Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(٢٨) - بَابُ النَّهْي عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الزَّاكِدِ - حديث رقم (٦٦١)
ثنا محمد بن الوليد الْبُسْريّ، ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، ثنا أبو التيّاح،
قال: سمعت مُطَرِّف بن عبد الله، يحدِّث عن عبد الله بن مُغَفَّل، قال: أمرنا
رسول الله ولو بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما بالي وبال الكلاب؟))، رَخَّصَ في
كلب الصيد، وقال: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات،
وعَفِّروه بالتراب الثامنة)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٢٨) - (بَابُ النَّهْىِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٦٦١] (٢٨١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ، قَالًا:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح)، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَذَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابٍِ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ((أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدَّم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
والباقون تقدّموا قريباً، فأما ((يَحْيَى بْنُ يَحْيَى))، وهو: التميميّ النيسابوريّ
فتقدّم في الباب الماضي، وأما الباقون فتقدّموا قبل باب، و((الليث)) هو: ابن
سعد الإمام المصريّ، و((أبو الزبير)) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس، و((جابر))
هو: ابن عبد الله الأنصاريّ الصحابيّ ◌ًا.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف، وهو أعلى الأسانيد له، كما مرّ
غير مرّة، وهو (٢٩) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بين
اثنين منهما، وإنما أفرد الثالث؛ لبيان اختلاف صيغتي الأداء؛ لاختلاف كيفيّة

٢٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
التحمّل، فيحيى، ومحمد بن رُمح سمعاه بقراءة غيرهما على شيخهما الليث
ابن سعد، فلذا قالا: أخبرنا الليث، وأما قُتيبة، فسمعه من لفظه مع جماعة،
فلذا قال: حدّثنا الليث، فتفطّن لهذه الدقائق الإسناديّة، وبالله تعالى التوفيق.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه يحيى، فما أخرج
له أبو داود، وابن ماجه، وابن رمح، فتفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن هذا مما ثبت سماع أبي الزبير له من جابر رضُّبه؛ لأنه
من رواية الليث عنه، وقد تقدّم أن الليث لا يروي عنه إلا ما سمعه من
جابر رَّتُه، فلا يضرّه كونه مدلّساً رواه بالعنعنة، فتنبّه.
٤ - (ومنها): أن جابراً نظالله أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً،
وقد تقدّم غير مرّة، وإنما أعدته تذكيراً؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله الأنصاريّ ◌َّا (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ((أَنَّهُ نَهَى) أي
زجر، يقال: نهيته عن الشيء أَنهاه نَهْياً، فانتهى عنه، ونَهَوْته نَهْواً بالواو لغة،
ونهى الله تعالى أي حرّم، قاله الفيّوميّ(١) .
وفي ((اللسان)): النهي: خلاف الأمر، نهاه ينهاه نَهْياً، فانتهى، وتناهى:
كَفّ، أنشد سيبويه لزياد بن زيد الْعُذريّ [من الطويل]:
إِذَا مَا انْتَهَى عِلْمِي تَنَاهَيْتُ عِنْدَهُ أَطَالَ فَأَمْلَى أَوْ تَنَاهَى فَأَقْصَرَا
قال: نَهَوْته عن الأمر، بمعنى نهيته، قال: ويقال: إنه لأَمُورٌ بالمعروف،
ونَهُوٌّ عن المنكر، على فَعُول. انتهى باختصار(٢).
(أَنْ) بالفتح مصدريّة (يُبَالَ) بالبناء للمفعول، وهو في تأويل المصدر
مجرور بحرف جرّ محذوف قياساً، كما قال في ((الخلاصة)):
وَعَدِّ لَازِماً بِحَرْفِ جَرِّ وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلاً وَفِي ((أَنَّ) وَ((أَنْ)) يَظَّرِدُ مَعْ أَمْنٍ لَبْسٍ كَـ ((عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا))
أي عن البول (فِي الْمَاءِ) أصله مَوَهٌ بدليل تصغيره على مُوَيه، وتكسيره
(١) ((المصباح المنير)) ٦٢٩/٢.
(٢) ((لسان العرب)) ٣٤٣/١٥ - ٣٤٤.

٢٠٣
(٢٨) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ - حديث رقم (٦٦١)
على أَمْوَاه، فقلبت الواو ألفاً؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع حرفان
خفيّان: الألف، والهمزة، فقُلبت الهاء همزةً، ولم تُقلب الألف؛ لأنها أُعلّت
مرّةً، والعرب لا تجمع على الحرف إعلالين، ولهذا يُردّ إلى أصله في الجمع
والتصغير، فيقال: مِيَاهٌ، ومُوَيَةٌ، وقالوا أيضاً: أمواه، مثلُ باب وأبواب، وربّما
قالوا: أمواء بالهمز، على لفظ الواحد، أفاده الفيّوميّ(١).
(الرَّاكِدِ))) أي الساكن والواقف، فهو بمعنى قوله الآتي: ((في الماء الدائم
الذي لا يجري))، يقال: رَكَدَ الماءُ رُكُوداً، من باب قَعَدَ: سَكَنَ، وأركدته:
أسكنته، ورَكَدَت السفينة: وَقَفَت، فلا تَجري(٢). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظُّه هذا من أفراد المصنّف رَّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦٦١/٢٨] (٢٨١)، و(ابن ماجه)
في ((الطهارة)) (٣٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٤١/١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٤١/٣ و/ ٣٥٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٧٤ و٥٧٥)، و(أبو
نُعيم) في ((مستخرجه)) (٦٤٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٢٥٠)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٧/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): النهي عن البول في الماء الراكد، والنهي هنا للتحريم؛ إذ
هو الراجح عند جمهور المحقّقين من الأصوليين.
٢ - (ومنها): أنه يؤخذ من مفهومه عدم تحريم البول في الماء الجاري،
وإن كان الأولی ترکه.
قال النوويّ تَخْتُهُ في ((شرحه)): وهذا النهي في بعض المياه للتحريم،
(١) ((المصباح المنير)) ٥٨٦/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٧/١.

