Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
(٢) - بَابُ الاضْطِجَاعِ مَعَ الْحَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ - حديث رقم (٦٨٩)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٨٩] (٢٩٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيِّنَبَ بِنْتَ
أُمِّ سَلَمَةَ(١) حَدَّثَتْهُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَنْهَا، قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي الْخَمِيلَةِ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِ، فَقَالَ
لِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَنَفِسْتِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي
الْخَمِيلَةِ، قَالَتْ: وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ وَهِ يَغْتَسِلَانِ فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ مِنَ
الْجَنَابَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ، ثقةٌ
حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما
وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٣ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر، بوزن جعفر، أبو
بكر البصريّ الدّستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يدلّس، ويرسل [٥] (ت١٣٢) (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر
فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) أيضاً جـ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ) هي: زينب بنت أبي سلمة عبد الله بن
عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم، ربيبة النبيّ وَّر، وأمها أم
(١) وفي نسخة: ((بنت أبي سلمة)).

٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
سلمة، يقال: إنها وُلِدت بأرض الحبشة(١).
وكان اسمها بَرَّة فسماها رسول الله ◌َّه زينب.
رَوَتِ عن النبيّ وََّ، وعن أمها، وعائشة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة
بنت أبي سفيان، أمهات المؤمنين، وعن حبيبة.
ورَوَى عنها ابنها أبو عبيدة بن عبد الله بن زَمْعة، ومحمد بن عمرو بن
عطاء، وحميد بن نافع المدنيّ، وعِرَاك بن مالك، وعروة بن الزبير، وأبو
سلمة بن عبد الرحمن، وكُليب بن وائل، وعلي بن الحسين بن عليّ، وأبو
قِلابة الْجَرْميّ، وآخرون.
وذكرها العجليّ في ثقات التابعين، قال الحافظ: كأنه كان يشترط
للصحبة البلوغ، وأظن أنها لم تحفظ، وذكرها ابن سعد فيمن لم يرو عن
النبيّ وََّ شيئاً، ورَوَى عن أزواجه.
وقال ابن سعد: كانت أسماء بنت أبي بكر أرضعتها، فهي أخت أولادها
من الرضاعة، وقال بكر بن عبد الله الْمُزَنيّ: أخبرني أبو رافع، قال: كنت إذا
ذَكَرت امرأة بالمدينة فقيهةً ذكرت زينب بنت أبي سلمة، وقال سليمان التيميّ،
عن أبي رافع: غَضِبت علي امرأتي، فذكر قِصَّةً فيها: فقالت زينب بنت أم
سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة.
ماتت في ولاية طارق على المدينة سنة ثلاث وسبعين، وحضر ابن عمر
جنازتها(٢).
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (٢٥) حديثاً .
٧ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هي: هند بنت أبي أمية حُذيفة، ويقال: سُهيل بن
المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم المخزومية، أم المؤمنين ظيّا، توفيت
سنة (٦٢) وقيل غير ذلك، تقدمت ترجمتها في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣.
(١) قال الحافظ: قوله: ((وُلِدت بأرض الحبشة)) هذا قاله الواقديّ، وفيه نظر، ففي:
(مستدرك الحاكم)) بإسناد صحيح ما يَرُدّه، ويُدُلّ على أن أمها لَمّا تزوجت النبيّ وَ ل
بعد موت أبي سلمة كانت زينب ما فَطَمَت بعدُ. انتهى. ((تهذيب التهذيب)) ٦٧٤/٤.
(٢) راجع: ((الإصابة)) ١٥٧/٨ - ١٥٨، و((تهذيب التهذيب)) ٦٧٤/٤ - ٦٧٥.

٣٦٣
(٢) - بَابُ الاضْطِجَاعِ مَعَ الْخَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ - حديث رقم (٦٨٩)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ◌َّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رواته كلهم رُواة الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب
الأصول الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين.
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: يحيى،
عن أبي سلمة، عن زينب، أو رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّة، عن
صحابيّة، على قول من يقول: إن زينب لها رؤية، وإن لم يكن لها رواية.
٧ - (ومنها): أن فيه رواية البنت، عن أمها. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ)، وفي نسخة:
(بنت أبي سلمة))، وكلاهما صحيح؛ لأن أم سلمة أمها، وأبو سلمة أبوها،
وليس هو أبا سلمة الراوي عنها؛ لأنه ابن عبد الرحمن بن عوف، تابعيّ، وأبو
سلمة والد زينب هو عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ الصحابيّ ◌َُّه (حَدَّثَنْهُ)،
أي حدّثت أبا سلمة (أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة، أم المؤمنين
(حَدَّثَتْهَا)، أي حدّثت زينب، وقوله: (قَالَتْ) بيان وتوضيح لمعنى التحديث
(بَيْنَمَا) أصله ((بَيْنَ)) زيد عليها ((ما))، ويقال: ((بينا)) كما هو رواية البخاريّ ◌َُّ،
أُشبعت فتحة النون بالألف، و((بينما)) و((بينا)) ظرف زمان، بمعنى المفاجأة،
ومضافان إلى جملةٍ، مِن فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يَتِمّ
به المعنى، ويُقرن جوابهما بـ ((إذ))، كقولها هنا: ((إذ حضت))، و((إذا))، كقولك:
بينما زيد جالسٌ إذا دخل عمرو، وإن كان الأكثر عدم الاقتران بهما .
(أَنَا مُضْطَجِعَةٌ) جملة من مبتدأ وخبره في محلّ جرّ بإضافة ((بينما)) إليها،
وأصل ((مضطجعة)) مُضْتجِعة؛ لأنه من باب الافتعال، فقلبت التاء طاءً، كما
قال في ((الخلاصة)):

