Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٢٦) - بَابُ الَّهْىِ عَنْ غَمْسِ الْمُسْتَيْقِظِ يَدَهُ فِي الِإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاناً - حديث رقم (٦٥٣) قال ابن عيينة: كان عالِماً بحديث الزهريّ، وقال أيضاً: كان أثبت أصحاب الزهريّ، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائيّ: ثقة ثبتٌ، وقال مالك: حدثنا زياد بن سعد، وكان ثقةً، من أهل خراسان، سكن مكة، وقدم علينا المدينة، وله هيئةٌ وصلاحٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وقال الخليليّ: ثقةٌ، يُحتَجّ به، وقال ابن المدينيّ: كان من أهل التثبت والعلم، وقال العجليّ: مكيّ ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثاً. ٦ - (ثَابِتٌ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ) هو: ثابت بن عياض الأحنف الأعرج العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٨/٦٥. وقوله: (قَالَا جَمِيعاً) ضمير التثنية يعود إلى محمد بن بكر، وعبد الرزاق. وقوله: (فِي رِوَايَتِهِمْ جَمِيعاً) الضمير يعود إلى الرواة الخمسة: الأعرج، ومحمد بن سيرين، وعبد الرحمن والد العلاء، وهمّام بن منبه، وثابت مولى عبد الرحمن. وقوله: (كُلُّهُمْ يَقُولُ إلخ) يعني أن كلّاً من هؤلاء الخمسة يقول في روايته: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها))، وليس في رواية أحد منهم زيادة لفظة ((ثلاثاً))، هكذا قال المصنّف تَُّ، لكن رواية العلاء فيها ذكر الزيادة، كما سيأتي من رواية أبي عوانة في ((مسنده))، ويَحْتَمِل أن يكون المصنّف نَُّ وقعت له رواية ليست فيها هذه الزيادة، وهذا الأرجح؛ لأنه إمام ذو اطلاع واسع، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية الأعرج، عن أبي هريرة ظه، أخرجها الإمام مالك تَُّهُ في ((الموطأ))، رواية يحيى بن يحيى، فقال: (٣٣) حدثني يحيى، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لقال قال: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يُدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت یده)). وأما رواية محمد بن سيرين، عنه، فأخرجها الإمام أحمد تكّْثهُ في (مسنده))، فقال : ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة (١٠١٨٤) حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ قال: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يَغْمِس يده في طَهُوره حتى يُفرِغ عليها، فيغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده)). وقال الإمام أحمد أيضاً: (٨٧٧٦) حدثنا هَوْذة، حدثنا عَوْف، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َ﴿ قال: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه، فأراد الظُّهُور، فلا يَضَعَنَّ يده في الإناء حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده)). وأما رواية همّام بن منبه، فأخرجها الحافظ أبو عوانة تَّتُهُ في ((مسنده)) (٢٢٢/١)، فقال: (٧٣٣) حدثنا السلميّ(١)، والدَّبَريّ(٢)، قالا: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا استيقظ أحدكم، فلا يَضَع يده في الوَضُوء، حتى يغسلها، إنه لا يَدري أحدكم أين باتت یده)). وأما رواية ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد، فأخرجها أيضاً أبو عوانة رَظّتُهُ في ((مسنده)) (٢٢٢/١)، فقال: (٧٣٤) حدثنا الدَّبَريّ، قال: ثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني زياد، أن ثابتاً مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله وَالر: ((إذا كان أحدكم نائماً، ثم استيقظ، فأراد الوُضُوء، فلا يَضَع يده في الإناء حتى يَصُبَّ على يده)). انتهى. وأما رواية العلاء، عن أبيه، فقد أخرجها أيضاً أبو عوانة تَّهُ في ((مسنده))، فقال: (١) هو أحمد بن يوسف بن خالد، أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان الحافظ المتوفى سنة (٢٦٤هـ) وله (٨٠) سنة، انظر: ((تقريب التهذيب)) ص ١٧. (٢) بفتحتين: نسبة إلى قرية من قرى صنعاء اليمن، وهو الشيخ المسند الصدوق، أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عبّاد الصنعانيّ، راوية عبد الرزاق، وُلد سنة (١٩٥ هـ) وتوقّي بصنعاء سنة (٢٨٥هـ)، راجع: ((سير أعلام النبلاء)) ٤١٦/١٣ - ٤١٧. ١٦٣ (٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٤) (٧٣٥) حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا إبراهيم بن حمزة، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبيّ وكليه قال: ((إذا قام أحدكم إلى الوُضُوء حين يُصبح، أو لعله قال: من نومه، أو كلمة نحوها، فليُفرغ علی یدیه ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده)). انتهى. وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: (ثَلَاناً)) ظاهر هذا أن رواية العلاء، عن أبيه أيضاً لم تقع فيها هذه الزيادة، لكن قد عرفت آنفاً من رواية أبي عوانة أنها وقعت فيها، وقد أسلفت آنفاً بأنه يُحمل على أن المصنّف ◌َخْتُهُ لم تقع له هذه الرواية التي فيها الزيادة، فليُتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَلَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (٢٧) - (بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٦٥٤] (٢٧٩) - (وَحَدَّثَنِي(١) عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِّقْهُ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ))(٢). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وأبو رَزِين مسعود بن مالك الأسديّ، وأبو صالح ذكوان السمّان. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((سبع مرّات)). ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي رَزِين، فما أخرج ه البخاريّ إلا في ((الأدب المفرد)). ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فمروزيّ، والصحابي، وأبي صالح، فمدنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين: الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظُله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ)، أي شرب بطرف لسانه، وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: وَلَغَ الكلب يَلَغُ وَلْغاً، من باب نَفَعَ، ووُلُوغاً: شَرِب، وسقوط الواو كما في يَقَعُ، ووَلَغَ يَلِغُ، من بابِي وَعَدَ وَوَرِثَ لغةٌ، ويَوْلَغُ، مثلُ يَوْجَلُ لغةٌ أيضاً، ويُعدَّى بالهمزة، فيقال: أولغته: إذا (١) سقيته. انتهى وقال ابن دقيق العيد تَظّفُ(٢): يقال: وَلَغَ الكلب في الإناء يَلَغُ - بفتح اللام في الماضي والمستقبل جميعاً - وُلُوغاً: إذا شَرِب بطرف لسانه، ويُولَغ: إذا أولغه صاحبه، قال الشاعر: مَا مَرَّ يَوْمٌ إِلَّا وَعِنْدَهُمَا لَحْمُ رِجَالٍ أَوْ يُولَغَانِ دَمَا وحكى أبو زيد: وَلَغَ الكلب بشرابنا، وفي شرابنا، ويقال: ليس في شيء من الطيور ما يَلَغ غير الذباب. (١) ((المصباح المنير)) ٦٧٢/٢. (٢) ((شرح الإلمام بأحاديث الأحكام)) ٢١٠/٢ - ٢١١. ١٦٥ (٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٤) وقال ابن العربيّ كَّلُ: الولوغ للسباع والكلاب، كالشرب لبني آدم، وقد يُستعمل في الشرب للسباع، ولا يُستعمل الولوغ في الآدميّ، قال: وقال أبو عبيد: الوُلُوغ بضمّ الواو إذا شرب، فإن كثر ذلك، فهو بفتح الواو. انتهى (١). وقال النوويّ كَُّ في ((شرح المهذّب)): قال أهل اللغة: يقال: وَلَغَ الكلب يَلَغُ بفتح اللام فيهما، وحَكَى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب، عن ابن الأعرابيّ أن من العرب من يقول: وَلِغَ بكسرها، والمصدر منها وَلَغاً، ووُلُوغاً، ويقال: أولغه صاحبه، قال: الوُلُوغ في الكلب والسباع كلّها أن يُدخِل لسانه في المائع، فيُحرّكه، ولا يقال: وَلَغَ بشيء من جوارحه غير اللسان، ولا يكون الوُلُوغ لشيء من الطير إلا الذباب، ويقال: لَحَسَ الكلب الإناءَ، وقَفَنَهُ، ولَجَنَهُ، ولَجَدَهُ بالجيم فيهما كلّه بمعنىٌّ، إذا كان فارغاً، فإن كان فيه شيء قيل: وَلَغَ، وقال صاحب (المطالع)): الشرب أعمّ من الولوغ، فكلُّ وُلُوَغ شُرْب، ولا عكسَ. انتهى (٢). [تنبيه]: قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله: ((إذا وَلَغَ الكلب» يَحْتَمِل وجهین: (أحدهما): أن يكون فيه حذفٌ، على أن يكون المراد: إذا ولغ في الشيء الذي في الإناء. (والثاني): أن لا يكون فيه حذفٌ؛ لأنه إذا ولغ فيما في الإناء، فقد ولغ في الإناء، وكان الإناء ظرفاً لولوغه. وأما الرواية التي فيها: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليُرقه))، فإن أُضمر عند قوله: ((في)) على أن يُقدَّر في شراب إناء أحدكم، أو في مظروف إناء أحدكم، استُغْنِي عن الإضمار في قوله: ((فليُرقه))، وإن لم يُضمر أوّلاً، فلا بدّ من الإضمار آخراً، وليكن التقدير: فليُرق شرابه، أو مظروفه، أو ما ولغ فيه، أو أشباه ذلك، ويُرَجَّح الثاني بأنّا إذا أضمرنا فليُرق شرابه، أو ما يقارب ذلك، كان الضمير للإناء، وقوله: ((ثم ليغسله)) الضمير فيه للإناء، فتتّحِد (١) ((عارضة الأحوذيّ)) ١٣٤/١. (٢) ((المجموع)) ٥٨٨/٢. ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة الضمائر، ولا تختلف، وإذا أضمرنا إذا ولغ في شراب إناء أحدكم، كان الضمير في قوله: ((فليرقه)) للشراب، والضمير في ((ثم ليغسله)) للإناء، فتختلف الضمائر مع المجاورة في اللفظ، وغيره أولى منه. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى(١). (فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) ظاهره العموم في الآنية، ومفهومه يُخرِج الماء المستَنقَعَ مثلاً، وبه قال الأوزاعيّ مطلقاً، لكن إذا قلنا بأن الغسل للتنجيس يَجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير، والإضافة التي في ((إناء أحدكم)) يُلْغَى اعتبارُها هنا؛ لأن الطهارة لا تتوقف على ملكه، وكذا قوله: ((فليغسله)) لا يتوقف على أن يكون هو الغاسل، قاله في ((الفتح)) (٢). وقال الحافظ العراقيّ تَُّ: استُدلّ بقوله: ((في إناء أحدكم)) على أنه إنما يُغسل من ولوغ الكلب إذا كان ولوغه في إناء، أما إذا ولغ في ماء مُستَنقع، فإنه لا يُغسل منه، ولا يُنجّسه، وإن كان الماء قليلاً، حكاه الطحاويّ عن الأوزاعيّ، وهو قول شاذْ، فإن ذلك لم يَخرُج مخرج القيد، وإنما خرج مخرج الغالب؛ لكون الغالب وضع مياههم وأطعماتهم في الآنية. انتهى(٣). وكذا قوله: (فَلْيُرِقْهُ) أي فليَصبّه (ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ) لا يُشترط أن يكون المريق، والغاسل صاحب الإناء (سَبْعَ مِرَارٍ))) وفي نسخة: ((سبع مرّات))، قال أبو البقاء تَّقُهُ: أصله مرّات سبعاً على الصفة، فلمّا قُدّمت الصفة، وأضيفت إلى المصدر نُصِبت نصب المصدر. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ر ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((شرح الإلمام)) ٢١٣/٢ - ٢١٤. (٣) ((طرح التثريب)) ١٢٠/٢. (٢) ((الفتح)) ٣٣٠/١. (٤) راجع: (زهر الربى)) ٥٣/١. ١٦٧ (٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٤) أخرجه (المصنّف نَظُّهُ) هنا [٦٥٤/٢٧ و٦٥٥ و٦٥٦ و٦٥٧ و٦٥٨] (٢٧٩)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٧٢)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٧١ و٧٢)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٩١)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٥٣/١ و١٧٦)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٣٦٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٣٤/١)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٢١/١)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٣٣٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٣/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١/ ١٧٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٣/٢ و٣١٤ و٤٢٤ و٤٦٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٥٣٦ و٥٣٧ و٥٣٨ و٥٣٩ و٥٤٠ و٥٤١ و٥٤٢ و٥٤٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٤٣ و٦٤٤ و٦٤٥ و٦٤٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه) (٩٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٢٩٤ و١٢٩٥ و١٢٩٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٥١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٦٣/١ و٦٤ و٦٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١/ ٢٣٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب غسل ما ولغ فيه الكلب. ٢ - (ومنها): أن فيه بيانَ نجاسة الكلب، وأن نجاسته مغلّظة، بل هي أغلظ النجاسات، ولذا أُمر بغسلها سبع مرّات، وباستعمال التراب فيه، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): بيان أنه لا يكفي في إزالة ولوغ الكلب إلا سبع غسلات. ٤ - (ومنها): أنه إذا ولغ الكلب في الإناء لا يكفي معالجة سؤره بالتطهير، بل لا بدّ من إراقته، ثم غسل الإناء بعده سبعاً، إحداهنّ بالتراب. ٥ - (ومنها): أن مفهوم الشرط في قوله: ((إذا وَلَغَ)) يقتضي قَصْرَ الحكم على ذلك، لكن إذا قلنا: إن الأمر بالغسل للتنجيس يتعدَّى الحكم إلى ما إذا لَحَس، أو لَعِقَ مثلاً، يكون ذكر الوُلُوغ للغالب، وأما إلحاق باقي أعضائه، كيده، ورجله، فمذهب الشافعيّ أنه كذلك؛ لأن فمه أشرفها، فيكون الباقي من باب أولى، وخصه في القديم بالأُولى، وقال النوويّ في ((الروضة)): إنه وجه شاذٌ، وفي ((شرح المهذّب)): إنه القويّ من حيث الدليل، والأولوية المذكورة ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة قد تُمْنَع؛ لكون فمه محلَّ استعمال النجاسات، قاله في ((الفتح)) (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ، من عدم إلحاق باقي أعضاء الكلب بفمه هو الأرجح عندي؛ لقوّة دليله، كما قال، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): وجوب استعمال التراب مرّة واحدةً في الغسلات، والأفضل كونها مع الأولى؛ ليأتي الماء عليه بعدها . ٧ - (ومنها): تعيّن التراب في ذلك، فلا يجوز غيره من المزيلات، والمطهّرات؛ لأمور: ١ - أنه يحصل بالتراب من الإنقاء ما لا يحصل بغيره من المزيلات، والمطهّرات. ٢ - أنه ظهر في البحوث العلميّة الحديثة أنه يحصل من التراب خاصّة إنقاء لهذه النجاسة لا يحصل من غيره، وهذه إحدى المعجزات العلميّة لهذه الشريعة المحمّديّة التي لم ينطق صاحبها عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، فقد ثبت طبيّاً، واكتُشف بالآلات المكبّرة، والمجاهر