون الشرط علّة تامّةً لحصول الجزاء، بل يكفي
في كونه شرطاً توقّف الجزاء عليه، وإن كان متوقّفاً أيضاً على أشياء أخرى،
وقال بعضهم: جَزَمه لكونه شبه الجواب، وفي ((الكشّاف)) القول محذوف؛ لأن
جواب ﴿قُلْ﴾ يدلّ عليه، والتقدير: قل للذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا
(١)
الصلاة وينفقوا. انتهى
٠
[تنبيه]: قال ابن الملقّن تَخْتُهُ: جاء في القرآن الأمر بلفظ الخبر، كقوله
تعالى: ﴿وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، و﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]،
وجاء أيضاً الخبر بلفظ الأمر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ
الرَّحْمَنُ مَدًّاً ﴾ [مريم: ٧٥]، والسرّ في العدول عن الأصل فيهما ما أبداه الفاكهيّ:
أما سرّ الأول، فلأن الخبر يستلزم ثبوت مخبَره، ووقوعَهُ إذا كان مبيّناً،
بخلاف الأمر، فإذا عُبّر عن الأمر بلفظ الخبر كان ذلك آكد؛ لاقتضائه الوقوع
حتى كأنه واقع، ولذلك اختير الدعاء بلفظ الخبر تفاؤلاً بالوقوع.
وأما سرّ الثاني، فلأن الأمر شأنه أن يكون بما فيه داعيةٌ للأمر، وليس
الخبر كذلك، فإذا عُبِّر عن الخبر بلفظ الأمر أشعر ذلك بالداعية، فيكون ثبوته،
وصدقه أقرب. انتهى(٢) .
(ذَكَرَهُ) لخروج النجس عنه؛ لأن المذي نجس، واختلف في المراد بغسل
الذكر، هل هو جميعه، أو ما تلوّث بالمذي، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة
الرابعة مع ترجيح القول بوجوب غسل جميعه - إن شاء الله تعالى -، (وَيَتَوَضَّأُ)
أي لانتقاض وضوئه بسبب خروج المذي منه، وفي رواية النسائيّ: ((ويتوضّأ
وضوءه للصلاة))، أي كما يتوضّأ إذا قام لها، لا أنه يجب الوضوء بمجرّد
خروجه، كما ادّعاه قوم، قال في ((الفتح)): واستُدِلّ به على أن الغسل لا يجب
بخروج المذي، وصَرّح بذلك في رواية لأبي داود وغيره، وهو إجماع، وعلى
أن الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول، وحَكَى الطحاويّ عن قوم
(١) راجع: ((العدّة حاشية العمدة)) ٣١١/١.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦٤٩/١ - ٦٥٠.

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
أنهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه، ثم رَدّ عليهم بما رواه من طريق
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ رَظُه، قال: سئل النبيّ وَل عن المذي؟
فقال: ((فيه الوضوء، وفي المنيّ الغسل))، فعُرِف بهذا أن حكم المذي حكم
البول وغيره من نواقض الوضوء، لا يوجب الوضوء بمجرّده. انتهى(١).
وقال القرطبيّ ◌َخُّْهُ: قوله: ((يغسل ذكره)) ظاهر هذا أنه يغسل جميع
ذكره؛ لأن الاسم للجملة، وهو رأيُ المغاربة من أصحابنا - يعني المالكيّة -
وهل ذلك للعبادة، فيفتقر إلى نيّة، أو لقطع أصل المذي فلا يحتاج؟ قولان
لأبي العبّاس الإتيانيّ، وأبي محمد بن أبي زيد، وذهب بعض العراقيين من
أصحابنا إلى أنه يغسل موضع النجاسة فقط، ولم يختلف العلماء أن المذي إذا
خرج على الوجه المعتاد أنه ينقض الوضوء. انتهى (٢).