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
طَاتَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُظْبَقِ فِي اذَّانَ وَازْدَدْ وَاذَّكِرْ دَالاً بَقِي
ويجوز في ((مضطجعة)) الرفع والنصب، أما الرفع فعلى الخبرية لـ ((أنا))،
كما أسلفته آنفاً، وأما النصب فعلى الحال، فعلى الأول يكون قوله: (مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَلَّ) متعلّقاً بحال مقدّر، أو بـ ((مضطجعة))، وعلى الثاني يكون هو
الخبرَ (فِي الْخَمِيلَةِ) هذه رواية الأكثرين من أصحاب يحيى، ثم أصحاب
هشام، فكلّهم قالوا: ((الْخَمِيلة))، ووقع عند البخاريّ، من رواية المكيّ بن
إبراهيم، عن هشام الدستوائيّ: ((الخميصة)) بدل ((الخميلة)). قال الحافظ تَُّهُ:
لم أر - يعني الخميصة - في شيء من طرقه إلا في هذه الرواية. انتهى.
و((الْخَمِيلة)) - بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم - قال أهل اللغة:
الخميلة، والخميل بحذف الهاء: هي القَطِيفة، وكلُّ ثوب له خَمْلٌ من أيّ شيءٍ
كان، وقيل: هي الأسود من الثياب، قاله النوويّ(١).
وقال الفيّوميّ: الْخَمْلُ، مثلُ فَلْس: الْهُدْبُ، والْخَمْلُ: الْقَطِيفة،
والْخَمِيلةُ: الطِّنْفِسة، والجمع خَمِيل بحذف الهاء. انتهى(٢).
وقال ابن الأثير: الْخَمِيلُ، والْخَمِيلة: القَطِيفة، وهي كلّ ثوب له خَمْلٌ،
من أيّ شيء كان، وقيل: الْخَمِيلُ الأسود من الثياب. انتهى (٣).
وأما ((الْخَمِيصة)) - بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم - فهي كساءٌ مُرَبَّعٌ،
له عَلَمان، وقيل: الخمائص ثياب من خَزّ ثِخَانٌ سُودٌ وحُمْرٌ، ولها أعلام ثِخَان
أيضاً، قاله ابن سِيدَهْ، وفي ((الصحاح)): كساء أسود مربعٌ، وإن لم يكن مُعْلَماً
فليس بخميصة(٤).
وقال ابن الأثير: الخميصة: ثوبُ خَزّ، أو صُوف مُعْلَمٌ، وقيل: لا تُسمّى
خَمِيصةً إلا أن تكون سوداء مُعْلَمَةً، وكانت لباس الناس قديماً، وجمعها
الخمائص. انتھی(٥) .
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر نحو ما تقدّم: لا منافاة بين الخميصة
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٦/٣.
(٣) ((النهاية)) ٨١/٢.
(٥) ((النهاية)) ٨٠/٢ - ٨١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٨٢.
(٤) راجع: ((عمدة القاري)) ١٦٣/٣.

(٢) - بَابُ الاضْطِجَاعِ مَعَ الْحَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ - حديث رقم (٦٨٩)
٣٦٥
والخميلة، فكأنها كانت كساءً أسود لها أهداب. انتهى (١).
(إِذْ حِضْتُ) أي أصابني الحيض (فَانْسَلَلْتُ) بلامين الأولى مفتوحةٌ،
والثانية ساكنةٌ، أي ذهبت في خُفية، وإنما فَعَلت ذلك؛ لاحتمال وصول شيء
من الدم إليه وَ، أو لأنها تقذّرت نفسها، ولم ترتضها لمضاجعته وَّهِ، أو
خافت أن يَنْزِل الوحي على النبيّ وََّ، فانسلت لئلا تَشْغَله حركتها عما هو فيه
من الوحي أو غيره، أو خافت أن يطلُب منها النبيّ ◌َّ منها الاستمتاع بها،
وهي على هذه الحالة التي لا يُمكن فيها الاستمتاع.
(فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي) قال في ((الفتح)): وقع في روايتنا بفتح الحاء
وكسرها معاً، ومعنى الفتح: أخذت ثيابي التي ألبسها زمن الحيض؛ لأن
الحيضةَ بالفتح، هي الحيض، ومعنى الكسر: أخذت ثيابي التي أَعْددتها
لألبسها حالة الحيض، وجزم الخطابيّ برواية الكسر، ورجحها النوويّ، ورَجّح
القرطبيّ رواية الفتح؛ لوروده في بعض طرقه بلفظ ((حيضي)) بغير تاء. انتهى (٢).
وعبارة النوويّ: وقولها: ((فأخذت ثياب حيضتي)) هي بكسر الحاء، وهي
حالة الحيض، أي أخذت الثياب الْمُعَدَّة لزمن الحيض، هذا هو الصحيح
المشهور المعروف في ضبط ((حِيضتي)) في هذا الموضع، قال القاضي عياض:
ويَحْتَمِل فتح الحاء هنا أيضاً، أي: الثياب التي ألبسها في حال خَيْضَتي، فإن
الحيضة بالفتح هي الحيض. انتهى(٣).
وقال في ((العمدة)): قولها: ((ثياب حِيضتي)) بكسر الحاء، وهي حال
الحيض، هذا هو الصحيح المشهور، وقال الكرمانيّ: وقيل: يحتمل فتح الحاء
هنا أيضاً، فإن الحيضة بالفتح هي الحيض.
قال العينيّ: لا يقال هنا بالاحتمال، فإن كلّ منهما لغةٌ ثبتت عن
العرب، وهي أن الْحِيضة بالكسر الاسم من الْحَيض، والحال التي تَلزمُها
الحائض من التجنب، والتحيُّض، كالجِلْسة والقِعْدة من الجلوس والقعود، فأما
(١) ((الفتح)) ١/ ٤٨٠.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/٣.
(٢) ((الفتح)) ٤٨٠/١.