الحديثة أن في لعاب الكلب مكروبات، وأمراضاً فتّاكةً، لا يُزيلها الماء وحده، ما لم يُستعمل معه التراب خاصّةً - فسبحان العليم الخبير -. ٣ - إن التراب مورد النصّ في الحديث، فالواجب التقيّد بالنصّ، ولو قام غيره مقامه لجاء نصّ يشمله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. ٨ - (ومنها): ما قاله صاحب كتاب (روح الدين الإسلاميّ)): ومن حِكَم الإسلام لوقاية الأبدان تقريره بنجاسة الكلب، وهذه معجزة علميّةٌ للإسلام، سبق بها الطبَّ الحديث، حيث أثبت أن الكلاب تنقل كثيراً من الأمراض إلى الإنسان حين تصاب بدودة شريطيّة تتعدّاها إلى الإنسان، وتصيبه بأمراض عُضال، قد تَصِل إلى حدّ العدوان على حياته، وقد ثبت أن جميع أجناس الكلاب لا تسلم من الإصابة بهذه الديدان الشريطيّة، فيجب إبعادها عن كلّ ما له صِلَةٌ بالإنسان، من مأكل، أو مشرب. انتهى(٢). (١) ((الفتح)) ٣٣٠/١. (٢) راجع: ((توضيح الأحكام)) للشيخ البسّام تخلفه ١٤٣/١ -١٤٤. ١٦٩ (٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٤) ٩ - (ومنها): أنه يجوز استعمال التراب بأن يُطرح الماء على التراب، أو التراب على الماء، أو أن يؤخذ التراب المختلط بالماء، فيُغسل به المحلّ، أما مسح موضع الولوغ بالتراب فقط، فلا يُجزئ. ١٠ - (ومنها): أن ظاهر النصّ عامّ في جميع الكلاب، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك بعض العلماء، فقال: إن الكلب المأذون فيه للصيد، والحرث، والماشية مستثنّى من هذا العموم، وهذا يردّه حديث عبد الله بن المغفّل ظُّه الآتي، فإنه ظاهر في أن كلب الصيد ونحوه مأمور بغسل ما ولغ فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١١ - (ومنها): أن حكم النجاسة يتعدّى عن محلّها إلى ما يُجاورها بشرط كونه مائعاً . ١٢ - (ومنها): أن المائعات تنجُس إذا وقع في جزء منها نجاسة. ١٣ - (ومنها): أن الإناء ينجس إذا اتّصل بالمائع النجس. ١٤ - (ومنها): أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغيّر؛ لأن ولوغ الكلب لا يُغيّر الماء الذي في الإناء غالباً . ١٥ - (ومنها): أن فيه بيان أن ورود الماء على النجاسة يُخالف ورودها عليه؛ لأنه وَ﴿ أمر بإراقة الماء لَمّا وردت عليه النجاسة، وهو حقيقة في إراقة جميعه، وأمر بغسله، وحقيقته تتأدّى بما يُسمّى غسلاً، ولو كان ما يُغسل به أقلّ مما أُريق. ١٦ - (ومنها): أن الأوزاعيّ: أخذ من قوله: ((في إناء أحدكم)» إخراج ماء المستنقع، لكن الجمهور على أن العبرة بالماء القليل، وهو الراجح. ١٧ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى -: الضمير المنصوب في قوله: ((ثم ليغسله)) عائد إلى الإناء، والإناء حقيقة في جملته، وقد لا يقع الولوغ فيما يعمّ الإناء، بل يختصّ بما يلاقي بعض الإناء، فهل يقال: إنما يُغسل ما لاقى الشيء الذي حصل فيه الولوغ، أو يقال: يغسل جميع الإناء؟. أما من قال: إن الغسل للنجاسة، أو القذارة، فلا شكّ أنه لا يقول إلا بالغسل فيما لاقاه الولوغ. ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة وأما من قال بالتعبّد، فيلزمه أن يقول بغسل جميع الإناء، ما لاقى الولوغ، وما لم يلاقه؛ عملاً بحقيقة لفظة الإناء، فإن استكرهت هذا، فتأنّس بما قاله المغاربة من المالكيّة: إنه يغسل جميع الذّكر من المذي؛ عملاً بحقيقة لفظ الذّكر، وانطلاقها على الجملة، هذا مع كون المعنى معقولاً قطعاً في غسل ما لاقى المذي، وأنه للنجاسة. وإن لم يقل هذا الذاهب إلى التعبّد بغسل الإناء كلّه، واقتصر على الغسل فيما يلاقي عكر عليه هذا في القول بالتعبّد، وذلك بأن يقال: لو كان تعبّداً لما اختصّ بمحلّ الولوغ، لكن يختصّ، فليس بتعبّد، وحينئذ يحتاج إلى الجواب عن هذا، وهذا الكلام يجري في غسل ظاهر الإناء. انتهى كلام ابن دقيق العيد دَخَذَتْهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: كون الغسل للنجاسة هو الأظهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم. ١٨ - (ومنها): ما قاله أيضاً: هل يجب هذا الغسل على الفور، أو عند إرادة الاستعمال؟. من قصر الأمر على التعبّد، فيناسبه إيجابه على الفور، وفي كلام بعض المالكيّة بناء على أن الأمر المطلق هل يقتضي الفور؟