Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
(٢٣) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ - حديث رقم (٦٣٩)
عبد الله المزنيّ، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، والحسن البصري،
وغيرهم.
وروى عنه ابن أخته حماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو
من أقرانه، وحماد بن زيد، والسفيانان، وشعبة، ومالك، وابن إسحاق،
والمعتمر بن سليمان، ووهيب بن خالد، والقطان، وزائدة، وغيرهم.
قال البخاري: قال الأصمعي: رأيت حميداً، ولم يكن بطويل. وقال
إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال الدارمي: قلت لابن معين:
يونس بن عبيد أحب إليك في الحسن أو حميد؟ قال: كلاهما. قال الدارمي:
يونس أكبر من حميد بكثير. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة لا
بأس به، وأكبر أصحاب الحسن قتادة، وحميد. وقال ابن خِراش: ثقة
صدوق، وقال مرة: في حديثه شيء، يقال: إن عامة حديثه عن أنس إنما سمعه
من ثابت. وقال يحيى بن أبي بكير، عن حماد بن سلمة: أخذ حميد كتب
الحسن فنسخها، ثم ردها عليه. وقال الأصمعي، عن حماد: لم يَدَع حميد
الثابت علماً إلا ووعاه، وسمعه منه. وقال مؤمل عن حماد: عامة ما يروي
حميد عن أنس سمعه من ثابت. وقال أبو عبيدة الحداد عن شعبة: لم يسمع
حميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثاً، والباقي سمعها من ثابت، أو ثبّته فيها
ثابت. وقال علي بن المديني عن أبي داود: سمعت شعبة يقول: سمعت
حبيب بن الشهيد يقول لحميد وهو يحدثني: انظر ما تحدث به شعبة، فإنه يرويه
عنك، ثم يقول هو: إن حميداً رجل نَسِيّ، فانظر ما يحدثك به. وقال عيسى بن
عامر بن أبي الطيب، عن أبي داود، عن شعبة: كل شيء سمع حميد عن أنس
خمسة أحاديث. وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان حميد
الطويل إذا ذهبتَ تَقِفه على بعض حديث أنس يَشُكّ فيه. وقال الحميدي، عن
سفيان: كان عندنا شُوَيْبٌ بصري، يقال له: دُرُست، فقال لي: إن حميداً قد
اختلط عليه ما سمع من أنس، ومن ثابت، وقتادة عن أنس إلا شيئاً يسيراً،
فكنت أقول له: أخبرني بما ثبت عن غير أنس، فأسأل حميداً عنها، فيقول:
سمعت أنساً. وقال يوسف بن موسى، عن يحيى بن يعلى المحاربي: طرح
زائدة حديث حميد الطويل. وقال ابن عديّ: له أحاديث كثيرة، وقد حدث عنه

١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
الأئمة، وأما ما ذُكر عنه أنه لم يسمع من أنس إلا مقدار ما ذُكر، وسمع الباقي
من ثابت عنه، فأكثر ما في بابه أن بعض ما رواه عن أنس يُدَلّسه، وقد سمعه
من ثابت. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، إلا
أنه ربما دلس عن أنس. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: هو الذي يقال
له: حميد بن أبي داود، وكان يدلس، سمع من أنس ثمانية عشر حديثاً، وسمع
من ثابت البناني، فدلس عنه. وقال أبو بكر البرديجي: وأما حديث حميد فلا
يُحتجّ منه إلا بما قال: حدثنا أنس. وقال الحافظ أبو سعيد العلائي: فعلى
تقدير أن تكون أحاديث حميد مُدَلَّسةً، فقد تبيّن الواسطة فيها، وهو ثقة
(١)
صحيح (١).
وقال الحافظ: رواية عيسى بن عامر أن حميداً إنما سمع من أنس خمسة
أحاديثَ قول باطلٌ، فقد صرّح حميد بسماعه من أنس بشيء كثير، وفي
((صحيح البخاري)) من ذلك جملة، وعيسى بن عامر ما عرفته، وحكاية سفيان
عن دُرُست ليست بشيء، فإن دُرُست هالك، وأما ترك زائدة حديثه فذاك لأمر
آخر؛ لدخوله في شيء من أمور الخلفاء. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما قاله الحافظ العلائيّ، فأحاديث
حميد كلها صحيحة؛ لأنه على تقدير أنه لم يسمع بعضها عن أنس، فقد عُرف
من دلّس عنه، وهو ثابتٌ البنانيّ، وهو ثقة جليل، فتبيّن أن تدليسه لا يضرّ.
وبهذا يُردّ على الحافظ في عدّه حميداً الطويل من أهل الطبقة الثالثة من
مراتب المدلّسين، وهم الذين أكثروا من التدليس، فلم يُحْتَجّ بهم إلا إذا
صرّحوا بالسماع، والحقّ أنه ممن يُقبل تدليسه؛ لكونه لا يدلّس إلا عن ثقة.
وبه يتبيّن أيضاً أن قول ابن حبّان: ((إنه لا يوجد في الدنيا من يُدلس عن
ثقة غير سفيان بن عيينة)) غير صحيح، فقد ثبت عن حميد الطويل أنه لا يدلس
إلا عن ثقة، فافهم هذا، فإنه مهمّ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(١) أي صحيح الحديث.
(٢) راجع ((تهذيب التهذيب)) ٤٩٣/١ - ٤٩٤.