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وفي بعضها للكراهة، ويؤخذ ذلك من حكم المسألة، فإن كان الماء كثيراً
جارياً لم يحرم البول فيه؛ لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه.
وإن كان قليلاً جارياً، فقد قال جماعة من أصحابنا: يُكره، والمختار أنه
يحرُم؛ لأنه يُقَذِّره، وينجِّسه على المشهور من مذهب الشافعيّ وغيره، ويَغُرّ
غيره، فيستعمله مع أنه نجس، وإن كان الماء كثيراً راكداً، فقال أصحابنا :
يكره ولا يحرم، ولو قيل: يَحرُم لم يكن بعيداً، فإن النهي يقتضي التحريم على
المختار عند المحقّقين، والأكثرين من أهل الأصول، وفيه من المعنى أنه
يُقَذِّره، وربّما أدّى إلى تنجيسه بالإجماع لتغيره، أو إلى تنجيسه عند أبي حنيفة
ومن وافقه في أن الغَدِير الذي يتحرك بتحرك طرفه الآخر ينجس بوقوع نجس
فيه .
وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه، والصواب
المختار أنه يحرم البول فيه؛ لأنه ينجسه، ويُتْلِف ماليته، ويَغُرّ غيره باستعماله،
والله تعالى أعلم.
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: والتغوُّط في الماء كالبول فيه وأقبح،
وكذلك إذا بال في إناء، ثم صَبَّه في الماء، وكذا إذا بال بقرب النهر بحيث
يَجري إليه البول، فكله مذموم قبيح، منهيّ عنه على التفصيل المذكور، ولم
يخالف في هذا أحد من العلماء إلا ما حُكِي عن داود بن علي الظاهريّ أن
النهيَ مختصّ ببول الإنسان بنفسه، وأن الغائط ليس كالبول، وكذا إذا بال في
إناء ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء، وهذا الذي ذهب إليه خلاف إجماع
العلماء، وهو أقبح ما نُقِل عنه في الجمود على الظاهر، والله أعلم.
قال العلماء: ويكره البول والتغوّط بقرب الماء، وإن لم يَصِل إليه؛
لعموم نهي النبيّ وَّه عن البراز في الموارد، ولما فيه من إيذاء المارّين بالماء،
ولما يُخاف من وصوله إلى الماء، والله أعلم.
وأما انغماسُ مَن لم يَستَنْجِ في الماء ليستنجي فيه: فإن كان قليلاً بحيث
ينجس بوقوع النجاسة فيه فهو حرام؛ لما فيه من تلطيخه بالنجاسة، وتنجيس
الماء. وإن كان كثيراً لا ينجس بوقوع النجاسة فيه: فإن كان جارياً فلا بأس

٢٠٥
(٢٨) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ - حديث رقم (٦٦٢)
به، وإن كان راكداً فليس بحرام، ولا تظهر كراهته؛ لأنه ليس في معنى البول،
ولا يقاربه، ولو اجتنب الإنسان هذا كان أحسن. انتهى كلام النوويّ(١).
٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على نجاسة البول.
٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على عدم جواز الغسل والوضوء بالماء
النجس.
٥ - (ومنها): بيان وجوب التنزّه من البول؛ لنجاسته، فلا يجوز استعمال
ما خالطه من الماء وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٦٦٢] (٢٨٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ، عَنِ
ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وََّ قَالَ: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ
الدَّائِمِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة))
٥٠/٦.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و((هِشَام)) هو: ابن حسّان
الْقُردوسيّ، و((ابْنُ سِيرِينَ)) هو: محمد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (عَنِ النَّبِيِّ بَ) أنه (قَالَ: ((لَا يَبُولَنَّ) بفتح اللام،
وبنون التوكيد الثقيلة، وفي رواية همّام التالية: ((لا تَبُل)» بالخطاب (أَحَدُكُمْ)
أيتها الأمّة، فيشمل الذكر والأنثى، وأَتَى بصيغة خطاب المذكّر؛ تغليباً، ولا
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٥/٣ - ١٨٧.