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الحيضة بالفتح، فالمرة الواحدة من دُفَع(١) الحيض ونُوَبه(٢)، وأنت تُفَرِّق بينهما
بما تقتضيه قرينة الحال من مَسَاق الحَديث(٣)، وجاء في حديث عائشة رضيهنا:
(ليتني كنت حِيضَةً مُلْقاةً))، هي بالكسر خِرْقةُ الحيض. انتهى (٤).
(فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَنَفِسْتِ؟)). قال الخطابيّ تَخْتُ: أصل هذه
الكلمة من النَّفْس، وهو الدم، إلا أنهم فرَّقوا بين بناء الفعل من الحيض
والنفاس، فقالوا في الحيض: نَفِست بفتح النون، وفي الولادة بضمها. انتهى.
قال في ((الفتح)): وهذا قول كثير من أهل اللغة، لكن حَكَى أبو حاتم،
عن الأصمعيّ، قال: يقال: نُفِسَت المرأة في الحيض والولادة، بضم النون
فيهما، وقد ثبت في روايتنا بالوجهين، فتح النون وضمها. انتهى (٥).
وعبارة النوويّ: قوله وَله: ((أَنَفِست)) هو بفتح النون، وكسر الفاء، وهذا
هو المعروف في الرواية، وهو الصحيح المشهور في اللغة، أن ((نَفِسَتْ)) بفتح
النون، وكسر الفاء: معناه حاضت، وأما في الولادة فيقال: نُفِست، بضم
النون، وكسر الفاء أيضاً، وقال الهرويّ: في الولادة نَفِست بضم النون
وفتحها، وفي الحيض بالفتح لا غير، وقال القاضي عياض: روايتنا فيه في
مسلم بضم النون هنا، قال: وهي رواية أهل الحديث، وذلك صحيح، وقد
نقل أبو حاتم، عن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة، وذكر ذلك غير
واحد، وأصل ذلك كلِّه خروج الدم، والدم يسمى نَفْساً. انتهى (٦).
وقال القرطبيّ تَُّ: قيّدناه بضمّ النون وفتحها، قال الهرويّ وغيره:
نُفِست المرأة، ونَفِسَت: إذا ولدت، وإذا حاضت، قيل: نَفِسَت بفتح النون لا
غير، فعلى هذا يكون ضمّ النون هنا خطأً، فإن المراد به هنا الحيض قطعاً،
لكن حَكَى أبو حاتم، عن الأصمعيّ الوجهين في الحيض والولادة، وذكر ذلك
(١) بضم، ففتح: جمع دُفْعة، بضم فسكون.
(٢) بضم، ففتح: جمع نَوْبة، بفتح، فسكون أفاده في: ((ق)).
(٣) راجع: ((النهاية)) ١ / ٤٦٩.
(٤) ((عمدة القاري) ٣٩١/٣ - ٣٩٢.
(٥) ((الفتح)) ٤٨١/١.
(٦) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/٣.