١٠٣
(٢٣) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ - حديث رقم (٦٣٩)
وقال رُسْته، عن يحيى بن سعيد: مات حميد الطويل، وهو قائم يصلي،
وأرّخه ابن سعد وجماعة سنة (١٤٢)، وقال إبراهيم بن حميد الطويل: مات
سنة (٤٣)، وقد أتت عليه (٧٥) سنة، ولم أسمع منه شيئاً، وكذا أرّخه عمرو بن
علي وغيره.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثاً .
٤ - (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ [٣]
(ت١٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٢/٦.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
[تنبيه]: قد تكلّم النقّاد في هذا الإسناد، فقال الحافظ أبو عليّ الغسانيّ:
قال أبو مسعود الدمشقيّ: هكذا يقول مسلم في حديث ابن بزيع، عن يزيد بن
زُريع، عن عروة بن المغيرة، وخالفه الناس، فقالوا فيه: حمزة بن المغيرة،
بدل عروة، وأما أبو الحسن الدارقطنيّ، فَنَسَبَ الوهم فيه إلى محمد بن
عبد الله بن بَزِيع لا إلى مسلم، هذا آخر كلام الغسانيّ.
قال القاضي عياض كَّهُ: حمزة بن المغيرة هو الصحيح عندهم، في هذا
الحديث، وإنما عروة بن المغيرة في الأحاديث الأُخَر، وحمزة وعروة ابنان
للمغيرة، والحديث مرويّ عنهما جميعاً، لكن رواية بكر بن عبد الله بن المزنيّ
إنما هي عن حمزة بن المغيرة، وعن ابن المغيرة، غير مُسَمَّى، ولا يقول بكر:
عروة، ومَن قال: ((عروة)) عنه فقد وَهِمَ، وكذلك اختُلِف عن بكر، فرواه معتمر
في أحد الوجهين عنه، عن بكر، عن الحسن، عن ابن المغيرة، وكذا رواه
يحيى بن سعيد، عن التيميّ، وقد ذكر هذا مسلم، وقال غيرهم: عن بكر، عن
المغيرة، قال الدارقطنيّ: وهو وَهَمّ. انتهى كلام القاضي عياض ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما ذكروه أن الصحيح في هذا الإسناد
إنما هو عن بكر بن عبد الله المزنيّ، عن حمزة بن المغيرة، لا عن عروة،
وذلك لمخالفة محمد بن عبد الله بن بَزِيع للحفّاظ فيه، فقد رواه النسائيّ في
(سننه)) عن عمرو بن عليّ الفلاس، وحميد بن مسعدة، كلاهما عن يزيد بن
(١) ((إكمال المعلم)) ٨٨/٢ - ٨٩، و((شرح النوويّ)) ١٧١/٣.

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
زُريع، قال: حدثنا حميد، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله المزنيّ، عن حمزة بن
المغيرة بن شعبة، عن أبيه، قال: ((تخلّف رسول الله وَلِيمٍ ... )) الحديث.
ورواه أبو عوانة في ((مسنده)) فقال: حدّثنا يوسف القاضي، قال: حدّثنا
مسدّد، قال: حدّثنا يزيد بن زُريع، قال: ثنا حميد، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله
المزنيّ، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، قال: ((تخلّف
رسول الله اَ لله ... )) الحديث.
فقد اتّفق ثلاثة من الحفّاظ الذين رووا الحديث عن يزيد بن زريع على أن
بكراً المزنيّ إنما رواه عن حمزة بن المغيرة، لا عن عروة، فرواية محمد بن
عبد الله بن بزيع مخالفاً لهم، حيث جعله عن بكر، عن عروة بن المغيرة تعتبر
شاذّة.
والحاصل أن الحديث مرويّ عن حمزة، وعروة ابني المغيرة بن
شعبة رضيُه، لكن رواية بكر المزنيّ إنما هي عن حمزة بن المغيرة، عن ابن
المغيرة غير مسمّى، ولا يقول بكر: عن عروة.
أما روايته عن حمزة فقد قدّمناها من تخريج النسائيّ وأبي عوانة، وأما
روايته عن ابن المغيرة غير مسمّى، فقد رواها مسلم هنا من طريق المعتمر بن
سليمان، عن أبيه، قال: حدّثني بكر بن عبد الله، عن ابن المغيرة بن شعبة،
عن أبيه.
ومن طريق يحيى بن سعيد القطان، عن سليمان التيميّ، عن بكر بن
عبد الله، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، قال بكر: وقد
سمعت من ابن المغيرة.
ورواها أيضاً ابن أبي شيبة في ((مصنّفه))، قال: حدّثنا يزيد بن هارون،
عن التيميّ، عن بكر بن عبد الله، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه.
وخلاصة القول أن الصحيح كون رواية بكر المزني، عن حمزة، لا عن
عروة، وأن الخطأ فيه من شيخ مسلم، محمد بن عبد الله بن بزيع، كما قال
الدارقطنيّ، لا من مسلم كما ظنّه أبو مسعود الدمشقيّ؛ لأنه لا دليل على
ذلك؛ إذ لم يوجد أحد ممن روى عن شيخه من سلك الجادّة، فروى ما يوافق
الحفاظ، فيذكر في روايته حمزة بدل عروة، فأما إذا لم يوجد هذا فليس نسبة