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
فرق في ذلك بين الذكر والأنثى(١). (فِي الْمَاءِ الدَّائِم) أي الساكن، قال
الفيّوميّ كَّقُ: دام الشيءُ يدوم دَوْماً، ودَوَاماً، ودَيْمُومةً: ثَبَتَ، ودام غَلَيَانُ
القِدْر: سَكَنَ، ودام الماء في الْغَدِير أيضاً، قال: ودام يَدَامُ، من باب خاف
يَخَافُ لغةٌ. انتهى(٢).
وفي ((اللسان)): دام الشيءُ يَدُوم، ويَدَام، قال [من الرجز]:
يَا مَيَّ لَا غَرْوَ وَلَا مَلَامَا فِي الْحُبِّ إِنَّ الْحُبَّ لَنْ يَدَامَا
وقولهم: دِمْتَ تدوم بالكسر في الماضي، والضمّ في المضارع من تداخل
اللغتين، كمِتّ تَمُوت، وفَضَلَ يَفْضُلُ، وحَضِرَ يَحْضُر، والأصل دُمْتَ تَدُوم، كقُلت
تقول، ودِمْتَ تَدَام، كخِفْت تَخَاف، ثم تركبت اللغتان. انتهى باختصار وتصرّف(٣).
وقال العينيّ تَخْتُهُ: أصل الدوام الاستدارة، وذلك أن أصحاب الهندسة
يقولون: إن الماء الدائم إذا كان بمكان، فإنه يكون مستديراً في الشكل،
ويقال: الدائم الواقف الذي لا يجري. انتهى(٤).
وقال في ((الفتح)): قال ابن الأنباريّ: الدائم من حروف الأضداد، يقال
للساكن والدائر، ومنه أصاب الرأس دَوَامٌ: أي دوار، وعلى هذا فقوله: ((الذي
لا يجري)) صفة مخصصة لأحد معنيي المشترك، وقيل: الدائم والراكد مقابلان
للجاري، لكن الدائم الذي له نَّبْعٌ، والراكد الذي لا نَبْعَ له. انتهى(٥).
(ثُمَّ يَغْتَسِلُ) بالرفع على المشهور، وقال ابن مالك تَظَّتُهُ: يجوز الجزم
عطفاً على ((يبولن))؛ لأنه مجزوم الموضع بـ (لا)) الناهية، ولكنه بُنِي على الفتح؛
لتوكيده بالنون، ومَنَعَ ذلك القرطبيّ، فقال: لو أراد النهي لقال: ثم لا يغتسلنّ،
فحينئذ يتساوى الأمران في النهي عنهما؛ لأن المحل الذي تواردا عليه شيء
واحد، وهو الماء، قال: فعُدُوله عن ذلك يدلّ على أنه لم يُرِد العطف، بل نَّهَ
على مآل الحال، والمعنى: أنه إذا بال فيه قد يَحتاج إليه، فيمتنع عليه
استعماله، ومَثَّلَه بقوله ◌َلِّ: ((لا يَضْرِبَنّ أحدكم امرأته ضربَ الأمةِ، ثم
(١) راجع: ((المنهل العذب المورود)) ٢٤٤/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٠٤/١.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٤٩/٣ - ٢٥٠.
(٣) لسان العرب ٢١٣/١٢.
(٥) ((الفتح)) ٤١٣/١.

٢٠٧
(٢٨) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الزَّاكِدِ - حديث رقم (٦٦٢)
يضاجعها))، فإنه لم يروه أحد بالجزم؛ لأن المراد النهي عن الضرب؛ لأنه
يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها، فتمتنع لإساءته إليها، فلا يحصل له
مقصوده، وتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها، وفي حديث الباب: ثم هو يغتسل
منه .
وتُعُقِّب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يُعْطَف عليه نهيٌّ آخر غير
مؤكد؛ لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما مَعْنَى ليس للآخر.
قال القرطبيّ تَخُّْهُ: ولا يجوز النصب؛ إذ لا تُضْمَر ((أن)) بعد ((ثُمّ))،
وأجازه ابن مالك تَُّ بإعطاء ((ثُمّ)) حكم الواو.
وتعقبه النوويّ بأن ذلك يقتضي أن يكون المنهي عنه الجمع بين الأمرين
دون إفراد أحدهما، وضعّفه ابنُ دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدُلّ على الأحكام
المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث، إن ثبتت
رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر.
أي وهو حديث جابر نظُه، عن النبيّ وََّ ((أنه نَهَى عن البول في الماء
الراكد)) المذكور عند مسلم قبل هذا.
مضرعنه
وما يأتي في الباب التالي من طريق أبي السائب، عن أبي هريرة .
بلفظ: ((لا يغتسلْ أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب)).
ورَوَى أبو داود النهي عنهما في حديث واحد، ولفظه: ((لا يبولنّ أحدكم
في الماء الدائم، ولا يغتسلْ فيه من الجنابة)»، أفاده في ((الفتح)) (١).
وقوله: (مِنْهُ))) أي من الماء الدائم، وهكذا هو في البخاريّ من طريق أبي
الزناد، عن الأعرج، ووقع في رواية بلفظ: ((فيه)) بدل ((منه)) وكلٌّ من اللفظين
يفيد حكماً بالنصّ، وحكماً بالاستنباط، قاله ابن دقيق العيد تَخَذَتُهُ .
قال في ((الفتح)): ووجهه أن الرواية بلفظ ((فيه)) تدلّ على منع الانغماس
بالنصّ، وعلى منع التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ: ((منه)) بعكس ذلك، وكلّه
مبنيّ على أن الماء ينجُس بملاقاة النجاسة. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((الفتح)) ٤١٣/١ - ٤١٤.
(٢) ((الفتح)) ٤١٥/١.