[تنبيه]: هكذا وقع في رواية المصنّف: تقديم غسل الذكر على الوضوء،
وهو الأولى، ووقع في رواية للبخاريّ تقديم الأمر بالوضوء على غسله،
ولفظه: ((توضّأ، واغسل ذكرك))، فقال في ((الفتح)): هكذا وقع في البخاريّ
تقديم الأمر بالوضوء على غسله، ووقع في ((العمدة)) نسبة ذلك إلى البخاريّ
بالعكس، لكن الواو لا تُرَتِّب، فالمعنى واحد، وهي رواية الإسماعيليّ، فيجوز
تقديم غسله على الوضوء، وهو أولى، ويجوز تقديم الوضوء على غسله، لكن
مَن يقول بنقض الوضوء بمسّه، يَشترط أن يكون ذلك بحائل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا عزا صاحب ((الفتح)) رواية تقديم غسل
الذكر على الوضوء للإسماعيليّ، مع كون مسلم رواها، فكان الأولى له عزوها
له؛ لأن هذا هو المتعارف لدى المحقّقين، كما لا يخفى، قال بعض الحذّاق:
وَمَنْ حَذَا خِلَافَهَا يُلَامُ
قَاعِدَةٌ أَسَّسَهَا الأَعْلَامُ
أَوْ كَانَ فِي أَحَدِ ذَیْنٍ قَدْ وُجِدْ
إِذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ يَرِدْ
إِلَّا إِذَا بِعَزْوٍ ذَيْنِ يُرْتَبَظْ(٣)
فَعَزْوُهُ لِمَا سِوَاهُمَا غَلَطْ
[تنبيه آخر]: قال ابن الملقّن تَظُّ: احتجّ بعض متأخري المالكيّة بقوله:
(١) ((الفتح)) ٤٥٣/١.
(٣) ((رفع الأستار)) ص٣٣.
(٢) ((المفهم)) ١/ ٥٦٣.

٤٣١
(٤) - بَابُ الْمَذْىٍ - حديث رقم (٧٠١)
((اغسل ذكرك، وتوضّأ)) أنه إنما يغسل ذكره عند إرادة الوضوء، ولا يجزيه قبل
ذلك؛ لأن الواو ظاهرة في المعيّة، ومشهور مذهبهم خلافه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما أبعد هذا الاستنباط، وإنما أذكر مثل هذا؛
ليُعلَم، لا ليؤخذ به، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ
هذا متّفقٌ عليه.
الله ؛
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠١/٤ و٧٠٢ و٧٠٣] (٣٠٣)، و(البخاريّ) في
((العلم)) (١٣٦)، و((الوضوء)) (١٧٨) و((الغسل)) (٢٦٩)، و(أبو داود) في
((الطهارة)) (٢٠٧)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (١١٥)، و(النسائيّ) في ((الطهارة))
(٤٣٥)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٥٠٥)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٤٠/١)،
و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٤/١)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)
(٦٠٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٩٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/
٨٠ و٨٢ و١٢٤ و١٤٠ و١٤٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢١)، و(ابن
حبّان) في (صحيحه)) (١١٠١ و١١٠٢ و١١٠٤ و١١٠٥ و١١٠٦ و١١٠٧)،
و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٦٢ و٧٦٣
و٧٦٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٩٢ و٦٩٣ و٦٩٤)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (١١٥/١)، وفي ((المعرفة)) (٢٩١/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح
معاني الآثار)) (٤٦/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٩)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان اختلاف الروايات في هذا الحديث، والجمع
بینھا :
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٦٥٨.

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
(اعلم): أنه اختلفت الروايات في هذا الحديث، هل هو من مسند عليّ
نفسه، أو من مسند المقداد، أو من مسند عمار ية؟.
قال الإمام ابن حبّان في ((صحيحه)) (٣٨٦/٣): قال أبو حاتم: يشبه أن
يكون علي بن أبي طالب أمر المقداد أن يسأل رسول الله وَ ر عن هذا الحكم،
فسأله، وأخبره، ثم أخبر المقداد عليّاً بذلك، ثم سأل عليّ رسول الله وَلّ عما
أخبره به المقداد، حتى يكونا سؤالين في موضعين مختلفين، والدليل على أنهما
كانا في موضعين، أن عند سؤال عليّ النبيّ وَ﴾ أمره بالاغتسال عند المنيّ،
وليس هذا في خبر المقداد، يدلك هذا على أنهما غير متضادين. وقال أيضاً:
قال أبو حاتم تَخَّتُهُ: قد يَتَوَهّم بعضُ المستمعين لهذه الأخبار، ممن لم يطلب
العلم من مظانّه، ولا دار في الحقيقة على أطرافه، أن بينها تضادّاً، أو تهاتراً؛
لأن في خبر أبي عبد الرحمن السُّلميّ(١): ((سألت النبيّ وَّ))، وفي خبر
إياس بن خليفة: ((أنه أمر عماراً أن يسأل النبيّ وَ ل98))، وفي خبر سليمان بن
يسار: ((أنه أمر المقداد أن يسأل رسول الله وَ لي))، وليس بينها تهاترٌ؛ لأنه
يَحتمل أن يكون عليّ بن أبي طالب أمر عماراً أن يسأل النبيّ وَلَّ، فسأله، ثم
أمر المقداد أن يسأله فسأله، ثم سأل بنفسه رسول الله وَاليه .