، وأنه إذا لم يقل بذلك جاز التأخير، هذا معنى قوله. وهو معترض؛ لأنه إذا لم يقل بأن الأمر المطلق على الفور لم يلزم منه انقطاع دلالة هذا الأمر على الفور من حيث إنه أمر مطلق، وقد يدلّ عليه من غير هذا الوجه، وهو التعقيب الذي تدلّ عليه الفاء، أو الظرفيّة التي تدلّ عليها ((إذا)) مع أن العامل فيها هو الفعل الذي بعدها في لفظ بعض الروايات، فيقتضي الأمر بالغسل المذكور عند الولوغ، فيخرج عنه ما لا يُمكن اعتباره، وهو حالة الولوغ تحقيقاً، ويبقى فيما عداه بحسب الإمكان، والمشهور من مذهب المالكيّة أنه لا يؤمر إلا عند قصد الاستعمال، وأما من قال بالتنجيس، فالأمر ظاهر في ذلك. انتهى(٢). (١) ((شرح الإلمام)) ٢٦٣/٢ - ٢٦٥. (٢) ((شرح الإلمام)) ٢٦١/٢ - ٢٦٣. ١٧١ (٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٤) قال الجامع عفا الله عنه: كون الغسل فوراً هو الأشبه، والأقرب إلى براءة الذمّة، والمرجّح في الأصول عند تجرّد الأمر المجرّد عن القرائن(١)، فكيف، وقد حَفّت به هنا، كما قرّره ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - والله تعالى أعلم. ١٩ - (ومنها): بيان لطف الله تعالى بعباده، ورأفته بهم، حيث أباح لهم اقتناء الكلاب للحاجة، كالصيد، ونحوه، كما يأتي في حديث عبد الله بن المغفّل ◌َظُه، ومنعهم من اقتنائها لغير حاجة؛ لما فيه من إلحاق الضرر بالناس بالترويع ونحوه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نجاسة سؤر الكلاب، وطهارته : قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَخَّتُهُ: اختلفوا في طهارة الماء الذي يَلَغُ فيه الكلب، فقالت طائفة: الماء طاهر يُتَطَهَّر به للصلاة، ويغسل الإناء كما أَمَر به النبيّ وَّ، وكان الزهري يقول: إذا لم يجد غيره توضأ به، وكذلك قال مالك، والأوزاعيّ. وقالت طائفة: يتوضأ بالماء الذي وَلَغ فيه الكلب، ثم يتيمم بعده، رُوي هذا القول عن عَبْدة بن أبي لبابة، وبه قال سفيان الثوريّ، وعبد الملك الماجشون، ومحمد بن مسلمة. وقالت طائفة: الماء الذي ولغ فيه الكلب نَجَس يُهَراق، ويغسل الإناء سبعاً أولاهنّ، أو أخراهن بالتراب، هذا قول الشافعيّ، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي(٢)، ثم رجّح ابن المنذر القول بعدم نجاسة الماء الذي ولغ فيه الكلب(٣). (١) راجع: ما حقّقته في: ((التحفة المرضيّة)) في الأصول ص١٣٨. (٢) هكذا قال ابن المنذر أن أصحاب الرأي يقولون: يُغسل سبعاً بالتراب، وفيه نظر؛ لأنهم يقولون: يُغسل ثلاثاً، بلا ترتيب، فتنبّه. (٣) ((الأوسط)) ٣٠٦/١ - ٣٠٨. ١٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ كَّتُهُ: اختلف الفقهاء في سؤر الكلب، وما ولغ فيه من الماء والطعام، فجملة ما ذهب إليه مالك، واستقَرّ عليه مذهبه عند أصحابه أن سؤر الكلب طاهرٌ، ويغسل الإناء من ولوغه سبعاً تعبداً استحباباً أيضاً لا إيجاباً، وكذلك يستحب لمن وَجَدَ ماء لم يَلَغْ فيه الكلب مع ماء قد وَلَغَ فيه كلب أن يترك الذي ولغ فيه الكلب، وغيره أحب إليه منه، وجاءت عنه روايات في ظاهرها اضطراب، والذي تحصل عليه مذهبه ما أخبرتك، ولا بأس عنده بأكل ما ولغ فيه الكلب، من اللبن والسمن وغير ذلك، ويستحب هَرْق ما ولغ فيه من الماء، وفي الجملة هو عنده طاهر. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والليث بن سعد: سؤر الكلب نجس، ولم يَحُدُّوا الغسل منه، قالوا: إنما عليه أن يغسله حتى يغلب على ظنه أن النجاسة قد زالت، وسواء واحد أو أكثر. وقال الأوزاعيّ: سؤر الكلب في الإناء نجس، وفي المستَنْفَع ليس بنجس، قال: ويغسل الثوب من لعابه، ويغسل ما أصاب لحم الصيد من لعابه . وقال الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور، والطبريّ: سؤر الكلب نجس، ويُغْسَل الإناء منه سبعاً، أولاهن بالتراب، وهو قول أكثر أهل الظاهر، وقال داود: سؤر الكلب طاهرٌ، وغسل الإناء منه سبعاً فرضٌ إذا ولغ في الإناء، وسواء كان في الإناء ماء، أو غير ماء، هو طاهر، ويُغْسَل منه الإناء سبعاً، ويتوضأ بالماء الذي ولغ فيه، ويؤكل غير ذلك من الطعام والشراب الذي ولغ فيه. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: مَن ذهب إلى أن الكلب ليس بنجس فسؤره عنده طاهر، وغسل الإناء من ولوغه سبع مرات هو عنده تعبدٌ في غسل الطاهر خصوصاً لا يَتَعَذَّى، ومن ذهب إلى أن الكلب نجس، وسؤره نجس، ممن قال أيضاً: إن الإناء من ولوغه يغسل سبعاً، قال: التعبد إنما وقع في عدد الغسلات من بين سائر النجاسات. ومما احتج به من قال بنجاسة الكلب قوله وَ له: (طهور إناء أحدكم ... )) الحديث، فأمره بتطهير الإناء يدلّ على نجاسته. ١٧٣ (٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٤) وتعقّبه ابن عبد البرّ بأنه قد يقع التطهير على النجس وعلى غير النجس، ألا ترى أن الجنب ليس بنجس فيما مَسّ ولاصق، وقد قال الله رَّ: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦]، فأمر الجنب بالتطهّر. انتهى كلام ابن عبد البرّ تَّتُ ملخّصاً (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أرجح الأقوال القول بنجاسة ولوغ الكلب، وأنه إذا ولغ في الإناء وجب غسله سبع مرّات، ويُعفّر الثامنة بالتراب. قال العلامة الشوكانيّ كَثُ في ((شرح المنتقى)) ما حاصله: ذهب الجمهور إلى نجاسة الكلب، وذهب عكرمة، ومالك في رواية عنه إلى أنه طاهر، ودليلهم قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيَّكُمْ﴾ [المائدة: ٤]؛ إذ لا يخلو الصيد عن التلوّث بريق الكلاب، ولم