١٠٥
(٢٣) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ - حديث رقم (٦٣٩)
الخطأ والوهم إلى مسلم صواباً؛ إذ لا حجة فيه، فتبصّر (١)، والله تعالى الهادي
إلى سواء السبيل.
شرح الحديث :
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) تقدّم أن الصواب في هذا حمزة أخوه،
لا عروة (عَنْ أَبِيهِ) المغيرة بن شعبة ◌َُّه أنه (قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ وَلِ) أي
تأخّر عن الناس (وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ) أي بأمره، وفي رواية النسائيّ: ((تخلّف يا
مغيرة، وامضوا أيها الناس))، وفي رواية له: ((فقرع ظهري بعصاً كانت معه،
فعدل، فعدلت ... )) الحديث (فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ) أي من بول، أو غائط (قَالَ:
((أَمَعَكَ مَاءٌ؟)) فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ) - بكسر الميم -: الإداوة، والفتحُ لغةٌ، ومنه
حديث: ((السواك مَظْهَرَةٌ للفم))(٢) - بالفتح - وكلُّ إناء يُتَطَهَّر به مَظْهَرةٌ، والجمع
المطاهر؛ قاله الفيّوميّ تَخْذَتُهُ(٣).
والمعنى هنا: أي فأتيته بإناء فيه ماء للطهارة.
(فَفَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ) وفي الرواية الآتية في الصلاة من طريق عروة بن
المغيرة، عن أبيه: ((وغسل يديه ثلاث مرّات، ثم غسل وجهه ... )) الحديث.
(ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ) بكسر السين المهملة، وضمّها، يقال: حسر عن ذراعه
حَسْراً، من بابي ضرب، وقتل: كشف، وفي المطاوعة: فانحسر، وحسرت
المرأة ذراعها، وخمارها(٤): كشفته، فهي حاسرٌ بغير هاء(٥).
(١) راجع ما كتبه الشيخ ربيع بن هادي في كتابه ((بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ))
ص٨٣ - ٨٩ فقد أجاد، وأفاد.
(٢) حديث صحيح، أخرج أحمد في ((مسنده)) رقم (٧) و(٦٣)، والنسائيّ في ((سننه))
رقم (٥).
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٨٠/٢.
(٤) كان في ((المصباح)) تقييده بكونه من باب ضرب، فحذفته؛ لأنه من بابي ضرب،
وقتل كسابقه، كما تفيده عبارة ((القاموس المحيط))، حيث قال: حسره يَحْسُرُه - أي
بالضمّ ۔، ويَحْسِرُهُ ۔ أي بالكسر -: کشفه. انتهى.
(٥) ((المصباح المنير)) ١٣٥/١.

١٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ) - بضمّ الكاف، وتشديد الميم -: مدخل
اليد، ومخرجها من الثوب، جمعه أكمام، وكِمَمَة - بكسر، ففتح - كعِنْبَةٍ (١).
والمعنى أنه وسٌ لَمّا أراد أن يشمّر الثوب عن ذراعه؛ ليمكنه غسلهما
ضاق عليه الكمّ (فَأَخْرَجَ يَدَهُ) المراد جنس اليد، فيشمل اليدين، وفي رواية أبي
داود: ((ثم حسر عن ذراعيه، فضاق كُمَّا جبّته، فأدخل يديه، فأخرجهما من
تحت الجبّة، فغسلهما إلى المرفق)) (مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ)
- بفتح الميم، وكسر الكاف، بوزن مَجْلِس -: مُجْتَمَع رأس الكتف والْعَضُد(٢)
(وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ) قال في ((القاموس)): الناصية، والناصاة:
قُصَاصُ الشعر. انتهى (٣). (وَعَلَى الْعِمَامَةِ) أي ومسح على العمامة مع الناصية،
ففيه تكميل مسح الرأس بالعمامة، فليس فيه حجة لمن قدّر مسح الرأس بربعه؛
لأنه ما اكتفى بمسح الناصية، بل أكمله بمسح العمامة، فيكون دليلاً لمن يرى
وجوب تعميم الرأس بالمسح، إما مباشرة، أو بما عليه من العمامة ونحوه.
وقال النوويّ كَّلُهُ: هذا مما احتجّ به أصحابنا على أن مسح بعض الرأس
يكفي، ولا يشترط الجميع؛ لأنه لو وجب الجميع لَمَا اكتفى بالعمامة عن
الباقي؛ فإن الجمع بين الأصل والبدل في عضو واحد لا يجوز، كما لو مَسَحَ
على خفّ واحد، وغسل الرجل الأخرى، وأما التتميم بالعمامة فهو عند
الشافعيّ، وجماعة على الاستحباب؛ لتكون الطهارة على جميع الرأس، ولا فرق
بين أن يكون ◌َبِس العمامة على طهر، أو على حدث، وكذا لو كان على رأسه
قلنسوة، ولم ينزعها مسح بناصيته، ويستحب أن يُتِمّ على القلنسوة كالعمامة.
ولو اقتصر على العمامة، ولم يمسح شيئاً من الرأس لم يُجْزِه ذلك عندنا
بلا خلاف، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأكثر العلماء رحمهم الله تعالى.
وذهب أحمد بن حنبل تَّتُهُ إلى جواز الاقتصار، ووافقه عليه جماعة من
السلف. انتهى.
(١) راجع ((المصباح المنير))، و((المعجم الأوسط)) في مادّة كم.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٢٩، و((المصباح)) ٦٢٤/٢.
(٣) ((القاموس)) ص ١٢٠٥.