والدليل على صحة ما ذكرتُ أن متن كل خبر يخالف متن الخبر الآخر؛ لأن
في خبر أبي عبد الرحمن: ((كنت رجلاً مذّاء، فسألت النبيّ وََّ، فقال: إذا رأيت
الماء فاغتسل))، وفي خبر إياس بن خليفة: ((أنه أمر عماراً أن يسأل النبيّ وَّ،
فقال: يغسل مذاكيره، ويتوضأ))، وليس فيه ذكر المني الذي في خبر أبي
عبد الرحمن، وخبرُ المقداد بن الأسود سؤال مستأنف، فيسأل أنه ليس بالسؤالين
الأولين اللذين ذكرناهما؛ لأن في خبر المقداد: ((أن عليّ بن أبي طالب أمره أن
يسأل رسول الله عن الرجل إذا دنا من أهله، فخرج منه المذي، ماذا عليه؟ فإن
عندي ابنته))، فذلك ما وصفنا على أن هذه أسئلة متباينة، في مواضع مختلفة،
لعلل موجودة من غير أن يكون بينها تضادّ أو تهاترٌ. انتهى كلام ابن حبّان ◌َُّهُ(٢).
(١) هي في: ((صحيح البخاريّ))، وليس في مسلم.
(٢) راجع: ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٣٩٠/٣ - ٣٩١.

٤٣٣
(٤) - بَابُ الْمَذْىٍ - حديث رقم (٧٠١)
وقال في ((الفتح)) عند شرح قوله: ((توضأ)) ما نصّه: هذا الأمر بلفظ
الإفراد يُشعِر بأن المقداد سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون سأل لمبهم، أو لعليّ،
فوجَّه النبيّ وَّ الخطاب إليه، والظاهر أن عليّاً كان حاضر السؤال، فقد أطبق
أصحاب ((المسانيد))، و((الأطراف)) على إيراد هذا الحديث في مسند عليّ
مضرعيه ،
يَبا
ولو حملوه على أنه لم يَحضُر لأوردوه في مسند المقداد، ويؤيِّده ما في رواية
النسائيّ، من طريق أبي بكر بن عيّاش، عن أبي حَصِين في هذا الحديث، عن
عليّ رَُّبه قال: ((فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله).
ووقع في رواية مسلم: ((فقال: يغسل ذكره، ويتوضأ))، بلفظ الغائب
فيحتمل أن يكون سؤال المقداد وقع على الإبهام، وهو الأظهر، ففي مسلم
أيضاً: ((فسأله عن المذي يَخرُج من الإنسان))، وفي ((الموطأ)) نحوه.
ووقع في رواية لأبي داود، والنسائيّ، وابن خزيمة ذكر سبب ذلك من
طريق حُصين بن قَبيصة، عن عليّ رَُّه: ((قال: كنت رجلاً مذّاءً، فجعلت
أغتَسِل منه في الشتاء، حتى تشَقَّق ظهري، فقال النبيّ وَّ: لا تفعل)).
ولأبي داود وابن خزيمة، من حديث سهل بن حُنيف رَؤُهُ أنه وقع له
نحو ذلك، وأنه سأل عن ذلك بنفسه.
ووقع في رواية للنسائيّ أن عليّاً قال: ((أمرت عماراً أن يسأل))، وفي
رواية لابن حبان، والإسماعيليّ: ((أن علياً قال: سألت)).
وجمع ابن حبان بين هذا الاختلاف بأن عليّاً أمر عماراً أن يسأل، ثم أمر
المقداد بذلك، ثم سأل بنفسه، وهو جمع جيِّد إلا بالنسبة إلى آخره؛ لكونه
مغايراً لقوله: إنه استحيى عن السؤال بنفسه؛ لأجل فاطمة، فيتعين حمله على
المجاز، بأن بعض الرواة أَطلَق أنه سأل؛ لكونه الآمر بذلك، وبهذا جزم
الإسماعيليّ، ثم النوويّ.