نؤمر بالغسل. وأجيب عن ذلك بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجّس من الصيد، وعدمُ الأمر؛ للاكتفاء بما في أدلّة تطهير النجس من العموم، ولو سُلُّم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه. انتهى (٢). واستدلّوا أيضاً بما في ((سنن أبي داود)) عن عبد الله بن عمر، قال: ((كانت الكلاب تبول، وتُقبِل وتُدبِر في زمان رسول الله وضّ في المسجد، فلم يكونوا يرشّون شيئاً من ذلك))، وهو في ((صحيح البخاريّ))، عن شيخه أحمد بن شبيب، بلفظ: وقال أحمد بن شبيب إلخ. قال ابن المنيّر: لا حجة فيه لمن استَدَلّ به على طهارة الكلاب؛ للاتفاق على نجاسة بولها . قال في ((الفتح)): وتُعُقِّب بأن من يقول: إن الكلب يؤكل، وأن بول ما يؤكل لحمه طاهر يقدَح في نقل الاتفاق، لا سيما وقد قال جمع بأن أبوال الحيوانات كلها طاهرة، إلا الآدمي، وممن قال به ابن وهب، حكاه الإسماعيلي وغيره عنه، وسيأتي بيان ذلك. وقال المنذريّ: المراد أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، ثم (١) راجع: ((التمهيد)) ٢٦٩/١٨ - ٢٧٨. (٢) ((نيل الأوطار)) ٤/١. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة تقبل وتدبر في المسجد؛ إذ لم يكن عليه في ذلك الوقت غَلَقٌ. قال: ويبعد أن تترك الكلاب تنتاب المسجد حتى تَمْتَهنه بالبول فيه. وتُعُقِّب بأنه إذا قيل بطهارتها لم يمتنع ذلك، كما في الهرة، والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجَعْلِ الأبواب عليها، ويشير إلى ذلك ما زاده الإسماعيليّ في روايته، من طريق ابن وهب في هذا الحديث عن ابن عمر، قال: ((كان عمر يقول بأعلى صوته: اجتنبوا اللغو في المسجد، قال ابن عمر: وقد كنت أَبِيت في المسجد على عهد رسول الله وَّر، وكانت الكلاب الخ))، فأشار إلى أن ذلك كان في الابتداء، ثم ورد الأمر بتكريم المسجد حتى من لغو الكلام، وبهذا يندفع الاستدلال به على طهارة الكلب. وأما قوله: ((في زمان رسول الله وَّ))، فهو وإن كان عامّاً في جميع الأزمنة؛ لأنه اسم مضاف، لكنه مخصوص بما قبل الزمن الذي أُمر فيه بصيانة المسجد. انتهى ما في ((الفتح))(١) . والحاصل: أن القول بنجاسة وُلُوغ الكلب هو الراجح عندي؛ لقوّة حجته، وأما سائر أجزائه، فطاهر؛ لأنه لم يقُم دليل على نجاسته، فهو باقٍ على البراءة الأصليّة، فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم غسل ولوغ الكلاب : قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف أهل العلم في عدد ما يُغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه، فكان أبو هريرة، وابن عباس، وعروة بن الزبير، وطاوس، وعمرو بن دينار، ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، يقولون: يغسل سبع مرات. وذهبت طائفة إلى أنه يُغسَل ثلاث مرات، هكذا قال الزهريّ، وقال عطاء: كل ذلك قد سمعت سبعاً، وخمساً وثلاث مرات. (١) ((الفتح)) ٣٣٤/١ - ٣٣٥. ١٧٥ (٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٤) وقال بعضهم: يُغسَل الإناء من ولوغ الكلب فيه كما يُغسَل من غيره. (١) انتھی . وقال الحافظ ابن عبد البرّ كَّتُهُ: اختَلَف العلماء في العمل بظاهر هذا الحديث، فذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من فقهاء المسلمين إلى أن الإناء يُغسَل من ولوغ الكلب سبع مرات بالماء. وممن رُوي عنه ذلك بالطرُق الصحاح أبو هريرة، وابن عباس، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وطاوس، وعمرو بن دينار، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود. وقال الزهريّ: يغسل ثلاث مرات. وقال عطاء: كلّ ذلك قد سمعت سبعاً وخمساً وثلاث مرات. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والليث بن سعد إلى أنه يُغسَل بلا حَدّ. قال أبو عمر كَخْتُهُ: قد ثبت عن النبيّ وََّ في هذا ما يَرُدّ قول هؤلاء، فلا وجه للاشتغال به، ولقد رُوي عن عروة بن الزبير أنه كان له قَدَحٌ يبول فيه، فولغ فيه الكلب، فأمر عروة بغسله سبعاً؛ اتِباعاً للحديث في ذلك. انتهى كلام ابن عبد البرّ تَظُّ ملخّصاً(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ الذي لا يجوز أن يُعدَل عنه هو القول بوجوب غسل ولوغ الكلاب سبع مرّات، بل ثمان مرّات، كما سيأتي؛ لوضوح حجته كالشمس في رابعة النهار، والذين قالوا بغير هذا إما يُعتذر عنهم بأنه لم يصل إليهم الخبر، أو أعرضوا عنه؛ لما ظنّوه أرجح منه، والظنّ قد يُصيب، وقد يُخطئ، وهذا خطأ بلا شكّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال في ((الفتح)): خالف ظاهر هذا الحديث المالكية والحنفية، فأما المالكية فلم يقولوا بالتتريب أصلاً، مع إيجابهم التسبيع على (١) راجع: ((الأوسط)) ٣٠٤/١ - ٣٠٥. (٢) راجع: ((التمهيد)) ٢٦٧/١٨ - ٢٦٩. ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة المشهور عندهم؛ لأن التتريب لم يقع في رواية مالك، قال القرافي منهم: لقد صحّت فيه الأحاديث، فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها؟، وعن مالك رواية أن الأمر بالتسبيح للندب، والمعروف عند أصحابه أنه للوجوب، لكنه للتعبد؛ لكون الكلب طاهراً عندهم، وأبدى بعض متأخريهم له حكمةً غير التنجيس. وعن مالك رواية بأنه نجس، لكن قاعدته أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فلا يجب التسبيع للنجاسة بل للتعبد، لكن يَرِد عليه قوله ◌َّ في أول هذا الحديث: ((ظُهُور إناء أحدكم))؛ لأن الطهارة تُستَعمل إما عن حدث أو خبث، ولا حَدَث على الماء، فتعيّن الخبث. وأجيب بمنع الحصر؛ لأن التيمم لا يَرفع الحدث، وقد قيل له: ظُهُور المسلم، ولأن الطهارة تُطلَق على غير ذلك، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله وَّ: (السواك مَطْهَرة للفم)). والجواب عن الأول بأن التيمم ناشئ عن حدث، فلما قام مقام ما يُطَهِّر الحدثَ سُمِّي طَهُوراً، ومن يقول بأنه يرفع الحدث(١) يمنع هذا الإيراد من أصله. والجواب على الثاني أن ألفاظ الشرع إذا دارت بين الحقيقة اللغوية والشرعية حُمِلت على الشرعية إلا إذا قام دليل. ودعوى بعض المالكية أن المأمور بالغسل من وُلُوغه الكلبُ الْمَنْهيّ عن اتخاذه دون المأذون فيه يحتاج إلى ثبوت تقدم النهي عن الاتخاذ على الأمر بالغسل، وإلى قرينة تدلّ على أن المراد ما لم يؤذن في اتخاذه؛ لأن الظاهر من اللام في قوله: ((الكلب)) أنها للجنس، أو التعريف الماهية، فيحتاج المدَّعِي أنها للعهد إلى دليل، ومثله تفرقة بعضهم بين البدويّ والحضريّ. وادَّعَى بعضهم أن ذلك مخصوص بالكَلْب الكَلِب، وأن الحكمة في الأمر بغسله من جهة الطبّ؛ لأن الشارع اعتبر السبع في مواضع منه، كقوله: «صُبُّوا عليّ من سبع قِرَب))، وقوله: ((مَن تصبّح بسبع تمرات عَجْوة)). (١) هذا القول هو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في أبواب التيمّم - إن شاء الله تعالى -. ١٧٧ (٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٤) وتُعُقِّب بأن الكلب الْكَلِب لا يقرب الماء، فكيف يؤمر بالغسل من ولوغه؟. وأجاب حفيد ابن رُشْد بأنه لا يقرب الماء بعد استحكام الكَلَب منه، أما في ابتدائه فلا يمتنع. وهذا التعليل وإن كان فيه مناسبة لكنه يستلزم التخصيص بلا دليل، والتعليل بالتنجيس أقوى؛ لأنه في معنى المنصوص. وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب بأنه رجس، رواه محمد بن نصر المروزيّ بإسناد صحيح، ولم يصحَّ عن أحد من الصحابة خلافه . والمشهور عن المالكية أيضاً التفرقة بين إناء الماء فيراق، ويغسل وبين إناء الطعام فيؤكل، ثم يغسل الإناء تعبداً؛ لأن الأمر بالإراقة عامّ، فيُخَصُّ الطعام منه بالنهي عن إضاعة المال. وعورض بأن النهي عن الإضاعة مخصوص بالأمر بالإراقة، ويترجح هذا الثاني بالإجماع على إراقة ما تقع فيه النجاسة من قليل المائعات، ولو عَظُم ثمنه، فثبت أن عموم النهي عن الإضاعة بخلاف الأمر بالإراقة. وإذا ثبتت نجاسة سؤره كان أعمّ من أن يكون لنجاسة عينه، أو النجاسة طارئة، كأكل الميتة مثلاً، لكن الأول أرجح؛ إذ هو الأصل، ولأنه يلزم على الثاني مشاركة غيره له في الحكم كالهرة مثلاً، وإذا ثبتت نجاسة سؤره لعينه لم يدُلّ على نجاسة باقيه إلا بطريق القياس، كأن يقال: لعابه نجس، ففمه نجس؛ لأنه متحلِّب منه، واللعاب عَرَقُ فمه، وفمه أطيب بدنه، فيكون عرقه نجساً، وإذا كان عرقه نجساً كان بدنه نجساً؛ لأن العرق متحلِّب من البدن، ولكن هل يلتحق باقي أعضائه بلسانه في وجوب السبع والتتريب أم لا؟ تقدمت الإشارة إلى ذلك من كلام النوويّ. وأما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب، واعتذر الطحاويّ وغيره عنهم بأمور: ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة [منها]: كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع. وتُعُقِّب بأنه يَحْتَمِل أن يكون أفتى بذلك، لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نَسِيَ ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضاً فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية مَن روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، وأما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وَرَدَت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة، فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عنه، وهو دون الأول في القوّة بكثير. [ومنها]: أن الْعَذِرَة أشدّ في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يُقَيَّد بالسبع، فيكون الوُلُوغ كذلك من باب أولى. وأجيب بأنه لا يلزم من كونها أشدّ منه في الاستقذار أن لا يكون أشدّ منها في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النصّ، وهو فاسد الاعتبار. [ومنها]: دعوى أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نَهَى عن قتلها نُسِخ الأمر بالغسل. وتُعُقِّب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جدّاً؛ لأنه من رواية أبي هريرة، وعبد الله بن مُغَفَّلٍ مِ﴿ُبًا، وقد ذَكَر ابن مغفل أنه سمع النبيّ ◌َ ل﴿ يأمر بالغسل، وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب. [ومنها]: إلزام الشافعية بإيجاب ثمان غَسَلات؛ عملاً بظاهر حديث عبد الله بن مغفل الذي أخرجه مسلم، ولفظه: ((فاغسلوه سبع مرات، وعَفِّروه الثامنة في التراب))، وفي رواية أحمد: ((بالتراب)). وأجيب بأنه لا يلزم من كون الشافعية لا يقولون بظاهر حديث عبد الله بن مغفل أن يتركوا هُمْ العمل بالحديث أصلاً ورأساً؛ لأن اعتذار الشافعية عن ذلك إن كان مُتَّجِهاً فذاك، وإلا فكلٌّ من الفريقين مَلُومٌ في ترك العمل به، قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. ١٧٩ (٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٤) وقد اعتذر بعضهم عن العمل به بالإجماع على خلافه، وفيه نظرٌ؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصريّ، وبه قال أحمد بن حنبل في رواية حرب الكرمانيّ عنه، ونُقِل عن الشافعيّ أنه قال: هو حديث لم أقف على صحته، ولكن هذا لا يُثبِت العذر لمن وقف على صحته. وجنح بعضهم إلى الترجيح لحديث أبي هريرة على حديث ابن مغفل، والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ بحديث ابن مغفل يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس، والزيادةُ من الثقة مقبولةٌ، ولو سلكنا مسلك الترجيح في هذا الباب لم نَقُل بالتتريب أصلاً؛ لأن رواية مالك بدونه أرجح من رواية من أثبته، ومع ذلك فقلنا به؛ أخذاً بزيادة الثقة. وجَمَعَ بعضهم بين الحديثين بضرب من المجاز، فقال: لَمّا كان التراب جنساً غير الماء جُعِل اجتماعهما في المرة الواحدة معدوداً باثنتين. وتعقّبه ابن دقيق العيد بأن قوله: ((وعَفِّروه الثامنة بالتراب)) ظاهر في كونها غسلةً مستقلةً، لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع، كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازاً، وهذا الجمع من مُرَجِّحات تعيّن التراب في الأولى، والكلام على هذا الحديث، وما يتفرع منه منتشر جدّاً، ويمكن أن يُفْرَد بالتصنيف، ولكن هذا القدر كافٍ في هذا المختصر، والله المستعان. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان أقوال العلماء، وأدلّتها، بما لها وما عليها، ومما يأتي من حديث عبد الله بن مغفّل ◌َظُبه أن أرجح الأقوال هو القول بوجوب غسل وُلُوغ الكلب ثمان مرّات، مع تتريب إحداهنّ، وكونها الأُولى هو الأولى؛ لوضوح حجته النيّرة الواضحة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: وللعينيّ الحنفيّ تعقّبات على ما سبق عن ((الفتح))، وكلها تعصّباتٌ محضة، قد ذكرت تفنيدها في ((شرح النسائيّ))؛ أخذاً مما قاله (١) ((الفتح)) ٣٣١/١ - ٣٣٣. ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة المحقّقون من الحنفيّة، كصاحب ((السعاية في شرح الوقاية))، والعلّامة المباركفوري في كتابيه: ((أبكار المنن))، و((تحفة الأحوذيّ))، فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قال ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى -: الإناءُ عامّ يدخل تحته أحوال الإناء لما كنّا قد قرّرنا في عموم الحكم في الأحوال إذا كان التخصيص ببعضها يخالف ما دلّ عليه اللفظ من العموم في الذوات على خلاف ما يقوله بعض المتأخّرين، فعلى هذا يدخل فيه الإناء الذي فيه الطعام؛ للعموم، ولمالك - رحمه الله تعالى - قول أنه لا يغسل إلا إناء الماء دون إناء الطعام، قال في ((المدوّنة)): إن كان يُغسل سبعاً للحديث ففي الماء وحده. انتھی. وُ جِّه ذلك بأمرين: أحدهما: مبنيّ على تخصيص العامّ بالعرف، والعرف أن الطعام محفوظ عن الكلاب، مصونٌ عنها؛ لعزّته عند العرب، فلا يكاد الكلب يَصِل إلا إلى الماء، فيُقيّد اللفظ بذلك. الثاني: أن في الحديث ((فليُرقه، وليغسله سبع مرّات))، والطعام لا يجوز إراقته؛ لحرمته، ولنهيه ◌َّي عن إضاعة المال، متّفق عليه. ويجيء على البحث المتأخّر وجه ثالث، وهو أن يقال: هو عامّ في الأواني، مطلقٌ في أحوالها عَمِلنا به فيما إذا كان فيها الماء، والمطلق إذا عُمِل به مرّةً كفى في تأدّي الواجب، فلا يبقى حجة في إناء الطعام. فأما الوجه الأول فمبنيّ على تخصيص العموم بالعرف، وفيه مَنْعٌ في الأصول، والراجح عند كثير من الأصوليين خلافه. وأما الثاني، فضعيفٌ؛ لأن عموم الأمر بالإراقة يقتضي إراقة الطعام أيضاً، وتحريم إراقته ممنوع بعد دلالة العموم على الأمر بها، وماليّته أيضاً يمنعها القائل بتنجيسه بعد الولوغ فيه. وأما الاستدلال بالنهي عن إضاعة المال، فسيأتي البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.