٣٦٧
(٢) - بَابُ الاضْطِجَاعِ مَعَ الْخَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ - حديث رقم (٦٨٩)
غيرُ واحد، فعلى هذا تصحّ الروايتان، وأصل ذلك كلّه من خروج الدم، وهو
المسمّى نَفْساً، كما قال الشاعر (من الطويل]:
تَسِيلُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ نُفُوسُنَا
وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ
انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(١).
وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: نُفِسَت المرأةُ بالبناء للمفعول، فهي نُفَساءُ، والجمع
نِفَاسٌ بالكسر، ومثلُهُ عُشَرَاءُ وعِشَار، وبعض العرب يقول: نَفِسَت تَنْفَسُ، من
باب تَعِبَ، فهي نافسٌ، مثلُ حائض، والولد منفوسٌ، والنِّفَاسُ بالكسر أيضاً
اسم من ذلك، ونَفِسَت تَنْفَسُ، من باب تَعِبَ: حاضت، ونُقِل عن الأصمعيّ:
نُفِست بالبناء للمفعول أيضاً، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، ولا يقال
في الحيض نُفِست بالبناء للمفعول، وهو من النفس، وهو الدم، ومنه قولهم:
لا نفسَ له سائلةٌ، أي لا دم له يَجري، وسُمّي الدم نفساً؛ لأن النفس التي هي
اسم لجملة الحيوان قِوَامها بالدم، والنُّفساء من هذا. انتهى(٢).
(قُلْتُ: نَعَمْ) أي حِضتُ، لأن ((نعم)) - بفتحتين - معناها التصديق، إن
وقعت بعد الماضي، كهذا الحديث، وكنحو هل قام زيد؟، وإن وقعت بعد
المستقبل، نحو تقوم، فمعناها الوعدُ، وقد تقدّم تمام البحث فيها في ((شرح
المقدّمة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فَدَعَانِي) أي طلبني، وناداني وَّر لأنام معه؛ لأن الحيض ليس مانعاً من
ذلك (فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ) أي نِمْتُ مع النبيّ وَّهِ، يقال: ضَجَعَ ضَجْعاً، من باب
نَفَعَ، وضُجُوعاً، وضَجَعْتُ جنبي بالأرض، وأضجعتُ بالألف لغةٌ، فأنا
ضاجعٌ، ومُضْجِعٌ، وأضجعت فلاناً بالألف لا غير: ألقيته على جنبه،
واضطجعتُ افتعالٌ منه، أُبدلت تاؤه طاءً على القاعدة التي مرّت في
((مُضْطجعة))، ومن العرب من يقول: اضَّجَعَ، فيقلب التاء ضاداً، ويُدغمها في
الضاد؛ تغليباً للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا يقال: اطَّجَعَ بطاء مشدّدة؛
لأن الضاد لا تُدغم في الطاء؛ لكونها أقوى منها، والحرف لا يُدغم في
(١) ((المفهم)) ١/ ٥٥٧.
(٢) (المصباح المنير)) ٦١٧/٢.

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
أضعف منه، وما ورد شاذٍّ لا يقاس عليه، أفاده الفيّوميّ ◌َّهُ(١).
(فِي الْخَمِيلَةِ) أي القطيفة المتقدّم ذكرها؛ لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة
تكون عينها غالباً، كما قال السيوطيّ تَظْلُّهُ في ((عقود الجمان)):
إِذَ أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَةْ
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَةْ
تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ
(لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ)) أَبَدَا(٢)
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا
(قَالَتْ) زينب، وفي رواية البخاريّ: ((وكنت أغتسل أنا والنبيّ وَّر ... ))
(وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ وَّر)، وأتى بالضمير المنفصل؛ لعطف الاسم الظاهر
على الضمير المتّصل، كما قال في ((الخلاصة)) بقوله:
عَطَفْتَ فَاقْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْم فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
وفي رواية البخاريّ: ((قالت: وحدّثتني أن النبيّ وَّ و كان يقبّلها، وهو
صائم، وكنت أغتسل أنا والنبيّ وَّ من إناء واحد من الجنابة))، وفي رواية أبي
عوانة: ((قالت: وكان رسول الله وَلؤ يُقبّلها، وهو صائم، وكانا يغتسلان من
إناء واحد)).
(يَغْتَسِلَانِ فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ) ((في)) بمعنى ((من))، أي من الإناء الواحد (مِنَ
الْجَنَابَةِ) ((من)) تعليليّة، أي لأجل الجنابة، قال في ((القاموس)): الجنابة:
المنيّ. انتهى(٣). فيكون المعنى هنا: من أجل خروج المنيّ، وفي ((المعجم
(١) ((المصباح المنير)) ٣٥٨/٢.
(٢) ثم ذكر بعد هذا اعتراض ابن السبكيّ على هذه القاعدة بأنها منتقضة بأمثلة، كقوله
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهُ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقوله: ﴿صُلْحَأْ
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وغير ذلك، فقال:
وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ
وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْئِلَهْ
فقلت جواباً عن هذا الاستشكال:
بِأَنَّ ذَا الْغَالِبُ عِنْدَ النَّقَلَهْ
يُقَالُ فِي جَوَابٍ مَنْ ذَا اسْتَشْكَلَهْ
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٦٦، و((لسان العرب)) ٢٧٩/١.

٣٦٩
(٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٨٩)
الوسيط)): الجنابة: حالُ من ينزل منه منيّ، أو يكون منه جماع. انتهى (١)،
وعليه فيكون المعنى: من أجل حدوث الجنابة، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٦٨٩/٢] (٢٩٦)، و(البخاريّ) فيه
(٢٩٨ و٣٢٢ و٣٢٣)، و((الصوم)) (١٩٢٩)، و(النسائيّ) في ((الحيض)) (١٤٩/١
و١٨٨)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٦٣٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٠٥٢)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (١٢٣٥ و١٢٣٦)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٢٥٤/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٢٩٤ و/ ٣٠٠)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (٢٤٣/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٣٦٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣١١/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣١٦)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٨٩٨ و٨٩٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٨٠)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع معها في
لحاف واحد.
٢ - (ومنها): استحباب اتخاذ المرأة ثياباً للحيض غير ثيابها المعتادة.
٣ - (ومنها): أن عَرَق الحائض طاهر، وأما أمر الله تعالى بقوله:
﴿فَاعْتَزِلُواْ الْنِسَآءَ فِى الْمَحِيضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]، فمعناه: اعتزلوا وَظْأَهُنَّ.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل من التواضع، وحسن العشرة،
ومن الزهادة في الدنيا، حيث كان ينام مع أزواجه في الثياب التي يحضن فيها،
ويغتسل معهنّ في إناء واحد.
(١) ((المعجم الوسيط)) ١٣٨/١.