ويؤيد أنه أمر كلّاً من المقداد وعمار بالسؤال عن ذلك، ما رواه
عبد الرزاق، من طريق عطاء، عن عائش بن أنس، قال: ((تذاكر عليّ والمقداد
وعمار المذي، فقال عليّ: إنني رجلٌ مذّاءٌ، فاسألا عن ذلك النبيّ وََّ، فسأله
أحد الرجلين، قال عطاء: وسمّاه عائش، ونسيته)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عائش بن أنس مجهول العين؛ لأنه لم يرو عنه

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
غير عطاء، وقال ابن خِرَاش: مجهول، انظر ((ميزان الاعتدال)) ٣٦٤/٢.
وقال ابن عبد البرّ كَّتُهُ: حديث المذي صحيحٌ، ثابتٌ عند أهل العلم،
له طرقٌ شتّى، عن عليّ، والمقداد، وعمّار، وكلّها صحاح، وأحسنها رواية
عبد الرزاق هذه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: في تحسين هذه الرواية نظر لا يخفى؛ لما ذكرته
آنفاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وصحح ابن بَشْكوال أن الذي تولى السؤال عن ذلك هو المقداد، وعلى
هذا فنسبة عمار إلى أنه سأل عن ذلك محمولة على المجاز أيضاً؛ لكونه
قَصَدَه، لكن تولى المقداد الخطاب دونه، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن بشكوال هذا فيه نظرٌ لا يخفى، فعندي
أن الأولى ما جمع به ابن حبّان ◌َُّهُ، وهو أن علياً رَظُه أمر كلّاً من المقداد،
وعمّار ◌ِيًّا، فسأل كلّ منهما عنه، ثم تولّى بنفسه السؤال ليتثبّت، ولا ينافيه
قوله: ((أستحيي)؛ لأنه استحيى في أول الأمر، ثم فكّر بأن هذا الأمر دينيّ، لا
ينبغي الاستحياء منه، فتولّى بنفسه، كما قالت أم سليم ◌ّا: ((يا رسول الله
إن الله لا يستحيي من الحقّ، فهل على المرأة من غسل؟ ... )) الحديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن خروج المذيّ لا يوجب الغسل كالمنيّ، وقد أجمع
العلماء على ذلك.
٢ - (ومنها): بيان إيجاب الوضوء بخروج المذيّ، وهو أيضاً مجمع
عليه .
٣ - (ومنها): بيان كون المذي نجساً، ولهذا أوجب النبيّ وَل غسل الذكر
منه، قال في ((الفتح: واستُدِلّ به على نجاسة المذي، وهو ظاهر، وخَرَّج ابن
عَقِيل الحنبليّ من قول بعضهم: إن المذي من أجزاء المنيّ روايةً بطهارته.
وتُعُقِّب بأنه لو كان منّاً لوجب الغسل منه. انتهى(١).
(١) ((الفتح)) ٤٥٣/١.

٤٣٥
(٤) - بَابُ الْمَذْىٍ - حديث رقم (٧٠١)
٤ - (ومنها): جواز الاستنابة في الاستفتاء.
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على قبول خبر الواحد، وعلى جواز الاعتماد
على الخبر المظنون، مع القدرة على المقطوع.
قال الحافظ: وفيهما نظر؛ لما قدمناه من أن السؤال كان بحضرة عليّ، ثم
لو صحّ أن السؤال كان في غيبته، لم يكن دليلاً على المدَّعَى؛ لاحتمال وجود
القرائن التي تَحُفّ الخبر، فترقيه عن الظن إلى القطع، قاله القاضي عياض.
وقال ابن دقيق العيد: المراد بالاستدلال به على قبول خبر الواحد، مع
كونه خبر واحد، أنه صورة من الصور التي تدلّ، وهي كثيرة تقوم الحجة
بجملتها، لا بفرد معيّن منها (١).
وعبارة القاضي عياض: قال المازريّ: فيه أن عليّاً كلّف من يسأل له مع
القدرة على المشافهة، فإن كان أراد أن يكون سؤال الرسول بحضرته، فيسمع
منه، وإنما احتشم من مشافهته؛ لكون ابنته عنده، فلا اعتراض في ذلك، وإن
لم يُرد ذلك، فإنه يقال: كيف يُجزئ خبر الواحد عن النبيّ وَّل مع القدرة على
القطع، وسماع قوله؟ وهل يكون هذا كالاجتهاد مع القدرة على النصّ، وفي
ظاهر الرواية المذكورة أنه قال: أرسلنا المقداد، إشارةً إلى أنه لم يحضر
مجلس السؤال.