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة)) [٦٦٢/٢٨ و٦٦٣] (٢٨٢)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢٣٨)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٦٩)،
و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٦٨)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٤٩/١ و١٩٧)،
و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٦٠٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٩٩ و٣٠٠)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٤١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٩/٢ و٢٦٥
و٣٦٢ و٤٩٢ و٥٣٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٦/١)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٦٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٢٥١ و١٢٥٢)، و(الطحاويّ)
في ((شرح معاني الآثار)) (١٤/١ و ١٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٧٩ و٧٨٠
و٧٨١ و٧٨٢)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٦٤٩ و٦٥٠ و٦٥١)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٥٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٦/١)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٢٨٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ،
عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وَهِ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ(١): ((لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا
يَجْرِي، ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ)).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد بعينه تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وَلِ﴿) قد تقدّم
إيضاح التزام المصنّف تَخْلُ لهذه العبارة فيما يرويه من صحيفة همّام بن مُنبِّه،
غير مرّة، فلا تغفل.
(١) وفي نسخة: ((وقال: قال رسول الله وَلات)).

٢٠٩
(٢٩) - بَابُ النَّهْي عَنِ الاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الزَّاكِدِ - حديث رقم (٦٦٤)
وقوله: (لَا تَبُلْ) ((لا)) ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، و((تُبُل)) بفتح أوله،
مضارع بال، من باب قال.
وقوله: (الَّذِي لَا يَجْرِي) قيل: هو تفسير للدائم، وإيضاح لمعناه، وقيل:
احتَرَزَ به عن راكد يَجري بعضه، كالْبِرَك، وقيل: احتَرَز به عن الماء الدائم؛
لأنه جارٍ من حيث الصورة، ساكن من حيث المعنى، ولهذا لم يذكر هذا القيد
في حديث جابر ظه الماضي، بلفظ: ((الراكد)) بدل ((الدائم))، وقال ابن
الأنباريّ: الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن والدائر، ومنه أصاب
الرأس دَوَامٌ، أي دوار، وعلى هذا فقوله: ((الذي لا يَجرِي)) صفةٌ مخصّصةٌ
لأحد معنيي المشترك، وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم
الذي له نَبْعٌ، والراكد الذي لا نبع له(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٢٩) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٦٦٤] (٢٨٣) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ،
وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ
حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي
الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَهُوَ جُنُبٌ))، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاؤُلاً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السَّعْديّ
مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) عن (٨٣) سنةً (م
د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
(١) ((الفتح)) ٤١٣/١.

٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التَّسْتُريّ،
صدوق [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٦ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ
مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠)
أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤.
٧ - (أَبُو السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَام بْنِ زُهْرَةَ) هو: أبو السائب الأنصاريّ
المدنيّ، مولى هشام بن زُهْرَة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زُهْرة،
ويقال: مولى بني زُهْرة، ويقال: اسمه عبد الله بن السائب، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، والمغيرة بن شعبة، وسعد بن أبي
وقاص ټ.
ورَوَى عنه العلاء بن عبد الرحمن، وصَيْفيّ مولى أفلح، وأسماء بن
عبيد، وبكير بن عبد الله بن الأشجّ، وغيرهم.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقةٌ، مقبول النقل، وذكره ابن حبان
في (الثقات))، ووقع في ((نوادر الأصول)) في الأصل الثامن والستين أنه جُهَنِيّ،
وأن اسمه عبد الله بن السائب. انتهى(١).
أخرج له البخاريّ في ((جزء القراءة»، والباقون، وله في هذا الكتاب ثلاثة
أحاديث فقط، برقم (٢٨٣) و(٣٩٥) و(٢٢٣٦) وأعاده بعده.
٨ - (أَبَو هُرَيْرَةَ) رَظُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٥٢٦/٤.

٢١١
(٢٩) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الزَّاكِدِ - حديث رقم (٦٦٤)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَتُهُ، وأن له فيه ثلاثةً من
الشیوخ قرن بینھم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى أبي السائب، وهو والصحابيّ
مدنيّان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بُكير، عن أبي السائب.
٤ - (ومنها): أن أبا السائب هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد
عرفت آنفاً ما له فيه من الأحاديث.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة رضيله أحفظ من روى الحديث في دهره، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ) تقدّم أنه ابن عبد الله، فهو منسوب إلى جدّه (أَنَّ أَبَا
السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ) بضمّ الزاي، وسكون الهاء (حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا
هُرَيْرَةَ) رَبه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (لَا) ناهية، ولذا ◌ُزم بها قوله:
(يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِم)، أي الساكن (وَهُوَ جُنُبٌ)))، جملة في محلّ
نصب على الحال، قال الإمام ابن دقيق العيد تَّتُهُ: مادّة الجنابة دالّةٌ على
البعد، وما يقاربه من المعنى، قال الشاعر [من الطويل]:
يَنَالُ نَدَاكَ الْمُعْتَفِي عَنْ جَنَابَةٍ وَلِلْجَارِ حَظٌّ مِنْ نَدَاكَ سَمِينُ
أي يناله عن بُعد، وتجانب الرجلان: تباعد كلّ منهما عن صاحبه،
والْجُنُبُ من الرجال: البعيد الغريب، قال الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾
[النساء: ٣٦]، وقال الشاعر:
مَا ضَرَّهَا لَوْ غَدَا لِحَاجَتِنَا غَادٍ كَرِيمٌ أَوْ زَائِرٌ مُجُنُبُ
أي بعيد، وقد حُمِل عليه قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ، عَنْ جُنٍُّ﴾
[القصص: ١١]، فقيل: عن بُعُد، ويُثَنّى هذا ويُجمَعُ، فيقال: هما جنبان، وهم
جنبون وأَجْناب، قالت الْخَنْسَاء:

٢١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
فَابْكِي أَخَاكِ لأَيْتَامِ وَأَرْمَلَةٍ وَابْكِي أَخَاكِ إِذَا جَاوَرْتٍ أَجْنَاباً
وقيل: معنى تجنّب الرجلُ الشيء: أي جعله جانباً وتركه، فقيل: من هذا
يقال: رجل جُنُبٌ: أي أصابته جنابة، كأنه في جانب عن الطهارة.
والجنابة في عرف حملة الشرع تُطلَق على إنزال الماء، أو التقاء
الختانين، أو ما يترتّب على ذلك.
قال أبو القاسم الراغب في ((المفردات)): وقوله رَمَك: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا
فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦] أي أصابتكم الجنابة، وذلك بإنزال الماء، أو بالتقاء
الختانين، ثم قال: وسُمِّيت الجنابة بذلك؛ لكونها سبباً لتجنّب الصلاة في حكم
(١)
الشرع. انتهى (١).
(فَقَالَ) السائب (كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ) أبو هريرة: ◌َظُه (يَتَنَاوَلُهُ
تَنَاوُلاً)، أي يغترف منه بالإناء اغترافاً، قال القرطبيّ تَخْتُهُ: يعني أن يتناول منه،
فيغتسل خارجه، ولا ينغمس فيه، وهذا كما قال مالك حيث سُئل عن نحو
هذا، فقال: يحتال، وهذا كلّه محمول على غير المستبحر(٢)، وأما إذا كان
كثيراً مستبحراً بحيث لا يتغيّر، فلا بأس به؛ إذ لم يتناوله الخبر، وللإجماع
على أن الماء إذا كان بحيث لا تسري حركة المغتسل، أو المتوضّئ إلى جميع
أطرافه، فإنه لا تضرّه النجاسة إذا لم تُغيّره، وهو أقصى ما فُرّق به بين القليل
والكثير في المياه. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: أقصى ما فرّق إلخ فيه نظر، بل الصواب
أن أصحّ الفرق بين القلّة والكثرة هو ما جاء عن النبيّ وَلّ حيث قال: ((إذا بلغ
الماء قلّتين لم يحمل الخبث))، وفي لفظ: (لم ينجس))، وهو حديث صحيح،
أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وصححه الحاكم، وابن حبّان، وغيرهما،
وقد استوفيت البحث فيه في ((شرح النسائيّ))(٤)، فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) راجع: ((شرح الإلمام)) ٢٦/٢ - ٢٩. (٢) ((المستبحر)) هو الذي يُعدّ كالبحر.
(٣) ((المفهم)) ٥٤٣/١.
(٤) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ١٠/٢ - ٢٠.

٢١٣
(٢٩) - بَابُ النَّهْيٍ عَنِ الاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ - حديث رقم (٦٦٤)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به عنه هذا من أفراد
المصنّف نَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦٦٤/٢٩] (٢٨٣)، و(النسائيّ) في
((الطهارة)) (١٩٧/١)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٦٠٥)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٩٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٢٥٢)، و(الطحاويّ) في
(شرح معاني الآثار)) (١٤/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٥٦)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٥١/١ - ٥٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٧٩)،
و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٦٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم.
٢ - (ومنها): أن النهي للتحريم؛ لأنه الأصل فيه عند محقّقي الأصوليين
حتى يصرفه صارف إلى غيره، ولا حاجة إلى تكلّف بعضهم كالقاضي عياض
لصرفه إلى التنزيه بكون النهي على طريق التنزّه والإرشاد إلى مكارم الأخلاق؛
لأن هذا لا ينافي التحريم، بل كلّ مناهي الشرع تعود إلى هذا، كما هو ظاهر
لمن تأمّله بالإنصاف.
٣ - (ومنها): أن تقييد الحكم بصفة كون الماء دائماً، يُفهم منه مخالفة
هذا الحكم عند كونه جارياً، فيباح الاغتسال فيه، قال القاضي عياض رَّتُهُ:
وقوله: ((الماء الذي لا يجري)) دليلٌ على أن الجاري بخلافه. انتهى (١).
٤ - (ومنها): هذا النهي عامّ بالنسبة إلى المغتسلين، فيدخل فيه
المغتسل، وعلى بدنه أذى، والمغتسل، وليس على بدنه شيء، ويشمل أيضاً
نوعي الجنابة: إنزال الماء، والتقاء الختانين، وعامّ أيضاً بالنسبة إلى الأَغسال
المختلفة باختلاف نيّاتها، من غسلٍ ينوي فيه رفع الحدث، أو أداء فرض
(١) ((شرح الإلمام)) ٣٥/٢ - ٣٦.