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
٥ - (ومنها): بيان أن الحيض يُسمّى بالنفاس.
٦ - (ومنها): التنبيه على أن حكم الحيض والنفاس واحد في منع وجوب
الصلاة، وعدم جواز الصوم، وغير ذلك من الأحكام، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ،
وَطَهَارَةِ سُؤْرِهَا، وَالاتِّكَاءِ فِ حِجْرِهَا، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِيهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٩٠] (٢٩٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا
اعْتَكَفَ، يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام الحافظ، تقدّم قبل
باب.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الإمام الفقيه
المجتهد [٧] (ت١٧٩) (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب
الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الفقيه الحافظ، رأس [٤] (ت١٢٥) (ع)، تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٤ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه [٣] (ت٩٣) على الصحيح (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة الأنصارية المدنية، كانت
في حِجْر عائشة، ثقةٌ [٣]، ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها، تقدمت في ((شرح
المقدمة)) جـ٢ ص ٤١٧.

٣٧١
(٣) - بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٩٠)
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين حِّنا، تقدّمت قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف نَّلُهُ، وفيه التحديث، والقراءة،
والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنیین، غیر شيخه، فنیسابوريّ، وقد دخل
المدينة للأخذ عن مالك نَخْتُهُ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن تابعيّة، كلاهما عن
عائشة منا .
٥ - (ومنها): أن عائشة من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في الكتب السّة من يُسمّى بعمرة، إلا هذه
عندهم، وعمرة بنت مقاتل بن حيّان، روت عن عائشة رضيؤُنا أيضاً، ولا يُعرف
حالها، من الطبقة الرابعة، روى لها أبو داود حديثاً واحداً في الانتباذ(١)، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ) هكذا رواه مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن
عمرة، وخالفه الليث وغيره، فقالوا: عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة معاً،
قال الإمام الترمذيّ ◌َّهُ بعد إخراجه من رواية أبي مُضْعب، عن مالك، عن
(١) قال أبو داود في: ((سننه)):
(٣٢٢٥) حدثنا مسدد، حدثنا المعتمر، قال: سمعت شبيب بن عبد الملك، يحدث
عن مقاتل بن حيان، قال: حدثتني عمتي عمرة، عن عائشة رضيّا أنها كانت، تَنْبِذ
للنبيّ ◌َ﴿ غدوةً، فإذا كان من العشيّ، فتعشى شَرِب على عشائه، وإن فَضَل شيء
صبيته، أو فرغته، ثم تَنْبِذ له بالليل، فإذا أصبح تغدى، فشَرِب على غدائه، قالت:
يُغْسَلِ السِّقَاءُ غدوةً وعشيةً، فقال لها أبي: مرتين في يوم؟ قالت: نعم.

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
ابن شهاب، عن عروة وعمرة معاً ما نصّه: هكذا رواه غير واحد، عن مالك،
عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن عائشة، ورواه بعضهم عن مالك، عن
ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، والصحيح: عن عروة وعمرة،
عن عائشة. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في الحديث التالي - إن شاء الله
تعالى -.
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِؤُنا أنها (قَالَتْ: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا اعْتَكَفَ) الاعتكاف في
اللغة: الحبسُ، وفي الشرع: حبس النفس في المسجد خاصةً مع النية(٢).
(يُدْنِي) بضمّ أوله من الإدناء رباعيّاً، وهو التقريب (إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأَرَجِّلُهُ) بضمّ
حرف المضارعة، وتشديد الجيم، من الترجيل، وترجيلُ الشعر تسريحه، وهو
نحو قولها: ((فأغسله))، وقال أبو نعيم: الترجيل: تدهين الشعر. انتهى (٣).
(وَكَانَ) وَِّ (لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ))) فسّره الزهريّ بالبول والغائط،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة مؤيّا من هذا الطريق من أفراد
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٦٩٠/٣] (٢٩٧)، و(أبو داود) في
((الصوم)) (٢٤٦٧)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٨٠٤)، و(مالك) في ((الموطأ)»
(٣١٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٤/٦ و٢٦٢ و٢٨١)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٦٨١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢٣١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٣٦٧٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١٥/٤)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (١٨٣٦).
(١) راجع: ((الجامع)) للترمذيّ في: ((كتاب الصوم)) برقم (٨٠٤).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٨/٣.
(٣) راجع: ((المستخرج على صحيح مسلم)) ٣٥٤/١.