قال القاضي عياض: قد تفترق عندي هذه المسألة عن مسألة الاجتهاد مع
وجود النصّ، فإن الاجتهاد مع القدرة على النصّ خطأ محضٍّ، حتى لو كان
النصّ خبر واحد لكان الاجتهاد معه خطأ إلا إذا خالف الخبر الأصول،
وعارض القياس(٢)، فبين الأصوليين والفقهاء فيه اختلاف، والأصحّ تقديم خبر
(١) ((الفتح)) ٤٥٣/١.
(٢) لا يوجد خبر صحيح يخالف الأصول والقياس أصلاً، بل ذلك لا يخلو عن أحد
أمرين، إما لا يصحّ ذلك الخبر من جهة إسناده، أو نكارة متنه، وإن ظُنّ أنه
صحيح ظاهراً، وإما أن ذلك القياس فاسد، وإن ظُنّ أنه قياس صحيح، وقد
أشبعت الكلام في هذا في: ((التحفة المرضيّة)) في الأصول، وفي شرحها، فراجعه
تجد ما يشفيك، وبالله تعالى التوفيق.

٤٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
لامتثاله، والمبادرة للعمل به، وقطع
الواحد، بدليل عود الصحابة .
التشاجر، ومنازعات الاجتهاد عند حصوله، وها هنا إنما طلب النصّ، لوثوقه
بالطريق إليه، وبُعْدِ الناقل عن الكذب، لا سيّما على النبيّ وَّل، ولتزكيته
للناقل، وثنائه وَّ عليه، وثناء الله في كتابه عليه، وبعد الوهم والخطأ؛ لقرب
النازلة، وسماع الجواب، وفهم السائل الناقل، فارتفع الأمر إلى أعلى درجات
يتناوبون لسماع
غلبة الظنّ، ولم يبق إلا تجويزٌ بعيدٌ، وقد كان الصحابة
العلم من رسول الله وَّ، ويجزي بعضهم عن بعض، وما علمنا أحداً، ولا
بلغنا أن أحداً استَثْبَتَ فيما سمعه من النبيّ وَّ إلا مبتدئ الإسلام، كحديث
ضمام وغيره، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ
لِيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ... ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢]، والأكثر قادرٌ على
النفير والسماع بغير واسطة، وقد قال ضمام: أنا رسول مَن ورائي، وقال وَلِّلـ
لوفد عبد القيس: ((وأخبروا بهنّ من ورائكم))، ونفذت كتبه نَّهُ ورسلُهُ إلى
عُمّاله، وأمراء المسلمين، فوقفوا عندها، ولم يتزحزح أحد في قبولها، ولا
أعمل الراحلة إلى تحقيقها. انتهى كلام القاضي ببعض تصرّف(١).
٦ - (ومنها): استحباب استعمال الأدب في ترك المواجهة بما يُستحيَى
منه عرفاً، واستحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج يُسْتَحبّ له أن لا
يَذكُر ما يتعلّق بجماع الزوجة، والاستمتاع بها بحضرة أبيها وأخيها وابنها
وغيرهم من أقاربها، ولهذا قال عليّ ظُه: فكنت أستحيي أن أسأل
رسول الله ﴾ لمكان ابنته.
٧ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): استَدَلّ به بعضهم على وجوب الوضوء
على مَن به سَلَسُ المذي؛ للأمر بالوضوء مع الوصف بصيغة المبالغة الدالة
على الكثرة.
وتعقّبه ابنُ دقيق العيد بأن الكثرة هنا ناشئة عن غلبة الشهوة، مع صحة
الجسد، بخلاف صاحب السلس، فإنه ينشأ عن علّة في الجسد، ويمكن أن
يقال: أمر الشارع بالوضوء منه، ولم يَستفصل، فدلّ على عموم الحكم. انتهى.
(١) ((إكمال المعلم)) ٢/ ١٣٧ - ١٣٨.