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
الغسل، أو استباحة الصلاة، أو استباحة ما لا يُستباح إلا بالغسل، فكلّه غسل
عن الجنابة، قاله ابن دقيق العيد تَّتُهُ.
٥ - (ومنها): أن تقييده بكونه عن الجنابة يُخرج عنه ما ليس بغسل جنابة،
كالغسل تبرّداً وتنظّفاً، قال ابن دقيق العيد ◌َّتُهُ: وهذا قد يخدش في التعليل
بالاستقدار والعِيَافة، فإن ذلك قد يحصل بمجرّد الاغتسال، وإن لم يكن عن
جنابة، إلا أنها في الجنابة أقوى إن لم يتحقّق سلامة البدن من الأذى.
قال: ما ليس بغسل جنابة ينقسم قسمين:
أحدهما: ما لا يدخل في باب القرب، كما مثّلناه من التبرّد والتنظّف.
والثاني: ما هو داخلٌ في باب القرب، كالأغسال المسنونة، مثلُ غسل
العيدين، والكسوف، وغيرهما، فظاهر التقييد بغسل الجنابة يقتضي إباحة ذلك،
ولكن فيه نظرٌ يختصّ به، وينفرد عن القسم الأول، وهو أداء العبادة.
(١)
انتھی
.
٦ - (ومنها): هل يتعدّى هذا الحكم إلى الوضوء حتى يكره أن يغمس
المحدث أعضاءه في الماء الراكد للطهارة الصغرى؟.
أما من لا يقول بالقياس فلا شكّ أنه لا يُعَدّيه إليه، وأما من يقول به،
فيُمكن أن يُعَدّيه بجامع الطهارة عن الحدث، إلا أن هذا ليس قياساً في معنى
الأصل، فيكون ملحقاً بفوائد الحديث، وليس أيضاً بقويّ؛ لأنه إن أخذ قياس
شَبَه على ضعف قياس الشبه، فالاختلاف بين الحدث الأكبر والأصغر في
الأحكام كثير يضعف ذلك القياس، وإن أخذ قياس علّة، فالعلّة المذكورة في
هذا الحديث من الاستقذار والعِيَافة قد لا يساوي فيها الحدث الأصغر الحدثَ
الأكبرَ، فيمتنع القياس؛ لفقدان شرطه، قاله ابن دقيق العيد نَّتُهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه ابن دقيق العيد في كلامه
هذا أن قياس الوضوء على الاغتسال غير صحيح، فالأولى الاقتصار على
الاغتسال، وهو تحقيق جيّد، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح الإلمام)) ٣٥/٢ - ٣٦.

٢١٥
(٢٩) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الزَّاكِدِ - حديث رقم (٦٦٤)
٧ - (ومنها): أنه استَدَلَّ أبو يوسف بهذا الحديث على تنجيس الماء
المستعمل؛ لأن البول يُنَجِّس الماء، فكذلك الاغتسال، وقد نُهِي عنهما معاً،
وهو للتحريم، فيدُلّ على النجاسة فيهما.
ورُدّ بأنها دلالة اقتران، وهي ضعيفة، وعلى تقدير تسليمها فلا يلزم
التسوية، فيكون النهي عن البول لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه لئلا يَسلُبه
الطهورية، ويزيد ذلك وضوحاً قوله في الرواية الآتية من طريق أبي السائب،
عن أبي هريرة ظُبه: «كيف يفعلُ يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولاً))، فدَلّ على
أن المنع من الانغماس فيه؛ لئلا يَصِير مستعملاً، فيمتنع على الغير الانتفاع به،
والصحابيّ أعلم بموارد الخطاب من غيره، وهذا من أقوى الأدلة على أن
المستعمل غير طَهُور، قاله في ((الفتح)).
وقال العلّامة الشوكانيّ تَظُّهُ: وقد استُدِلّ بالنهي عن الاغتسال في الماء
الدائم على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلاً للتطهير؛ لأن النهي ها هنا
عن مجرد الغسل، فدَلّ على وقوع المفسدة بمجرده، وحكم الوضوء حكم
الغسل في هذا الحكم؛ لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله تعالى
بالمستقذرات، والوضوء يقذِّر الماء كما يقذره الغسل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح كون الماء المستعمل طَهُوراً؛ لقوّة
أدلّته، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الماء المستعمل:
قال الإمام ابن المنذر تَّتُهُ: اختَلَف أهل العلم في الوضوء والاغتسال
بالماء المستعمل، فقالت طائفة: لا يجوز الوضوء به. كان مالك، والأوزاعيّ،
والشافعيّ، وأصحاب الرأي لا يرون الوضوء بالماء الذي تُوُضِّئ به.
واختُلِف فيه عن الثوريّ، فحَكَى عنه الفاريابي أنه قال كقول هؤلاء،
وحَكَى عنه الأشجعيُّ أنه قال: إذا نسيت أن تَمْسح برأسك، وقد توضأت،
وفي لحيتك بَلَلٌ أجزأك أن تمسح مما في لحيتك أو يدك، وأن تأخذ ماءً
لرأسك أحب إليّ.