١٠٧
(٢٣) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ - حديث رقم (٦٣٩)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد ومن معه من
جواز الاقتصار على مسح العمامة هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك.
والحاصل أنه يجب تعميم الرأس بالمسح، إما مباشرة، أو على ما لا
يلاقيه من العمامة، ونحوها، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في المسألة العاشرة
من مسائل الحديث [٥٤٤] (٢٢٦) فراجعه تستفد علماً جَمّاً .
[تنبيه مهمّ]: ثم وجدت للعلامة أبي الحسن عبيد الله بن محمد
المباركفوريّ، صاحب ((مِرْعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) تَخْذُ بحثاً
نفيساً في هذه المسألة أحببت إيراده هنا؛ تتميماً للفوائد، وتكميلاً للعوائد،
قال دَخَذَتُهُ :
استُدِلّ بقوله: ((فمسح بناصيته، وعلى العمامة)) لما ذهب إليه مالك،
والشافعيّ، ومن معهما من أنه لا يجوز اقتصار المسح على العمامة، بل لا بدّ
مع ذلك من المسح على الناصية، قيل: رواية مسلم هذه مفصّلة يُحمَل عليها ما
في بعض طرقها، من أنه وَّ مسح على الخفّين والعمامة، أخرجها الترمذيّ،
وصححها .
وذهب أحمد، وغيره من فقهاء أصحاب الحديث إلى جواز الاقتصار
على مسح العمامة.
واحتجّوا بحديث عمرو بن أُميّة رَظُله عند أحمد، والبخاريّ، وابن ماجه،
وبحديث بلال رضيُه عند أحمد، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه،
وبحديث سلمان ربه عند أحمد، وبأحاديث أبي أمامة، وخزيمة بن ثابت،
وأبي طلحة، وأبي ذرّ ◌ُها عند الطبرانيّ، وبحديث أنس نظُه عند البيهقيّ،
وغير ذلك من الأحاديث التي ذكرها الزيلعيّ في ((نصب الراية)).
واعتذر الأولون عن هذه الأحاديث بوجوه، كلّها مخدوشة:
(فمنها): أنها معلولة، مضطربةُ الأسانيد، وفيها رجال مجهولون.
وتُعُقّب بأن أكثرها أحاديث صحيحة مستقيمة، كما حقَّق صحّتها الحافظ
في ((التلخيص)) وغيره.
(ومنها): أن أحاديث المسح على العمامة من أخبار الآحاد، فلا تعارض
الكتاب؛ لأن الكتاب يوجب مسح الرأس.

١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وتُعُقّب بأن الآية لا تنفي الاقتصار على المسح على العمامة؛ لأن من
قال: قَبَّلتُ رأس فلان يصدُق، ولو بحائل.
(ومنها): أن الله تعالى فرض المسح على الرأس، والحديث في المسح
على العمامة محتَمِلٌ للتأويل، فلا يُترك المتيقّن للمحتَمِلِ، والمسح على العمامة
ليس بمسح على الرأس.
وتُعُقّب بأن هذا الوجه يرجع إلى الوجه الثاني، وقد تقدّم جوابه،
وتوضيحه أنه أجزأ المسح على الشعر، ولا يسمّى رأساً.
[فإن قيل]: يُسمّى رأساً مجازاً بعلاقة المجاورة.
[قيل]: والعمامة كذلك بتلك العلاقة، فإنه يقال: قبّلت رأسه، والتقبيل
على العمامة، ويؤيِّد ذلك حملهم قراءة الجرّ في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في آية الوضوء
على حالة التخفّف، فتأمّل.
(ومنها): أن أحاديث المسح على العمامة مجملة، وحديث المغيرة
عند مسلم مفصّلٌ، فتُحمل عليه، ويقال: إن أداء المفروض من مسح الرأس
وقع بمسح الناصية؛ إذ هي جزء الرأس، وصارت العمامة تَبَعاً له، يعني أن
المسح على العمامة كان زائداً على أصل الفرض، وتعميماً وتكميلاً، فرَخَّص
لهم ◌َّ بفعله بعد مسح الواجب أن يقتصروا من الاستيعاب على مسح
العمائم.
وتُعُقّب بأنه لا موجب لحمل أحاديث المسح على العمامة على حديث
المغيرة، فإنها وقائع مختلفة، ليست حكاية عن فعل واحد في وقت واحد،
وأما أن المسح على العمامة كان زائداً على أصل الفرض، وإتماماً، ففيه أنه
مجرّد دعوى، لا دليل عليها، فلا يُلتفت إليها .
(ومنها): أنها حكاية حال، فيجوز أن تكون العمامة صغيرةً رقيقةً بحيث
تمنع وصول البلّة منها إلى الرأس.
وتُعُقّب بأن الكلّ من قوله، وفعله، وتقريره حجة لنا، وفي إنشاء مثل هذه
الاحتمالات في أفعاله ◌َ له، وأحواله من غير دليل ردِّ للسنّة الصحيحة الثابتة،
وأيضاً لا يَتحقّق وصول البلّة إلى الرأس إلا إذا كانت العمامة غير ذات أكوار،
وفيه إبطال لمسمّى العمامة.

١٠٩
(٢٣) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ - حديث رقم (٦٣٩)
(ومنها): أنه يَحتَمِل أن ذلك كان قبل نزول المائدة.
وتُعُقّب بأنه لا يثبت النسخ بالاحتمال حتى يُعلَم التاريخ، وأيضاً لا منافاة
بين الآية وبين أحاديث المسح حتى يُحتاج إلى التوفيق، أو ادّعاء النسخ.
(ومنها): ما قال محمد بن الحسن في ((موّئه)): بلغنا أن المسح على
العمامة كان فتُرِك.
وتُعُقّب بأنه لا يثبت النسخ بمجرّد قول محمد بن الحسن، ولا بدّ لمن
يَدَّعي النسخ أن يأتي بالحديث الناسخ الصحيح الصريح.
ج
(ومنها): أن الخطاب في قوله: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]
كالخطاب في قوله: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولا يجوز مسح الوجه
في التيمّم بحائل، فكذلك في الرأس.
وتُعُقّب بأنه قد ثبت بالأحاديث الصحيحة المسح على العمامة، فقلنا به،
ولم يثبت مسح الوجه في التيمّم بحائل، لا بحديث صحيح، ولا ضعيف، ولا
بأثر صحابيّ، ولذلك لم يذهب إليه أحد من الأئمة، ولا حاجة إلى ردّ أحاديث
المسح على العمامة بمثل هذا العذر الواهي.
(ومنها): أن المراد بقوله: ((مسح عمامته)) مسح ما تحتها من قبيل إطلاق
الحالّ على المحلّ.
وتُعُقّب بأن هذا مجاز، وهو خلاف الأصل، فلا يُحمَل عليه إلا بدليل،
ولا دليل.
(ومنها): أنه يَحتَمِل أنه مسح ناصيته، وسَوَّی عمامته بیدیه، فحسِبَ
الراوي تسوية العمامة عند المسح مسحاً؛ لكونه بعيداً.
وتُعُقّب بأنه نسبة للخطأ إلى الصحابة من غير دليل، ورفعٌ للثقة
بالأحاديث بمثل هذه الاحتمالات الضعيفة.
(ومنها): أنه يَحتَمِل أنه كان ذلك لمرض منعه كشف رأسه، فصارت
العمامة كالجبيرة.
وتُعُقّب بأن هذا أيضاً احتمالٌ محضّ، فلا يُلتفت إليه؛ لما فيه من ردّ
السنة الصحيحة الثابتة.