٤٣٧
(٤) - بَابُ الْمَذْىِ - حديث رقم (٧٠١)
٨ - (ومنها): أن فيه جواز الاستنابة في الاستفتاء للعذر، سواء كان
المستفتي حاضراً أو غائباً، قال ابن الملقّن: وأغرب ابن القطّان المالكيّ
المتأخّر، فمنع الاستنابة في ذلك معلّلاً بتطرّق الوهم إلى النائب، بخلاف
الصحابة ﴿ه، فإنهم ثقاتٌ فصحاء، وهذا القول ضعيف(١).
٩ - (ومنها): أنه قد يؤخذ منه جواز دعوى الوكيل بحضرة موكله، قاله
في ((الفتح)).
من شدّة احترامهم
١٠ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة
للنبيّ ◌َآل﴾، وتوقيره.
١١ - (ومنها): أن المازريّ قال: لم يبيّن في هذه الروايات، هل أمره أن
يسأل سؤالاً عامّاً أو خاصّاً؟، فإن كان لا يلتفت إلى كيفيّة السؤال، ففيه دلالة
على أن قضايا الأعيان تتعدّى، وهي مسألة أصوليّةٌ، مختلف فيها؛ لأنه لو كان
يرى أنها لا تتعدّى لأمره أن يسأله سؤلاً يخصّه، ويسمّي له السائل، فإنه قد
يُفتح له ما لا يُفتح لغيره.
قال الجامع عفا الله عنه: رواية المصنّف الأخيرة بلفظ: ((فسأله عن
المذي يخرج عن الإنسان))، ظاهرة في كون السؤال عاماً، وكذا رواية ((الموطأ))
بلفظ: ((أن يسأل عن الرجل إذا دنا من أهله، يخرُج منه المذي))، نبّه عليه ابن
الملقّن ◌َّتُهُ(٢)، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ كَّهُ ترجم لهذا الحديث في ((كتاب
العلم)) من ((صحيحه)) بقوله: ((باب من استحيى، فأمر غيره بالسؤال)). انتهى،
أي ففيه الجمع بين المصلحتين: استعمال الحياء، وعدم التفريط في معرفة
الحكم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال النوويّ كَّتُهُ: فيه أن الاستنجاء بالحجر إنما
يجوز الاقتصار عليه في النجاسة المعتادة، وهي البول، والغائط، أما النادر،
كالدم، والمذي، وغيرهما، فلا بُدّ فيه من الماء، وهذا أصح القولين في
مذهبنا، وللقائل الآخر بجواز الاقتصار فيه على الحجر قياساً على المعتاد أن
(١) راجع: ((الإعلام)) ١/ ٦٥٥.
(٢) راجع: ((الإعلام)) ٦٥٨/١ - ٦٥٩.

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
يجيب عن هذا الحديث، بأنه خَرَجَ على الغالب فيمن هو في بلد أن يستنجي
بالماء، أو يحمله على الاستحباب. انتهى.
وقال في ((الفتح)): واستَدَلَّ به ابن دقيق العيد على تَعَيُّن الماء فيه دون
الأحجار ونحوها؛ لأن ظاهر الحديث يُعَيِّن الغسل، والْمُعَيَّن لا يقع الامتثال
إلا به، وهذا ما صححه النووي في ((شرح مسلم))، وصحّح في باقي كتبه جواز
الاقتصار على الحجر؛ إلحاقاً له بالبول، وحملاً للأمر بغسله على الاستحباب،
أو على أنه خَرَج مخرج الغالب، وهذا المعروف في المذهب. انتهى(١).
وكتب الشيخ عبد العزيز بن باز كَُّ فيما علّقه على ((الفتح)) ما نصّه:
الصواب ما قاله ابن دقيق العيد من تعيّن الماء في غسل المذي؛ عملاً بظاهر
الحديث، ويؤيّده ما ثبت في ((مسند أحمد))، و((سنن أبي داود)) عن عليّ
أن النبيّ وَلّ أمره أن يغسل ذكره، وأنثييه(٢)، وهذا حكم يخصّ المذي دون
البول، والله أعلم. انتهى كلام الشيخ تَّتُهُ، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
والحاصل أن غسل الذكر من المذي بالماء واجب؛ لظاهر هذا الحديث،
فلا يقوم الاستنجاء بالأحجار مقامه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان اختلاف أهل العلم في غسل الذكر كلّه:
ذهب بعض المالكية والحنابلة إلى إيجاب استيعاب الذكر بالغسل؛ عملاً
بالحقيقة .