٣٧٣
(٣) - بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٩١)
وفوائد الحديث تأتي في شرح الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٩١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح)، وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ، أَنَّعَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ،
وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ، إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ تَِّ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ
رَأْسَهُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّ لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ
مُعْتَكِفاً، وقَالَ ابْنُ رُمْحِ: إِذَا كَانُوا مُعْتَكِفِينَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع)، تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
والباقون تقدّموا في الحديث الماضي، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ). قال في ((الفتح)): كذا في رواية
الليث جَمَعَ بينهما، ورواه يونس، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن عروة
وحده، ورواه مالك عنه، عن عروة، عن عمرة، - يعني الرواية الماضية - قال
أبو داود وغيره: لم يُتَابَعْ عليه، وذكر البخاري أن عُبيد الله بن عمر تابع مالكاً،
وذكر الدارقطنيّ أن أبا أويس رواه كذلك، عن الزهريّ، واتفقوا على أن
الصواب قول الليث، وأن الباقين اختَصَرُوا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في

٣٧٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد، وقد رواه بعضهم عن مالك، فوافق
الليث، أخرجه النسائي أيضاً (١).
(أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّ قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ). ((إن)) بكسر
الهمزة هي المخفّفة من الثقيلة، ولذا دخلت اللام في خبرها، كما قال في
«الخلاصة)» :
وَخُفِّفَتْ ((إِنَّ)) فَقَلَّ الْعَمَلُ وَتَلْزَمُ اللََّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
ثم الغالب أنه لا يليها إلا الأفعال الناسخة للابتداء، كقوله تعالى: ﴿وَإِن
كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية
[القلم: ٥١]، وقوله: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٠٢]، وإلى هذا
أشار ابن مالك في ((الخلاصة))، فقال:
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلَا تُلْفِيهِ غَالِباً بِـ ((إِنْ)) ذِي مُوصَلَا
(لِلْحَاجَةٍ)، وفي رواية مالك الماضية: ((إلا لحاجة الإنسان))، قال في
((الفتح)): وفسّرها الزهريّ بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا
في غيرهما من الحاجات، كالأكل والشرب، ولو خرج لهما، فتوضأ خارج
المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء، والفصد لمن احتاج إليه.
ووقع عند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عن
عروة، عن عائشة: قالت: السنةُ على المعتكف أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد
جنازةً، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بُدّ منه،
قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه البتة.
وجزم الدارقطنيّ بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: ((لا يخرج إلا
لحاجة))، وما عداه ممن دونها .
قال: ورَوَينا عن عليّ، والنخعيّ، والحسن البصريّ: إن شَهِد المعتكف
جنازةً، أو عاد مريضاً، أو خرج للجمعة بَطَلَ اعتكافه، وبه قال الكوفيون، وابن
المنذر في الجمعة، وقال الثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق: إن شَرَطَ شيئاً من ذلك
في ابتداء اعتكافه، لم يبطل اعتكافه بفعله، وهو رواية عن أحمد. انتهى (٢).
(١) ((الفتح)) ٣٢١/٤.
(٢) ((الفتح)) ٣٢١/٤.

٣٧٥
(٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٩١)
(وَالْمَرِيضُ فِيهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، (فَمَا أَسْأَلُ
عَنْهُ)، أي عن حال ذلك المريض (إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ)، تعني أنها لا تجلس في ذلك
البيت للسؤال عن ذلك المريض، ومؤانسته، وإنما تسأل عنه حال مرورها،
وذلك لأنها ترى بطلان الاعتكاف بذلك، (وَإِنْ) تقدّم آنفاً أنها مخفّفة من الثقيلة
(كَانَ رَسُولُ اللهِ ◌ِهِ لَيُدْخِلُ) بضمّ أوله من الإدخال رباعيّاً (عَلَيَّ رَأْسَهُ)، أي في
بيتها (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) جملة حالية من الفاعل، و((أل)) فيه للعهد، أي المسجد
النبويّ (فَأُرَجِّلُهُ)، أي أُسَرّحه، وفسّر أبو نعيم الترجيل بالتدهين، وقال ابن
الأثير: الترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه، وتحسينه. انتهى(١). (وَكَانَ لَا
يَدْخُلُ) بفتح أوله من الدخول ثلاثيّاً (الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفاً)
الاعتكاف: حبس النفس عن التصرّفات العاديّة لأجل التفرّغ للعبادة، وقوله:
(وقَالَ ابْنُ رُمْح)، أي شيخه الثاني (إِذَا كَانُوا مُعْتَكِفِينَ) يعني أن محمد بن رُمْح
قال في روايتهً: ((إذا كانوا معتكفين)) بصيغة الجمع، بدل قول قتيبة: ((إذا كان
معتكفاً)) بالإفراد، والمعنى أنه وَ لّ لا يدخل البيت إذا اعتكف هو وأصحابه
وأهل بيته معه إلا لحاجة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٦٩١/٣ و٦٩٢ و٦٩٣ و٦٩٤]
(٢٩٧)، و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٢٩٥ و٢٩٦ و٣٠١)، و((الاعتكاف))
(٢٠٢٨ و٢٠٢٩ و٢٠٣١ و٢٠٤٦)، و((الجهاد)) (٢٩٢٥)، و(أبو داود) في
((الصوم)) (٢٤٦٨)، و(النسائيّ) في ((الحيض)) (١٩٣/١)، و(ابن ماجه) في
((الطهارة)) (٦٣٣)، ((الصيام)) (١٧٧٦ و١٧٧٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٨٨/٣ و٩٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢/٦ و٥١ و٨١ و١٠٠ و١٧٠ و٢٠٤
(١) ((النهاية)) ٢٠٣/٢.