١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وبهذا علمتَ أن الحقّ ما ذهب إليه الإمام أحمد، ومن معه من
ثبوت المسح على العمامة، كثبوته بالإجماع على الرأس.
والحاصل أنه ثبت المسح على الرأس فقط، وعلى العمامة، فقط، وعلى
الرأس والعمامة، والكلّ صحيح ثابتٌ عن رسول الله وَّ، مذكور في كتب
الأئمة الصحاح، والنبيّ وَلّ مُبيّن لأمر الله، فقصر الإجزاء على بعض ما ورد
لغير موجب ليس من دأب المنصفين. انتهى كلام عبيد الله المباركفوريّ رَّتُهُ
في ((شرحه على المشكاة))(١) ببعض تصرّف، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(وَعَلَى خُفَّيْهِ) أي ومسح أيضاً على خفّيه (ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى
الْقَوْم) أي وصلنا إلى الصحابة الذين تقدّموا على النبيّ وَّر، وعلى المغيرة،
بأمرهَ نَ ◌ّ (وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاةِ) هي صلاة الصبح، كما بُيِّن في رواية أخرى
(يُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ◌َّ)
أي عَلِمَ عبد الرحمن بن عوف بحضور النبيّ بََّ (ذَهَبَ) أي شرع، وبدأ
(يَتَأَخَّرُ) عن إمامته؛ لظنّه أنه نَّهِ يتقدّم، فيؤمّ الناس (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ) أي أشار
النبيّ وَّهِ إلى عبد الرحمن؛ ليُتمّ صلاته إماماً (فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ) وفي
الرواية الآتية: ((فلما سلّم عبد الرحمن بن عوف)) (قَامَ النَّبِيُّ وَّهِ، وَقُمْتُ، فَرَكَعْنَا
الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا) - بفتح السين، والموحّدة، والقاف -، مبنيّاً للفاعل؛ أي
الركعة الأولى التي فاتتنا قبل حضورنا .
زاد في رواية عروة الآتية: ((فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما
قضى النبيّ وَلّ صلاته أقبل عليهم، ثم قال: أحسنتم، أو قال: قد أصبتم،
يَغْبِطهم أن صَلَّوا الصلاة لوقتها)).
[فإن قلت]: كيف بقي عبد الرحمن بن عوف إماماً في صلاته، وتأخر أبو
بكر الصديق ◌ًا ليتقدم النبيّ وَ ل ◌ّ؟.
[أجيب]: بوجود الفرق بينهما، وذلك أن في قضية عبد الرحمن كان قد
ركع ركعة، فترك النبيّ وَّةِ التقدم؛ لئلا يَخْتَلّ ترتيب صلاة القوم، بخلاف قضية
(١) راجع ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٠٣/٢ - ١٠٤.

١١١
(٢٣) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ - حديث رقم (٦٤٠)
أبي بكر ظُه، فإنه كان في أول ركعة من صلاته، فلا يحصل بتقدّم النبيّ وَّل
على الناس اختلالٌ؛ أفاده النوويّ كَّتُهُ(١)، ومسائل الحديث قد استوفيتها في
الباب الماضي، فلا حاجة إلى إعادتها هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٤٠] (.) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا:
حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ
أَبِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ(٢) ◌َِّ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَمُقَدَّمٍ رَأْسِهِ، وَعَلَى عِمَامَتِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١)
(خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠]
(ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٣/٩٢.
٣ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطفيل،
ثقة، من كبار [٩] (ت١٨٧)، وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني
تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ) تقدّم أنه حمزة بن المغيرة بن شعبة، وتقدّم أن
من قال فيه عروة بن المغيرة، فقد وَهِمَ، والحديث، وإن كان مرويّاً عن حمزة،
وعروة كليهما، إلا رواية بكر بن عبد الله المزنيّ عن حمزة، لا عن أخيه
عروة، فتنبه.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٣/٣.
(٢) وفي نسخة: ((أن نبيّ الله وَا).

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقد تقدّم شرح الحديث، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٦٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ بَكْرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَِّّ وَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي، غير:
١ - (الْحَسَنِ) وهو: الحسن بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم
البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ فاضلٌ مشهور، وكان يرسل كثيراً ويدلّس، من كبار [٣]
(ت ١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٦.
[تنبيه]: هذا الإسناد فيه أربعة تابعيون، رَوَى بعضهم عن بعض، وهم
سليمان بن طَرْخان، وبكر بن عبد الله، والحسن البصريّ، وابن المغيرة،
واسمه حمزة، كما بيّنته آنفاً، وهؤلاء التابعيون الأربعة بصريون إلا ابن
المغيرة، فإنه كوفيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٦٤٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى
الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ
الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُّغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ (١) مِنِ ابْنِ
الْمُغِيرَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِتَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى الْخُفَّيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديّ، أبو بكر بُندار البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٢.
(١) وفي نسخة: ((سمعته من ابن المغيرة)).