وذهب الجمهور إلى أن الواجب غسل محلّه فقط؛ نظراً إلى المعنى، فإن
(١) ((الفتح)) ٤٥٣/١.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد في: ((مسنده)) برقم (٩٦٠)، وأبو داود في: ((سننه))
(١٧٩) وأعلّه بعضهم بالانقطاع، فإن عروة لم يسمع عن عليّ رَُّبه، لكن أخرجه
أبو عوانة في: ((صحيحه)) من حديث هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، عن
عبيدة السلمانيّ، عن عليّ، قال ابن الملقّن تَظْلَهُ: وفي هذا ردّ لما نقله أبو داود عن
أحمد بن حنبل أنه قال: ما قال غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة في حديثه، فأما
الأحاديث كلها، فليس فيها هذا. انتهى. ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٦٥٣.

٤٣٩
(٤) - بَابُ الْمَذْىٍ - حديث رقم (٧٠٢)
الموجب لغسله إنما هو خروج الخارج، فلا تجب المجاوزة إلى غير محله،
قال في ((الفتح)): ويؤيده ما عند الإسماعيليّ في رواية: ((فقال: توضأ،
واغسله))، فأعاد الضمير على المذي، ونظير هذا قوله: ((مَن مَسّ ذكره،
فليتوضأ)»، فإن النقض لا يتوقف على مَسّ جميعه.
قال: واختلف القائلون بوجوب غسل جميعه، هل هو معقول المعنى، أو
للتعبد؟، فعلى الثاني تجب النية فيه، قال الطحاويّ: لم يكن الأمر بغسله
لوجوب غسله كله، بل لِيَتَقَلَّص، فيبطل خروجه، كما في الضرع إذا غُسِل
بالماء البارد، يتفرق لبنه إلى داخل الضرع، فينقطع بخروجه. انتهى.
(المسألة السادسة): أوجب الإمام أحمد تَخُّ غسل الأنثيين أيضاً؛ لرواية
أبي داود بالأمر بغسلهما مع الذكر.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي القول بغسل جميعه، ويؤيّده
ما أخرجه أحمد، وأبو داود، بإسناد صحيح، بلفظ: ((ليغسل ذكره، وأنثييه))،
عن عليّ ◌َرُه كنت رجلاً مذاءً، وكنت أستحي أن أسأل النبيّ وَلّ لمكان ابنته،
فأمرت المقداد، فسأله، فقال: ((يغسل ذكره، وأنثييه، ويتوضأ))، ولفظ أبي
داود: ((ليغسل ذكره، وأنثييه)).
وأخرج أبو داود بإسناد صحيح عن حرام بن حكيم، عن عمه، عبد الله بن
سعد الأنصاريّ، قال: سألت رسول الله وَلّ عما يوجب الغسل، وعن الماء
يكون بعد الماء، فقال: ((ذاك المذي، وكلُّ فَحْل يَمْذِي، فتغسل من ذلك
فرجك، وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة)).
فهذا النصّ ظاهر في كون الغسل لجميعه، بل مع أنثييه، فتبصّر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٠٢] (.) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي
ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُنْذِراً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ نَّهِ عَنِ الْمَذْىِ، مِنْ أَجْلِ
فَاطِمَةَ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: (مِنْهُ الْوُضُوءُ))).

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) (م٤) تقدم
في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة الناقد
البصير [٧] (١٦٠) (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، و((سليمان)) هو الأعمش.
وقوله: (مِنْهُ الْوُضُوءُ)، وفي رواية البخاريّ: ((فيه الوضوء))، وهو جملة
اسمية؛ لأن ((الوضوءُ)) مبتدأ مؤخّر، و((منه)) متعلّق بمحذوف، خبر مقدمٌ،
تقديره: الوضوء واجبٌ منه، ويجوز أن يكون ارتفاع ((الوضوءُ)) على الفاعلية
بالجارّ والمجرور، وإن لم يعتمد، على مذهب بعض النحاة.
وقوله: (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ) جملة من الفعل والفاعل والمفعول.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الذي قبله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٧٠٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى،
قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَرْسَلْنَا الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَذْيِ يَخْرُجُ مِنَ الْإِنْسَانِ، كَيْفَ يَفْعَلُ بِهِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ: (تَوَضَّأُ، وَانْضِحْ فَرْجََكَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو عبد الله البحر الحبر ﴿هَا، تقدّم قريباً أيضاً.
والباقون تقدّموا قبل باب، وهارون تقدّم في الباب الماضي.