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
و٢٣١ و٢٤٧ و٢٦٤ و٢٧٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢٣٠ و٢٢٣١
و٢٢٣٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٦٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/
٣٠٨ و٣١٥ و٣١٦ و٣٢٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣١٧ و١٨٣٧)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٨٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز غسل الحائض رأس زوجها، وترجيله، قال في
(الفتح)): وألحق عروة الجنابة بالحيض قياساً، وهو جليّ؛ لأن الاستقذار
بالحائض أكثر من الجنب، وألحق الخدمة بالترجيل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وألحق عروة إلخ)) أراد بذلك ما أخرجه
البخاريّ في ((صحيحه)) عن عروة أنه سُئل: أتخدمني الحائض؟ أوَ تدنو مني
المرأة، وهي جنب؟ فقال عروة: كلُّ ذلك عليّ هَيِّنٌ، وكلُّ ذلك تخدمني،
وليس على أحد في ذلك بأس، أخبرتني عائشة أنها كانت تُرَجِّل ـ تعني رأس
رسول الله ◌َر - وهي حائض ورسول الله صلخر حينئذ مجاور في المسجد، يُدني
لها رأسه، وهي في حجرتها، فترجِّله، وهي حائض. انتهى(١).
٢ - (ومنها): طهارة بدن الحائض، وعَرَقها .
٣ - (ومنها): منع الحائض من الجلوس في المسجد؛ خشية تلويثها له
بما يخرج منها من الدم، واختلف في دخولها عابرة سبيل كالجنب، والأرجح
إن خافت التلويث لا تدخل، وإلا جاز دخولها.
٤ - (ومنها): مشروعيّة الاعتكاف للرجال والنساء.
٥ - (ومنها): بيان أن المباشرة الممنوعة للمعتكف هي الجماع،
ومقدماته.
٦ - (ومنها): بيان أن الحائض لا تدخل المسجد، وقال ابن بطال: فيه
حجة على الشافعيّ في قوله: إن المباشرة مطلقاً تنقض الوضوء.
وتعقّبه في ((الفتح)) بأنه لا حجة له فيه؛ لأن الاعتكاف لا يُشترط فيه
(١) أخرجه البخاريّ برقم (٢٩٦).

٣٧٧
(٣) - بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٩١)
الوضوء، وليس في الحديث أنه عَقَّبَ ذلك الفعل بالصلاة، وعلى تقدير ذلك،
فمسّ الشعر لا ينقض الوضوء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة نقض الوضوء بمسّ المرأة، قد استوفيت
البحث فيها في ((شرح النسائيّ))، وبيّنت أن الراجح عدم النقض؛ لقوة أدلّته،
فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
٧ - (ومنها): جواز استخدام الرجل زوجته في الغسل والطبخ والْخَبْز
وغيرها، وعلى هذا تظاهرت دلائل الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَّ مِثْلُ
الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وهذا من المعروف الذي جرى به عمل
السلف، وإجماع الأمة، وأما الأحاديث في هذا فكثيرة، كالأحاديث التي
وردت في هذا الباب، وغيرها .
[تنبيه]: قيّد النوويّ في ((شرحه)) جواز استخدام المرأة برضاها، قال:
وأما بغير رضاها فلا يجوز؛ لأن الواجب عليها تمكين الزوج من نفسها،
وملازمة بيته فقط. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله نظر لا يخفى؛ لأنه مخالف للأدلّة
الصريحة، فإن الله ◌ُعَلَ أوجب عليها ذلك، فإن الآية السابقة نصّ في وجوب ما
تعارفه الناس، من خدمة الزوج، والقيام بشؤون بيته، وأولاده، وغير ذلك،
وليس مقصود النكاح الاستفراج فقط .
ومما يوضّح المراد من الآية ما كان عليه أزواج النبيّ بَّ، وأزواج
أصحابه، فإنهنّ كنّ يخدمن أزواجهنّ، كما بُيّن في أحاديث عائشة ◌َّا المذكور
في الباب، وكما في قصّة فاطمة مؤيّا في الطحن حتى أثّر ذلك في يدها، وهو
في ((الصحيح))، وكما في قصّة أسماء بنت أبي بكر رضيها، فإنها كانت تحمل
النوى من أرض الزبير لعلف فرسه، وهو أيضاً في ((الصحيح))، وغير ذلك مما
لا يخفى على من له إلمام بكتب السنّة، ومعرفة بسير أزواج النبيّ مَّ، وأزواج
أصحابه څ.
والحاصل أن القول بأن المرأة لا يجب عليها خدمة الزوج، وإنما
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٨/٣ - ٢٠٩.