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال أحمد في جنبٍ اغتسل في بئر فيها من الماء أقل من قلتين، قال:
لا يجزيه قد أنجس ذلك الماء.
وقالت طائفة: لا بأس بالوضوء بالماء المستعمل؛ لأنه ماء طاهر، وليس
مع من أبطل الطهارة بهذا الماء حجة، وليس لأحد أن يتيمم وهو يجد الماء.
واحتَجَّ بعضُ مَن يقول بهذا القول بأَخْبَار رُويت عن عليّ، وابن عمر،
وأبي أمامة، فيمن نسي مسح رأسه، أو وجد بللاً في لحيته أجزأه أن يمسح
رأسه بذلك البلل.
ثم أخرج ما نُقل عن هؤلاء بأسانيده، ثم قال: وكذلك قال عطاء بن أبي
رباح، والحسن البصريّ، والنخعيّ، ومكحول، والزهريّ، وهذا من قولهم يدلّ
على طهارة الماء المستعمل، وعلى استعمال الماء المستعمل، وكان أبو ثور
يقول: إن توضأ بالماء المستعمل الذي تَوَضّأ به أجزأه إذا كان نظيفاً.
قال ابن المنذر كَثّتُهُ: ومن حجة مَن يرى الوضوء بالماء المستعمل قوله
جل ذكره: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] قال: فلا يجوز
لأحد أن يتيمم، وماء طاهر موجود، وهذا يلزم من أوجب القول بظاهر
الكتاب، وترك الخروج عن ظاهره.
واحتُجَّ في إثبات الطهارة للماء المستعمل بحديث جابر بنظ ته، قال: أَتَّى
رسول الله وَل يعودني، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، وصَبّ عليّ من وَضُوئه،
متّفق عليه .
قال: فهذا الحديث يدل على طهارة الماء المتوضأ به.
ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن الرُّبَيِّع أن النبيّ وَّل
مَسَحَ رأسه من فضل ماء في يده، فبدأ بموشَّر رأسه إلى مقدمه، ثم جرّه إلى
مؤخره .
قال ابن المنذر: فدَلّ هذا الحديث على مثل ما دل عليه الحديث الأول،
فأجمع أهل العلم على أن الرجل المحدث الذي لا نجاسة على أعضائه لو
صَبّ ماء على وجهه أو ذراعيه، فسال ذلك عليه، وعلى ثيابه، أنه طاهر،
وذلك أن ماء طاهراً لاقى بدناً طاهراً، وكذلك في باب الوضوء ماءٌ طاهرٌ لاقى
بدناً طاهراً، وإذا ثبت أن الماء المتوضأ به طاهر، وَجَب أن يَتَطَهَّر به من لا

٢١٧
(٢٩) - بَابُ التَّهْيِ عَنِ الاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ - حديث رقم (٦٦٤)
يجد السبيل إلى ماء غيره، ولا يتيمم، وماء طاهر موجود؛ لأن في الحديث
عن النبيّ وَ﴿ أنه قال: ((الصعيد الطيِّب وَضُوء المسلم، ما لم يجد الماء، فإذا
وجدت الماء، فَأَمْسِسه بشرتك))(١).
فأوجب الله تعالى في كتابه، وعلى لسان نبيه ول# الوضوء بالماء،
والاغتسال به على كل مَن كان واجداً له ليس بمريض، وفي إجماع أهل العلم
أن الندى الباقي على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قَطَر منه على ثيابهما
طاهرٌ دليلٌ على طهارة الماء المستعمل، وإذا كان طاهراً فلا معنى لمنع الوضوء
به بغير حجة يَرْجِع إليها مَن خالف القول. انتهى كلام ابن المنذر تَخْتُهُ، وهو
تحقيقٌ مفيدٌ.
وقال العلّامة الشوكانيّ كَّتُهُ: وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير
مطهر أحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعيّ، والشافعيّ، ومالك في إحدى
الروايتين عنهما، وأبو حنيفة في رواية عنه.
واحتجُّوا بهذا الحديث، وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة،
واحتج لهم بما رُوي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء، لا
بما تساقط منه.
وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير
مستعملاً، بل مصيره مستخبثاً بتوارد الاستعمال، فيبطل نفعه، ويوضِّح ذلك
قولُ أبي هريرة: ((يتناوله تناولاً))، وباضطراب متنه، وبأن الدليل أخصّ من
الدعوى؛ لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة، والمذَّعَى خروج كل
مستعمل عن الطَّهُورية.
وأجيب عن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون
الفضل مستعملاً، ولو سُلِّم فالدليل أخص من الدعوى؛ لأن المدَّعَى خروج كل
مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه
مسلم وأحمد من حديث ابن عباس ضًا أن رسول الله * كان يغتسل بفضل
ميمونة، وأخرجه أحمد أيضاً، وابن ماجه بنحوه من حديثه، وأخرجه أيضاً
(١) حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود في: ((سننه)) (٩٠/١).

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، وصححه من حديثه بلفظ: اغتَسَلَ
بعضُ أزواج النبيّ ◌َّ فِي جَفْنَة، فجاء النبيّ وَّ ار ليتوضأ منها، أو يغتسل،
فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنباً، فقال: ((إن الماء لا يُجْنِب)).
وأيضاً حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال.
وأجيب عن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم، لا بما تساقط،
بأنه لا يكون حجةً إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك؛
لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم، كالحسن البصريّ، والزهريّ، والنخعيّ،
ومالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين،
ونسبه ابن حزم إلى عطاء، وسفيان الثوريّ، وأبي ثور، وجميع أهل الظاهر،
وبأن المتساقط قد فَنِي؛ لأنهم لم يكونوا يتوضئون إلى إناء، والملتصق
بالأعضاء حقير، لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك
بعد تسليم صحته عن السلف، وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار.
وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطَّهُورية، وتحتم البقاء على
البراءة الأصلية، لاسيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة، كحديث:
((خُلِقِ الماء طهوراً))، وحديث مسحه وَّليل رأسه بفضل ماء كان بيده، وغيرهما.
قال الجامع عفا الله عنه: ومن الأحاديث الدالّة على مذهب من قال
بطهوريّة الماء المستعمل حديث صَبِّه وَّ لوَضُوئه على جابر نظُه، وتقريره
للصحابة على التبرك بوَضُوئه، متفقٌ عليه.
ومنها: حديث أبي جحيفة ظله قال: خرج علينا رسول الله وَله
بالهاجرة، فأُتي بوَضُوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وَضوئه،
فيتمسحون به، متّفقٌ عليه.
وحديثُ أبي موسى رَظُه عنده أيضاً قال: دعا النبيّ وَّهِ بِقَدَح فيه ماء،
فغسل يديه ووجهه فيه، ومَجّ فيه، ثم قال لهما - يعني أبا موسى وبلالاً -:
((اشْرَبًا منه، وأَفْرِغَا على وجوهكما ونُحوركما))، متّفقٌ عليه.
وحديث السائب بن يزيد عنه قال: ذهبت بي خالتي إلى النبي وَلّ،
فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وَجِعٌ - أي مريض - فمسح رأسي، ودعا لي