١١٣
(٢٣) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ - حديث رقم (٦٤٢)
سييسـ
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ المذكور في الباب
الماضي.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد
البصير، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٥.
٤ - (التّيْمِيُّ) هو: سليمان بن طَرْخَان أبو المعتمر المذكور في السند
الماضي.
وقوله: (قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ (١) مِنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ) قال النوويّ ◌َُّهُ:
هكذا ضبطناه، وكذا هو في الأصول ببلادنا: ((سمعت)) بالتاء في آخره، وليس
بعدها هاء، وقال القاضي هو عند جميع شيوخنا ((سمعته)) يعني بالهاء في آخره
بعد التاء، قال: وكذا ذكره ابن أبي خيثمة، والدارقطنيّ، وغيرهما، قال: ووقع
عند بعضهم، ولم أروه: ((وقد سمعتُ)) من ابن المغيرة، يعني بحذف الهاء،
وقد تقدم سماعه الحديث منه، هذا كلام القاضي كاته .
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل معنى كلام بكر تَّتُهُ هذا أنه سمع هذا
الحديث عن الحسن البصريّ، عن ابن المغيرة بن شعبة، وسمعه أيضاً من ابن
المغيرة دون واسطة الحسن، ثم إن قوله: ((وقد سمعته)) بالضمير أصرح في سماعه
هذا الحديث، من قوله: ((وقد سمعتُ)) بدون الضمير؛ لاحتمال أن يكون المعنى
أنه أراد مطلق السماع منه لهذا الحديث أو لغيره، فمعظم نسخ مسلم بدون هاء،
وقد وقع في بعضها بالهاء، كما أشار إليه عياض، وبالهاء رواه النسائيّ في سننه.
والحاصل أن الرواية وإن كانت بدون هاء إلا أنها تُحمل على الهاء؛ لأن
حذف العائد المنصوب جائز في كلام العرب بكثرة؛ لكونه فضلةً، كما قال في
«الخلاصة)» :
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ
بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَـامَنْ نَرْجُو يَهَبْ))
وقال أيضاً:
كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَاباً أَوْ حُصِرْ
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ
(١) وفي نسخة: ((سمعته من ابن المغيرة)).

١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٦٤٣] (٢٧٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ،
قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، ◌ِلَاهُمَا
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ،
عَنْ بِلَالٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ، وَفِي حَدِيثٍ عِيسَى:
حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، حَدَّثَنِي بِلَالٌ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة، أبو محمد الْكِنْديّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، ربما دلّس
[٥] (ت١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢]
(ت٨٦) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١.
٣ - (كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) بن أُميّة بن عديّ بن عُبيد بن خالد بن عمرو بن
عوف بن غَنْم بن سَوَاد بن مُرّيّ بن أراشة الْبَلَويّ، الأنصاري المدنيّ، أبو
محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو إسحاق، من بني سالم بن عوف،
وقيل: من بني سالم بن بَلِيّ، حليف بني الخزرج. وقيل في نسبه غير ذلك.
رَوَى عن النبي ◌َّر، وعن عمر بن الخطاب، وبلال. وروى عنه بنوه:
إسحاق، والربيع، ومحمد، وعبد الملك، وابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس،
وجابر، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن الْمُزَنِيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو
وائل، ومحمد بن سيرين، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وطارق بن شهاب،
ومحمد بن كعب القرظي، وأبو ثُمامة الحناط، وسعيد المقبري، وقيل: بينهما
رجل، وإبراهيم، وليس بالنخعي، وعاصم العدوي، وموسى بن وَرْدان،
وغيرهم. قال الواقديّ: كان استأخر إسلامه، ثم أسلم، وشهد المشاهد، وهو
الذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة في حلق رأس المحرم والفدية.

١١٥
(٢٣) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ - حديث رقم (٦٤٣)
وأخرج ابن سعد بسند جيّد عن ثابت بن عبيد أن يد كعب بن عجرة
قُطعت في بعض المغازي، ثم سكن الكوفة. قال خليفة: مات سنة إحدى
و خمسین .
وقال الواقدي، وآخرون: مات سنة (٢)، قال بعضهم: وهو ابن خمس،
وقيل: سبع وسبعين سنة.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً.
٤ - (بِلَال) بن رَبَاح الحبشي المؤذِّن، أبو عبد الله، ويقال: أبو
عبد الرحمن، وقيل: غير ذلك في كنيته، وهو بلال ابنِ حَمَامَة، وهي أمه،
اشتراه أبو بكر الصديق لله من المشركين لَمّا كانوا يُعَذِّبونه على التوحيد،
فأعتقه، فلزِم النبي ◌ََّ، وأَذّن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبي ◌َّل
بينه وبين أبي عبيدة بن الجرّاح، ثم خرج بلال نظُه بعد النبي وَلّ مجاهداً إلى
أن مات بالشام، وقال البخاري: بلال بن رباح أخو خالد، وغُفْرة، مات
بالشام زمن عمر ريته، وقال أبو نعيم: كان تِرْبَ أبي بكر، وكان خازن
رسول الله ◌ََّ، ورَوَى أبو إسحاق الْجُوزَجَانيّ، في ((تاريخه)) من طريق منصور،
عن مجاهد قال: قال عَمّار: كُلٌّ قد قال ما أرادوا - يعني المشركين - غيرَ
بلال .
ومناقبه كثيرة مشهورة، وقال ابن إسحاق: كان لبعض بني جُمَح مُوَلَّد من
مُؤَلَّديهم، واسم أمه حَمَامة، قال البخاري: مات بالشام زمنَ عمر نَظُته، وقال
ابن بكير: مات بدمشق في طاعون عَمَوَاس سنة (١٧) أو (١٨)، وقال عمرو بن
عليّ: مات سنة عشرين، وهو ابن بضع وستّين سنة، وقال ابن زَبْر: مات
بِدَارَيًّا، وحُمل على رقاب الرجال، فدُفن بباب كَيْسَان، وقيل: دُفن بباب
الصغير، وفي ((المعرفة)) لابن منده أنه دُفِنَ بحلب ظُه، وأرضاه(١).
أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (٤٤) حديثاً، اتفق الشيخان
على حديث، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بحديث، وله في هذا الكتاب
حديثُ رقم (٢٧٥) و(١٣٢٩) وكرّره ستّ مرات، والله تعالى أعلم.
(١) راجع ((الإصابة)) ٤٥٥/١ - ٤٥٦، و((تهذيب التهذيب)) ٢٥٣/١ - ٢٥٤.