٣٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الواجب عليها تمكين نفسها فقط غير صحيح؛ لمنابذته الكتاب والسنة، وعمل
السلف، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل .
٨ - (ومنها): أن المعتكف إذا خرج بعضه من المسجد، كيده، ورجله،
ورأسه لم يبطل اعتكافه.
٩ - (ومنها): أن مَن حَلَف أن لا يدخل داراً، أو لا يخرج منها، فأدخل
أو أخرج بعضه، لا يَحْنَث.
١٠ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): في إخراجه رأسه دلالةٌ على اشتراط
المسجد للاعتكاف، وعلى أن من أخرج بعض بدنه من مكانٍ حَلَف أن لا
يخرُج منه لم يَحنث حتى يُخرج رجليه، ويعتمد عليهما. انتهى(١).
١١ - (ومنها): الترجُلُ للمعتكف، ومثله التنظّف، والتطيُّب، والغسل،
والحلق، والتّزَيُّن؛ إلحاقاً بالترجل، والجمهور على أنه لا يُكره فيه إلا ما يُكرَه
في المسجد، وعن مالك تكره فيه الصنائع والْحِرَف، حتى طلب العلم، ولا
وجه له؛ لأن الصحابة ﴿ّ ما كانوا يطلبون العلم إلا في المسجد غالباً،
وأغلب ما كان النبيّ وَّه يُلقي عليهم المسائل العلميّة فيه، فكيف يقال بكراهته؟
إن هذا لمن الغرائب.
١٢ - (ومنها): أن المعتكف لا يخرُج من المسجد إلا لحاجة الإنسان،
وقد تقدّم أن الزهريّ فسّرها بالبول والغائط .
قال الإمام الترمذيّ كَّثُ - بعد إخراجه الحديث -: والعمل على هذا عند
أهل العلم، إذا اعتَكَف الرجل أن لا يخرُج من اعتكافه إلا لحاجة الإنسان،
وأجمَعُوا على أنه يخرج لقضاء حاجته للغائط والبول.
ثم اختَلَفَ أهل العلم في عيادة المريض، وشهود الجمعة، والجنازة
للمعتكف، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ وَّر وغيرهم أن يعود
المريضَ، ويُشَيِّع الجنازة، ويَشْهَد الجمعة، إذا اشترط ذلك، وهو قول سفيان
الثوريّ، وابن المبارك، وقال بعضهم: ليس له أن يفعل شيئاً من هذا، ورأوا
(١) ((الفتح)) ٣٢٠/٤.

٣٧٩
(٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٩٢)
للمعتكف إذا كان في مصر يُجَمَّع فيه أن لا يَعتكف إلا في مسجد الجامع؛
لأنهم كَرِهوا الخروج له من مُعْتَكَفه إلى الجمعة، ولم يَرَوا له أن يترك الجمعة،
فقالوا: لا يعتكف إلا في مسجد الجامع حتى لا يَحتاج أن يخرج من معتكفه
لغير قضاء حاجة الإنسان؛ لأن خروجه لغير حاجة الإنسان قَطْعٌ عندهم
للاعتكاف، وهو قول مالك، والشافعيّ، وقال أحمد: لا يعود المريض، ولا
يتبع الجنازة، على حديث عائشة، وقال إسحاق: إن اشترط ذلك فله أن يتبع
الجنازة، ويعود المريض. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الإمام أحمد تَخَّتُهُ من العمل
بحديث عائشة وينا هو الأرجح؛ لقوّة حجته، وسيأتي تمام البحث في ذلك في
(كتاب الاعتكاف)) - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٩٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي(١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وَّرِ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُخْرِجُ إِلَيَّ
رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدٍ، وَهُوَ مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] (مات قبل سنة (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان))
١٦٩/١٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ نَوْفَلِ) الأسديّ، أبو الأسود المدنيّ،
يتيم عروة، ثقةٌ [٦] (ت سنة بضع و١٣٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٩/ ٥٧٣.
والباقون تقدّموا، فهارون وابن وهب تقدّما في الباب الماضي، والباقيان
في السند الماضي.
(١) وفي نسخة:، ((وحدّثنا)).

٣٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقوله: (وَهُوَ مُجَاوِرٌ) أي معتكفُ، وفي رواية أحمد، والنسائيّ: (كان
يأتيني، وهو معتكف في المسجد، فيتّكئ على باب حُجْرتي، فأغسل رأسه،
وسائرُهُ في المسجد))، قال في ((الفتح)): يؤخذ منه أن المجاورة والاعتكاف
واحد، وفَرَّق بينهما مالك. انتهى (١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٦٩٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ هِشَام،
أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، وَأَنَّا
فِي حُجْرَتِي، فَأُرَجِّلُ رَأْسَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ المذكور أول الباب.
٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل
الْجَزِيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٣ أو ١٧٤) (ع)، تقدّم في ((المقدّمة)) ٦٢/٦.
٣ - (هِشَام) بن عروة، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقولها: (فِي حُجْرَتِي) بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم: البيتُ،
وجمعه حُجَرٌ بضمّ، ففتح، وحُجُرَات، بضمتين، أو بضم، ففتح، مثلُ غُرْفة
وغُرَف، وغُرُفات في وجوهها، أفاده الفيّوميّ(٢).
وكانت حجرة عائشة ﴿ّا لاصقةً بالمسجد، قاله في ((الفتح))(٣).
وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((الفتح)) ٣٢٠/٤
(٣) ٤٧٨/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٢٢/١.