٢١٩
(٣٠) - بَابُ وُجُوبٍ غَسْلِ الْبَوْلِ، وَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ ... إلخ - حديث رقم (٦٦٤)
بالبركة، ثم توضأ، فشربت من وَضوئه، ثم قمت خلف ظهره ... الحديث،
متفق عليه.
فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء: إن هذه الأحاديث غاية
ما فيها الدلالة على طهارة ما توضأ به وَله، ولعل ذلك من خصائصه وَاليه .
قلنا: هذه دعوى غير نافقة، فإن الأصل أن حكمه وَّ، وحكم أمته
واحد إلا أن يقوم دليل يَقْضِي بالاختصاص، ولا دليل هنا، وأيضاً الحكم
يكون الشيء نجساً حكمٌ شرعيّ يَحتاج إلى دليل يلتزمه الخصم فما هو؟، قاله
الشوكانيّ ◌َّتُهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال القولُ بطهارة
الماء المستعمل، وأنه تجوز الطهارة به؛ للأدلّة الواضحة الكثيرة، فتبصّر، ولا
تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[خاتمة]: نختم بها هذا الباب:
(اعلم): أن مما يتعلّق بهذا الباب من المسائل المهمّة ما أصدره مجلس
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربيّة السعودية من القرار تجاه المياه المتلوّثة
بالنجاسات إذا عُولجت بواسطة الوسائل الفنّيّة، ثم زالت منها النجاسة، فقد
قرّر ما يلي:
قرارٌ رقم ٦٤ في ١٣٩٨/١٠/٢٥ هـ الآتي:
بعد البحث والمداولة والمناقشة قرّر المجلس ما يلي:
بناءً على ما ذكره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغيّر بنجاسة يطهر إذا
زال تغيّره بنفسه، أو بإضافة ماء طهور إليه، أو زال تغيّره بطول مكث، أو تأثير
الشمس، ومرور الرياح عليه، أو نحو ذلك؛ لزوال الحكم بزوال علّته.
وحيث إن المياه المتنجّسة يمكن التخلّص من نجاستها بعدّة وسائل،
وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنّة
الحديثة لأعمال التنقية يُعتبر من أحسن وسائل التطهير حيث يبذل الكثير من
الأسباب المادّيّة لتخليص هذه المياه من النجاسات كما يشهد بذلك ويقرّره
الخبراء المختصّون بذلك ممن لا يتطرّق الشكّ إليهم في عملهم وخِبْرتهم
وتجاربهم.

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود
إلى خِلْقتها الأولى، لا يُرى فيها تغيّر بنجاسة في طعم ولا لون ولا ريح،
ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها منها،
كما يجوز شربها إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها، فيمتنع
ذلك؛ محافظة على النفس، وتفادياً للضرر لا لنجاستها .
والمجلس إذ يقرّر ذلك يستحسن الاستغناء عنها في استعمالها للشرب
متى وُجِد إلى ذلك سبيل؛ احتياطاً للصحّة، واتّقاءً للضرر، وتنزّهاً عما تستقذره
النفوس، وتنفر منه الطباع.
والله الموفّق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم.
انتهى قرار مجلس هيئة كبار العلماء، والله تعالى أعلم.
وأما مجلس مجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة العالم الإسلاميّ في دورته
الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرّمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب
١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ فقد نظر
في السؤال عن حكم ماء المجاري بعد تنقيته، هل يجوز رفع الحدث بالوضوء
والغسل به؟ وهل تجوز إزالة النجاسة به؟.
وبعد مراجعة المختصّين بالتنقية بالطرق الكيماويّة، وما قرّروه من أن
التنقية تتمّ بإزالة النجاسة منه على مراحل أربع، وهي الترسيب، والتهوية، وقتل
الجراثيم، وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجاسة أثرٌ في طعمه ولونه وریحه،
وهم مسلمون، عدولٌ، موثوق بصدقهم وأمانتهم.
قرّر المجمع ما يأتي: إن ماء المجاري إذا نُقّي بالطرق المذكورة وما
يُماثلها، ولم يبقَ للنجاسة أثرٌ في طعمه، ولا في لونه، ولا في ريحه صار
ظَهُوراً، يجوز رفع الحدث، وإزالة النجاسة به؛ بناءً على القاعدة الفقهيّة التي
تقرّر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم
يبق لها أثرٌ فيه، والله أعلم. انتهى قرار مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة
العالم الإسلاميّ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أجمع عليه المجلسان من طهارة ماء
المجاري بعد المعالجة بالطرق الحديثة، بحيث لم يبق للنجاسة أثرٌ من طعم،