١١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و((إسحاق)): هو ابن راهويه.
شرح الحديث:
(عَنْ بِلَال) بن رباح ◌َُّه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ)
- بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الميم - ما تُخَمِّر به المرأة رأسها، والجمع
خُمُرٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، أفاده الفيّوميّ، وقال ابن الأثير في ((النهاية)): أراد به
العمامة؛ لأن الرجل يُغطّي بها رأسه، كما أن المرأة تغطّيه بخمارها، وذلك إذا
كان قد اعتمّ عِمّةَ العرب، فأدارها تحت الحنك، فلا يستطيع رفعها في كلّ
وقت، فتصير كالخفّين، غير أنه يحتاج إلى مسح القليل من الرأس، ثم يمسح.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: إذا كان قد اعتمّ عِمّةَ العرب إلخ، فيه
نظر لا يخفى، فأين الدليل على هذا الشرط؟ فتنبّه.
وقوله أيضاً: ((يحتاج إلى مسح القليل من الرأس)) مما لا دليل عليه، بل
هو مناف لما يقتضيه ظاهر النصّ، فتنبّه.
والحاصل أن المسح على العمامة لا يُشترط فيه شيء مما ذُكر؛ إذ لا
نصّ في ذلك، فتبصّر، وقد استوفيت البحث في هذا في ((شرح النسائيّ))،
فارجع إليه تستفد علماً جَمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بلال رضيعيه
هذا من أفراد المصنّف تَخْذَاللهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٤٣/٢٣ و٦٤٤] (٢٧٥)، و(الترمذيّ) في
((الطهارة)) (١٠١)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٧٥/١)، و(ابن ماجه) في
((الطهارة)) (٥٦١)، و(أحمد) في ((مسنده) (١٢/٦ و١٤)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه)) (١٨٠ و١٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) ((النهاية)) ٧٨/٢.

١١٧
(٢٣) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ - حديث رقم (٦٤٣)
(المسألة الثالثة): قد تكلّم النقّاد في إسناد حديث بلال ظُه الذي
أخرجه مسلم تَخْثُ هنا فقد تكلّم فيه أبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطنيّ، وأبو
الفضل بن عمّار.
فأما أبو حاتم، وأبو زرعة، فقد قال ابن أبي حاتم في ((علله)): سألت
أبي وأبا زرعة عن حديث رواه سفيان الثوريّ، وشريك، عن الأعمش، عن
الحكم بن عُتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، عن النبيّ بَّر في
المسح على الخفين.
قالا: ورواه أيضاً عيسى بن يونس، وأبو معاوية، وابن نُمير، عن
الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة،
عن بلال، عن النبيّ ◌َلۇ.
ورواه زائدة، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء،
عن بلال، عن النبيّ ◌َطِّ .
قلت لهما: فأيّ هذا الصحيح؟، قال أبي: الصحيح من حديث
الأعمش، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، بلا كعب.
قلت لأبي: فمن غير حديث الأعمش؟ قال: الصحيح ما يقول شعبة،
وأبان بن تَغْلِب، وزيد بن أبي أُنيسة أيضاً، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن
بلال، بلا كعب، وقال أبي: الثوريّ وشعبة أحفظهم.
قلت لأبي: فإن ليث بن أبي سُليم يحدِّث، فيضطرب، يحدث عنه
يحيى بن يعلى، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن
بلال، عن النبيّ وَّر، وعن أبي بكر، وعمر في المسح.
ورواه معتمر، عن ليث، عن الحكم، وحبيب بن أبي ثابت، عن شُريح بن
هانئ، عن بلال، عن النبيّ أَالآ .
وقال أبو زرعة: ليث لا يُشتَغَل به، في حديثه مثلُ ذي كثير، هو
مضطرب الحديث.
قلت لأبي زرعة: أليس شعبة، وأبان بن تغلب، وزيد بن أبي أنيسة
يقولون: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، بلا كعب؟ قال أبو زرعة:
الأعمش حافظ، وأبو معاوية وعيسى بن يونس، وابن نمير، وهؤلاء قد حَفِظُوا

١١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
عنه، ومن غير حديث الأعمش الصحيحُ عن ابن أبي ليلى، عن بلال، بلا
كعب، ورواه منصور، وشعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وغير واحد، إنما قلت:
من حديث الأعمش. انتهى كلام ابن أبي حاتم في ((علله)(١).
وأما الدارقطني فقد تكلّم فيه في ((كتاب العلل))، وذكر الخلاف في
طريقه، والخلاف عن الأعمش فيه، وأن بلالاً سَقَط منه عند بعض الرواة،
واقتَصَر على كعب بن عجرة، وأن بعضهم عكسه، فأسقط كعباً، واقتصر على
بلال، وأن بعضهم زاد البراء بين بلال وابن أبي ليلى، وأكثر من رواه رووه كما
هو في مسلم، وقد رواه بعضهم عن عليّ بن أبي طالب، عن بلال رضيًّا. انتهى.
وأما الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد رَّتُهُ، فقال في ((علله)): هذا
حديثٌ قد اختلف فيه على الأعمش، فرواه أبو معاوية، وعيسى، وابن فُضيل،
وعليّ بن مُسهر، وجماعة هكذا. ورواه زائدة بن قُدامة، وعمّار بن رُزيق عن
الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، عن بلال،
وزائدة ثبتٌ مُتقنٌ.
ورواه سفيان الثوريّ(٢)، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن بلال، لم يذكر بينهما لا كعباً، ولا البراء، وروايته أثبتُ
الروايات.
وقد رواه عن الحكم غير الأعمش أيضاً: شعبة(٣)، ومنصورُ بن المعتمر،
وأبان بن تغلب(٤)، وزيد بن أبي أنيسة(٥)، وجماعة، عن الحكم، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، كما رواه الثوريّ، عن الأعمش،
وحديث الثوريّ عندنا أصحّ من حديث غيره(٦)، وابن أبي ليلى لم يَلْقَ بلالاً.
(١) ((علل الحديث لابن أبي حاتم)) ١٥/١ - ١٦.
(٢) رواية الثوريّ عند أحمد في ((مسنده)) ١٣/٦ و١٥.
(٣) عند أحمد ١٣/٦ و١٥، والنسائيّ ٧٦/١.
(٤) عند الحميديّ فى ((مسنده)) (١٥٠).
(٥) عند أحمد ١٤/٦.
(٦) أي فهو منقطع، لكن هذا بالنسبة للسند، وأما المتن فصحيح، انظر ما كتبه الشيخ
علي حسن ص ٦٥ - ٦٦.

١١٩
(٢٣) - بَابُ الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ - حديث رقم (٦٤٣)
انتهى كلام الحافظ أبي الفضل تَذْتُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن هؤلاء رجّحوا رواية الثوريّ،
عن الأعمش بلا واسطة بين عبد الرحمن بن أبي ليلى، وبين بلال تظ له؛ لأن
الثوريّ أثبت ممن خالفه فيه، ولأن الأعمش تابعه جماعة، وهم: شعبة،
ومنصورُ بن المعتمر، وأبان بن تغلب، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم، عن
الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، كما رواه الثوريّ، عن
الأعمش، فأسقطوا الواسطة، فإذا ترجحت هذه الرواية فإن الإسناد يكون
منقطعاً؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يَلْق بلالاً، كما أوضحه أبو الفضل،
هذا هو خلاصة كلامهم.
والذي يظهر أن الإمام مسلماً لم يلتفت إلى هذه العلّة، فصحّح الحديث؛
لأن الأعمش حافظ إمام، وقد اتّفق أبو معاوية، وعيسى بن يونس في هذه
الرواية، وعليّ بن مسهر في الرواية التالية، وعبد الله بن نمير في رواية النسائيّ،
كلهم عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن
عُجرة، عن بلال رَُّّه، فيكون هذا من باب زيادة الثقة، وأيّد ذلك بأن في رواية
عيسى تصريح الأعمش، وكعب بالتحديث، وهذا وجه صحيح، وقد سبق أن أبا
زرعة قوّاه، فقد قال: الأعمش حافظٌ، وأبو معاوية، وعيسى بن يونس، وابن
نمير، وهؤلاء قد حفظوا عنه، فدلّ على أنه يرى صحّة هذا الطريق.
والحاصل أن مذهب المصنّف في تصحيح هذا الطريق، والحكم باتّصاله
له وجه وجيه لمن تأمّله بالإنصاف، والله أعلم بالصواب.
وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ عِيسَى: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، حَدَّثَنِي بِلَالٌ) فيه من دقائق
علم الإسناد ما لا يخفى على بصير، ووجه ذلك أن الأعمش يروي عنه هنا
اثنان: أبو معاوية، وعيسى بن يونس، فقال أبو معاوية في روايته: عن
الأعمش، عن الحكم، وقال عيسى في روايته: عن الأعمش، قال: حدثني
الحكم، فأتى بـ((حدّثني)) بدل ((عن))، ولا شك أن ((حَدَّثنا)) أقوى، لا سيّما من
الأعمش الذي هو معروف بالتدليس.
(١) راجع ما كتبته في ((شرح المقدّمة)) ١٤٥/١.

١٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال أيضاً أبو معاوية في روايته: عن الأعمش، عن الحكم، عن ابن
أبي ليلى، عن بلال، عن كعب بن عُجْرة، وقال عيسى في روايته: عن
الأعمش، حدثني الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، قال:
حدثني بلال، فأتى بـ((حدَّثني بلال)) موضع ((عن بلال))، أفاده النوويّ تَظّهُ(١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٦٤٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيٍّ - يَعْنِي ابْنَ مُسْهِرٍ -
عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِّ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرَويّ الأصل، ثم الحَدَثانيّ، ويقال: الأنباريّ،
أبو محمد، صدوقٌ، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء
[١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ، له غرائب
بعدما أضرّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
[تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر هذه ساقها الإمام الترمذيّ ◌َظُّ في
((جامعه))، إلا أنه بلفظ: ((أن النبيّ وَلٍّ ... )). قال رَُّهُ:
(١٠١) حدثنا هناد، حدثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن الحكم،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال: ((أن النبيّ وَلّ
مسح على الخفين والخمار)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٤/٣.